أنا خلصت يا روز. روحي غيري بسرعة. لن تلتفت له وجرت مسرعة تبدل ملابسها، ولكنها وهي تجري سقط منها الفستان من ثقله. قام عاصي ووقف، وهي شهقت وجرت مسرعة نحو الحمام. ضحك عاصي على تصرفها الطفولي، وكأنه ما زالت تعيش بقلب الطفلة. وكان الطبيعة قد حفرت بداخلها جمال رباني لا يرضخ لتشوهات الزمان. وفي الداخل، ظل وجه روز تسوده حمرة الخجل، وظلت تجلس داخل الحمام مدة لابأس بها، فخجلها مما حدث منعها من الخروج. اقترب عاصي من
باب الحمام وطرق عليه وقال: خير يا روز، انتي ناوية تتبتي جوا؟ اخلصي، أنا عاوز أدخل الحمام. فتحت روز الباب ولم تنظر له، وهو أيضًا تعامل معها وكأن لم يحدث شيء. توجهت روز نحو الأريكة الموجودة بقرب السرير ونامت عليها. خرج عاصي من الحمام ووجدها تستلقي على الأريكة. نظر عاصي لها ورفع حاجبيه وقال: بصي يا روز، علشان بس الوضع ده شكله مطول، انتي دلوقتي مراتي يعني تتصرفي على هذا الأساس. رفعت الغطاء من عليها وقالت:
مش فاهمة قصدك إيه؟ قصدي إنك تتعاملي براحتك هنا، يعني تعملي اللي انتي عايزاه من غير كسوف. وأول حاجة لازم تتعودي عليها هو إن مينفعش تنامي على الكنبة. أولاً عشان تتعودي إن مكانك على السرير، ثانياً لو حد دخل فجأة وشافك على الكنبة، شكلنا هيكون مش حلو. بس أظن يا عاصي إن مينفعش حد يخش من غير ما يخبط على الباب. ضحك عاصي وقال: بس هبه، تتوقعي منها أي حاجة.
كويس إنك فتحت الموضوع، علشان أنا كنت ناوية أتكلم معاك بخصوص هبه. هي قعدتها هنا مطولة. قال عاصي مستفهماً: مش عارف!! بس ليه؟ أولاً قعدتها ملهاش أي لازمة هنا، غير إن أنا مش ناوية أسكت لها على طريقتها المستفزة معايا، بجد أسلوبها لا يطاق. جلس عاصي على حرف السرير وقال لها:
بصي يا روز، هبه حياتها كلها ملخبطة. أبوها وأمها منفصلين، كل واحد منهم اتجوز وشاف حياته، مسألش فيها. وهي بتقعد عند كل واحد فيهم شوية، وباقي الأيام بتقعد عندنا، تقريباً كده مقيمة معانا. وأنا مش مجبرة يا عاصي أستحمل عقدها النفسية دي، تروح تتعالج، بلاش تطلعهاش عليا، علشان أنا آخر ذرة صبر عندي تقريباً خلصت. زفر عاصي أنفاسه وقال بضيق، وكان أسلوبها في صيغة الأمر استفزه:
بقولك إيه يا روز، أوعي تنسي، أنا هنا صاحب البيت، وأنا أقول مين يقعد ومين يمشي. أوعي تنسي إنك هنا ضيفة فترة بتقضيها وماشية، لكن هبه هنا صاحبة مكان بحكم إنها قاعدة معانا. وخذي بالك، أمي بتحبها زي رنا، يعني اللي يزعل هبه كأنه زعل أمي، واللي يزعل أمي أنا بعتبر ربنا ما خلقه من أصله. قامت روز واقفة وقالت بغضب: إيه إيه، حيلك حيلك، في إيه لكل ده؟
أهدي على نفسك كده، ومش لازم كل ساعة تفكرني إن مش صاحبة البيت، علشان أنا عارفة ده كويس. ولو نسيت، الست والدتك هتفكرني، والبرنسيسة اللي بتدافع عنها مش متوصية بتفكرني بده كل دقيقة. ويكون في علمك، أنا مش هسكت لأي حد يدوس لي على طرف، كله إلا كرامتي، أنا مش قليلة، وأظن أنت عارف أنا مين كويس، وبكون بنت مين وجدي مين، ولا إيه. زاد غضب عاصي عليها ومسك يدها بقوة، مما جعلها تتألم، وقال بحدة:
كنتي بنت مين، لكن دلوقتي انتي ضيفة، ملكيش مكان. وأنا لو قلت لك مع السلامة في أي وقت هتكوني في الشارع. مش مهم كنتي إيه، المهم دلوقتي انتي إيه، والمكان ده مكاني أنا وأهلي. جذبت يدها منه بقوة وقالت: وأنا سيباهولك، إشبع بيه. وتركته وخرجت من الغرفة. جرى وراها عاصي وجذبها من يدها وقال بحدة: انتي إزاي تخرجي من الأوضة بالمنظر ده؟ إياكي رجلك تخطي برا الأوضة بعد كده بملبس البيت أو البيجامة.
جذبت يدها ونظرت له بغضب، ولكنها خرجت من الفيلا دون أن تنظر له، ورمت بكلامه عرض الحائط. وقف عاصي مكانه وقد تملك منه الغضب. ابتسمت هبه من بعيد، فقد شاهدت كل ما حدث بينهم، واقتربت من عاصي، وابتسامتها في أذنه، وقالت بمكر: إيه يا عاصي، مالك واقف كده وسايب عروستك لوحدها؟ بذمتك ده يوم ينفع وتخرج؟ ونسيبها إيه؟ لحقت تزهق منها بالسرعة دي؟ جز عاصي على أسنانه وقال:
هبه، لو سمحتي ملكيش دعوة باللي بعمله، ادخل أخرج، أنا حر، خليكي في حالك، وياريت ملكيش دعوة بـ روز خالص. لمحت هبه خالتها تاني من بعيد. تصنعت البكاء وقالت بصوت مرتفع باكية: ليه كده يا عاصي؟ أنا قلبي عليك، ليه المعاملة الوحشة دي؟ لو مش عاوزني هنا قول، وأنا آخد هدومي وأخرج، بس بلاش تحسسني إني تقيلة، لحقت تمليك من ناحيتي وتقسي قلبك عليا؟ أنا كنت عملتها إيه بس عشان تعمل معايا كده؟ اقتربت خالتها بفزع من حالة هبه وقالت بخوف:
هبووب، مالك يا قلبي؟ من زعلك بس. قالت هبه ببكاء مصطنع: مافيش يا خالتوا، بص واضح إن أنا تقيلة على العروسة، حقها عاوزة تكون هي ست البيت وتتحكم وتقول مين يقعد ومين يمشي. ظهرت علامات الغضب على وجه خالتها وقالت: مين دي اللي ست البيت؟ هي نسيت نفسها ولا إيه؟ إحنا مقعدينها شفقة عشان متترميش في الشارع، لكن هتزودها، والله ما هبقى على أي حاجة، ولا أنها مرات عاصي، وهنشوف مني وش هي مش هتحبه. نظر لهم عاصي وزفر أنفاسه بضيق وقال:
بصي يا أمي، روز مراتي، واللي يزعلها يزعلني. وهبه عمالة تخترع قصص وتعشها. روز لا شغالة دماغها بـ هبه ولا باللي بتعمله. روز عندها الأهم من ده، روز دكتورة وحياتها كلها شغل، معندهاش وقت تضيعه في كلام فارغ، وهي عارفة حدودها كويس، وعارفة إنها ضيفة لفترة هنا. وعشان أريحكم، روز سابت الفيلا كلها وراحت تقعد في الأوضة اللي في آخر الجنينة، علشان أنا لسه مفكرها بكلام ده كله. نظرت هبه خالتها، وعلى وجهها شبه ابتسامة. قالت هبه بزعل:
قصدك إيه يا عاصي، إنها دكتورة ومعندهاش وقت، وأنا اللي خايفة ومعنديش حاجة تشغلني، وشغلة دماغي يا ياجة؟ يرضيكي كده يا خالتوا، عاصي يقول عليا كده؟ قالت خالتها: خلاص يا هبه، بقا متزودهاش وروحي نامي. وانت يا عاصي، خد بالك، مينفعش مراتك تبات النهاردة بالليل في أوضتكم، عيب قوي في حقك. قال عاصي بغضب:
أنا أعملها إيه، ما كل حد هنا مصمم يحسسها إنها ضيفة مش مرغوب فيها، وإن إحنا كلنا مقعدينها بدل ما تترمي في الشارع. ولولا شرط الوصية كان ومنها في الشارع فعلاً. مش هي دي الحقيقة يا عاصي، ولا إحنا بنتبلى عليها؟ ماشي يا أمي، وهي ريحتكم خالص من الحقيقة دي، أنا طالع أنام علشان جبت آخري. يعني هتسبها تبات هناك؟ قال لها وهو يصعد السلم: لو عندك حل اعمليه، أنا هنام عشان مزعلش حد مني.
وعند روز، دخلت غرفتها وعلى وجهها دموع، فروحها قد كسرت. وظلت تلعن اليوم الذي كتبت فيه هذه الوصية، فقد هانت نفسها عندما رضخت للشرط الذي وضعه والدها، ولكنها قررت أنها في أقرب وقت تتخلص من وضعها. وفي الصباح، ارتدت روز ملابسها المعتادة عليها في العمل في المزرعة، وبدأت تنهمك في العمل وانشغلت وتناست أوجاعها، فالعمل أكبر دواء للنسيان. دخل عليها محمد، صديق طفولتها، ولاحظ نظرة الكسرة في عينها. اقترب منها وقال وهو يربط عليها:
مالك يارورو؟ عيونك كلها دموع، إيه غير إنك لسه عروسة؟ إيه اللي منزلك بدري أسبوع؟ مسحت روز دموعها التي نزلت دون إرادة منها. مسك محمد يدها وقال لها بحنان: اقعدي طيب، ووحدي الله كده، واحكيلي. ولكن دخلت هبه عليهما، وشاهدت محمد وهو يمسك يدها، وقالت بصوت عالي: الله الله، إيه اللي بيحصل هنا؟ علشان كده مرضتيش تباني مع عاصي عشان تنزلي بدري ويخلك الجو مع. أظن يا مدام يا محترمة لازم تحترمي اسم الراجل اللي انتي شايلاه.
تستشاط روز بغيظ، وقالت، ولكن قطع كلامها دخول عاصي عليهم، وقد سمع كل الحديث الذي دار بين هبه وروز.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!