والتفت إلى روز وقال: -أنتي مش هينفع تخرجي من باب الفيلا انهاردة. اتفضلي نامي مع رنا الليلة دي. قالت روز معترضة: -لاء مش هينفع، أنا هصبر لحد ما يمشي وأروح أبات في الأوضة بتاعتي. قال عاصي: -هو مش هيمشي، هو أصلاً شاكك في كل كلامنا. مش هيمشي غير لما يتأكد أن المزرعة فعلاً انباعت. يا ريت روحي أنتي نامي وأنا هكلم المحامي يسرع الإجراءات ويحضر لك كتب الكتاب بكرة. بلاش كلام كتير واتفضلي مع رنا. قطعت رنا كلامهم
بمرحها المعتاد وقالت: -ياه أنا فرحانة قوي أنك هتباتي معايا يا روز! طول عمري كان نفسي يكون ليا أخت ونفضل نحكي لحد الصبح. ابتسمت لها روز ابتسامة باهتة، فهي تشعر بالغربة في بيتها وكأنها لم تكن تعيش سنوات عمرها بأكملها. دخلت روز بصحبة رنا الغرفة. نظرت روز حولها، كل شيء كما تركته. قالت رنا وكأنها قرأت عيون روز ولاحظت الدموع العالقة في عينيها: -هي دي كانت أوضتك صح؟ توقعت كده من كتر ما هي جميلة.
هزت روز رأسها وسقطت الدموع رغماً عنها وقالت: -آه يا رنا، وكنت بحبها أوي. وأنا اللي ملونة الحيطان بنفسي ومختارة الديكور وكل حاجة فيها. بس تعرفي أنتي كمان هتحبيها زي ما أنا حبيتها، أنا حاسة أن ذوقنا واحد تقريباً. ضحكت رنا وقالت: -أنا كمان حاسة أننا هنكون أصدقاء مقربين. -لاء قولي أخوات بس. أنا ممكن أسأل سؤال من غير ما أجرحك؟ + أنتي قولتي أننا بقينا أخوات، فا من حقك أي سؤال طبعاً. -هو. أنتي يعني ما فكرتيش تتعالجي؟
يمكن ربنا ييسر الحال وتقومي من على الكرسي ده. ضحكت رنا وقالت بصوت مهموم: -بصراحة أنا اتعودت عليه وبقينا جزء من بعض. عاصي حاول معايا كتير بس أنا اللي رافضة العلاج. -ليه يا رنا؟ حاولي ساعدي نفسك. + خايفة يا روز، خايفة من خيبة الأمل. خايفة أدي نفسي أمل أن هقدر أمشي تاني وميحصلش. فبحاول أقنع نفسي أن خلاص دي حياتي وده مستقبلي اللي جاي. -لاء أنتي غلطانة يا رنا. طول ما فينا نفس فيه أمل ولو حتى ضعيف. أوعي تيأسي من رحمة ربنا.
+ ونعمة بالله. تعرفي يا روز أن الدكاترة قالوا إن مرضي ده نفسي مش عضوي. ابتسمت روز وقالت: -بجد؟ دي حاجة حلوة قوي. وأنا وعد مني مش هسيبك غير لما تكوني بتجري مش بتمشي. ويلا ننام عشان فصلت. اليوم كان طويل قوي وبكرة لسه عندي لقاح لكل الحيوانات. اعلمي حسابك أنتي هتكوني المساعدة بتاعتي، يعني من بكرة نازلة معايا الشغل. رنا بفرح وهي غير مصدقة: -بجد يا روز؟ بتكلمي جد؟ يعني أنا هعمل حاجة غير قاعدة الكرسي دي؟
-آه طبعاً. واعملي حسابك أنا في شغل معنديش محسوبيات. الشغل شغل. مافيش تعب. يلا نامي بقا. كل ذلك وعاصي يقف في بلكونة غرفته يستمع لحديثهم ويبتسم على الروح التي أعطتها روز لرنا وكأنها أهدت الحياة لها من جديد.
لم تستطع روز النوم من كثرة التفكير. ظلت مستيقظة تفكر فيما تخفي لها الأيام. شعرت بالجوع الشديد. تذكرت أنها لم تأكل طوال النهار. خرجت من غرفتها متناسية أنه لم يعد منزلها ونزلت المطبخ لتجد شيء تتناوله. فتحت الثلاجة لتبحث عن أي طعام. وكان عاصي يراقبها من بعيد وهو يبتسم على عفويتها وطريقتها وكأنها طفلة صغيرة. ولكن وقف عندما لمح هبه تدخل المطبخ هي الأخرى. اصطدمت هبه ب روز وقالت لها بعجرفة: -أنتي إيه اللي منزلك هنا؟
متهيقلي الضيافة ليها حدود. حضرتك ضيفة، يبقى تلتزمي بأصول الضيافة. ما تتميش كده على كيفك وتفتحي وتقفلي في الثلاجات. لو احتاجتي حاجة اصبري لما أصحاب البيت يكونوا موجودين يجيبوا لك اللي محتاجاه. لكن تخشي تفتحي كده. أظن عيب. ولا أهلك معرفوش يعلموكي أصول الضيافة تكون إزاي؟ أغمضت روز عينيها بشدة وتذكرت أنه لم يزل بيتها وأنها فعلاً هنا ضيفة. فتحت عينيها وحبست دموعها وقالت معتذرة: -آسفة، أنا بس كنت عاوزة أشرب. بعتذر.
وتركتها وغادرت الفيلا بأكملها وهي تجري بأسرع ما لديها على غرفتها في آخر حديقة الفيلا ولم تنتبه أن الجو بارد جداً والمطر شديد في الخارج. ظلت تجري لتصل غرفتها ودخلت وانهارت في البكاء. دخل عاصي المطبخ ينظر إلى هبه باحتقار ثم قال لها: -أنتي إيه اللي منزلك المطبخ يا هبه؟ أظن أنتي هنا ضيفة. ياريت متتعديش حدود الضيافة. قالت له هبه بمسكنة:
-أنا بردو ضيفة يا عاصي. أنا هوبا حبيبتك وخالتوا قالتلي أن أنا هكون ست البيت هنا بعد ما أنا وأنتي نتجوز. = يابت أنتي هبلة؟ أنا فرحي بعد بكرة على روز. فوقي بقا. -آه منا عارفة أنه جواز على ورق. بس لحد يعني ما تاخد المزرعة عشان الشرط اللي حاطه أبوها. يعني جواز كده وكده يعني.
ضحك عاصي وتركها وخرج يبحث عن روز. وصل على باب غرفتها وسمع صوت بكائها من خلف الباب وشعر وكأن قلبه يتمزق عليها. استغرب من الشعور الذي يتملكه. حاول طرد هذا الشعور ولكن لم يستطيع السيطرة على شعوره. لقد دق قلبه لأول مرة. طرق الباب بدون أن يفكر. فتحت روز وهي تمسح دموعها بظهر يدها. وقفت أمامه وقالت مستفهمة: -خير يا بشمهندس؟ أي خدمة؟ أظن أن الفجر قرب يأذن. يعني ده مش معاد للزيارة. ارتبك عاصي أمامها وقال:
+ هو مش المفروض يا دكتورة أنتي دلوقتي نايمة مع رنا؟ إيه اللي جابك هنا؟ -متهيقلي يا بشمهندس أنا حرة. أكون في المكان اللي أنا عاوزه. رش عاصي رأسه وقال: + هو من جهة أنتي حرة. فا أنتي لحد دلوقتي حرة صحيح. الكتاب لسة ما اتكتبش. قطعت كلامه وقالت باستهزاء: -هو سقف طموحاتك عالي بقا؟ هو خيالك صورلك أنك لما تكتب الكتاب هتتحكم فيا ومش هكون حرة؟ عندك أحلام يقظة والله يا بشمهندس.
+ ما علينا. مش قضيتنا دي. اتفضلي معايا على الفيلا. بلاش نسيب أي حاجة للظروف. ممكن تلاقي حمدان قدامك في أي وقت. -ما أفتكرش زمانه روح بعد كلام مامتك معاه. غير أن الفجر خلاص قرب يطلع. وأنا عندي شغل كتير. والا أقولك استناني برا هغير وأجي معاك عشان كنت مواعدة رنا هتيجي معايا. + وأننتي فاكرة رنا هتصحي بدري وتنزل معاكي؟ ما أفتكرش. بس حاولي يمكن تكون طريقة تكفري بيها عن ذنوب جدك معانا. على العموم في انتظارك. متتاخريش عليا.
نظرت له روز بغيظ من طريقته المستفزة وأغلقت الباب. بدلت ملابسها وخرجت معه. دخلا سوياً الفيلا. وكانت هبه أيقظت خالتها. دخلت روز بصحبة عاصي ليجد والدته تجلس في البهو وهي ترفع حاجبها وهي تنظر لهما بغضب شديد. قامت واقفة وقالت بصوت حاد: -خير يا عاصي؟ كنت فين وش الصبح كده؟ التفت لها عاصي باستغراب وقال: + هكون فين؟
في وقت زي ده كنت بجيب روز هنا عشان لو حمدان رجع مينفعش يلاقيها نايمة هناك. هيشك في كل كلامنا وأنا مش عاوز أي تصرف ملهوش لازمة لحد ما يكون معايا قسيمة الجواز عشان تقل الملكية. رفعت الأم حاجبها مرة أخرى وقالت: -وهي جناب البرنسيسة إيه اللي خرجها برا في وقت زي ده؟ ولا عشان تجرجرك وراها وتحس أنها ليها قيمة؟ جزت روز على أسنانها من الغيظ وقالت: -أنا طالعة أصلي الفجر وأصحي رنا عشان عندي شغل كتير. قالت هبه بعجرفة:
+ وتصحي رنا ليه؟ رنا مالها هي ومال شغلك مع البهايم. تجاهلت روز كلامها وكأنه شيء نكرة. ثم التفتت إلى عاصي وقالت له: -أنا هخلص شغل على المغرب. يناسبك المعاد ده؟ هز عاصي رأسه موافقاً ولم يتفوه بكلمة. قالت الأم وهي تجلس: + وعلي فين العزم أن شاء الله؟ ولا مينفعش نعرف؟ قال عاصي بنفاذ صبر:
+ رايحين للمحامي عشان كتب الكتاب. عشان إحنا قولنا لحمدان أن كتب كتابنا. وأنا مش عاوز مشاكل معاه عشان يا أمي مليكة المزرعة مربوط بالقصيمة. في حاجة كمان؟ ولا أروح أشوف شغلي؟ قالت الأم مستعجبة من طريقته كلامه: -خير يا عاصي؟ في طريقتك لهجة مش عجبتني. لتكون حنيت للبت الفلاحة دي؟ ضحك عاصي وقال: -حنيت لمين يا أمي؟ أنا لما صدقت أن القدر جابها لحد عندي وأنتقم براحتي فيها. نظرت هبه لخالتها. ابتسموا ابتسامة انتصار.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!