لا خيار في الحب، حتى وإن كنت حريصاً. فهو رزق مثل المطر الذي يروي الأرض، ومثل البرق يضيء سماء القلب بإرادة الله وحده. في شركة البارون ديزين دخل أدهم الشركة بخطواته الواثقة، وتسير بجانبيه كارمن ونادين التي كانت على وجهها ابتسامة متعجرفة من النظرات الإعجاب التي لاحظتها من الموظفين.
أما كارمن فقد كانت خائفة عندما دخلت إلى الشركة، لم يكن هناك فرق كبير منذ آخر مرة كانت فيها هنا، لكنها كانت حينها زوجة عمر، والآن تدخلها كزوجة لصاحب الشركة وشقيق زوجها الراحل. تمشي وهي مرتبكة قليلاً، ولم تشعر بنظرات بعض الناس الذين يحدقون بها بازدراء، وبعضهم بفضول والبعض الآخر بإعجاب.
خرجت من دوامة أفكارها متفاجئة عندما شبك أدهم أصابعه بأصابعها وهو يضغط عليها برفق، وكأنه يرسل رسالة صامتة بأنه بجانبها، لكنه لم يقصد ذلك بشكل تام لأنه كان يشعر بالغيرة تتوقد في داخله من نظرات الموظفين لها. نظر إليهم بنظرة ثاقبة يعرفونها جيداً، فانتبه الجميع يواصلون عملهم وهم في حالة اضطراب وخوف من غضبه. وصلوا إلى المصعد، فتكلم أدهم بهدوء موجهاً حديثه لنادين عندما وقفت موظفة أمامهم
تلقي تحية الصباح باحترام: "الآنسة هتوصلك لقسم التسويق يا نادين.. روحي معها." مطت نادين شفتيها بتعالي وغادرت معها، تمشي بغطرسة، وتتنفس بغضب، لم يكن هذا ما كانت تخطط له، لكن لا بأس، ستجد طريقة لإصلاح الأمور وضرب هدفها بالاحتراف. أما أدهم فدخل إلى المصعد مع كارمن. ابتسم بخفة وهو يلاحظ توترها المفرط، أما هي فبدأت تقرأ القرآن في صمت لتجلب الهدوء في نفسها. أدهم بابتسامة حانية: "ليه كل التوتر دا؟ اهدي شوية."
كارمن بخجل: "هو باين عليا إني متوترة أوي كدا؟ أدهم بخبث: "واضح أوي من إيدك المتلجة." لاحظت أنه لا يزال يمسك يديها بيديه، وهو يربت عليها بحنان، ويقول بصوت دافئ: "أنا معاكي خطوة بخطوة في كل حاجة، اتفقنا." هزت رأسها بصمت، وابتسامة جميلة على شفتيها، وخرجا من المصعد معاً، فجأة توقفت للحظة، فاندهش هو من توقفها المفاجئ: "وقفتي ليه؟ كارمن بتساؤل: "هو أنا هيبقي مكتبي فين؟
أدهم بهدوء: "مؤقتاً هتقعدي في مكتبي لو تحبي أو في مكتب السكرتيرة لحد ما أجهزلك مكتبك." كارمن بدهشة: "طيب ليه ما آخدش مكتب عمر؟ أجاب بثبات كأنه توقع منها هذا السؤال: "لإني طلبت تجديد المكتب بالكامل، وما تنسيش إنك في فترة تدريب.. لما تبقي جاهزة هتستلمي مكتبك." نفخت في حنق، فهو لديه إجابة على جميع الأسئلة، واستمرت في المشي بجانبه بهدوء. في الصعيد بمنزل الحج عبدالرحمن الشناوي
بعد الإفطار، تجلس روان مع والدتها وعمتها وهم يتحدثون بعد أن غادر الجميع للعمل. حنان بعبوس: "الواد ماجد اتوحشتو أوي يا خيتي، حاسة إن البيت هادي قوي." حياة بتأييد: "عندك حق، هو دايماً عامل حس للبيت ربنا يحميه.. بس يعني هي أول مرة يسافر يا حنان، وبعدين ما انتي كلمتيه امبارح واطمنتي عليه." حنان بقلق: "مش عارفة ليه حاسة إن في حاجة مخبيها عننا، خصوصاً بعد اجتماعاته هو وأبوه الكتير في الأيام اللي فاتت."
روان بمزح: "خايفة لا يكون متجوز عليكي في مصر، ولا إيه؟ حنان بغيظ: "انكتمي يا بت، بلاه الحديث الماسخ ديه." روان بجدية: "انتي شغلة بالك كدا ليه يا ماما؟ ماجد مش صغير، أكيد عنده سبب وهنعرفه في الوقت المناسب." حياة بهدوء: "عندها حق البت، خلاص يا حنان بلاش تقلقي نفسك على الفاضي، مش قالك إنه راجع النهارده؟ حنان بإصرار: "أيوه، وهعرف منه أول ما يرجع إيه اللي بيحصل من ورانا."
ضحكت روان قائلة بمرح: "أمي دي طالما حطت حاجة في دماغها مش هترتاح غير لما تجيب قرارها." حياة بابتسامة حنونة: "سيبك منها، المهم عاملة إيه مع جوزك يا بنتي؟ مش ناويين تسافروا كام يوم قبل دراستك ما تبدأ؟ حاولت إخفاء حزنها وردت بهدوء: "الحمد لله يا عمتي، إحنا تمام، بس مش هنلحق، فاضل أيام قليلة ولازم أجهز نفسي." ظهراً في شركة البارون نظرت إلى المنظر الجميل أمامها من نافذة مكتب أدهم، ثم نظرت إلى ساعتها بملل.
مرت ساعة منذ أن تركها أدهم في مكتبه مع مجموعة أوراق لمراجعتها ليتمكن هو من حضور الاجتماع، لكنها ضجرت من الانتظار. بدأت تفكر في الحرباء الجالسة بالخارج التي تدعى ياسمين، منذ أن عرفها عليها بأنها زوجته، وهي تتصرف بدلال زائد أمامها معه، لم تعجبها تحركاتها أو طريقة حديثها هذه مع أدهم، كما أنها كانت تتحدث عن مواعيده اليوم بطريقة ناعمة ورقة فائقة أثارت غيرتها بشدة.
زفرت غاضبة من نفسها بسبب أفكارها الحمقاء، ودار حوار بينها وبين نفسها. كارمن: "أنا إيه اللي بفكر فيه دا؟ من امتى ودا تفكيري أصلاً.. أكيد دا من التوتر بتاع أول يوم شغل." النفس: "شغل إيه يا كارمن؟ انتي صحيح كنتي خايفة من الشغل، بس بعد ما طمنك أدهم راح قلقك منه.. بس ياترى إيه سبب غيرتك من السكرتيرة اللي برا دي؟ كارمن: "إيه الهبل دا؟ أنا هغير عليه ليه؟
النفس: "يمكن بتحبيه مثلا.. الغيرة دايماً دليل على الحب.. ليه استفزتك أوي البت دي بدلعها المايع عليه؟ وإيه تفسيرك لما بيكون قريب منك قلبك مابيبطلش دق؟ كارمن بتعب: "أنا أكيد اجننت.. إيه اللي بقوله دا؟ مينفعش أحبه، مش هستحمل أفقده هو كمان." استغفرت ربها وهي تنهدت بحزن، وفجأة خطرت على بالها صديقتها التي تعمل في الشركة هنا، واتجهت خارج المكتب في محاولة للهروب من مشاعرها. في شركة مراد يجلس بهدوء ويتفحص الأوراق أمامه.
سمع رنين الهاتف فأجاب بمجرد أن رأى الرقم. مراد ببرود: "ها.. إيه الأخبار عندك يا ياسمين؟ في جديد؟ همست ياسمين بهدوء وهي تقف في حمام المكتب، فهي خشيت أن يسمعها أحد بالخارج: "أيوه يا باشا، مدام كارمن جت الشركة انهاردة مع أدهم بيه." مراد بإهتمام: "وبعدين؟ ياسمين: "أبدا، هو راح يحضر اجتماع وهي قاعدة في مكتبه." مراد: "تمام، تابعي كل حاجة بتحصل عندك وبلغيني فوراً، وأي فرصة توقع بينهم تستغليها زي ما فهمتك."
ياسمين بطاعة: "أمرك يا باشا." يغلق الهاتف وهو يفكر أنه يجب أن يقابلها وتراه، فيكفي اللعب من خلف الستار، ربما يستطيع أن يسيطر على عقلها ويجعلها تترك أدهم دون الدخول في صراعات لا داعي لها. في مكتب السكرتارية خرجت كارمن من مكتب أدهم، ومرت بجانب ياسمين التي خرجت من الحمام للتو وهي تعدل ملابسها. توقفت لبرهة ثم التفت إليها وقالت بهدوء: أنا هعدي على صديقة ليا موجودة هنا في الشركة، لو اتأخرت وأدهم رجع قبلي بلغيه بكلامي.
ياسمين بخبث: تمام يا فندم هبلغه. نعود إلى منزل الحج عبدالرحمن. دلف جمال إلى الصالة الكبيرة. (جمال: الابن الوحيد لشقيق حنان، شاب يبلغ من العمر 24 عامًا، لا يفعل أي شيء سوى إنفاق المال والتحدث مع الفتيات عبر الإنترنت، لا يحب العمل كثيرًا، يتميز بخفة ظله وكان معجب بروان، لكنه يعلم أنها تراه أخًا لها فقط، وجهه وسيم إلى حد ما، وعيناه بنيتان، ومتوسط الطول، وجسمه رياضي.) فغطت روان رأسها بالحجاب وقامت من مقعدها لترحيب به.
جمال: مساء الخير والهنا. الجميع: مساء النور. حنان: كيفك يا ولدي؟ جمال: بخير يا عمتي تسلمي. روان: أخبارك إيه يا جمال؟ جمال: تمام، انتي عاملة إيه؟ وفين ماجد لسه مرجعش من مصر؟ روان: لا لسه هيراجع بليل إن شاء الله. جمال: يجي بالسلامة يارب. الجميع: آمين يارب. نهضت حياة بعد قليل قائلة بحنو: اعمل حسابك هتتغدي معانا يا ولدي، كلها شوية وييجي عمك بدر وزين من المستشفى. جمال بإبتسامة: أمرك يا خالة، وحشني الأكل من إيدك.
نهضت أيضًا حنان: بالإذن، إحنا هنروح نحضر الغداء، وإنتي خليكي هنا يا روان مع ابن خالك، ولما ييجي أبوكي اديني خبر. أومأت روان بالموافقة. تحدث جمال وهو يحاول فتح مجال للحديث معها: جامعتك هتبدأ امتى؟ روان بتنهيدة: بعد أسبوع. جمال بتودد: بالتوفيق يا رورو، ولو محتاجة مساعدة أنا موجود. ابتسمت روان قائلة بمزح: تساعدني في إيه يا فاشل، انت ناسي الملاحق اللي كنت بتطلع بها كل سنة؟ جمال بحدة مزيفة:
عيب يا بت، بطلي لسانك الطويل ده. فأخرجت إليه لسانها تغيظه بعناد طفولي، وانفجروا ضحكًا تزامنا مع دخول زين الذي اشتعلت عيناه غضبًا، وشعر بنار الغيرة تحرق قلبه وهو يراها تضحك مع هذا الشخص البغيض. في الشركة عند كارمن. وصلت القسم الذي تعمل فيه صديقتها، بعد أن استفسرت عن مكانها من الاستقبال، وعندما دخلت التفتت إليها كل الأنظار بدهشة وتفحص، فشعرت بقليل من الإحراج والخجل.
أنقذها صوت صديقتها التي هتفت باسمها في ذهول وفرحة، ونهضت تمشي نحوها، واحتضنتها بحب، وردت كارمن عناقها بالمثل. ليلي بسرور: كارمن يا بنت اللذينة، وحشتيني أوي. كارمن برقة: وانتي كمان والله يا ليلي. تحدثت ليلي بعتاب مازحة: كده يا واطية، كل ده ماتسأليش عني خالص. كارمن بإحراج: معلش يا حبيبتي.. أنا عارفة إني مقصرة معاكي، سامحيني.. قوليلي أخبارك إيه؟ ليلي بود: سيبك مني أنا.. انتي اللي أخبارك إيه؟
لازم تحكيلي كل حاجة بالتفصيل، تعالي. جلسوا معًا بعيدًا عن الموظفين. كارمن بإستغراب: هما بيبصولي كده ليه؟ ضحكت ليلي بخفة قائلة بهمس: أصلك حديث الشركة النهاردة، الكل تقريبًا بيكلم عنك انتي ومرات أدهم بيه. كارمن بفضول: بيقولوا إيه؟ ليلي: مستغربين وجودها بالشركة لأول مرة، ومستغربين أكتر إنك ضرتها وجاية معاها كده عادي.. عارفة أنا كنت عايزة أطلع أسلم عليكي بس خوفت من أدهم بيه. كارمن:
لا عادي، يا ريت تطلعي وتونسيني، أنا دماغي اتمسحت تمامًا من الشغل، قرأت شوية أوراق صدعت ومليت، شكلي أخدت على قعدة البيت. ليلي بضحكة: لا ماتقوليش كده، فين كارمن النشيطة بتاعت زمان.. قوليلي لسه بتفصلي هدومك بنفسك بماكينة الخياطة؟ ضحكت كارمن برقة: لا بطلت من وقت ما خلفت، وتقريبًا كل وقتي مع بنتي. ليلي: يومين تلاتة هنا في الشركة وهيرجع حماسك وترجعي تبدعي زي زمان. كارمن بتنهيدة:
ربنا يسهل.. بجد كنت محتاجة أتكلم مع حد، وانتي جتلني من السما. ليلي بحب: أكيد.. لسه أصلًا لينا قعدة طويلة عشان أفهم إزاي بقيتي مرات أدهم البارون، هرتب يوم الإجازة ونتقابل. كارمن بإبتسامة رائعة: تمام حبيبتي. وأخذها الحديث مع صديقتها ومضى الوقت بسرعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!