في قصر البارون داخل جناح أدهم خرج أدهم من الحمام، وهو يلف جسده بمنشفة كبيرة فقط، بعد أن أخذ حمامًا منعشًا من عناء السفر الطويل، ولكي يجدد نشاطه تمهيدًا لسفره الذي يفكر في كيفية إخبار كارمن بذلك الآن. توقف مكانه، وهو يراها تدير إليه ظهرها، وتعبث في حقيبة سفره. رفع أدهم حاجبيه متسائلًا: بتعملي إيه؟ أدارت كارمن كتفها إليه، وقالت بنبرة عادية: بطلع هدومنا من الشنط زي ما أنت شايف. أخذ نفسًا عميقًا قبل الرد محاولًا الحفاظ
على رباطة جأشه أمامها: احم، لا سيبي هدومي زي ماهي في الشنطة. رمشت كارمن بعدم استيعاب: ليه؟ مش فاهمة. تحرك بثبات نحو غرفة الملابس، قائلًا ببرود: أنا مسافر.. بعد كام ساعة هتكون طيارتي. وقفت هناك مصدومة، وعقلها يكافح لترجمة ما قاله منذ ثوانٍ، ثم مشت ورائه إلى غرفة الملابس، قائلة بتوتر: هتسافر لوحدك؟ تساءل أدهم بدهشة وهو يقفل زر بنطاله بعد أن لبسه: نعم؟ تنحنحت بحرج من سؤالها
السخيف مصححة صيغة سؤالها: قصدي يعني هتسافر فين وهتقعد قد إيه؟ أجاب أدهم، وهو يستمر في ارتداء ملابسه بجمود: رايح باريس، في عملاء مهمين لازم أقابلهم قبل ما يبدأ الديفليه. فركت كارمن رقبتها باضطراب، وقالت باستفهام: ضروري يعني السفر النهاردة.. إحنا لسه راجعين من مشوار متعب، كتير عليك الضغط ده. رد أدهم
بكذب دون أن ينظر إليها: ما تقلقيش عليا، أنا متعود.. وكمان هما ناس مهمة جدًا، يعني وقتهم بفلوس ومرتبطين بمواعيد كتير، وإحنا المحتاجين ليهم لأن الفائدة الأكبر هتعود علينا، فلازم أسافر بسرعة. قطبت كارمن حاجبيها قائلة بضيق: هتغيب كتير؟ أدهم بتنهيدة: مش أقل من أسبوعين. وأضاف بعد أن انتهى من لبسه، وتوجه نحو باب غرفة الملابس، ملاحظًا صمتها، قائلاً بهدوء وهو يقف أمامها مباشرة، ومد يده إلى ذقنها ليجعلها تنظر إليه: مكشرة ليه؟
نظرت كارمن إليه ببراءة قائلة بنعومة: مفيش حاجة. نظر أدهم إلى داخل زرقاوتيها التي شتت كيانه بالكامل، خاصة عندما حدقت فيه بعيونها اللامعة بإطلالاتها البريئة، ثم تدحرجت عيناه على ملامحها عاقدًا حاجبيه، بينما زرقاوتيه الداكنة تموج بمشاعر مختلطة على ملامحها الجميلة، فهو يشتاق إليها منذ الآن، هامسًا بدون وعي: هتوحشيني. أحاط أدهم رأسها بكفيه وقبل جبهتها بحنان لم يستطع قمعه، ليغمغم بصوت هادئ: خدي بالك من نفسك كويس ومن ملك.
ابتسمت كارمن بحب رغم الضيق الذي يألم قلبها، وتمتمت: وانت كمان. رفعت أصابع قدميها، لتطبع قبلة رقيقة دافئة بجوار فكه مما ألهب مشاعره بشوق أكبر لها. ثبت أدهم عينيه على شفتيها المرتعشتين، ثم جذبها إليه على حين غرة، مقتنصًا شفتيها في قبلة بمشاعر عديدة. اتسعت عيناها مصدومة من فعلته لبرهة، ثم سرعان ما تلاشت الصدمة، وهي تلف ذراعيها حول رقبته.
تبادلت معه القبلات بجرأة كبيرة أثارت مفاجأتها هي نفسها، لكنها من الآن تشتاق إليه، لا تريده أن يبتعد عنها، تريد أن تحيطه بحنانها، وأن تشعر بالأمان الذي يحيطها بحضوره بجانبها. كيف ستتحمل غيابه عنها؟ على الأقل الآن، يمكنها أن تأخذ منه جرعة صغيرة لتهدئة روحها، لعلها تستكين قليلًا، فأن عشقه سكن وجدانها، وأصبح حياتها كلها.
استمع إلى تنبيه عقله، وأنه يتوجب عليه أن يتغلب على هذا الانجراف الذي قد يجعله يلغي كل ما خطط له، ويبقى في ذلك النعيم بالقرب منها. يريد الابتعاد، لكن كل حواسه ترفض الانصياع لأوامر عقله، مطالبة بالبقاء على هذا القرب المهلك منها، ولا تريد سواه. كانت الدموع تنهمر من جفنيها المغلقين، وأغرقت خدها حين صفعت تلك الأفكار السيئة التي تخيفها في عقلها، وأنها لن تبقى معه في هذا الوضع أكثر من بضع ثوانٍ، ثم سيبتعد عنها.
كيف ستتحمل فراقه؟ لا تستطيع، ليس بعد أن أحبته بجنون. شعر أدهم بتلك القطرات التي بللت وجهه، وعقد حاجبيه بحيرة وهو يفصل بين قبلتهما ويبتعد قليلًا، ناظرًا إليها بدهشة، لكن عقله ترجم تلك الدموع التي رآها تغرق وجهها بشكل خاطئ تمامًا. حيث ظن أنها تذكرت أخاه، أو ربما لا تريده أن يكون قريبًا منها من الأساس، فلم يستطع التحدث معها أو مواجهتها، قائلًا بصوت أجش: أنا لازم أنزل أعمل شوية مكالمات من المكتب قبل السفر.
شعرت كارمن بالدوار حالما ابتعد فجأة عن جسدها، فحاولت أن تتكئ على الباب خلفها، قائلة بحة خافتة، وهي تمسح دموعها بظهر كفها: طيب، أنا هحضرلك باقي الحاجات في شنطتك. ذهب أدهم إلى المنضدة، وتناول ساعته لكي يلبسها، قائلًا بجمود: تمام. ابتلعت كارمن غصة تشكلت بحلقها قبل أن تتساءل بتفكير: أحط لبس تقيل؟ هتف أدهم وهو يفتح باب الغرفة ليغادر إلى الأسفل: مش كتير، الجو في الوقت ده كويس من السنة هناك. همست كارمن بأنفاس مضطربة: حاضر.
بعد عدة أيام من سفر أدهم في الصعيد هتفت روان بصوت عالٍ: أيوه يا كوكي، وحشتيني، أخبارك إيه؟ قطبت كارمن بين حاجبيها من صخب صوت روان وقالت بلطف: الحمد لله يا حبيبتي، انتي عاملة إيه وجدو والجماعة كلهم إزيهم؟ وزعت روان أنظارها بين جدها وأمها الذين يجلسون أمامها وقالت على الفور: كلنا بخير الحمد لله، بيسلموا عليكي، وجدو عايز يكلمك. همست لجدها بعيون تلمع برجاء: جدو عشان خاطري بلاش تطول.. عايزة ألحق أكلم معاها شوية.
زجرتها حنان بتأنيب: بطلي رخامة يا روان، سيبي جدك براحته، عيب كده. قال الحاج عبد الرحمن وهو يمسك الهاتف: ماشي يا شقية، سيبي التليفون من إيدك، هيقع مني كده. ثم قال الجد بمحبة بعد أن وضع الهاتف بجوار أذنه: الو يا نن عين جدك، اتوحشتك يا حبيبتي. ابتسمت كارمن بسعادة وهي تستمع إلى كلماته الحنونة، حيث حياتها أصبحت أفضل بعد أن تقربت من جدها: أهلاً أهلاً يا جدو.. أنت كمان وحشتني.. طمني على صحتك، بتاخد الدواء ولا بتطنش؟
ضحك الجد قائلاً ببشاشة: لا يا بنتي، عندي هنا طقم كامل بيشرف على كل مواعيد الدواء.. دا كفاية زين لوحده لو نسيت أو راحت عليا نومة يفضل يتكلم كتير على إنه غلط.. لكن كلامه ما بفهمهوش أصلًا. قالت كارمن بضحكة: خايفين عليك يا جدو، وده لمصلحتك.. سيبك منهم كلهم، وحياتي أنا عندك خد الدواء بانتظام. الحاج عبد الرحمن بحنان: عيوني يا روح جدك.. سلميلي على والدتك ووصلي سلامي لجوزك وأمه كمان، وبوسي الصغيرة نيابة عني.
أردف بضحكة رجولية عالية: المخبلة روان عينيها بتطق شرار من دلعي ليكي، خدي أهي معاكي كلميها. ضحكت كارمن على كلماته وقالت برقة: حاضر يا جدي، يوصل. أخذت روان الهاتف عن جدها، وابعدت عنهما قليلًا، وقالت مازحة: أيوه يا كوكي، كدا عايزة تخطفي مني الراجل، حرام عليكي. كارمن باستياء مزيف: انتي طماعة أوي يا لهوي منك، مش كفاكي جوزك. روان بتذمر طفولي: جدو قاعد معايا على طول، بس جوزي بينزل الفجر ويرجع بالليل يا أختي.
كارمن بسخرية: احمدي ربنا، أنا بقي جوزي مسافر بقاله 4 أيام أهو ومحدش بيدلعني. روان بضحكة عالية قائلة بمكر: ليه هو مش بيديكي جرعة حنان ورومانسية في التليفون؟ تنهدت بحزن: لا، شكله مشغول جدًا بشغله ومعندوش وقت للرومانسية. روان باستغراب من صوت ابنة عمها الحزين: مالك يا كوكي؟ حاسة إنك مضايقة. تطلعت كارمن إلى السقف وقالت بهدوء: أنا تمام يا حبيبتي، ماتقلقيش.. بس عندي شغل دلوقتي، لما أروح البيت هرجع أكلمك براحتي.
صمتت روان قليلًا ولم تصدق نبرتها المهزوزة، لكنها أجلت الأسئلة لوقت آخر، قائلة بقلة حيلة: ماشي يا قلبي، هستناكي، سلام. كارمن: مع السلامة. ظهراً في النادي حيث تجلس نادين وميرنا. تساءلت ميرنا، وهي ترى شرود صديقتها الغريب: إيه الأخبار؟ تنهدت نادين بسأم: من وقت ما رجعوا من السفر وأدهم سافر على باريس.. مافيش أي جديد غير إن الهانم كل يوم بتنزل الشركة مع الحرس بتوع أدهم. ميرنا باستفهام: وتفتكري ليه ما سافرتش معاه؟
تمتمت نادين بغيظ: ما لحقتش أفهم إيه اللي حصل أصلًا في الصعيد.. بس سمعت أمه بتقول إن كارمن هانم بتجهز للديفليه اللي هتعمله شركة أدهم.. يمكن عشان كده ما سافرتش معاه. ميرنا بابتسامة خبيثة: واو، شكل كارمن هانم هتكون سيدة أعمال مهمة الفترة الجاية. نظرت نادين إليها نظرة حارقة وصاحت بغضب: ميرنا، أنا مش ناقصاكي.. ده كله كوم، والحصار بتاع أمه عليا كوم تاني خالص. إلتفتت ميرنا حولها وعلي وجهها ابتسامة
جامدة وهمست بزمجرة فيها: اهدي يا نادين كل مرة تفرجي علينا الناس بصريخك دا. نادين بقهر: مش عارفه اتصرف ازاي معاهم، حاسة بخنقة بشعة بسببهم. فجأة شعرت بصدام على الطاولة التي كانوا يجلسون عليها، فتطلعت إلى الأمام لتري بعض الأطفال يلعبون بالكرة، وقد اصطدمت بالطاولة أثناء اللعب. صرخت عليهم نادين بغضب حاد: انت يا شاطر منك له العبو بعيد، لا اخلي أمن النادي يطلعو برا.
خاف الأطفال من صراخها المرعب وهربوا من المكان، بينما كانت ميرنا تراقب ما يحدث وهي تضحك على طريقة صديقتها المخيفة مع الأطفال. ضحكت ميرنا بقلة حيلة: ما تهدي يا نادين، دول أطفال ذنبهم إيه تطلعي همك فيهم.. وانتي أصلا موضوعك معقد، وبعدين كنت عايزة أفهم حاجة.. عقدت نادين حاجبيها وقالت: حاجة إيه؟ ميرنا بتساؤل: انتي ليه كنتي مستعجلة في أول جوازك على الخلفة، وانتي أساسًا مابتحبيش الأطفال؟
أجابت باستخفاف: مين قال إني كنت مستعجلة، أنا حتى لو كنت خلفت، كانت هتربيه مربيات مش أنا خالص. ثم أردفت بحنق: دي كانت فكرة بابا، منه لله بقي قبل ما يموت، ملي دماغي.. خلفي منه وهاتي له وريث عشان تضمني إنك تعيشي في العز عمرك كله. أومأت ميرنا برأسها ساخرة: أيوه، ومات أبوكي، وبستي انتي في حيطة. أومأت نادين وقد تجعد وجهها بعبوس،
قائلة باستياء: بالظبط كده، فتحت على نفسي فتحة سودة.. كان بقالنا 10 شهور متجوزين ومفيش حمل، فضلت أزن أزن على دماغ أدهم عشان نكشف، وانتي عارفة الباقي، وبقت أكذب كذبة ورا كذبة عشان أداري على الكذبة الكبيرة. ابتسمت ميرنا بتلاعب، وقالت بخبث: عارفة أحسن حل تعمليه إيه؟ نادين بلهفة: الحقيني به. ميرنا بغموض: تخلصي من مراته دي تمامًا. بعد مرور أسبوع. في شركة البارون.
داخل مكتب كارمن، الذي كان في الماضي مكتب عمر المدير التنفيذي السابق، لكن يبدو مختلفًا تمامًا بعد التجديدات التي طرأت عليه. أغمضت عينيها وأعادت رأسها إلى المقعد المريح، منهكة من كثرة التدقيق في الأوراق أمامها، ثم شردت في أفكارها بعيدًا. مر الأسبوعان بسرعة، وهي تستمر في العمل بانتظام، وكل شيء يسير على ما يرام، لكنها تجد ضغطًا كبيرًا من مقدار الأعباء التي تتحمل مسؤوليتها وحدها. ماذا عليها أن تفعل؟
يجب أن تتحمل، لأنها تريد أن تثبت جدارتها حتى يعلم أدهم مدى التزامها وجديتها في العمل. تنهدت بعمق على ذكر أدهم الذي تفتقده بشدة، لكنها حزينة في أعماقها رغم أنها لا تظهر ذلك، لكن عدة مشاعر تأتي إليها وتزعج نومها في الليل حزينة لأنه بعيد عنها. بعد أن تعودت على وجوده بجانبها، تفتقد مشاكسته معها، وجديته، ومداعبته، وقربه الذي يجعل قلبها يخفق مثل الطبول.
تعترف بأنها تشتاق لكل شيء يخصه، وما يحزنها كثيرًا هو بروده في الحديث معها عندما يتصل بها، فهو لا يتحدث في الهاتف لأكثر من دقيقتين، ولا يتحدث معها إلا عن أمور العمل وعن أحوال ملك. لتنتهي المكالمة خالية من أي عواطف، رغم أنها ترغب في التعبير عن شوقها إليه، لكنها عندما تتلقى هذا الجفاء غير المبرر منه تصمت حفاظًا على كرامتها.
أطلقت تنهيدة عميقة، وهي تفتح عينيها محاولة إخراج كل هذه الأفكار من عقلها حتى تتمكن من التركيز فقط على العمل. بعد بضع دقائق رن الهاتف اللاسلكي بجانبها حيث كانت السكرتارية تتصل بها، وأجابت بجدية: أيوه يا مها. تحدثت مها بنبرة عملية مهذبة: أستاذة كارمن، الفريق في انتظار حضرتك في القاعة عشان ميعاد الاجتماع. كارمن بهدوء: تمام، أنا جاية حالًا.
أغلقت المكالمة، وقامت من مقعدها، وجمعت الأوراق والأشياء التي تخصها، وأمسكت بها بإحكام في يدها، وغادرت المكتب بخطوات ثابتة. بعد بضع ساعات من العمل. تقف كارمن داخل غرفة فسيحة مخصصة للتصميم مع فريقها، وكانت الغرفة مميزة جدًا بزخارفها التي تتناسب مع أجواء الفساتين، وكل ما يتعلق بالأزياء والموضة. التفتت كارمن إلى الفتاة التي تقف خلفها، وبدت وكأنها شاردة، حتى بعد أن أنهى الجميع عملهم وبدأوا في مغادرة الغرفة.
بقيت واقفة في مكانها غير منتبهة لأي شيء ولا تتحرك، تفاجأت كارمن بها وذهبت نحوها، قائلة بسؤال قلق: مالك يا نسمة؟ نسمة بكلمك. خرجت نسمة من شرودها قائلة بإحراج، وهي ترى أن المكان كان خاليًا من الجميع: أنا آسفة، في حاجة فاتتني؟ عبست ملامح كارمن، وقالت باستغراب: انتي مش معايا خالص، عقلك فين؟ خجلت نسمة منها قليلاً، وقالت بابتسامة بسيطة: موجود والله. ضيقت كارمن عينيها عليها، وقالت بفطنة: لا، انتي كنتي سرحانة في حاجة شغلاكي.
ثم تركت كارمن الأقلام من بين يديها، واقتربت منها واضعة راحة يدها على ظهر نسمة، لتمشي معها دون اعتراض من الأخرى، ثم جلسوا على الكنبة بجانب بعضهما البعض. تساءلت كارمن بهدوء: مالك، احكيلي. نسمة باضطراب: مافيش حاجة مهمة. كارمن بإصرار: لا، أكيد مهمة عندك طالما مشغول بالك بيها لدرجة دي. ابتسمت نسمة بأدب وقالت بصدق: أنا آسفة، أنا فعلًا سرحت شوية غصب عني، صدقيني مش قصدي. ربت كارمن براحة
يدها على كتف نسمة بلطف: مش محتاجة تعتذري كتير كده.. لو مش هتعتبريني بدخل في أمورك الشخصية.. هو السرحان ده سببه يوسف، مش كده؟ حدقت نسمة فيها، لتقول بصدمة: هو أنا واضح عليا للدرجة دي؟ أومأت كارمن وقالت بهدوء: كان واضح من نظراته المركزة فيكي طول الاجتماع، وانتي كمان كنتي متوترة ومسهّمة.. كأن الجو مكهرب بينك وبينه. هو مضايقك في حاجة؟ تحول وجهها إلى اللون الأحمر من الحرج الذي تسببت فيه لنفسها، ولم تستطع الإجابة.
عندما تلقت كارمن منها الصمت، غيرت صيغة سؤالها، وقالت باستفهام: انتي بتحبيه يا نسمة؟ أطلقت تنهيدة قصيرة وخفضت جفنيها، وكانت الأفكار تتضارب في عقلها. تحتاج إلى أن تخبر أحدهم بما يزعجها، لأنها بطبيعتها انطوائية للغاية وتحتفظ بأسرارها في داخلها، لكنها حزينة لدرجة أنها تشعر وكأنها على وشك الاختناق.
لا تعرف سبب ارتياحها لكارمن، فهي تعمل معها منذ أسبوعين فقط، لكن طيبة قلبها ولطفها في المعاملة جعلها تطمئن، وتفتح قلبها لها، لعلها تهدأ قليلاً. همست نسمة بصوت خجول منخفض: أنا ويوسف كنا مخطوبين لبعض. ارتفعت حواجب كارمن باندهاش عند سماع هذا النبأ: بتكلمي بجد؟ أومأت برأسها قائلة بنبرة هادئة يشوبها الحزن: أيوه.. اتخطبنا 6 شهور، وقبلها كنا زمايل وأصدقاء هنا بالشركة سنتين من وقت ما جيت اشتغلت في الشركة.
عضت كارمن شفتيها بتردد خوفًا من إزعاجها: تسمحيلي أسألك طيب إيه اللي حصل معاكو؟ أسدلت نسمة عينيها واستمرت في الحديث بنفس الهدوء: في الأول أنا كنت فرحانة أوي لما خطبني، هو إنسان كويس أوي وابن ناس وطموح جدًا في شغله وناجح.. كانت كل الأمور تمام و بجهز للجواز.
تنهدت بضيق مردفة: بس هو فجأة اتغيرت طريقته معايا، بقي مشغول طول الوقت، معندوش دقيقة واحدة يكلمني فيها.. في الأول عذرته وقولت يمكن عنده سبب مهم وضغط الشغل عليه والتزامات الجواز، فسيبته لنفسه شوية. نطقت كارمن تحثها على استكمال حديثها: تمام، وبعدين؟ أخذت نفسا عميقا
قبل أن تستأنف كلامها: الوضع ده استمر شهر ونص.. وأنا معرفش ماله ولا عارفة أتكلم معاه.. ومن 3 شهور كنت جايباله ورق مهم يمضيه في مكتبه.. كان ممكن أبعته مع السكرتارية بس قصدت أروحله أنا عشان أتكلم معاه.
ثم أضافت بتفسير: كان هو في حمام المكتب وقتها.. أنا قعدت استناه وكنت محضرة كلام كتير أقوله لما يخرج.. كان حاطط تليفونه على المكتب.. سمعت صوت وصول رسالة ليه، وانتي عارفة فضول البنات، حبيت أشوف الرسالة عادي مش أكتر.. قمت ووقفت ورا المكتب وأنا مترددة وخايفة من رد فعله، وأول مرة أتصرف بالشكل ده، وعلى آخر لحظة كنت خلاص غيرت رأيي وهرجع مكاني.. لكن لمحت اسم رانيا على الرسالة، ففتحتها. كارمن بتساؤل: رانيا مين؟
رمشت نسمة وقالت: بنت بتشتغل هنا في الشركة، عارضة أزياء. جاءت في ذهن كارمن صورة تلك الفتاة الفاتنة التي لم تشعر بالراحة إليها منذ الوهلة الأولى: أيوه افتكرتها، أنا شفتها مرة قبل كده. معلش إني قاطعتك، كملي. أضافت نسمة بصوت مخنوق بالعبرات: "لما فتحت الرسالة لقيت محادثة طويلة بينهم وكلها كلام زي حبيبي وروحي وبيدلعها وبيهزروا سوا بقالهم فترة كبيرة." ارتفعت
حاجبا كارمن بازدراء وقالت: "يعني طول الفترة اللي كان متغير معاك فيها كانوا بيكلموا بعض؟ نسمة: "بالظبط كده." كارمن: "وعملتي إيه؟ *** كانت نسمة واقفة بجانب المكتب وعلى وجهها علامات استغراب وصدمة مما قرأته من كلمات غزل تشير إلى وجود علاقة حب بين خطيبها وتلك الفتاة المسماة رانيا. قلبت بأصابعها مرة أخرى في الهاتف ووجدت تاريخ الرسائل بينهما منذ أشهر وأنهما يتواصلان بشكل يومي.
تجمعت دموع كثيفة في عينيها لدرجة أن بصرها أصبح مشوشًا. هتف يوسف باستغراب من خلفها: "انتي بتعملي إيه هنا يا نسمة؟ وواقفة كده ليه؟ فجأة انتفضت في مكانها من الذعر عندما سمعت صوته خلفها ينادي باسمها، فالتفتت إليه لتواجهه بهذا الشكل المذري الذي أصبحت عليه بسبب صدمتها. رمش بعينه في اضطراب عندما رأى هاتفه في يديها والدموع تنهمر على خديها مردفًا بتساؤل: "انتي بتعيطي ليه؟
حدقت به، دموعها تتسرب على خديها الناعمتين ببطء، ولم تستطع الرد بأي كلمة، لكنها مدت يدها وسلمت له هاتفه. أخذ الهاتف منها وهو متعجب من بكائها، ثم حدق في شاشة الهاتف ليتفاجأ بأن محادثته مع رانيا كانت مفتوحة، والآن وجد إجابة على كل ما يحدث أمامه. حاول السيطرة على توتره قائلًا بنبرة هادئة يسودها الاضطراب: "نسمة ممكن تهدي عشان نعرف نتكلم." هتفت
نسمة من بين شهقاتها بتهدج: "كنت جاية فعلاً هنا عشان نتكلم، بس المفروض هتقول إيه بعد اللي شوفته؟ هتبرر بإيه انشغالك عني شهرين من غير أي سبب واضح وأنا زي الهبلة عمالة أحطلك أعذار من الهوا؟ أردفت بحدة: "ولا إنك بتعرف واحدة تانية وبينكم غراميات وأنا اللي اسمي خطيبتك ولا معبرني؟ جعد بين حاجبيه مقاطعًا جملتها وهو يهتف بإنفعال: "انتي إيه الهبل اللي عمالة تخرفي بيه من الصبح ده؟ مفيش حاجة بيني وبينها مجرد كلام عادي بين صحاب."
راحت تحدق فيه بعين تطلق شررًا من بروده قائلة بغضب شديد: "صحاب يعني إيه؟ الكلام اللي قرأته مش كلام بين اتنين صحاب." يوسف بتوتر: "إيه اللي بتقوليه ده؟ قولتلك انتي فاهمة الموضوع غلط." عقدت نسمة ذراعيها أمام صدرها قائلة بحدة: "خلاص فهمني إيه هو السبب اللي مخلليك مشغول ولا بتكلف نفسك برسالة فيها كلمة واحدة ليا؟ ده حتى مش هاين عليك ترد على مكالماتي ولو رديت تقولي مشغول."
أردفت بسخرية: "آثاريك مقضيها حواديت وضحك مع الآنسة رانيا." هتف يوسف بنفاذ صبر: "اسمعي، ما تتجاوزيش حدك وانتي بتكلميني. انتي هتفتحيلي تحقيق وإزاي أصلاً تسمحي لنفسك تمسكي تليفوني وتفتشي فيه؟ مسحت ما تبقى من دموعها بأطراف أصابعها قائلة بتهكم ساخر: "بقي هو ده ردك عليا؟ بتهاجمني عشان تتهرب من الرد على كلامي؟ تحدث
يوسف بهدوء قدر المستطاع: "نسمة، قولتلك نقعد وأنا هفهمك بهدوء، انتي مش عايزة تسمعي الكلام. و أصلاً إحنا في مكان شغل ما يصحش الكلام ده هنا، خلينا ننزل نقعد في أي حتة طيب ونتفاهم."
حدقت فيه نسمة بنظرة حادة وحاولت أن تجعل صوتها ثابتًا لكنه خانها أيضًا وخرج مرتجفًا قليلًا: "لا هنا ولا في أي مكان. لو كان عندك ذرة شجاعة واحدة بس، كنت وجهتني من البداية وقلت إنك مش عايز تكمل، مش تتهرب مني وعايش حياتك ولا كأن في إنسانة ربطتك بيها. وشكرًا يا ابن الأصول على تقديرك واحترامك ليا وربنا يسعدك انت وهي مع بعض." ثم خلعت الخاتم من إصبعها ووضعته في يده، ثم غادرت المكان دون تردد. ***
نسمة: "من وقتها مفيش بينا كلام إلا في حدود الشغل وبس. لولا إني متمسكة بشغلي هنا أنا كنت سبت المكان من زمان." نظرت إليها بحيرة من ذاتها: "أنا اتوجعت جدًا من اللي حصل. الخداع إحساس صعب ومر أوي. من يومها جوايا حاجات اتغيرت، ثقتي طبعًا فيه اتعدمت، ويمكن ثقتي في نفسي كمان من كتر ما بفكر ليه يعمل معايا كده." رفعت كارمن يدها تربت على كتفها بتعاطف، وقد غضبت من المدعو يوسف كثيرًا، كيف يمكنه أن يخذلها ويتلاعب بها هكذا، وشعرت
بالحزن عليها قائلة بهدوء: "طيب هو حاول يفتح معاكي الموضوع بعد كده؟ فركت نسمة وجهها من ذلك الصداع الذي لا يفارقها من كثرة التفكير وقالت بنبرة متعبة: "أيوه حاول، جه لبابا واتكلم معاه ولسه بيحاول يكلم معايا، بس خلاص أنا نفرت منه ومن الحب والارتباط كله." كارمن: "ما تقوليش كده، انتي لسه العمر قدامك، يعني ممكن تعتبريها تجربة وفشلت. مفيش حاجة نجاحها مضمون مية في المية من أول مرة، ولا إيه رأيك؟ أومأت نسمة بابتسامة أشرقت
وجهها الجميل تؤيد رأيها: "عندك حق." ابتسمت إليها كارمن قائلة ببشاشة: "طيب امسحي وشك وتعالي نكمل شغلنا." نسمة بامتنان: "حاضر. متشكرة ليكي يا كارمن على اهتمامك وكلامك ليا." كارمن بمودة: "مافيش داعي للشكر، إحنا زملاء وبقينا أصدقاء كمان. ما تشغليش بالك بحاجة إلا مستقبلك وربنا يقدر لك اللي فيه الخير." *** داخل منزل صغير في حي راقٍ صاح رجل عجوز من داخل المطبخ: "يلا يا روح بابا تعالي جهزتلك العشاء." بعد قليل
جاءت نسمة ترتدي إحدى بيجاماتها المريحة، حيث تحب دائمًا أن ترتدي ملابس فضفاضة في المنزل، وقالت بمرح وشهية: "الله الله على الروايح الحلوة يا عم شاهين." أشار شاهين برأسه إليها: "هاتي العيش من هناك عشان تلحقي تاكلي الأكل وهو سخن." أومأت نسمة إليه وقالت: "حاضر." جلست نسمة على طاولة الطعام الصغيرة في المطبخ مع والدها يتناولون وجبة العشاء. نسمة بعبوس: "بابا مش أنا قولتلك كتير تديني فرصة أعمل أنا العشاء ولو مرة واحدة حتى."
شاهين بضحكة: "بقولك إيه، إحنا بينا اتفاق ما فيهوش رجوع من يوم ما طلعت على المعاش." أنا أطبخ وأمارس هوايتي المفضلة، وأنتِ اشتغلي وارسمي وشخبطي براحتك. ضحكت نسمة ثم قالت بنبرة هادئة: أيوه يا بابا، بس وقفة المطبخ غلط عليك، على الأقل سيبني أساعدك. ثم أردفت بمزاح: ليه الأنانية دي استحوذت على المطبخ خلاص؟ ضحك شاهين بمرح وقال بتسلية: خلاص، ما يهونش عليا زعلك، المواعين عليكي. انكمش
وجه نسمة قائلة بحسرة: المواعين، ماشي، أمري لله. شاهين بمحبة وحنان: لما تتجوزي اعملي اللي أنتِ عايزاه في مطبخ، محدش هيمنعك. وضعت نسمة يدها أسفل ذقنها بحزن مصطنع: عايز تخلص مني بالسرعة دي يا شاهين؟ حدق شاهين فيها بطرف عين وقال: ما تتهربيش زي عوايدك يا نسمة، أنتِ فاهمة قصدي. زفرت نسمة بضيق: بابا، لو سمحت، أنا قولت قراري، رجوع ليوسف أنا مش هقدر.
هز شاهين رأسه برفض وقال: أنا مش بكلم عن يوسف خالص، حتى لو عايزة أنتِ ترجعيلو أنا اللي هرفض، هي بنات الناس لعبة عشان يعمل كدا معاكي؟ أنا بكلمك على العريس اللي اتقدم بقاله أسبوعين وأنتِ حتى مش عايزة تقابليه. تركت الشوكة من يدها قائلة بتنهيدة عميقة: اسمعني يا بابا، يوسف غلطان في اللي عمله والموضوع اتقفل لحد كدا بالنسبالي ومش هنتكلم فيه تاني، لكن أنا محتاجة فترة أبقى لوحدي من غير ضغط.
ثم أضافت بحزن: اللي حصل دا يا بابا خلّى ثقتي في نفسي تتهز، لأني مالقتش مبرر لتصرفه معايا إلا إني فيا حاجة غلط. شاهين بحنان: الكلام دا مش مظبوط يا نسمة، أنتِ يا بنتي الكل بيشهد بأخلاقك وتربيتي ليكي، وبجمالك وذكائك ونجاحك في شغلك، وإذا كان الموضوع على فترة راحة أنا موافق، خلاص مش هنتكلم عن الجواز الفترة دي، يلا كملي أكلك. نسمة بحب: ربنا يخليك ليا يا أحلى عم شاهين في مصر. في جناح أدهم.
جلست كارمن أمام المرايا تمشط شعرها بعقل شارد، بعد أن صعدت جناحها للنوم بعد أن تناولوا العشاء جميعًا. أصبحت تشعر بقبضة في قلبها في كل مرة ترى نادين أمامها، لكنها تحاول أن تبقي تلك التخيلات التي تراها في أحلامها بعيدة عن عقلها قدر الإمكان. يكفيها أفكار سلبية، لعل هذه الأفكار هي سبب الكوابيس التي بدأت تراودها بعد سفر أدهم.
كما أنها أصبحت في الآونة الأخيرة عندما تكون وحيدة في الليل، تحاول ألا تكتم داخلها شوقها إليه، بل تلبس ثيابه قبل النوم وترش عطره المفضل حتى تشعر بوجوده معها، ربما هذا يريح قلبها قليلاً، وتبعد عنها تلك الكوابيس المرعبة. نظرت للأمام بطيف ابتسامة وهي تقف أمام المرايا، ورأت نفسها في قميصه الأبيض، الذي وصل إلى بعد منتصف فخذها بقليل.
قالت بضحك على حالها: بتصرف زي الحرامية وبستخدم حاجاته من وراه، بس عادي، مين يعني هيشوفني بالقميص؟ ثم أضافت بنبرة مقهورة بعد أن نظرت إلى ساعة هاتفها: ماشي يا أدهم، الساعة بقت 11 بليل ولحد دلوقتي ولا سألت فيا. أردفت بسخرية: هو فيه عشاء عمل لحد دلوقتي؟ ثم تحدثت مع نفسها بعناد، ناظرة إلى
انعكاس صورتها في المرايا: طيب أنا بقى مش هستناك وهروح أجيب اللي أنا عاوزاه من بيت عمر، مش هفضل معطلة نفسي بسبب سيادتك وأنت بقالك أسبوعين ولا سائل فيا. ثم ذهبت إلى الفراش وأطفأت الضوء بحيث لم يكن هناك سوى ضوء خافت بجانب السرير، ثم تمددت وأخذت الوسادة بجانبها لتمسك بها وتضمها إلى صدرها، لتظل تفكر قليلاً، وبعد ذلك تغرق في نوم عميق بسبب الكثير من التوتر والتفكير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!