احيانا القلوب تكون مبعثرة، لا تريد من يحبها فقط، بل تريد من يفهم احساسها. بعد مرور أسبوع. استدارت حول نفسها، غير مدركة ما هذا المكان. كانت على حافة جبل مرتفع، أمامها منظر ساحر، وخلفها صحراء. لا تعرف ما الذي أتى بها إلى هنا. شعرت بحركة من ورائها، فالتفتت بسرعة، وعادت بقدمها إلى حافة الجبل دون أن تدرك، فأمسك أدهم بخصرها خشية أن تسقط. وعندها التقت العيون وتعثرت المشاعر في قلوبهم. سألت كارمن بإرتباك من قربه منها:
أنا إزاي جيت هنا؟ وانت ليه ماسكني كده؟ ابعد عني! حاولت دفعه بعيدًا عنها، لكنه شد قبضته حول خصرها وجذبها بالقرب منه أكثر. أدهم: طول ما انتي بتهربي مني هتفضلي تايهة. افتحيلي قلبك مرة واحدة بس ومش هتندمي. كان ينظر إليها وعيناه تشعان بالصدق وعاطفته لها، وشفتيه أمام شفتيها. همست كارمن برفض ضعيف لتأثيره القوي عليها: أنا... لا مستحيل أحبك.
تأوهت كارمن بدهشة عندما تشابكت أصابعه بين خصلات شعرها، مما جعلها أقرب إلى وجهه، وحرقت أنفاسه جلدها الناعم، مما تسبب لها في دغدغة محببة. فأغمضت عينيها في استسلام من هذا السحر الذي تشعر به معه. أحاط وجهها بيديه وقبل خديها ثم ذقنها بلطف. ودون وعي منها أحاطت بكفها الصغير يديه على خدها، فرفع بصره إلى عينيها. أدهم بإصرار: صدقيني قلبك هيغلبك وغصب عنك هتحبيني! عارفة ليه؟ لم ينتظر إجابتها قائلاً بصوت أجش:
عشان قلبك بدأ فعلاً يفتح بابه ليا، ومش هتعرفي تفكي نفسك من خيوط عشقي. لكنها لا تريد أن تعترف بما يقوله، ولن تعترف بهذا الحب. أغلق جفنيه ودون أن يعطيها فرصة للاعتراض، مال ليزيل المسافة بين وجوههم، وهو ينزل بشفتيه يفترس شفتيها، ويعبر عن حبه بقبلة تطفئ نيران قلبه. *** استيقظت وهي تتنفس بسرعة، تنظر إلى المكان في ذعر. فوجدت نفسها نائمة على سريرها داخل غرفة أدهم. نظرت إلى الساعة لترى أنها كانت الثامنة والنصف صباحًا.
تنهدت كارمن وأغمضت عينيها بقلب يرتجف، وبدأت تفكر في الحلم الذي رأته. بدا كأنه حقيقي تمامًا، لكن عقلها يرفض هذه الفكرة، ولا ينبغي لها أن تفكر بهذه الطريقة. أخذت تقنع نفسها بهذا التفكير أن أدهم هو عم ابنتها فقط. لكن قلبها مرتجف بشدة ومرتبك، خاصة أن أدهم يعاملها منذ أسبوع بشكل مختلف تمامًا عن تعامله معها عندما تزوجت من عمر. يتعامل معها بلطف شديد وأصبح أسلوبه هادئًا.
لكنه أحيانًا يتصرف معها بطريقة استفزازية تثير غضبها بشدة. لكنها أيضًا لا تنكر أنها أعجبت جدًا باهتمامه بالطفلة وحنانه معها وسعدت في تعلقه بها. ورأت له كثيرًا هديته في عيد ميلادها، فكانت عبارة عن كلب صغير لملك أحبته للغاية. وأصبحت تلعب معه وفرحت به. كما أنه خصص له بيتًا صغيرًا في الحديقة لينام فيه. حاولت في هذا الأسبوع تجنب الجلوس والاحتكاك مع نادين التي لا تجلس في المنزل نهارًا.
وتعود في المساء لتصعد إلى غرفتها وتتشارك معهم أحيانًا وجبة الإفطار. ومن المؤكد أن الأمر لا يخلو من بعض كلماتها المسمومة أو نظرتها الحارقة نحوها. نفضت كل هذه الأفكار من رأسها، متجاهلة دقات قلبها وهي تتذكر هذا الحلم مجددًا. وأصرت تحادث نفسها بعناد أنه عم ابنتها فقط، ولا شيء أكثر من ذلك. ثم نهضت من الفراش وأدت روتينها اليومي. *** عند أدهم بالخارج. استيقظ أدهم متألمًا ظهره من نومه على الأريكة. حسنًا! هذا اختياره.
فكان بإمكانه إعداد المكتب لها أو تركها تنام على الأريكة. لكنه لم يستطع جعلها تجلس في غرفتها الخاصة التي أرادت أن تأخذها. هو يريد أن يأخذ الأمور بينهما بهدوء، ويقترب منها تدريجيًا ولا يريد أن يخيفها أو يجبرها على الاقتراب منه رغما عنها. نهض يتكاسل ثم دخل إلى الحمام. بعد لحظات خرج متوجهًا إلى صالة الألعاب الرياضية، لتنشيط جسده قليلًا، وإزالة الآلام التي يشعر بها. *** عند كارمن.
خرجت من الغرفة مرتدية فستانًا رماديًا يتناسب تمامًا مع قوامها الممشوق، يظهر نحافة خصرها. وأكمام ذراعيه يبلغ طوله أقل من ربع كم، ويمتد فوق قدميها بقليل. تنوي أن تتناول الإفطار مع الجميع، فقد نامت طفلتها مع جدتها مريم بالأمس. أرادت التحدث إلى أدهم قبل أن يذهب إلى الشركة. لكنها رأت أن مكان نومه فارغ. فنظرت إلى الحمام كان الباب مفتوحًا، ولم يكن بالداخل. ظنت أنه غادر الجناح، فأكملت طريقها للخارج.
لكنها توقفت باندهاش عندما سمعت صوتًا يأتي من صالة الألعاب الرياضية التي لم تدخلها من قبل. ذهبت إلى هناك لترى ما يحدث بالداخل. تسمرت في مكانها محدقة في صدر أدهم العاري أمامها، والذي كان يمارس الرياضة بنشاط، ولم يلاحظ أنها دخلت. أعجبت كثيرًا بجسمه الرياضي وصلابة عضلاته القوية. لقد كان وسيمًا بشدة. خطر ببالها ذلك الحلم الذي رأته وما قاله لها، وشردت قليلًا بتفكيرها. ولم تدرك أنه أنهى ما كان يفعله، وينظر إليها في صمت.
استيقظت من شرودها عندما رأته يتجه نحوها. ونصفه العلوي بأكمله مغطى بقطرات العرق. وقف أدهم أمامها مباشرة، وفي عينيه نظرة غامضة لم تستطع تفسيرها كالمعتاد. وكان شعره البني يتساقط منه عدة خصلات مبللة على جبهته، يبدو مثيرًا حقًا. مال عليها وهو يقترب منها كثيرًا، ويضع يديه الاثنين على الحائط خلفها يأسرها بذراعيه. نظرت إليه بتوتر وعدم فهم، وقلبها يدق كطبول داخل ضلوعها، لدرجة أنها اعتقدت أنه يستطيع سماعه جيدًا.
أما بالنسبة له، فقد كان يحدق في عينيها الزرقاوين المرتبكة التي ثملته، وجعلته ينسى من يكون في هذه اللحظة. فجأة انقطعت أنفاسها وأغلقت عينيها بإحكام، حالما أحست بأنفاسه الساخنة تلامس بشرتها، وشفتاه تكاد تلامسان شفتيها تقريبًا، ولا يفصل بينهما سوى بوصة واحدة. اعتقدت للحظة أنه سيقبلها. لكنه أمسك بالمنشفة المعلقة خلفها مباشرة، ورفعها يجفف بها وجهه ببطء. ثم ابتعد عنها وأعطاها ظهره.
ابتسم أدهم بمكر قائلاً بنبرة عادية، لكن تخفي ورائها الكثير من المشاعر داخله: صباح الخير يا كارمن. صاحية بدري ليه؟ فتحت كارمن عينيها تطلق سراح أنفاسها التي كانت تحبسها داخل صدرها. وأخذت تحاول التركيز على ما تريد قوله بعد أن شتت هذا الماكر أفكارها. لماذا يلعب بأعصابها هكذا يعني ينفع أجي معاك بكرة؟ ضحك أدهم على حماسها ثم أجاب بصوت رخيم: أكيد ينفع، بس هتكوني تحت إشرافي المباشر لحد ما تعرفي كل حاجة ماشية إزاي.
رجعت مرة أخرى لتوترها، لأنها لم تكن تريد أن تكون معه كثيراً بسبب ما شعرت به في قربه منها، وحاولت الاعتراض، حيث كانت تفرك يديها في حيرة، وعيناها تنظران إلى الأرض أمامها. همست كارمن بارتباك: بس أنا الأول كنت بشتغل مع مالك وعمر الله يرحمه. شعر أدهم بالغيرة من حديثها،
ليصحح حديثها بتريث: كنتي.. حالياً مالك مشغول بإدارة شركة المقاولات، وما تنسيش إنه بقى نائب مجلس الإدارة، وبما إني مش دايماً موجود، فهو اللي بيتابع الشغل هناك. همست كارمن بداخلها: يعني ما فيش مفر منك يا دراكولا. أومأت إليه بموافقتها في صمت، ونهضت من مكانها، فنهض معها ليغادروا الجناح لتناول الإفطار مع الجميع. *** في شركة "البارون ديزين".
نزل من سيارته وتوجه إلى شركته، يسير بخطواته الهادئة في شموخ نحو المصعد ليذهب إلى الطابق الأخير. نزل من المصعد وسار باتجاه مكتبه. دخل مكتب سكرتيرته، فوقفت السكرتيرة الجديدة عندما دخل مباشرة، قائلة بغنج متصنع: صباح الخير يا أستاذ أدهم. ضاق عينيه عليها بحدة، محدقاً في مكياجها الزائد عن حده، وملابسها التي كانت أكثر ملاءمة لتكون ملابس سهرة، وليست موظفة في شركة.
تجاهلها واستمر في السير إلى مكتبه، فتبعته وهي تمشي متمايلة بكعبها العالي. دخلت خلفه ورأته جالساً خلف مكتبه المريح بهدوء يحدق بها بجمود، للحظة ارتبكت وابتلعت ريقها بتوتر من نظرته الثاقبة. هتف أدهم بصوت جهوري: انتي مين؟ أنا ياسمين حضرتك.. السكرتيرة الجديدة مكان مها. تذكر أن سكرتيرته قدمت استقالتها منذ فترة وجيزة بسبب مشاكل في منزلها، هو لم يقتنع بهذه الحجة، لكنه وافق على استقالتها في النهاية.
أدهم بجدية: مها عرفتك طريقة الشغل ماشية إزاي ولا لأ؟ ردت ياسمين بالإيجاب: أيوه حضرتك. أردف أدهم بصوته الرخيم: تمام، قولي إيه المواعيد والاجتماعات اللي عندي النهاردة؟ فتحت دفتر المواعيد وبدأت في قراءة المواعيد بصوت رقيق للغاية، وعندما انتهت من القراءة، قالت بميوعة بينما كانت عيناها هائمة في شكله الجذاب: حضرتك تأمر بحاجة تانية؟ أجاب بحزم وصرامة وهو ينظر إليها بحدة،
ويشير إلى ملابسها: آخر مرة أشوفك جاية الشركة بالقرف اللي انتي لابسه ده.. لازم تعرفي إن دي شركة محترمة مش ملهى ليلي.. اتفضلي شوفي شغلك. ارتجفت من حدة صوته، وأومأت بصمت، وغادرت بسرعة. (ياسمين: تبلغ من العمر 27 عاماً، ذات جسد ممشوق متناسق وقامة طويلة، بشرة برونزية، خصلاتها نارية، وأعين عسلية، تعشق المال بشدة، شخصية جريئة واستغلالية) *** بعد وقت قصير في مكتب أدهم. دخل مالك إلى مكتب أدهم فور طرقه على الباب.
مالك بابتسامة واسعة: صباح الخير يا أبو الادهيم. نظر إليه أدهم بحنق: صباح الزفت على دماغك، عملت اللي قلتلك عليه؟ ذهب مالك إلى الكرسي أمام المكتب وجلس أثناء حديثه. مالك بمرح: براحة يا عم، آخد نفسي الأول. أدهم بنفاذ صبر: بلاش رخامة دلوقتي، وأنجز. مالك بجدية: أيوه طبعاً، ما أنا جايلك أقولك إن الخبر اتنشر في كل الجرايد والمواقع أهو. أخرج الهاتف من جيبه وفتحه، وسلمه إليه.
أمسك أدهم بالهاتف ورأى الأخبار تسطع على الشاشة، فظهرت على وجهه ابتسامة ماكرة أظهرت أسنانه البيضاء، وهو يتخيل رد فعل كارمن عندما ترى هذا الخبر. هتف مالك بعدم فهم وهو يرى ابتسامة أدهم: برضه أنا مش فاهم، أنت سعيد أوي كدا ليه من نشر الخبر يعني؟ أجاب أدهم بينما يتلاعب
بالقلم الذي بين أصابعه: عادي، ما تنساش إن كارمن بقت نائب مجلس الإدارة هنا، يعني طبيعي هتيجي تشتغل معانا.. ولازم الكل يعرف إنها موجودة هنا بصفتها مراتي أنا.. مش أرملة أخويا، وأنا متأكد إنها ما كانتش هتوافق على كده. رفع مالك حاجبيه بذهول من تفكير أدهم وقال: قصدك إنك حطيتها قدام الأمر الواقع؟ رد أدهم بإيماءة بسيطة: بالظبط كده.. ومن بكرة مش عايز أشوف وشك في الشركة هنا. مالك بدهشة: ليه يعني؟
أدهم بنفاذ صبر: هتروح شركة المقاولات فترة تتابع هناك بنفسك وتبعد عن هنا خالص. مالك بحنق: الله، ما إحنا بنتابع كل حاجة واحنا بعدين، هنا هتمرمطني ليه يا مفتري؟ أجاب أدهم بتهكم وغيظ: عشان مدام كارمن عايزة حضرتك تدربها على الشغل. نظر إليه مالك بشقاوة وقد فهم تصرفه، ليقول بخبث: مش تقول كدا من الأول.. ماشي، هروح.. أما نشوف لعبة القط والفار بتاعتك انت وهي دي هتوديكم فين. حدق فيه بغموض قائلاً بإصرار: هخليها تحبني يا مالك!
*** خارج مكتب أدهم، تحديداً في مكتب ياسمين. دخلت إلى الحمام وتتحدث في الهاتف كي لا يسمعها أحد. همست ياسمين بفخر: كله تمام يا باشا، أنا حالياً سكرتيرة أدهم البارون شخصياً. بتحذير: تمام، أوعي حد يشك في حاجة وإلا انتي عارفة اللي هيحصلك. ياسمين بخوف: لا ماتقلقش يا باشا، انت عارفني. ...... : طيب، وأي حاجة تخص مدام كارمن توصلني، فاهمة.. كل تفصيلة صغيرة تسمعيها تبلغيني على طول بيها. ياسمين بطاعة: حاضر يا باشا، انت تأمر.
...... : سلام. ياسمين: مع السلامة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!