ﺍﻟﺼﻤﺖ ﻟﻴﺲ ﺿﻌﻔﺎً! ﺑﻞ ﻫﻮ ﺍﻟﺤﻞ .. ﺍﻷﻗﻞ إيذاء! ﻟﻘﻠﻮﺏ ﺃﺣﺒﺒﻨﺎﻫﺎ .. ﻭ ﻓﺸﻠﺖ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮﻧﺎ! في قصر البارون تحديداً في جناح أدهم استيقظت كارمن من نومها الذي لم يتجاوز الخمس ساعات بسبب عدم راحتها في هذه الغرفة القاتمة بعض الشيء والتي لا لون بها غير الأسود والأبيض، شعرت أنها بداخل رقعة الشطرنج. ما به هذا؟ كيف يكون صاحب شركة أزياء كبيرة وغرفته بهذا الشكل الكئيب؟ يا له من غامض حقاً!!
قامت كارمن و هي تخفض قدميها على الأرض وتثاوبت بتكاسل وارتدت روبها الطويل وخرجت من الغرفة لترى طفلتها. لفت نظرها الذي كان نائم على الأريكة الطويلة ويضع يده على رأسه والأخرى على بطنه وهو يتنفس بهدوء. اقتربت كارمن منه لإيقاظه، لتجلس بجانبه مترددة، محدقة فى ملامحه الصارمة حتى وهو نائم يعقد حاجبيه. نظرت إليه بصمت، كما لو كانت تحفر ملامحه في ذاكرتها، تمرر عينيها على شعره البني الناعم الكثيف وجبهته العريضة.
تتذكر جيداً نظرة عينيه الحادتين والتي دائماً ما تحدق بها في غموض. إنها حقاً لا تفهم هذا الرجل، منذ البداية يثير فضولها، بعد ما حدث منه في أول لقاء جمعهما معاً، تعامل معها بشكل طبيعي جداً، كما لو أنه لم يفعل شيئاً، لدرجة أنها اشتبهت في أنه رجل متعدد العلاقات و يعبث مع الفتيات، لكنها علمت بعد ذلك من عمر أن اخيه ليس لديه علاقات ولا يحب العبث أبداً، لتزيد الحيرة داخلها، لكنها لم تعط الأمر أهمية في ذلك الوقت.
لم تجرؤ على إيقاظه، نهضت بهدوء وذهبت إلى غرفة طفلتها. ترى أنها استيقظت كالمعتاد مبكراً، وتلعب بألعابها. بعد أيام قليلة ستبلغ من العمر عامين، وللآن تتحدث فقط بكلمات قليلة. ابتسمت كارمن بحنان ثم اتجهت إليها، وحملتها مقبلة خديها المكتنزتين قائلة بحب: صباح الفراولة يقلب ماما.. انتي كمان مش جايلك نوم زي ماما يا حبيبي.. يلا نلبس و ننزل نشوف تيته. غادرت الغرفة وهي تتقدم إلى غرفتها، أو بالأحرى غرفة أدهم.
رأته استيقظ وجالس على الأريكة يفرك عينيه وينظر إليها بنعاس. كارمن برقة عفوية: صباح الخير. أدهم بصوت أجش من تأثير النوم: صباح النور.. هي الساعة كام دلوقتي؟ نظرت كارمن إلى ساعة معصمها وقالت بنبرة ناعمة: الساعة 10 و ربع. تفاجأ أدهم، فهو لا يتذكر أنه نام حتى هذا الوقت من قبل، ليقول بصدمة: يا خبر.. اتأخرت جامد على الشغل. سألت كارمن بإندفاع: هو انت ضروري تروح الشغل انهاردة يعني؟
شعرت كارمن بالحرج الشديد، وارتفعت الحرارة في وجهها، وندمت على تسرعها بالسؤال، فماذا سيظن الآن أنها تريد منه أن يجلس معها. قال ابتسم بهدوء: لا مش ضروري أروح خصوصاً إن مش قادر افرد ظهري أصلا.. أردف أدهم بلوم: عشان في ناس أنانية ماصدقت استولت على السرير لوحدها. ضحكت كارمن بشدة على تذمره كأنه طفل صغير لأول مرة ترى هذا الجانب منه، قائلة ببراءة: مش انت اللي قولتلي نامي انتي في الأوضة وأنا هنام على الكنبة.
نظر أدهم لها بغيظ، وهو يزم شفتيه قائلاً بحنق: وإنتي ماصدقتي أخدتي شنطتك وطيران على الأوضة. كارمن بمشاكسة: لعلمك بقي أوضتك مش حلوة. رفع أدهم حاجبيه بدهشة وسأل: ليه مش حلوة؟ أجابت كارمن بصدق: كئيبة أوي كلها أبيض وأسود.. أخدت وقت طويل على ما عرفت أنام في حلبة الشطرنج دي. رمى رأسه للخلف وهو يضحك بصوت عالي من تشبيهها الغريب. مالت كارمن رأسها قليلاً وهي تنظر إلى ضحكته بإنبهار، فنادراً ما يبتسم والآن هو يضحك.
أدهم بمكر: لو مش عجباكي أوضتي.. الكنبة ترحب بيكي. قالت كارمن بضحكة خافتة، بينما تهز رأسها رفضاً: لا أنا تمام كدا.. هدخل أغير هدومي و أنزل لماما ليلي. أدهم بهدوء: ماشي بس استني لحد ما ادخل آخد هدومي من جوا الأول. لم ينتظر ردها، نهض واتجه إليها لذلك فوجئت جداً، لأن باب الغرفة على الجانب الآخر. انحنى أدهم عليها، فشهقت بإنشداه حينما أصبح قريباً جداً منها، لدرجة أنها استنشقت رائحته الرجولية الفواحة.
رأته يقبل ملك برفق التي في حضنها، ثم استدار ومشي إلى الغرفة بهدوء، بينما ارتفعت الحرارة في وجنتيها وازداد نبضها. أخذت نفساً عميقاً في محاولة للسيطرة على ارتجافها لكونه كان قريب منها فقط تشتت عقلها وقلبها، وبدأت تهمس لنفسها: (أنا قلبي بيدق أوي كدا ليه من حركته دي.. أكيد دا من الخوف.. حاسة إني كنت واقفة قدام دراكولا مش إنسان عادي.. دا إيه الغموض والتقلبات بتاعته دي)
نفضت هذه الأفكار من رأسها، وهي تراه يغادر الغرفة وفي يديه ملابسه متجهاً إلى الحمام الملحق بالجناح، فدخلت الغرفة بسرعة كما لو كانت تهرب من شيء ما. عند زين وروان تسمرت روان بمكانها وهي شهقت بخفة عندما فتح زين عينيه، ونظر إليها نظرة لم تستطع تفسيرها. حاولت النهوض والهرب من هذه النظرات، ولكن في لحظة سحبها من ذراعها، لتستلقي على السرير مرة أخرى ثم اعتلاها، وهو يحجزها بين ذراعيه. حملقت روان فيه بنظرات مذعورة،
متسائلة بدهشة: زين إنت بتعمل إيه؟ همس زين بهدوء عكس ما يشعر تماماً: أنا اللي بعمل إيه ولا إنتي؟ روان بعدم فهم: أنا معملتش حاجة. قال زين وهو يرفع حاجبيه بعدم تصديق: والله. خافت روان أن يكون شعر بما فعلته وهو نائم، لذا نطقت بإرتباك واضح: اااا أيوه أنا لسه صاحية. حدق في شفتيها المرتجفة وعيونها الخائفة، قائلاً بصوت أجش: متأكدة إنك معملتيش كدا؟
أمال رأسه بالقرب من شفتيها الوردية وانفاسه الحارة تضرب بشرتها، وقبل طرف شفتها العليا كما فعلت، أصابتها رعشة قوية من لمسة شفتيه، وأخذت تحدق فيه بعيون واسعة من دهشة وذهول. زين بمكر: ردي عليا.. معملتيش كدا؟ أصبحت وجنتيها مثل حبة الطماطم من الخجل، لترد بتقطع: أنا.. أنا كنت.. انقطعت محادثتهم بقرع على باب الغرفة.
نهضت بسرعة محاولة الهروب من ذراعيه وهي تدفعه من صدره، لكنه أمسك بها ثم رفع يديها فوق رأسها وثبتها، وهو ينظر إليها بمكر، وواضح عليه أنه لا ينوي تركها. همس زين بالقرب من أذنها: كملي.. كنتي إيه؟ تململت روان وهي تحاول فك أسر يديها من بين يديه وقالت بترجى: بتعمل إيه يا زين!! الباب بيخبط أكيد ماما وعمتي برا.. خليني أقوم أفتح لهم لو سمحت.
نظرت إليه بعيون بريئة وخائفة، كادت تذوب من الخجل، لا تدري ماذا تفعل في هذا الموقف المحرج. تنهد زين بداخله على منظرها الفاتن الذي جعله ينسى للحظة ما كان يعاني منه، ثم رفع جسده عنها كي تستطيع النهوض، لكنه أمسك بيديها مرة أخرى مشيراً إلى ملابسها وقال: استني هنا.. هتفتحي الباب بالشكل دا؟ نظرت إلى بيجامته التي ترتديها، ثم تطلعت إليه بغباء. قلب عيونه بملل فهي لا تستوعب كأنها طفلة حقاً
ثم تمتم: روحي غيري هدومك في الحمام وأنا هفتح الباب. روان بطاعة: حاضر. نهض من السرير وارتدى ملابسه، وذهب ليفتح الباب، فرأى أمه وزوجة خاله يقفان في الملل. ظهرت ابتسامة جذابة على وجهه قائلاً بهدوء: صباح الخير. حياة بمحبة: صباح العسل يا حبيبي.. صبحية مباركة يا عريس. تمتم زين وهو يقبل يديها: الله يبارك فيكي يا ست الكل. قالت حنان بعد أن ارتاحت قليلاً حالما
رأت ابتسامته الواسعة: صباح الفل وصباحية مباركة يا ابني.. اومال فين روان؟ زين بأدب: الله يبارك في عمرك يا غالية.. اتفضلوا الأول.. هي في الحمام. دخلوا حياة وحنان الغرفة، وهم يحملون الإفطار معهم. روان فتحت باب الحمام، وكانت ترتدي فستان أصفر طويل أظهر خصرها النحيف وجسمها الرشيق، وشعرها المتدفق على كتفها. جعلت قلب ذلك الواقف ينبض بشدة من جمالها البريء. تقدمت إليهم بابتسامة مشرقة، قبلت والدتها بحب، ثم قبلتها حياة
بسعادة وهي تهتف بابتسامة: صباحية مباركة يا عروستنا. ابتسمت روان برقة قائلة بخجل: الله يبارك فيكي يا عمتي. حنان تعانق ابنتها ثم همست بقلق: طمنيني عليكي يا بنتي.. عاملة إيه؟ روان نظرت إلى زين الذي كان يتابع المشهد في صمت، وكأنها تحثه على إنقاذها من هذا الموقف المحرج. جاء زين بجانبها، ثم وضع يديه على كتفها وجذبها إلى صدره، قائلاً بإبتسامة: اطمني يا مرات خالي.. احنا الحمدلله تمام.
تنهدت حنان بقلب مرتاح عندما رأت معاملة زين الحسنة لإبنتها لتقول بسعادة: الحمدلله يا ولدي ربنا يطمنك و يسعدكم يارب.. خلي بالك عليها يا زين دي بنتي الوحيدة و دلوقتي امانه عندك. تفاجأت روان من تصرفه وكلماته، لكنها صمتت بإستحياء. تقدمت منها والدتها تعانقها مرة أخرى، قبل أن تهتف بإبتسامة سعيدة: احنا هننزل و نسيبكم تفطرو براحتكم و لو احتاجتم حاجة احنا تحت. قالت حياة بضحكة مرحة: هيحتاجو ايه يا خيتي.. اتهنو يا ولاد.
ثم غادرت هي و حنان الغرفة، وهما في قمة السعادة والراحة. نظرت روان إلى زين التي ما زال يضع يديه على كتفها. روان بتعجب: انت ايه اللي قولته دا..؟ زين: قولت ايه..؟ ردت علي سؤاله بسؤال: هما كدا فهمو ايه بالظبط..؟ انزل زين يديه عن كتفها، و توجه يجلس علي طرف الفراش قائلا ببرود: فهمو اني دخلت عليكي يا روان. فتحت روان فمها بدهشة، و حدقت فيه بصدمة وخجل. استطرد زين حديثه بنبرة هادئة:
اسمعي يا روان احنا اتجوزنا امبارح بس.. وعلاقتنا ببعض قبل كدا ماكنتش قوية.. ماتكلمناش قبل كدا مع بعض تقريبا صح. هزت رأسها في موافقة بصمت تنتظره يكمل حديثه. اردف زين حديثه قائلا:
يعني اللي تعرفيه عني قليل اوي و انا كمان معرفش عنك حاجة غير انك بنت خالي و شوية معلومات عادية.. ايوه احنا ساكنين في نفس البيت بس عمرنا ما اتكلمنا.. بس اهم حاجة عاوزك تعرفيها عني اني مبحبش حد يعرف حاجة عن حياتي الشخصية واي حاجة تحصل بينا مش عايزك تقوليها لحد فهمتني.. المهم قدامهم تحت هنتعامل مع بعض عادي زي اي عرسان جداد. نظرت روان إليه في حزن، لا تعرف ماذا تقول.. أنها تحبه.. وكانت تحلم باليوم الذي ستصبح فيه زوجته.
ماذا يعني بحديثه هذا.. هل سيبقي زواجهما على الورق فقط..؟ وأتت إجابته على سؤالها الصامت ليقطع الشك اليقين قائلا بجمود: انتي دلوقتي مراتي و مسؤوله مني اي حاجة تحتاجيها تقوليلي انا مش لحد تاني.. لكن جوازنا هيكون علي الورق لحد ما تخلصي كليتك و تتخرجي.. بعدها ممكن نطلق بأي حجة. فرك زين رقبته من الخلف ببعض التوتر و اخذ نفسا طويلا قبل يستكمل حديثه: واسف علي اللي حصل من شوية ماكنش ينفع اعمل كدا.
حدقت روان فيه بعيون واسعة من الصدمة.. هل هذا حلم أم تخيل..؟ هل هو حقا لا يستطيع ان يتقبلها كزوجة و يرفض الاقتراب منها..؟ هل يتأسف فقط لأنه اقترب منها قليلا.. كما لو كان هذا اثم.. وقد ندم على فعله..؟
تجمعت دموع كثيفه في عينيها.. حاولت الضغط على شفتيها في محاولة لخنق دموعها و عدم كشف ما تشعر به في قلبها المكسور.. كل ذلك بسبب قلبها الذي كان كل ذنبه أنه أحبه و لم يري أحد غيره.. و بالأخير طعنها بخنجر كلماته السامة دون رحمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!