الفصل 38 | من 48 فصل

رواية مزيج العشق الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
21
كلمة
4,430
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

داخل فندق في باريس ادهم بهدوء : أيوه يا مالك. نظر مالك إلى الساعة ليجد أن الوقت قد تأخر، وقال بقلق: إيه يا أدهم حصل حاجة معاك؟ ادهم بتنهيدة: لا أنا كويس. إنت عامل إيه؟ مالك بتساؤل: الحمد لله تمام. إنت مش خلصت اللي كنت رايح عشانه، هترجع إمتى؟ فرك أدهم ذقنه بتفكير وقال بصوته الرخيم: لسه مش عارف. طمني إيه أخبار الشركة؟ ابتسم مالك بخبث: الشركة ولا اللي في الشركة؟ زفر أدهم وقال بضجر: بطل رغي ورد على قد السؤال.

تغيرت نبرة مالك قائلاً بجدية: هي كويسة وأمور الشغل معاها تمام جداً، بس دايمًا بتسألني عليك. ثم أضاف بحيرة: إنت ليه بتعمل معاها كدا؟ أغلق جفنيه متعباً، قائلاً بهدوء: خد بالك منها، ولو احتاجت حاجة تنفذها فوراً. ابتسم مالك بسخرية وقال بسأم: بتتهرب، ماشي. ثم أردف: بالحق قبل ما أنسى، هي هتروح بعد يومين فيلا عمر. فتح عينيه وابتسم بغضب متفهماً حركتها العنيدة، قائلاً

ببرود: طبعاً عشان أدواتها تمام. لازم أقفل دلوقتي، يلا سلام. قال مالك بقلة حيلة من تقلبات ابن عمه الدائمة: سلام. رمى أدهم الهاتف بإهمال على السرير بجواره، يفكر في وضعهما، يحاول كبح شعوره وأن لا يتبع رغبة قلبه المشتاق إليها. فما كان سفره إلا لأنه ظن أنه يحاصرها بحضوره، لذا قرر البقاء بعيداً لفترة مؤقتة، ليجعلها ترتب أفكارها المشوشة، ثم يعود لترتيب الأمور بينهما. *** بعد مرور يومين في فيلا عمر البارون

دخلت كارمن إلى المنزل، لكنها شعرت بالغرابة والحيرة، كيف يمكن أن تشعر أنها غريبة في ذلك المنزل الذي كان منزلها، وعاشت فيه لأكثر من عامين من حياتها. ابتسمت كارمن بدهشة من تغيرات المصير اليوم، هذا المنزل الذي تشاركته مع عمر والذي جمعها معه تحت سقفه ذكريات كثيرة، أصبح شيئاً من الماضي في حياتها.

بينما تعيش الآن في الحاضر مع آخر شخص كان من الممكن أن يتوقعه عقلها، وربما ما كان يمكن أن يخطر ببالها أبداً، والعجيب أن هذا الحاضر أصبح محور حياتها، ولا تتخيل أبداً أن مستقبلها سيأتي بدونه، وهذا ما تخشى منه منذ سفره، لكنها لا تستطيع الاعتراف حتى لنفسها لأنها خائفة جداً من هذه الأفكار. ... : مدام كارمن. انتبهت لكلماتها وقالت بهدوء: نعم. ابتسمت الخادمة باحترام: كنا بنسأل حضرتك نبدأ منين النقل؟

طردت كل تلك الأفكار التي شغلت عقلها منذ أن دخلت هنا، لتقول بجدية: تعالوا معايا، هنبدأ بالحاجات اللي فوق الأول. بعد أن مرت ساعتين كارمن: الو يا يسر. غمغمت يسر بينما تأكل الفشار: ها، لقيتيه ولا لسه؟ كارمن بنرفزة: يا بنتي اهدي شوية، في زحمة وكركبة هنا جامدة، عشان كنت ناسيه أماكن الأدوات وفضلت أدور على الكتاب فوق مش لاقياه. يسر بضحكة: مش مهم أي حاجة غير الكتاب.

تمتمت كارمن بغيظ: اضحكي اضحكي، دا اللي فالحة فيه. أنا مش عارفة أركز من زنك عليا. تنهدت يسر بملل وقالت بتحذير مزيف: خلاص هسيبك، بس أنا بحذرك، أوعي ترجعي من غيره. كارمن: كتبت قائمة بكل حاجة هجيبها، وأول حاجة كتابك. بس ناسيه هو فين. هدخل دلوقتي مكتب عمر يا زنّانة وأشوفه. قوست يسر شفتيها وقالت بحزن متصنع: كده يا كوكي، أنا زنّانة؟

قالت كارمن بضحكة: لا مزعلش، خليني أخلص وأكلمك. ماقولتلك تعالي معايا المشوار ده، عملتي منها، كنتي ساعدتيني شوية واتمرمطتي معايا. يسر: ماكنتش عارفة إنك هتحتاسي كده. لو فعلاً محتاجاني، هلبس على طول وأجيلك. كارمن: بعد إيه، أنا تقريباً خلصت. ماتقلقيش، معايا هنا بنات من القصر بيساعدوني. بس ارحميني إنتي شوية، فاضل كتابك، هدور عليه وبعدها هروح البيت. يلا سلام بقى. يسر: أوكي، باي يا كوكي.

أنهت كارمن المكالمة عندما دخلت مكتب عمر، وواصلت البحث في الرفوف عن الكتاب، لكنها لم تجده. دلكت كارمن فروة رأسها في حيرة: وبعدين هيكون راح فين الكتاب المنحوس ده بس يا ربي. تحولت نظرتها إلى المكتب في منتصف الغرفة: يمكن على المكتب أو جوه درج من الأدراج، أما أشوف. قلبت في الأشياء الموجودة على سطح المكتب، ولم تجد شيئاً، فجلست على كرسي المكتب وبدأت في فتح الأدراج واحدة تلو الأخرى.

ثم زفرت براحة: الحمد لله، أخيراً لقيتك. متعب إنت زي صاحبتك. ثم أردفت بضحكة: بس عسل، لا تموتني. كانت هناك عدة أوراق تحت الكتاب خاصة بالعمل، ظنت أنهم ذوي قيمة، فبدأت تتمعن النظر فيهم، ثم أعادتهم حيث كانوا، لكن لفت انتباهها ظرف كبير ملفوف ومغلق بعناية بأسفل الدرج، لكنها تراه لأول مرة: إيه ده كمان!

أخرجته من الدرج ووضعت الكتاب بجانبها، ثم بدأت في فتح الظرف وتفريغ محتوياته على المكتب، وراحت تتفحصه بعيون واسعة من الصدمة وعدم التصديق. نهضت من مقعدها مذهولة ووقفت في منتصف الغرفة وهي تشعر بالدوار والتشويش. تتبادر إلى ذهنها كلمات مما قرأته للتو، وأحداث مرت منذ شهور، تتضارب في عقلها بشكل غير مترابط. _ورم في الفص الأيمن من المخ في حالة متطورة. _سفر إلى المستشفى الأمريكي في باريس.

_عملاء مهمين في باريس يا حبيبتي، لازم أقابلهم، هيكون في شغل بينا وبينهم كتير، وكمان مؤتمر مهم هنتكلم فيه عن الشركة. اتسعت عيناها في صدمة من تكرار ذلك الحدث تقريباً، فالأولى كانت من عمر قبل ساعات من رحيله ووفاته، والآخرى كانت من أدهم قبل أسبوعين. تكلمت مع نفسها في ذهول، وانحدرت الدموع بلا هوادة من عينيها

من تأثير الصدمة عليها: يعني عمر كان عنده ورم في المخ وفي حالة خطيرة، وده سبب سفره. بس هو مالحقش يوصل باريس والطائرة وقعت بيه. ليه ما عرفتش بكل ده من زمان؟ ليه كنت أنا آخر من يعلم كده... همست بخوف بينما تغطي فمها براحة يدها: أدهم. استدارت وبحثت عن حقيبتها، ثم لمحتها على الأريكة الصغيرة. ركضت نحوها وأخرجت هاتفها، وبدأت تعبث بقائمة الأرقام، ثم ضغطت على زر الاتصال.

تنهدت بإحباط وقلق عندما لم يرد على مكالمتها، ثم مسحت دموعها بباطن كفها، وذهبت إلى المكتب وجمعت الأوراق في الظرف وأخذت الكتاب أيضاً ووضعته في الحقيبة، ثم خرجت بخطوات مترنحة. *** ليلاً في قصر البارون ليلى همست بلطف إلى ملك التي كانت جالسة بجانبها على الأريكة بينها وبين ليلي: مين الحلوة اللي هتنام جنب تيتة النهارده؟ مريم بضحكة: لا، موكة هتنام معايا أنا النهارده. عبست

ملامح ليلي وقالت باستنكار: كانت معاك امبارح يا مريم. إحنا بينا اتفقنا كل واحدة يوم. صاحت مريم بمرح في كارمن التي دخلت لتوها من الخارج ولم تلحظ شحوب وجهها: تعالي يا كارمن، شوفي حماتك العنيدة مش عايزاني أنيم ملك معايا النهارده. ليلي بدهشة: لا يا مريومة، إنتي بقيتي تنصبي عليا كتير. إحنا نعمل جدول تنظيم نومها عند كل واحدة فينا يوم. الكلام الشفوي ده مابقاش ينفع.

حاولت كارمن التركيز على ما كانوا يتحدثون عنه، وواجهت صعوبة في إخراج صوتها بشكل طبيعي، قائلة بهدوء: الأفضل للبنت تتعود تنام لوحدها يا جماعة، عشان لما تكبر ماتبقاش مدلعة وتخاف تنام لوحدها. نظرت مريم إلى ليلي، التي أومأت لها بالموافقة، وقالت مريم دعماً لرأي ابنتها: البنت طلعت أأقل مننا وعندها حق، مع إني مابقدرش أستغنى عن نومها عندي، لكن هو ده الصح.

كارمن بابتسامة رقيقة: ماتزعلوش، امشوا على الجدول فترة بسيطة وبعدين نخليها تنام من وقت للتاني لوحدها بالأوضة اللي عاملها أدهم ليها في جناحه. غلط إنها تتعود على كده على المدى الطويل. ليلي بابتسامة: تمام يا حبيبتي. جبتي كل اللي إنتي عايزاه من الفيلا؟ أومأت كارمن وقالت: أيوه يا ماما ليلي. قالت مريم بينما تهم بالنهوض: طيب يلا، أنا هقوم أقولهم يجهزوا العشاء ونتعشى كلنا.

هتفت كارمن برفض: لا يا ماما، أنا تعبانة جداً من المجهود اللي عملته طول اليوم، هطلع أنام على طول. تصبحوا على خير. *** بعد قليل في جناح أدهم كارمن تجلس على السرير وركبتاها مضمومتان إلى صدرها ويبدو عليها التوتر والقلق بعد أن حاولت الاتصال بأدم لتطمئن عليه، لكن هاتفه مغلق. لا تريد أن تتخيل قط فكرة عدم عودته إليها أو عدم وجوده في حياتها. ليس بعد أن فهمت مشاعرها وأطلقت العنان لقلبها وتبعته ليقودها لمن يمتلكه.

هي أحبت عمر ولا تنكر إلا أنه حب عشرة وتعود، فهو أول رجل يدخل حياتها ويملأها باهتمامه، لذلك من الطبيعي أن تنجذب إليه وتعتقد أنها تحبه، ربما بسبب قلة خبرتها في هذه الأمور. كما أنه طلب منها الزواج بعد أشهر قليلة من معرفتها به، لكنها لم تشعر معه بنفس المشاعر التي تغزو قلبها الآن والتي تشتت كيانها وتجعلها ترتجف خوفا من فقدانها. حتى لو كانت تحبه حقا، فهي الآن تعشق أدهم.

تحبه من كل قلبها، تعشق كل تفصيلة صغيرة فيه، كل لمسة ناعمة، كل همسة لطيفة منه، أو مجرد قبلة صغيرة منه قادرة على جعل نبضها يتبعثر لساعات. مددت كارمن ساقيها وأمسكت بالوسادة وسحبتها بين ذراعيها وهمست برجاء: يارب اغمض وافتح الاقيه قدامي مش قادرة استحمل غيابه اكتر من كدا. بعد مرور بضعة ساعات قليلة.

دخل أدهم غرفة النوم بهدوء في وقت متأخر من الليل، طائرته قد وصلت لتوها إلى مصر، وبعدها توجه مباشرة إلى القصر دون أن يخبر أحدا، حتى والدته لا تعلم متى سيصل. نظر إلى كارمن، التي كانت تنام بهدوء على السرير، ووسادته بين ذراعيها. تمنى في هذه اللحظة أن تضمه بدلا من الوسادة، وأن يشعر بأطراف أناملها وهي تلعب بخصلات شعره بحنان، حيث كان يتوق بشوق إلى لمساتها الرقيقة للغاية.

اقترب أدهم ببطء وتمهل من السرير، ثم جلس على حافته، ودارت عيناه على وجهها، ينظر إليها بعشق وشوق جارف. شعرت كارمن بحركة بجانبها، ففتحت عينيها ببطء واستغرقت بضع ثوان بينما ترمش عيناها، لتتضح الرؤية في ذلك الضوء الخافت الذي يسود الغرفة حتى أدركت أنه كان يجلس بجوارها ويحدق بها. صاحت كارمن باسمه في لهفة، وهي تقفز من مكانها: أدهم. أدهم يحاول تهدئتها لاعتقاده أنه أثار ذعرها: ماتتخضيش أيوه ان..

لم يستطع إكمال جملته، حيث فوجئت به ترتمي في حضنه دون لحظة من التفكير، وعانقته بشدة، وهي تغمض عينيها بقوة وتشكر ربها على أنه استجاب دعائها، وبالكاد تصدق أنها بين ذراعيه، وأنه على ما يرام. صدم أدهم من رد فعلها لرؤيته، والأكثر من عناقها له. أحاطها أدهم بقوة لا يريدها أن تبتعد عن قلبه، إنه يشعر الآن أن نبضاته قد انتظمت بضمها إليه، حيث استنشق عطر جسدها الذي يدمنه، وهذا ما كان حقا يفتقده كثيرا.

قالت كارمن بصوت مبحوح، بينما كانت ذقنها على كتفه وتضمه بقوة: انت كويس امتى رجعت من السفر؟ رفع أدهم كفه، وربت على شعرها بحنان، ثم قال بصوت خافت بجوار أذنها، حيث أرسل إليها موجة من الاطمئنان: لسه واصل حالا والحمدلله أنا بخير معاكِ اهو. خرجت كارمن من بين ذراعيه، وأحاطت وجهه بيديها الصغيرتين، وتفحصته باهتمام قائلة بعفوية: حمد الله على سلامتك.. كنت بتصل بيك من بدري وخوفت عليك لما لقيت التليفون مقفول.

أجاب أدهم بهدوء: كنت في الطيارة. أردف بهمس: خايفة عليا من إيه؟ ارتبكت كارمن من نبرة صوته الهامسة، بينما احمرت وجنتاها خجلا قائلة بتلعثم: أنا.. كنت بحاول أطمن عليك بس. لم يرد أدهم إحراجها أكثر، فغير الموضوع: صحيتك من النوم؟ خفضت كارمن يديها إلى جانبها، وقالت برقة: لا أنا لسه ماكنتش نمت. حدق أدهم فيها وعيناه تلتمع بنظرة غريبة، وقال بتساؤل: مع إنك طول اليوم كنتِ في بيت عمر بتنقلي أدواتك من هناك. تفاجأت كارمن بأنه على

علم بالأمر لتسأل بدهشة: انت عرفت منين؟ أجاب أدهم بينما ينزع سترته، ويضعها على طرف السرير بإهمال: مالك هو اللي قالي من يومين. أومأت كارمن برأسها بصمت. نهضت من السرير وذهبت إلى الخزانة في زاوية الغرفة، ثم فتحت أحد الأبواب، وأخرجت مظروفا كبيرا وعادت للوقوف أمامه، محاولة ترتيب كلماتها: أنا لقيت الظرف دا وأنا باخد حاجتي من بيت عمر النهاردة.

أمسك أدهم المغلف من يدها، وقام بفتحه ليخرج تقارير المستشفى، وينظر فيها بصلابة دون أي رد فعل يبدو على وجهه، ولكن بداخله شعر بقبضة مؤلمة تعتصر قلبه من رؤية ذلك الورق، ثم رفع رأسه وحدق في كارمن، متسائلا بهدوء مبهم: كان فين بالظبط الورق دا؟ تفاجأت كارمن من هدوئه، وأنه لم ينظر حتى إلى ما بداخل الأوراق متسائلة بارتياب: مش هتفتحه وتقرأ اللي جواه؟ أدهم بجمود: أنا عارف الموجود فيه. حدقت فيه كارمن،

ثم هتفت بصدمة: يعني إيه عارف.. كنت عارف إن عمر عنده ورم في المخ وإنه ده سبب سفره من الأول؟ قام أدهم من الفراش، وقد توترت أعصابه بهذا الحدث الذي لم يكن مستعدا للكشف عنه الآن. أمسك بمرفقها برفق محاولا تهدئتها: ممكن نقعد وتسمعيني؟ سحبت ذراعها من قبضته، قائلة بحدة: لا عايزة أسمع وأنا واقفة. زفر أدهم من عنادها، ثم بدأ

يتحدث بهدوء قدر استطاعته: كارمن.. عمر في الفترة الأخيرة كان دايما حاسس بإرهاق وصداع مستمر، وأكيد إنتي كنتِ عارفة. ردت كارمن بعد أن ابتلعت ريقها بقلق: أيوه ولما سألته وقتها قال إنه راح لدكتور وقاله إن ده بسبب الإرهاق ومحتاج إنه يهتم بصحته مش أكتر. قال أدهم دون أن ينظر إليها: أنا اللي خليته يقولك كدا. أردف بحزم، ورفع يده

أمامها عندما حاولت الكلام: ماتقطعنيش.. هو ماكنش عايز يعرفك حاجة ولا إنتي ولا أمي.. حالته كانت سيئة ولازم عملية. الدكتور اقترح إنه يعملوا العملية في مستشفى بباريس وهو فعلا حضر نفسه عشان يسافر وأنا كنت هاحصله بعدها بيومين عشان محدش منكم يحس بحاجة غريبة. أضاف بحزن وألم على أخيه: بعدها حصلت الحادثة على طول قبل ما يلحق يوصل. همست كارمن بصدمة: يعني إنت كنت عارف بالوصية مش كدا؟

هتف أدهم بصدق: ماعرفتش بوجود وصية أصلا غير لما جالي المحامي للشركة وبلغني.. ولا كنت أعرف باللي جواها إلا لما اتفتحت قدامنا كلنا. كانت كارمن صامتة، مطرقة رأسها لا تدري ماذا تقول، لأنها لم تفكر للحظة أن أدهم لديه خبر عن كل هذا، واتضح أنها هي التي لم تكن تعلم شيئا عما يجري من حولها. استمعت كارمن إلى صوته الرخيم،

مستطردا حديثه: ماكنش ينفع أقول بعد موته إن سفره كان للعلاج يا كارمن، حطي نفسك مكاني واحكمي إنتي، وقتها كانت حالتك صعبة وأمي كانت منهارة من حزنها على ابنها، كنت هبقى بزود الوجع عليكم. رفعت عينيها إليه، وهتفت بقهر، بينما

تعتصر قبضة قاسية قلبها: وانت بقي ضحيت بنفسك واتجوزت مرات أخوك عشان تربي بنته وتنفذ وصيته وعشان حياتك ما تبقاش بايظة من كل جهة. حاولت تحبها لكن ماقدرتش تضحك على نفسك كتير وسافرت عشان تبعد عنها وترتاح منها شوية. احتدت نظراته قائلا بغضب: إنتي اتجننتي من الصدمة باين عليكي.. عمالة تخرفي بتقولي إيه؟ للحظة خافت كارمن من غضبه،

لكنها أكملت بتمرد: تفسر بإيه تجاهلك ليا من يوم ما رجعنا من الصعيد وسفرك السريع وبرودك طول الأسبوعين اللي فاتوا معايا من غير أي سبب واضح؟ صمت أدهم قليلا وهو محدقا بها، وقال بجمود: عايزة تعرفي السبب؟ تفوهت كارمن بإصرار: أيوه عايزة أعرف. تساءل أدهم بضيق، بعدما تملكته مشاعر الغيرة، وهو يكرر تلك الكلمات التي تسربت في عروقه كالسم: المفروض أعمل إيه لما أسمعك بتقولي إنك حاسة بالذنب من ناحية عمر عشان قربتي مني يا كارمن؟

للحظة تسمرت كارمن مكانها حتى أنها حبست أنفاسها في رئتيها، وشعرت بحروفها تهرب من بين شفتيها، وهي تتذكر تلك الجملة التي قالتها لروان في غرفتها قبل أسبوعين، ثم استطاعت أن تهمس بصعوبة، بينما عيناها متسعة بصدمة: إنت سمعت كلامي مع روان؟ صر أدهم على أسنانه بغضب دفين حتى أنه أوشك على تحطيمهم، ليقول من بينهم: سمعت تحديداً الجملة دي يا كارمن. تصلب وجه كارمن

التي ابتسمت بسخرية وقالت: طبيعي إنك سمعت الجملة دي وبعدها أكيد مشيت، لأنك لو سمعت الجملة اللي بعدها أو حتى الكلام من أوله ما كنتش هتعاملني بالطريقة دي.. بس إزاي وإنت عايز بأي شكل تخليني غلطانة؟ رفع أدهم حاجبيه قائلاً بابتسامة جانبية: إنتي شايفة كدا فعلاً؟

هتفت كارمن بإنفعال: أنا شايفة إنك لو كنت سألتني عن اللي سمعته يا أدهم، أو حتى كنت اديتني فرصة، وما رجعتناش هنا بالسرعة دي من الصعيد، أو حتى فضلت هنا يوم كمان، كنت هقولك لوحدي على نفس الكلام اللي حكيته لروان. لكن إنت هربت وسيبتني. أدهم بتعجب: كلام إيه دا؟ قالت كارمن بتفسير: قبل ما كل دا يحصل بليلة واحدة، شفت كابوس خوفني وخلّى أعصابي تعبانة أكتر من الأول. ثم بدأت تخبره بكل شيء رأته في حلمها.

وأضافت: دا اللي كنت بحكيه لروان، اللي فسرت الحلم على إنه مجرد توتر عصبي بسبب الضغوط اللي كنت بمر بيها. ثم همست بنبرة تأنيب ممزوجة بقسوة: بس إنت متسرع جداً يا أدهم، وأنانى أوي. ما فكرتش غير في نفسك، وما فكرتش أنا حاسة بإيه، أو حتى عذرتني لو شايفني غلطانة. استدارت لتغادر المكان، وقد اختنقت بشدة لدرجة أنها لم ترغب في البقاء أمامه لفترة أطول.

وجدت يده تلتف حول معصمها، مما منعها من الابتعاد. فحدقت به بغضب، لتجد نظراته عليها تبرز شرراً، هاتفاً فيها بغضب عنيف، وقد بدأت أعصابه تخرج عن سيطرته: رايحة فين؟ مش إنتي عايزة تعرفي كل حاجة من البداية؟ اقفي هنا واسمعيني كويس. الحقيقة هي إني بحبك من قبل ما تتجوزي أخويا. أردف أدهم بنبرة حادة، بينما يرى عينيها تتسمر عليه بصدمة، كأن دلواً من الماء البارد قد سُكب أعلى رأسها،

لتفر الدماء من وجهها: بس لو أناني ومش بفكر غير في نفسي زي ما قولتي، كنت اتجوزتك بداله، ولو غصب عنك. بس أنا مش حقير عشان أجبرك على حاجة، ولا أفرض نفسي عليكي لو بعبدك. ولا أقدر أحطم قلب أخويا اللي مربيه، ولا أكسر فرحته بإيدي وآخدك منه. وهروبي زي ما بتسميه، عشان كنت خايف ومتعذب. لو كنت قادر أستحمل كتمان حبك جوا قلبي زمان وأعيش عادي، بقيت مستحيل أقدر أكتمه بعد ما أدمنت كل لحظة بتبقي فيها قريبة مني وفي حضني. بعد ما قربت منك ولمستك. بعد ما حسيت بإنجذابك ليا، وفي نفس الوقت مش قادر ألومك على تشتتك وهواجسك اللي بتقولي عليها.

أخذ نفساً عميقاً قبل أن يواصل حديثه بنبرة أهدأ من ذي قبل، لكنه استمر في النظر إليها بعينيه الداكنتين: كنت خايف تكوني استعجلتي لما قولتي إنك بتحبيني. كان لازم أبعد فترة عشان ماابقاش ضاغط عليكي، وتعرفي إنتي عايزاني وبتحبيني فعلاً، ولا اتقبلتي الوضع اللي انفرض عليكي وبتتعايشي معاه وبس.

همست كارمن بتحشرج من الدموع الكثيرة التي تذرفها نتيجة كلماته التي أكدت مدى عشقه لها وعذابه لسنوات، وهي لا تعلم عنه شيئاً: المفروض بعد ما قرأت التقارير دي، أفكر في عمر وفي حياتي معاه وأحن ليه. مش هو دا الصح؟

بس أنا لما شوفتهم، مقدرتش أفكر غير فيك إنت. كنت هموت أصلاً من الرعب وإنت بعيد عني. من يوم سفرك وأنا خايفة، بس حاولت أصبر نفسي وأطمنها إنك بتكلمني حتى لو من تحت درسك. لكن لما عرفت الحقيقة اللي كانت مستخبية عني، انهار ومخي وقف. سألت بعد أن لم تتلق منه سوى الصمت: برضه لسه مش عارف إذا كنت بحبك ولا لأ؟ تركته كارمن لتذهب، وتشعل إضاءة الغرفة القوية، وركضت إلى المرايا لإحضار شيء منها، ثم عادت إليه وهي تقول بحنق، وأعطته في

يده زجاجة العطر الخاص به: مش دي بتاعتك إنت، كنت سايبها كدا. قبل ما أنام، كنت بملى بيها الأوضة وأرشها هدومي. ثم نظرت إلى ما كانت ترتديه وقالت بتهدج: تفتكر ليه لابسة ترينجك وبنام بيه كل ليلة لمدة أسبوعين؟ كل اللي بعمله دا عشان أرتاح لو شوية من الكوابيس والأفكار الوحشة المسيطرة على عقلي وأنا لوحدي، وإنت ولا داري أساساً بيا. أكملت حديثها بدموع، ونبرة صادقة تسللت إلى أعماق

قلبه دون أدنى مقاومة منه: أنا بحبك أوي يا أدهم. لما بكون قدامك قلبي بيرتبك وينتفض من مكانه، ولما بشوف ابتسامتك بطمن، ولما بتضمني في حضنك روحي بترتاح. حدقت فيه بعيون تلتمع بحزن، وأضافت بصوت هامس كما

لو كانت تتحدث مع نفسها: إنت بقيت جزء رئيسي في حياتي. اقتحمتها فجأة بدون إرادتي، وعلى المهل قربتني ليك. بقيت قدامي طول الوقت، احتليت عقلي وحصرتني لحد قلبي ما اتعود على وجودك. ولما بعدت مابطلش يوجعني ويسألني عنك. أنا ما بقتش حتى عارفة إمتى حبيتك. تلألأت الدموع في عينيه بتأثير شديد لاعترافها الذي أعاد قلبه إلى الحياة، وأصبح ينبض بقوة من جديد.

كانت تنظر إليه، وصدرها يرتفع وينخفض من شدة انفعالها بينما تنهمر دموعها بلا هوادة. فقال وهو يمسح وجهها براحة يده: حبات اللؤلؤ دول غالين أوي عندي. إنتي الوحيدة اللي قلبي فتح لها بابه، رغم كل حاجة. ماكنتش بفكر غير فيكي، ودايماً متابعك وبطمن عليكي من غير ما تحسي. أزاحت يده من على خدها بغضب، قائلة بقهر منه: موتتني من الرعب لما مرديتش عليا، وإنت بكل برود بتقول إنك سافرت عشان تديني مساحتي وفرصة أفكر في علاقتنا، ها؟

وخايف تكون بتضغط عليا وبتشوشر على قراري. ثم عادت إلى همسها قائلة: لما أنا قولتلك قبل كدا إن بحبك، كنت بكلم بجد من قلبي. ممكن أكون كنت متوترة شوية من الأحداث اللي بتتغير حواليا بسرعة، بس أنا فعلاً بحبك، لكن كنت مكسوفة زي أي واحدة في بداية جوازها. إيه الغلط في كدا؟

أسدلت كارمن عيناها، واستمرت في التكلم بدموع أكثر، وأصبح صوتها مبحوحاً جداً: يمكن كانت المشكلة في الأول إني كنت خايفة أمشي ورا قلبي وأحبك، بعدها أخسرك. ماكنتش هستحمل إنك تروح مني. لم يستطع تحمل صعوبة كلماتها القاسية عليه أو تخيلها، ليجذبها إلى صدره ويضمها إليه، فتتثبت هي به جيداً، بينما تسمعه يقول: استغفري ربنا وبطلي هبل. أنا على قلبك مش هروح في أي حتة، فاهمة؟ كارمن بهمس: أستغفر الله العظيم.

أكمل أدهم حديثه بألم: اعذريني يا كارمن. يمكن كنت خايف لأن جوازنا كان بسبب الوصية في الأساس. خوفت تطلبي نسيب بعض بعد ما قابلتي عيلتك. مش عشان الفلوس، أنا عارف إن ملك هي سبب قبولك للوصية. بس خوفت تبعدي عني وتعيشي معاهم. تفوهت كارمن بينما

تضم نفسها أكثر في حضنه: دايماً إنت بتحس بنفسك إذا هتقدر تكمل من غير شخص معين ولا لأ. دايماً كنت بستغرب ليه ماما ماقدرتش تحب أو تتجوز بعد بابا، رغم إنها كانت مش كبيرة في السن أوي. بس دلوقتي فهمت. دفنت وجهها في تجاويف رقبته، مستنشقة عطره الحلو، وهي تلف ذراعيها حول خصره وقالت بهمس: إنت طمنتني ودعمتني وفهمتني، ومبسوطة معاك. مش عايزة أبعد عنك أبداً. أنا بموت فيك يا أدهم. زمجر أدهم

وهو يشدد قبضته على جسدها: ما تقوليش الكلمة دي تاني. قولي هتعيشي ليا يا كارمن. ثم أضاف بهمس حانٍ، وهو يقبل رقبتها من الجنب: بعشقك. أسترسلت كارمن حديثها الذي ينبع من أعماق قلبها: بقيت حبيبي وأماني وحياتي كلها. ومش عايزة حاجة من الدنيا غير إنك تكون جنبي. ثم همست بتساؤل حزين: هو دا صعب للدرجة دي يعني؟ أمسك أدهم بكتفها برفق وأخرجها من حضنه، لكنها كانت لا تزال بين ذراعيه قائلاً بحب: خلاص انسي اللي حصل. ممكن ما تزعليش مني.

كارمن بتذمر طفولي: لا، أنا زعلانة عشان تعبت أوي وكنت محتاجاك وإنت سايبني. أدهم بندم: صدقيني كان غصب عني. أنا لما بتنرفز بكتم جوايا، اتعودت على كدا يا كارمن. هزت رأسها برفض وقالت بعناد: مش مبرر دا على فكرة. أنا هفضل مخصماك عشان بعد كدا لما تزعل تيجي وتقولي مش تهرب مني. وضع أدهم خصلاتها الضالة على جبهتها خلف أذنها، وقبل وجنتها بحب، قائلاً بصوت هامس: حقك عليا، أنا آسف. كارمن بتبرم: مش كفاية.

تنهد أدهم وبدأ يضجر من عنادها معه، لكنه تمالك نفسه قال بصبر: عايزاني أصالحك إزاي؟ عقدت كارمن ذراعيها فوق صدرها وقالت بإصرار: لا، أنا هعاقبك بأني أطلع أنام في الريسبشن برا وأسيبك تنام لوحدك هنا لمدة أسبوعين. هتف أدهم بضيق: اللهم طولك ياروح. كارمن بلاش تبقي قاسية كدا. قالت كارمن بنظرة خاطفة: اتعلمتها منك، وهو دا العقاب اللي تستاهله على كل اللي عملته فيا.

تومضت عيناه بحزن من كلماتها، مما جعله يشعر باختناق شديد في صدره، لكنه يدرك جيداً أنه الذي أوصل نفسه إلى تلك الحالة معها. فعليه أن يتحمل قليلاً. ثم أخذ نفساً عميقاً قبل أن يدعي القول بفظاظة وغيظ: مادام أنا اللي طلعت غلطان، يبقى أنا اللي هطلع أنام على أم الكنبة دي، بس بعد كدا هولع لك فيها. بعدها تحرك أدهم إلى الخارج بحنق، بينما ظهرت ابتسامة خبيثة على شفتي كارمن، ثم سرعان ما اختفت.

شعرت بالندم، فالجو بارد بالخارج، ثم توجهت إلى غرفة الملابس لإحضار شيء ما. بعد قليل خرجت من الغرفة، وعيناها تدوران في المكان، ثم رأته مستلقياً بملابسه على الأريكة وعيناه مغمضتان، وظهرت علامات عبوس جعدت ملامحه الوسيمة. شعر بخطواتها تقترب منه، لكنه بقي على حاله دون أن يتحرك، بينما كارمن تبتسم وهي تراه عاقداً حاجبيه بشدة. تساءلت كارمن برقة: أدهم، إنت نمت؟

فتح أدهم جفنيه ببطء، وخفق قلبه من نبرة صوتها الرقيق، لكنه نظر إليها بسخرية عندما رأى ما كانت تمسكه بيديها: كتر خيرك. جايبالي غطاء من البرد. لوت شفتاها بتهكم من سخريته اللاذعة، لكنها تجاهلت ذلك قائلة بهدوء: جايبالنا إحنا الاتنين. أدهم بعدم فهم: قصدك إيه؟ صعدت بقدميها على الأريكة، ثم استلقت بجانبه وهي تمد ساقيها مثله.

كان هو على حافة الأريكة وكانت بالداخل، ثم تحدثت بنبرة ناعمة، وهي تسند رأسها على الوسادة خلفها بشكل مريح، وتغطي نفسها بالبطانية: أنا بقالي أسبوعين مش عارفة أنام كويس من يوم سفرك، فكنت بلبس من هدومك وأرش برفانك عشان أحس بيك معايا وأقدر أنام. بس أنا صبري خلاص خلص وعايزة أنام في حضنك الليلة دي بالذات. برقت الدموع في عينيها، وهي تقول

بنبرة متحشرجة بعض الشيء: وفي نفس الوقت.. مصممة أخليك تنفذ العقاب اللي قولت عليه جواه، بس مع تغيير بسيط. اني هعاقب نفسي معاك وننام هنا. استدار على جانبه وهو يميل نحوها ويسند جسده على مرفقه وأصبح وجهه قريبًا من وجهها. حدق فيها بنظرة ثاقبة يهمس باسمها ثم قال: عارف إن من حقك بعد اللي حصل تنقهري وتزعلي مني. وضعت كارمن سبابتها على

شفتيه قائلة بإصرار رقيق: أنت اتكلمت كتير، ده دوري أنا. حياتنا سوا في البداية اتفرضت علينا، بس إننا نستمر سوا اختيار. لما بعدت عني، لقيت نفسي بتلقائية بختارك وعايزاك معايا رغم أي حاجة. وبعد كل اللي قولناه من شوية، أنا بعيده لك تاني وبقول لك: أنا اخترت أكمل معاك بإرادتي عشان بحبك. كانت عيناه تتألقان بتأمل عاشق فيها،

ثم همس بصوته الرخيم: شعورك من ناحيتي دلوقتي هو أكتر حاجة حلوة حصلت لي في حياتي. كفاية عندي كلامك اللي خارج من جوا قلبك وروحك ونظراتك اللي كلها حب بالدنيا كلها. ثم أردف: تدابير ربنا جمعتنا، ويمكن الفرصة دي هي بداية لحياة سعيدة نعيشها مع بعض. دارت عيناه تتأمل ملامحها، وابتسامة

جذابة شقت شفتيه وقال: بحبك من أول مرة بصيت في عيونك من سنين طويلة. بقيتي حتة من روحي وقلبي كله ملكك أنت. عمرك ما خرجتي من تفكيري حتى وأنا في عز أزماتي. شعور جميل يسكن روحها حيث رأت عينيه تتألقان بنظرة غريبة، مزيج من العشق والدفء والحنان والعاطفة التي جعلت قلبها يرقص بسعادة كبيرة. أغمضت كارمن عيناها وقالت بألم: كنت فعلًا محتاجالك أوي يا أدهم. مش هقدر تاني أكون لوحدي من غيرك.

مسح بظهر كفه على بشرة خدها الناعم، بينما هي تستمع إلى همسه الرقيق بقلب يرتجف مع العشق حتى في أحلامها. لم تتخيل أنها ستشعر بهذا الأمان: أوعدك مش هسيبك تاني. وعايزك تعرفي إنك عمرك ما كنتي لوحدك يا كارمن، أنا دايما معاكي حتى لو من بعيد. همست وهي تجعد حاجبيها بعبوس لطيف: لا، مافيش بعد تاني. لمعت عيناه خبثًا وقال: إيه ده؟ هو أنتِ بتحبيني أوي كده؟

عضت كارمن على شفتيها، وواصلت بصوتها الهامس المغري غير المقصود وهي تعبث بشعر ذقنه الذي نما قليلًا عن ذي قبل: لا، مش بحبك يا أدهم. ده قليل على إحساسي نحيتك، أنا بتنفسك وبعشق. ارتجف جسده بسبب تلك اللمسة البسيطة منها، ومضت عيناه بنظرة قاتمة لم تدركها. وقبل أن تنتهي من حديثها، كانت شفتيه مضغوطة على شفتيها.

تفاجأت من مباغتته لها، لكنها لم تستطع منع يدها من التسلل إلى صدره، ثم رقبته دون أدنى مقاومة. بل كانت تبادله بنفس الشوق، فقبلاته الشغوفة أذابتها تمامًا بين ذراعيه. بعد لحظات حلق كلاهما فيها فوق السحاب، فصل القبلة عندما احتاج كلاهما للهواء، قائلًا بأنفاس لاهثة: دلوقتي بس ارتحت، حصل أكتر من اللي كنت بتمناه. حملقت به بوجه أحمر وتنفس سريع من اضطراب قلبها الذي نثر نبضاته من تلك القبلة اللاهبة، قائلة بخجل

وبدأ النعاس يداعب عينيها: حبيبي، ممكن ننام عشان أنا تعبانة أوي. ابتسم على منظرها اللطيف، ثم سرعان ما اختفت ابتسامته، وكأنه يتذكر شيئًا، فقال بجدية: كارمن، أمي عرفت بحاجة عن التقارير اللي لاقيتيها. إحتارت من تقلباته المفاجئة، لكنها هزت رأسها برفض قائلة بهدوء: لا، أنا ما اتكلمتش مع حد غيرك. رفع أدهم جسده عنها ووقف على رجليه، قائلًا بإصرار: قبل ما ننام، في حاجة مهمة لازم نعملها. قومي معايا. نهضت كارمن أيضًا معه،

قائلة بعدم فهم: حاجة إيه؟ أمسك أدهم بيدها برفق وقال: الورق ده لازم نتخلص منه عشان اتأكد إنه مش هيقع في إيد ماما وحالتها تسوء. أنتِ عارفة هي مش هتستحمل وصحتها ضعيفة إزاي. أومأت إليه بتأكيد: معاك حق. ذهب كلاهما إلى غرفة النوم، ثم أمسك أدهم بالأوراق وسار إلى الطاولة المجاورة للسرير، وفتح أحد الأدراج وتلاعب بمحتوياته قليلًا تحت عيون كارمن المتفاجئة بما يفعله.

نظر إليها أدهم مشيرًا إليها لتتبعه، فسارت كارمن ورائه ثم دخلت خلفه إلى الحمام، ثم ضغط على الولاعة وهو يرفع الأوراق بيده الأخرى لإشعال اللهب في طرفها. بعد ثوان، بدأت النار تلتهم الورق أمام أعينهم، ثم تركها من يده تحترق داخل الحوض على المهل. التفت إلى كارمن قائلًا بجدية وحزم حزين: السر ده محدش غيرنا هيعرف به يا كارمن. ابن عمي نفسه مش عارف حاجة خالص ولا أي حد مهما كان لازم يعرفوا تمام.

أومأت إليه بالموافقة، ثم إرتمت بين ذراعيه حيث عانقته بشدة، تربت على ظهره بحنان، كأنها تواسيه، على أمل أن تخفف العبء الذي يحمله على عاتقه وحده.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...