بعد مرور أربعة أشهر مساءً في قصر البارون اليوم عقد قران أدهم وكارمن. يجلس الجميع في صمت، يستمعون إلى كلمات المأذون المعتادة، ولا توجد أي علامة على الاحتفال، فقط تجمع العائلة. يد أدهم تمسك بيد كارمن، ليعلن المأذون جملته الشهيرة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." وبعد انتهاء إجراءات الزواج، غادر المأذون. لا تستطيع النظر إليه، تشعر برغبة عارمة في البكاء، وتتساءل: لماذا كل ذلك يحدث لها؟
تجلس ليلى، التي كانت سعيدة رغم كل شيء أن كارمن ستقيم معها في القصر هي وحفيدتها، ومريم، التي تدعو لابنتها بالسعادة والخير في حياتها الجديدة مع أدهم. ذهب الجميع نحوهما، لتقبل يسر كارمن على خدها قائلة بهمس: "افردي وشك شوية وابتسمي، إيه البوز اللي مده قدامك شبرين دا؟ كارمن بنفس الهمس: "والنبي اسكتي، أنا ماسكة دموعي بالعافية أصلًا." أمسكت يسر بذراعها وأوقفتها، وذهبت بها بعيدًا عن مسامع الجميع.
تحدثت يسر بتعاطف: "كارمن، إحنا مش اتفقنا نفتح صفحة جديدة ونحاول نعيش الحاضر؟ بلاش تنكدي على أدهم بتكشيرتك دي، أكيد هو حالته أصعب منك. دا أخوه، مش سهل عليه اللي هو حاسه دلوقتي." سألت كارمن بتنهيدة: "غصب عني أعمل إيه بس يا يسر؟ أجابتها يسر ببساطة: "ابتسمي وفكّي كده. وبعدين إحنا كأننا في عزاء أصلًا يا مفترية، كفاية إنه وافق إن مفيش معازيم ويكون كتب الكتاب في صمت كده." كارمن بدهشة: "مش هي دي الأصول؟
عمر لسه متوفي من كام شهر، عايزاني أفرح إزاي؟ مش كفاياكي إني سمعت كلامك وخلعت الأسود؟ غمغمت يسر بإنشداد: "عايزة تحضري كتب كتابك بالأسود؟ والله إنتي مجنونة. صحيح، هي فين نادين؟ مش ظاهرة يعني." أجابت كارمن بلا مبالاة: "من وقت ما جينا العصر هنا مالمحتهاش خالص." دمدمت يسر بحنق: "كدا أحسن، خليها تختفي العمر كله يا رب." ابتسمت كارمن رغم عنها وقالت بهدوء: "مالناش دعوة بيها، الله يكفينا شر لسانها وخلاص."
يسر بتنهيدة قوية: "ياااارب، عندك حق. يلا نرجع لهم بقى." ذهبت كارمن باتجاه أدهم، وكانت ترتدي الفستان الأحمر الذي اشتراه لها أدهم. حاول أدهم السيطرة على نفسه وهو يرى جمالها الآخاذ، حيث أظهر الفستان بوضوح رشاقة جسدها وخصرها النحيف. أصر مالك على أن يلتقط لهم بعض الصور رغم اعتراض كارمن، لكن أدهم تحرك بجمود ووقف ببطء بجانبها ولم يضع يده عليها.
وبكبرياء الأنثى، غضبت كارمن منه بسبب بروده. هي لم تكن تريده أن يعانقها مثلًا، بل أن يبتسم على الأقل. ثم بمكر أنثوي، وضعت يديها على كتفه وهي تستند عليه. شعرت باضطراب جسده حالما لامسته، فابتسمت بانتصار، لكنه لمحها وفهم فعلتها وابتسم في داخله بغموض. في الصعيد كانت الأجواء على العكس تمامًا في قصر الحاج عبدالرحمن الشناوي.
حيث كانت الفرحة تعم المكان، فاليوم عقد قران وزفاف زين وروان. وبالخارج الجميع يحتفلون ويرقصون بالعصا، ومنهم من يجلسون يتناولون اللحوم التي تم ذبحها صباحًا بمناسبة زواج أحفاد الشناوي. يجلس كلا من الحاج عبدالرحمن وولده بدر، وأيضًا ماجد، ويتوسطهم زين بعد أن تم عقد القران. هتف ماجد بفرحة: "ألف مبروووك يا جوز أختي." زين بجمود والابتسامة لا تصل إلى عينيه: "الله يبارك فيك يا ماجد، عقبالك إن شاء الله."
ماجد يرفع يديه وهو يدعي: "يسمع منك ربنا، أنا جاهز ومستني بنت الحلال." بدر بتوبيخ: "يا ولد، اهدا واعقل شوية وقوم شوف الناس محتاجة حاجة بدل قعدتك دي." الحاج عبدالرحمن ببشاشة: "سيبه يا بدر، عن قريب يا ماجد نفرح بيك يا ولدي." قال ماجد وهو يقبل يد جده باحترام: "ربنا يخليك لينا يا جدي ويطولنا في عمرك يا رب." الحاج عبدالرحمن بمحبة: "ويخليكم يا رب، الحمد لله عشت لليوم اللي أفرح به بيك يا زين يا ولدي."
زين بابتسامة: "ربنا يفرحك دايما يا جدي ويطول بعمرك." أما بالداخل كانت النساء يرقصن ويغنين في مرح، وروان تجلس بالوسط تنظر لهن بخجل وعلى وجهها ابتسامة جميلة. فهي سعيدة كثيرًا أنها أصبحت زوجة زين، لكنها لا تشعر بارتياح من أسلوبه البارد الجاف معها.
منذ أن عاد من المؤتمر، وهو خارج المنزل طوال الوقت، حتى بعد أن لاحظ أنها تركت النظارة الطبية واهتمت بمظهرها، لم يحدث هذا فرقًا كبيرًا عنده. ما زال لا يوجه لها أي حديث. وبعد مرور شهرين، أصر الجد على أن يتم زواجهما في فترة إجازتها الدراسية.
حاولت روان أن تعترض، فهي لا تدري كيف ستتزوج به وهو يعاملها بهذا الأسلوب القاسي. ولكن حاولت أن تقنع نفسها، ربما ستتغير معاملته معها بعد الزواج. وظلت مثل عادتها، تحاول دائمًا خلق أعذار له. أما زين، حاول أن يؤجل هذا الزواج بحجة عمله، ولكن لم يفلح بذلك مع إصرار الجد ووالدته. أمضت روان الفترة الماضية في تجهيز ما تحتاج إليه، الذي لم يتعد الملابس وبعض احتياجاتها البسيطة فقط. وساعدتها أمها وعمتها في ذلك. عند حياة وحنان
قالت حنان بقلق: "بصراحة يا أم زين، أنا قلقانة." قطبت حياة حاجبيها وسألت بغرابة: "خير، كفا الله الشر يا حنان، مالك؟ حنان بعدم ارتياح: "مش عارفة، حاسة كده إن معاملة زين لروان مش ولا بد، كأنه مغصوب على الجوازة." حياة بفزع: "إيه اللي بتقوليه ده يا حنان؟ والله أزعل منك." حنان بتبرير: "ماتفهمنيش غلط، بس إنتي أكيد ملاحظة البت قاعدة ساكتة كأنها مهمومة."
قالت حياة بهدوء: "ولا مضايقة ولا حاجة. إنتي ناسيه إن دي ليلة دخلتهم، أكيد متوترة شوية. بس متقلقيش، أول ما هيتقفل عليهم باب واحد هيبقوا سمنة على عسل، وكل الوساوس اللي في مخك دي هتروح أول ما نطلعلهم فطار العرايس الصبح وبنتك تطمنك بنفسها." تقوست حنان شفتها للأسفل، لتقول بخفوت: "ياريت يا حياة، هو أنا أكره؟ إنتي عارفة معزة زين زي ولادي بالظبط." حياة بابتسامة: "استبشري خير يا خيتي وسيبها على الله."
حنان بتنهيدة: "ونعم بالله." نعود للقصر تتحرك نادين في غرفتها ذهابًا وإيابًا بغضب شديد، تحاول السيطرة على ارتباكها وخوفها من القادم. تذكرت آخر مرة تحدثت مع أدهم، حالما جاء يبلغهم بموافقة كارمن على الزواج. Flash Back ذهبت ورائه عندما صعد إلى جناحه. دلفت في عصبية لتهتف باندفاع: "إنت خلاص قررت تتجوز البنت دي؟ أجاب أدهم ببرود: "اسمها كارمن." و أيوه هتجوزها ما انتي كنتي تحت و سمعتي اللي أنا قولته!
نادين بإستنكار: طب وأنا مفكرتش في منظري قدام الناس!! أدهم بسخرية: كل اللي يهمك منظرك، وإنتي ليه مفكرتيش في منظري لما كنتي بترجعي سكرانة من بارتيهات صحابك. نادين بإرتباك وصوت عالي تلقائي: أنا مش موافقة إنك تتجوز عليا يا أدهم. زمجر أدهم بحدة: محدش طلب موافقتك، وصوتك ما يعلاش عليا، فاهمة. نادين بسخط: لا طبعاً، حقي ما أوافقش، أنا مراتك وليا حقوق عليك. تشدّق صدغه قائلاً
بسخرية: وأنا حقي أتجوّز، دا شرع ربنا، إيه يضايقك في كدا؟ وبعدين أنا مقصّرتش في حقوقك دي ولا إيه؟ نادين بإستياء: وإنت يعني مالقتش إلا دي وتتجوزها؟ وكمان إنت بتقرب مني لما أنا بطلب مش من نفسك، يعني، ودا أكيد بيجرحني. أدهم بجمود: والله إنتي عارفة السبب كويس، لأنك إنسانة مستهترة وأنانية. ولولا إني مش حابب فكرة الطلاق كنت طلقتك من زمان. همست نادين بدموع زائفة: إنت كدا بتيجي عليا أوي يا أدهم.
صاح أدهم بازدراء: إنتي اللي بتطلبيه بيتنفذ، أظن فاهمة قصدي. بلاش تعيشي في دور الزوجة المظلومة، مش لايقلك. وإياكي يا نادين، إياكي تقربي لكارمن، بقول أو فعل، هتشوفي مني وش عمرك ما شوفتيه. شعرت أنه مسح بكرامتها الأرض لتقول بحقد مكتوم: ماشي يا أدهم. تحدث أدهم ببرود وهو يوليها ظهره: ودلوقتي اتفضلي على أوضتك، ولآخر مرة هقولك ماتطلعيش الدور دا تاني. همست نادين
بكراهية ممزوجة بالحقد: بقوا هما قاعدين تحت ومبسوطين وأنا هنا هموت من القلق والخوف. مستحيل أسيب وحدة زي دي تتهني في العز بعد كل اللي عملته. أخذت هاتفها تطلب رقم صديقتها في توتر. نادين: أيوه يا ميرنا. ميرنا: إيه الأخبار؟ نادين بغضب: الأخبار زفت طبعاً. كتبوا الكتاب والمأذون لسه ماشي. ميرنا بخبث: مممم يعني خلاص بقت مراته. نزلتي تقعدي معاهم تحت؟ نادين بحنق: لا طبعاً، عايزاني أشوفهم مع بعض عشان أموت بغيظي.
ميرنا بسخرية: اللي يسمعك كدا يقول إنك بتغيري على أدهم. نادين بغيرة: دا جوزي أنا، حتى لو عمري ما حبيته. كفاية إني متمتعّة بفلوسه اللي من غير حساب. ميرنا بلوم: بس كان لازم تنزلي زي ما اتفقنا وتقعدي وتبيني قدامهم إنك عادي عشان تمشي الخطة صح. نادين بعبوس: مقدرتش أعمل كدا، وكمان خايفة وقلقانة، إنتي فاهمة.
قالت ميرنا بنبرة خبيثة: أيوه. خلاص من بكرة تجري معاها ناعم وتتكلمي بهدوء وتمثلي إنك متقبلة الوضع، وماتنسيش تنفذي اللي اتفقنا، وأوعي حد يشوفك. تمتمت نادين على مضض: ماشي يا ميرنا، هحاول. ميرنا: يلا تصبحي على خير، سلام. نادين: مع السلامة. أغلقت نادين الخط بإبتسامة شيطانية وهي تخرج علبة حبوب من درج الطاولة، وأخذت ترسم خطتها وماذا ستفعل غداً حتى تنفذها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!