عند زين و روان يجلس على السرير ببرود شديد، وهي تقف أمامه ترتجف يديها، ومن الواضح أن آثار الصدمة التي تلقتها للتو من الشخص الوحيد الذي يمتلك قلبها وروحها تنعكس بشدة على تعبيرات وجهها. تجمعت دموع كثيفة في عينيها، حاولت الضغط على شفتيها في محاولة لخنق دموعها وعدم كشف ما تشعر به في قلبها المكسور، كل ذلك بسبب قلبها الذي كان كل ذنبه أنه أحبه ولم يرى أحد غيره. وبالأخير طعنها بخنجر كلماته السامة دون رحمة.
حاولت أن تتنفس الهواء بهدوء، لتتمكن من الرد على كلماته. روان بتماسك مزيف وهي تتسائل بحيرة: كان إيه لازمة جوازنا من الأول يا زين.. ليه طلبتني للجواز وإنت مش عايز تكمل؟ كان ينظر إليها في تردد يسأل نفسه هل يصارحها أم لا. قال زين وهو يشير إليها برأسه نحو الفراش: تعالي اقعدي جنبي. لكنها لم ترغب في الاقتراب منه بهذه اللحظة، فوقفت مكانها دون أن تتحرك. قرأ هو رفضها الصامت في عينيها، ليتنهد قائلاً
بهدوء: ماشي هقولك السبب يا روان عشان إنتي من حقك تعرفي.. تنهد مرة أخرى وهو يغمض عينيه قائلاً
بتوضيح: كنت بحب واحدة زميلتي في الكلية من سنة تانية وإحنا سوا.. كانت بينا قصة حب الكلية كلها تعرف بيها.. ماكنتش بقدر أمسك إيديها من خوفي على سمعتها وعشان عايز أحافظ عليها.. وكنت مقرر بعد ما نتخرج هتقدملها رسمي ونتجوز ونبدأ حياتنا سوا بالقاهرة.. بس في آخر سنة في الكلية اكتشفت إنها على علاقة بزميل لينا في الكلية.. شوفتها نازلة من العمارة اللي ساكن فيها ولما اتأكدت من البواب إنها بتتردد على العمارة دي كتير، جنيت وطلعت خبطت على الواد ده وضربته، كان هيموت في إيدي ومن خوفه اعترفلي إنها على علاقة بيه من فترة طويلة.
نظر إليها فرآها تحدق به بعيون واسعة، ثم أردف بقهر: فكرت أقتلها بس لقيت إن مستقبلي أنا اللي هيضيع عشان واحدة رخيصة وخاينة ماتستاهلش.. قطعت علاقتي بيها وبعد ما اتخرجت.. جدي فتح معايا موضوع جوازي منك وتصميم أمي كمان على الموضوع وعشان بتحبك وافقت واتخطبنا.. قام من مكانه وهو يراها تذرف الدموع، ولا يعرف لماذا شعر بألم في قلبه عندما رآها تنظر إليه بحزن. شعر بسهام تخترق قلبه، يعلم أنها تحبه، لكنه حطمها كما تحطم قلبه من قبل.
حاول أن يقترب منها، لكنها لم تعط له أي فرصة بالاقتراب وفرت هاربة من الغرفة، متوجهة إلى غرفتها القديمة، وأغلقت الباب خلفها، ثم دفنت رأسها بوسادتها، وأطلقت العنان لشهقاتها العالية التي أخفتها بالوسادة. أخذت تفكر هل تحزن عليه أم على نفسها، فهو أذاقها طعم الخذلان من نفس الكأس التي تذوق هو منه. في نفس التوقيت والمكان في غرفة بدر وحنان دلفت حنان في سعادة تبشر زوجها بفرحتها لإبنتها. فرأته يرتدي ملابسه،
لتقول بسرور: الحمد لله يا بدر الأمور تمام عند بنتك وجوزها. بدر بضحكة: الحمد لله أخيراً اطمنت عليها وارتحت، معرفتش أنام منك طول الليل. حنان بحرج: معلش بقى يا بدر هي البنت هتتجوز كل يوم يعني، وبعدين لازم أطمن إنها مبسوطة وإلا مش هرتاح أبداً. بدر بمحبة عميقة: ربنا ما يحرمنيش من حنيتك يا أم ماجد. أردفت حنان بدهشة: إيه ده إنت هتخرج؟ رد ببساطة: أيوه يا حبيبتي عندي شغل كتير في الأرض.
حنان بعتاب: معقولة هتخرج يوم صباحية بنتك يا راجل. ضحك بدر وقال بمكر: هي صباحيتي أنا ولا صباحية بنتك يا ولية. حنان بنبرة رقيقة: ماشي بس ماتتأخرش، هعملك أكلة بتحبها النهارده. رد بدر غامزاً بطرف عينه: هو ده الحديث الزين، يا ريت بقى تكون كوارع ترم عضمي اللي حاسس إنه اتفشفش على الآخر. ضحكت حنان وقالت بحب: سلامة عضمك.. عينيا يا حبيبي هعملهولك.
نظر إليها بابتسامة يفكر، رغم أن زواجه منها لم يكن عن حب، ولكن استطاعت حنان السيطرة على قلبه بطيبتها وخفة دمها ومواقفها معه في الأزمات. طبع قبلة على جبهتها ثم أردف بابتسامة: تسلملي عينيكي يا حنون. في قصر البارون في غرفة الطعام بعدما جهزت الخادمة الفطور، ووضعته على المائدة. دخلت نادين تتلفت ورائها، ويبدو عليها الارتباك. نظرت إلى الطاولة في حيرة، هناك أربعة أكواب من العصير بنكهات مختلفة وأدهم يشرب القهوة دائماً.
تقدمت إلى كوب من عصير المانجو، فهو بالتأكيد يخص كارمن، ووضعت فيه برشامة وقلبته سريعاً، حيث والدة أدهم ووالدة كارمن تشربان البرتقال، وهي تشرب عصير الأناناس. وعندما انتهت جلست في مكانها المعتاد في صمت كأنها لم تفعل شيئاً. بعد لحظات قليلة، جاءت ليلي تحمل ملك وورائها كارمن ومريم. ألقت كارمن تحية الصباح عليها بأدب، فأجابت نادين بابتسامة مزيفة ساخرة: صباح النور يا عروسة.
تجاهلت كارمن نبرة السخرية في صوتها، وجلست بهدوء دون أن ترد عليها. في هذه اللحظة دخل أدهم مرتدياً ملابس عادية، وليس بدلات رسمية كالمعتاد، وجلس على رأس الطاولة. أدهم بصوته الرخيم: صباح الخير. ليلي ومريم بابتسامة: صباح النور. أردفت ليلي بدهشة ممزوجة بالسرور: غريبة يا أدهم إيه ده اللبس دا، إنت مش رايح الشغل زي ما قولت امبارح؟ نظر أدهم من زاوية عينه إلى كارمن الجالسة، وهي تفطر في صمت بين ليلي ومريم.
رد أدهم بابتسامة خبيثة: صحيت متأخر يا أمي وكارمن اقترحت عليا ماروحش الشغل النهاردة وأنا عجبتني الفكرة. خجلت كارمن من حديثه الخبيث، ونبرته الماكرة التي فهمتها جيداً، ونظرت إليه بغضب صامت. بينما كانت نادين تنظر إلى كارمن بخبث وحقد عندما شاهدتها تشرب العصير، وتكاد تموت غيظاً من أسلوب أدهم المتغير تماماً منذ اليوم الأول لكارمن في المنزل.
اعتقدت ليلي أن شيئاً ما حدث بينهما، وأن الأمور تسير على ما يرام، لأنها ترى أدهم مختلفاً تماماً عما كان عليه طوال حياته، فمن متى وهو يستمع لرأي أي شخص، حتى هي. ربتت على يد كارمن بحنان، قائلة بفخر وسعادة: برافو عليكي يا كارمن، ده بقاله سنين ماخدش يوم إجازة. همست كارمن بصوت منخفض، لكنهم سمعوا جميعاً: رجل فولاذي بجد. ابتسم أدهم قائلاً بمشاكسة: قولي الله أكبر، من أول يوم قايم من النوم ضهري واجعني.
غصت كارمن وهي تشرب العصير من كلماته التي تحمل معاني كثيرة، وهي تشعر أن الحرارة ترتفع إلى خديها بقوة. مريم بخوف: اسم الله عليكي يا بنتي.. ناولتها كوباً من الماء، فشربته كارمن كله وهي تنظر إلى أدهم بنظرات نارية، ليبتسم لها ببرود كي يستفزها أكثر. قالت ليلي وهي تلاعب ملك: على فكرة يا أدهم ملك هتم السنتين بعد كام يوم. ليأخذها أدهم من والدته ويضعها على قدميه، وهو يقبل الطفلة على
خديها بحنان وقال بهدوء: عارف يا أمي، وليها عندي هدية حلوة. حادثت كارمن بابتسامة جميلة، لطفلتها التي تلعب في هاتف أدهم: قولي لعمو شكراً يا لوكا. ليلي بسؤال: هي لسه برضه مش بتتكلم كتير؟ كارمن بحيرة: عايزة آخدها للدكتور بتاعها يطمني عليها، لأن الأطفال في السن ده بينطقوا كلمات كتير حتى لو مش صح، بس هي كلامها بسيط خالص.
مريم بضحكة: كارمن لحد ما تمت السنتين أصلاً ماكنتش بتتكلم، أنا وأبوها كنا حيرانين أوي ورحنا دكتور قال هي مفهاش حاجة، وأكلوها يمام جبنالها اليمام يومها مش بتبطل كلام. شعرت كارمن بالحرج، حينما لمحت ابتسامة أدهم، لتقول بتذمر طفولي: إنتي حكيتي الموضوع ده مليون مرة يا ماما. ضحكت ليلي أيضاً وقالت: ياسين وهو عنده سنة ونص كان بيقول كلمات كتير وغريبة.. مالك كان على طول يكلم معاه كأنه راجل مش طفل.. الولد طلع لسانه شبرين قدامه.
ضحكت كارمن بشدة مما جعل أدهم يشرد بملامحها الساحرة وشفتيها المبتسمتين، ثم ضمت شفتيها بإغراء غير مقصود بينما كانت تمضغ الطعام. ذهب معها إلى عالم آخر لم ير فيه إلا هي، ابتسم تلقائياً، ولم يستيقظ إلا عندما لمست أمه كتفه بحنان، فنظر إليها بدهشة. ليلي بذهول: روحت فين يا ابني؟ أدهم بجمود: معاكم يا أمي. ثم نظر إلى كارمن مردفاً: قوليلي قبل ما تروحي للدكتور عشان أجي معاكي.
كارمن بلا مبالاة: مفيش داعي تتعب نفسك، ماما هتروح معايا. أدهم بحزم: لا هاجي أنا معاكي، بلغيني بس قبلها. فهزت رأسها بالموافقة لتغمغم: تمام. كانت نادين تتابعهم بصمت، ولم تحاول مشاركتهم الحديث، وشعرت بتزايد الكراهية داخلها تجاه كارمن. لا تصدق أن أدهم الذي لا يمزح ولا يبتسم ولو قليلا تراه الآن يتحدث ويمزح بتلقائية. ظلت تتواعد في نفسها لكارمن وهي تفكر في خطوتها التالية. عند روان
هدأت قليلا من نوبة البكاء وشعرت بالارتياح لأنها أفرغت ما كانت تشعر به من غضب وتوتر. نهضت بعزم إلى الحمام وتوضأت، وذهبت لتلبس إسدال الصلاة لتأدي فرضها. تفكر أنها ليست صغيرة لتشكو مشاكلها لأحد. أنها ستلجأ إلى الله سبحانه وتعالى الذي سيهديها إلى القرار الصحيح ويزيل همومها. أما هو فكان يجلس يلوم نفسه على قسوته عليها.
ليس ذنبها، كان هذا اختياره من البداية. كانت لديه فرصة للرفض، لكنه لم يرفض. كان جزء مما قاله كذبة، فلم يضغط عليه أحد كما أوهمها. لا يعرف لماذا قال لها هذا الكلام. لماذا ينتقم منها هي؟ كان على وشك أن يجعل زواجهما حقيقيًا وأن ينسى كل شيء آخر، لولا طرق الباب التي جعلته يعود إلى رشده. هل قال لها ذلك لحماية قلبه بعد تعرضه للخذلان والخيانة؟
تذكر أول مرة رآها عند عودته من القاهرة بعد تخرجه. أعجب بجمالها الذي تضاعف. فعندما سافر كانت لا تزال صغيرة جدًا ولا يتذكر أنه كان يراها في إجازاته، لكن ما أعجبه بها نظراتها كانت لا تزال بريئة وقلبها نقي. كان غاضبًا جدًا عندما تذكر "جمال" ابن خالها البغيض. عندما مدحها أمامه وهو يرى نظراته إليها، كان سينتف رأسه. فحينها شعر بنيران تندلع داخل قلبه. وبدون لحظة تفكير واحدة عندما فتح جده معه موضوع زواجه منها، وافق على الفور.
أما في إيطاليا لا يزال مراد يجلس في المستشفى يكمل علاجه. سمع رنين هاتفه فأجاب سريعا عندما عرف المتصل. مراد بغضب شديد: أنت فين يا زفت يا حمدي؟ باتصل بيك من وقت ما فوقت وأنت ما بتردش. حسابك بعدين. دلوقتي بسرعة قولي إيه الأخبار. حمدي رجل من رجال مراد في مصر، فهو من يراقب كارمن كظلها، ولكن دون أن يلفت الأنظار. أجاب حمدي بأدب وارتباك: آسف جدًا يا فندم. بس أنا عندي ليك أخبار مش هتعجبك يا مراد بيه.
مراد على الفور: قول بسرعة. حمدي بخوف أشد من الذي سيقوله: مدام كارمن اتجوزت امبارح. قاطعه مراد بحدة مخيفة: نعم يا روح أمك! أنت اتجننت؟ إيه اللي بتقوله دا وإزاي دا حصل؟ أجاب حمدي سريعا: زي ما بقولك كدا يا باشا. اللي فهمته إنها خلصت عدتها واتجوزت أدهم بيه، رجل الأعمال أخو جوزها اللي مات. شعر بصدمة قوية فهو بالطبع لم يتوقع هذا الخبر. ووصل غضبه لذروته واندلعت النيران في شرايينه،
يصرخ بغضب جامح: عينك ما تنزلش من عليهم، أنت فاهم؟ وأنا هنزل مصر خلال الأسبوع الجاي. أغلق الخط وهو يفك أزرار قميصه بعنف. وبدأ يدور في الغرفة بغضب. يفكر أن عليه أن يضع حدًا لكل ما يحدث. ولكن عليه الآن إنهاء كل شيء هنا أولًا. وظهرت نظرة شر مظلمة في عينيه تعلن بداية الجحيم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!