في منزل الحج عبدالرحمن هتف زين بصوت جهوري: السلام عليكم توجهت نظرات روان وجمال إلى زين الواقف بثبات أمامهما، لكن ملامح وجهه وتكور قبضته بعصبية يعكسان مدى حنقه الداخلي. فالغيرة نار والقلب حطب، فإن لمست قلبك الغيرة، فاعلم أنه سيحرق. زين: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حاول التحكم في غضبه وجلس بجانب روان على الأريكة، ثم رفع ذراعيه ووضع يديه على كتفها وعصره بشدة دون وعي منه.
ارتفع نبض قلبها من فعلته، وأنذهلت من قبضته القوية على كتفها، لكنها رغم ذلك الألم كانت سعيدة جداً بقربه منها. حسناً، فلا جديد في علاقتهما الزوجية، لكنها لا تنكر فرحتها باهتمامه بها وكل ما يتعلق بأمورها. تخدّرت قليلاً من رائحة عطره الذي استنشقته، والذي سحبها إلى عالم وردي، ولم تلحظ النظرات الحارقة والحرب الباردة بين زين وجمال. عادت للواقع على صوت والدتها وهي تتحدث معها. روان بانتباه: نعم بتقولي حاجة يا ماما؟
حنان باستغراب: وه بقالي ساعة بكلم يا بنتي.. قومي مع جوزك يغير هدومه.. وانزلو بسرعة عشان نتغدى.. أبوكي وصل وقاعد مع جدك في المندرة. روان: حاضر. رأت يد زين ممدودة إليها، فنهضت واضعة يديها في يده، فأمسك بيديها برفق وصعدت معه إلى الطابق العلوي. نعود إلى الشركة. أنهى أدهم الاجتماع ودخل المكتب، فرأى ياسمين تتفحص الأوراق بهدوء أمامها، أو بتعبير أدق، متظاهرة بالقراءة. ياسمين برقة: أستاذ أدهم، على فكرة المدام خرجت من شوية.
التفت إليها متفاجئاً بكلامها قائلاً بصوته الرخيم: ما قالتش رايحة فين؟ ياسمين بكذب: لا يا فندم. أدهم: تمام. تركها ليدخل المكتب. عند زين وروان. دخلا الغرفة معاً، فتركت يديه وذهبت إلى الخزانة تبحث له عن ملابس مريحة، فهي أصبحت تهتم بكل ما يخصه وهذا جعل مكانتها في قلبه تزداد أكثر. تجعد حاجباها بدهشة عندما شعرت أنه يقف خلفها مباشرة، ويحجب الضوء عنها بطول قامته.
لذا تحركت للالتفات إليه، لكنها لم تستطع فعل ذلك لأنه كان قريباً جداً منها، وشعرت أن ظهرها أصبح ملصقاً لعضلات صدره تماماً. انحنى زين، وهو يهمس بجانب أذنيها بصوت أجش بسبب انفعاله الشديد، وغضبه الذي استمر بكتمه في الأسفل. زين بفحيح: كنتي بتضحكي مع اللي اسمه جمال دا ليه؟ صدمت من حركته وشعرت بحرارة جسده تشع في جسدها، لم تستطع الرد عليه لأنه كان قريباً جداً منها، لكنها حاولت إخراج صوتها.
روان بهمس متقطع: احم.. احنا.. كنا... لم يفهم كلامها، فأدارها إليه. هرب منها الكلام وهي تراه عاري الصدر أمامها، فقد خلع قميصه وألقى به في إهمال على السرير. رمشت روان عدة مرات بتوتر والخجل يغلفها، وهي تقف أمامه ويحصرها بينه وبين الخزانة بعد أن رفع ذراعيه وسندهما على الخزانة حتى أصبحت محاطة بجسده من الجانبين. تمتم زين بخشونة: كنتو إيه؟! هل يمزح؟ كيف يتوقع منها أن تتحدث عندما تكون في هذا الموقف؟
وضع إصبعه تحت ذقنها ورفع وجهها إليه، فحدقت في عينيه بشرود، وهو في انتظار ردها. همست روان بعقل غائب: عادي.. كنا بنضحك. قرب وجهه إليها أكثر، فلم يعد يفصل بينهما مسافة تذكر، وأنفاسه الحارة اختلطت مع أنفاسها وتلفح بشرتها بإثارة. زين جز على أسنانه بغيرة: مافيش حاجة اسمها عادي.. أنا مش عايزك تضحكي معاه تاني، مفهوم كلامي؟
شعرت بفرح كبير في داخلها عندما انتبهت لنبرة الغيرة في صوته، لذلك أرادت الاستفادة من الموقف قليلاً، ولكنها لم تفكر في العواقب. تمتمت قائلة بمشاكسة وبراءة: ليه يعني دا زي أخويا؟ زين بحزم: انتي مالكيش إخوات غير ماجد وبس. ابتسمت له باستفزاز: لا ليا. نظر زين إليها بحاجب مرفوع، فواصلت حديثها بإندفاع: انت.. مش دا كان كلامك ليا في أول جوازنا إننا هنعيش إخوات واحنا فعلاً زي الأخوات أهو.. يبقى جمال كمان أخويا زيك.
ارتفع جانب شفتيه غاضباً من كلماتها الاستفزازية، فهي تمكنت حقاً من إثارة غضبه، وقبل أن تفهم ما فعلته، انحنى وأطبق شفتيه على شفتيها، وجذبها إليه ضاغطاً على خصرها بتملك، وهو يقبل شفتيها المغرية التي أرهقته في الأيام القليلة الماضية بنهم شديد.
أغمضت عينيها بخدر أثر على جسمها بالكامل من عنف قبلته وحركة يديه على خصرها، ولم تعد قادرة على الوقوف على قدميها، فرفعت يديها المرتجفة من المشاعر المفرطة التي تختبرها للمرة الأولى في حياتها، ممسكة بكتفيه تتثبت به في محاولة مجاراته بهذه القبلة التي تملؤها اللهفة والشوق، وقد غمرتها أحاسيس مليئة بالدفء والسعادة وهي بين ذراعيه.
مرت عدة لحظات قبل أن يفصل القبلة، حالما شعر بحاجتهم للهواء، لكنه لم يتركها، بل أحاط وجهها بيديه ووزع برفق قبلاته النارية على وجهها ورقبتها بهدوء. همست باسمه في استسلام وسط قبلاته اللاهبة: زين؟ نظر في عينيها وهو يتنفس بعمق من فرط انفعاله: خلاص كدا عرفتي الفرق بين جوزك وأخوكي ولا أكمل عشان تتأكدي أكتر. احمرت خجلاً من كلماته الجريئة، وحاولت التركيز بصعوبة، وهي تهمس في اضطراب واضح: الغداء يا زين هنتأخر عليهم.
همس زين بمراوغة: اخ نسيت خالص الغداء دا.. بس احنا ممكن ماننزلش ونطنش.. هما هيفهموا السبب. أنهى كلماته بغمزة لها بعينه. تمتمت في ارتباك وهي تكاد تذوب من قربه المهلك منها، وأنفاسه الحارة التي أشعلت جسدها بحرارة لذيذة وتمنت البقاء معه أيضاً. لكنها همست بالعكس، فهذه المرة ليست مناسبة حقاً، فالجميع منتظرون في الأسفل: ماينفعش يا زين كدا لازم ننزل. همس
زين بابتسامة أمام شفتيها: طول ما انتي بتنطقي اسمي بالطريقة دي ما تطلبيش مني إني أسيبك واسمعي كلامي أحسن. وضعت روان يديها على صدره، في محاولة دفعه بعيداً، ونظرت إليه في رجاء ترمش بعيونها واسعة: خلينا ننزل نتغدى الأول وبعدين نتكلم عشان خاطري. توتر جسده عندما لمست صدره، فأمسك بإحدى يديه كفها الصغير الذي تضعه على صدره العاري، ورفعه إلى شفتيه يقبله بحنو. تنهد زين بقلة حيلة، وقرص طرف أنفها برفق، قائلاً
بابتسامة ساحرة: "ماشي، بس أوعي تضحكي للي اسمه جمال دا تاني." ضحكت روان بخفة، سعيدة كثيراً بتغييره معها وقربه منها وغيرته عليها، ثم أومأت برأسها دليلاً على موافقتها. في البداية، لم يعرف زين سبب شعوره بالقهر والغضب من حديث جمال عن روان أمامه، لكن الأمر أصبح واضحاً الآن. فكما يقال، إذا وجدت نفسك تشعر بالغيرة على شخص ما، تفقد مشاعرك جيداً، قد تكون في حالة حب وأنت لا تعلم.
والآن أصبح واثقاً أن الشعور الذي يكمن بداخله هو عشق وحب كبير جداً. فهو لا يطيق تحمل رؤيتها تمزح مع أي شخص، ولا يريد أن يفقد السيطرة على نفسه ويجرح مشاعرها. فالغيرة نار تحرق من يشعر بها وتحرق الحبيب أيضاً. إنه يريد ابتسامتها الرائعة أن تكون بسببه هو فقط. رغم ما حدث له في تجربته السابقة بالحب، وتعرضه للخيانة وانعدام الأمان الذي شعر به في ذلك الوقت، لكن منذ أن تزوج روان، تغيرت كل مفاهيمه عن الحب.
لقد داوت تلك الطفلة جراح قلبه وروحه ببراءتها ونقاوتها وصبرها، وكذلك حبها الواضح في كل تصرفاتها. وقريباً ستصبح زوجته فعلياً. لكنه قبل ذلك، يجب عليه أن يصلح ما أفسده معها في بداية علاقتهما. فهو يعلم أنه أساء إليها برفضه، ولا يستطيع المطالبة بحقوقه الزوجية معها الآن دون أن يعترف لها بمشاعره تجاهها أولاً، رغم أنه يتوق شوقاً إليها. *** بعد مرور ساعة في مكتب أدهم.
وقف أمام النافذة ينفث الدخان بغضب. فهذه من عاداته السيئة عند التوتر، يدخن السجائر، ولكن ليس كثيراً للحفاظ على لياقة جسده وصحته. سمع قرعاً خافتاً على الباب، فأذن بالدخول دون أن يكلف نفسه الالتفات. كارمن بنبرة ناعمة: "مساء الخير." عندما سمع صوتها، استدار لينظر إليها قائلاً بحدة لم تفهم سببها: "كنتي فين كل دا يا مدام؟ أجابت كارمن بتلقائية: "أنا كنت في مكتب وحدة صحبتي هنا بالشركة." اندفع أدهم نحوها ووقف أمامها، قائلاً
بصوت جهوري: "بلاش كذب يا كارمن. صحبتك مين اللي بتشتغل هنا في الشركة، وإنتي بقالك سنين سايبة الشركة؟ استغربت كارمن كثيراً من غضبه غير المبرر وصوته المرتفع، لكنها استشاطت غضباً من هجومه واتهامه لها بأنها كاذبة. هتفت كارمن بحدة: "إيه الطريقة اللي بتكلمني بيها دي؟ كأني مذنبة واقفة قدامك؟ أدهم بنفاذ صبر: "لما أسألك سؤال تردي بإجابة واضحة. بلاش أسلوب خدوه بالصوت دا معايا."
تحدثت كارمن بذهول حقيقي من غضبه، ولكنها لا تدري أن الغيرة هي العدسة التي تكبر الأشياء الصغيرة. ثم بدأت تلوح بيديها بدهشة: "إنت مكبر الموضوع ليه كدا؟ أنا زهقت من القعدة لوحدي وافتكرت إن في ليا صديقة بتشتغل هنا، كانت معايا بالكلية، روحت أسلم عليها." نظر أدهم إلى ساعته ثم إليها قائلاً بجدية: "أنا مخلص اجتماع من ساعة تقريباً، كل دا بتسلمي عليها؟
أردف بغيظ: "ودا مكان شغل مش نادي تقابلي فيه صحابك. وحتى لو حصل وهتروحي أي مكان، تبلغيني أو على الأقل تسيبي خبر للسكرتيرة." فركت كارمن يديها معاً في حرج مثل طفلة صغيرة، وقالت بصوت منخفض: "عندك حق، هو مكان شغل. بس أنا لسه مش متعودة وبصراحة الكلام أخدنا، محسيتش بالوقت." قطبت حاجبيها حين تذكرت ما قاله منذ لحظات، لتقول بإندهاش: "وبعدين أنا فعلاً قولت للسكرتيرة إني هروح أشوف صحبتي وقولتلها تبلغك."
أدهم بإستنكار: "تاني بتكذبي؟ هي قالت إنك خرجتي من غير ما تقولي حاجة." كانت غاضبة من غطرسته التي حاولت التغاضي عنها، ولكن إلى هنا طفح الكيل حقاً. تلون وجهها باللون الأحمر من الغضب وغصة كبيرة تتشكل في حلقها. رفعت سبابتها أمامه بتحذير، قائلة بصوت عالٍ: "على فكرة أنا مش محتاجة أبررلك أي حاجة، ومش هسمحلك تقول عني كذابة يا أدهم، فاهم؟
وأظن شركة كبيرة زي دي أكيد فيها كاميرات في كل مكان، ابقي اتأكد بنفسك قبل ما تتهم الناس بالباطل. عن إذنك." التقطت حقيبتها من على الأريكة، وغادرت مكتبه والشركة بأكملها. خرجت من الشركة مختنقة بالعبرات. هي لم تفعل له شيئاً، فلماذا هو غاضب جداً منها؟ الآن لا تعرف كيف ستصل إلى المنزل، لقد جاءت بسيارته.
أرادت عبور الشارع، لكن الدموع التي ملأت عينيها جعلت نظرها مشوشاً، ولم تلاحظ السيارة التي ظهرت أمامها فجأة. نظرت إليها وهي تصرخ في ذعر وأغمضت عينيها، وهي تستعد لارتطامها بها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!