في منزل الحج عبدالرحمن على وجه التحديد في غرفة مريم التي ما زالت تستكمل حديثها نطقت مريم بتحشرج وعيناها تتألق بالعبرات، فهي حتى الآن لم تشف جروح قلبها من حزنها على شقيقتها الوحيدة: الكلام ده حصل قبل ما تتولدي بأكتر من عشر سنين.. أبوكي اتجوزني بعد موتهم بأسبوع، ماكنش عايزني أبقى لوحدي رغم كل الظروف والمشاكل مع أبوه. أضافت بصوت مخنوق بالعبرات: كلهم راحوا مرة واحدة بدون أي إنذار، هي وجوزها والواد والبنت، محدش عاش منهم.
سألت كارمن بتأثير: ماتوا إزاي؟
مريم بتفسير: كنت لسه صغيرة لما اتجوزوا.. هو اتعرف عليها عن طريق شغله.. وكانت هي صحفية عنيدة ومابيهمش حد، وهو صاحب شركة أدوية. أهله كانوا ناس أغنياء وعندهم فلوس كتير، وهو كان وحيدهم.. المشكلة بينهم بدأت لما كتبت مقال عن سمعة الشركة بتاعتهم. جننها، عملها مشاكل مع الجريدة اللي بتشتغل فيها، تقريبًا اتقفلت خالص. والله ما فاكرة، بس كان عنده حق، لأن بعد كده عرفت إن المعلومات اللي وصلتها كانت مزيفة وناس كانوا قاصدين يعملوا فيه الحركة دي.
أومأت كارمن برأسها، وحثتها على الاستمرار: وبعدين؟ مريم بابتسامة صغيرة من عيني كارمن المتلألئة بالفضول: حصل بينهم زي ما بيقول المثل، ما محبة إلا بعد عداوة.. طلبها للجواز، هي شرطت عليه أعيش معاهم.. لأننا مالناش إلا بعض، كنا أنا وهي لوحدنا في الدنيا.. اتجوزها وعشنا كلنا مع بعض.. كنت بعتبره أخويا الكبير وعوضنا عن دفء الأسرة اللي اتحرمنا منه. كارمن بتساؤل: كان اسمه إيه يا ماما؟ لفظت مريم الاسم بشكل عفوي كما لو كان محفورًا
في ذاكرتها: أحمد راشد.. عدت سنين كتير، أنا كبرت ودخلت الجامعة، وهما خلفوا ولد وبنت اسمهم يحيى ومريم. ثم أردفت: قبل الحادثة بفترة، أبوكي طلبني من أحمد، وهو رحب بالموضوع لما لقاني بحبه.. بس كانت معارضة أبوه هي العقبة الوحيدة.
واصلت حديثها بدموع: في يوم الحادثة، أنا كنت مع أبوكي، أخدني وروحنا إسكندرية قضينا اليوم كله هناك.. لما رجعت البيت، لقيت المساعد الخاص لأحمد بيبلغني إن عربيتهم اتقلبت واتحرقوا جواها.. محدش عاش منهم. وزي ما حصل معاكي، وقعت واتحجزت في المستشفى، ما لحقتش الدفن ولا قدرت أودعهم لآخر مرة. احتضنتها كارمن بسرعة قائلة وهي تبكي: كفاية يا ماما، خلاص كده كتير عليكي.
مريم بتحشرج: هالة وحشتني والولاد، كنت بحبهم أوي.. لولا وقوف أبوكي جنبي، كنت متت لوحدي. رغم معارضة أبوه، اتجوزني وساندني في وقت احتياجي له.. أنا مسامحة جدك يا كارمن، وأنتي كمان لازم تسامحي من قلبك. الفراق صعب أوي يا بنتي.. مفيش حاجة تستاهل الزعل، كلنا رايحين. سامحي جدك وحافظي على بيتك وجوزك. خرجت من بين ذراعي والدتها قائلة بإنصياع: ماشي يا ماما، حاضر.
مريم بحنو: اتكلمي مع جدك، هو كمان من وقت ما عرف، وهو حزنه زاد على ظلمه لأبوكي.. اقعدي معاه وصفي أي حاجة في قلبك ناحيته. كارمن بهدوء: تمام، اللي انتي عايزاه هعمله.. ممكن ترتاحي لو سمحتي. مريم بإنزعاج: ماشي، بس فين ملك؟ انتوا بقالكم يومين واخدينها مني، مش عارفة أنام من غيرها. ابتسمت كارمن، لتقول بلطف وهي تمسح دموعها: هروح أجيبها لك يا ست الكل. عند كارمن
دخلت غرفة نومها بعقل شارد فيما أخبرتها به والدتها عن أختها وأولادها. نفضت كل الأفكار عن رأسها بعد أن أغلقت الباب خلفها واستدارت ظننا منها أن أدهم كان جالسًا في انتظارها، بعد أن أخذت الطفلة منه منذ دقائق لتعطيها لوالدتها، وطلبت منه انتظار عودتها إليه. تفاجأت كارمن برقد أدهم على السرير، يدير ظهره لها، وبدا أنه نام من الإضاءة الخافتة للغرفة. همست بدهشة: معقولة لحق ينام؟
لا تعلم لماذا شعرت بالغضب والإحباط. ربما لأنها أرادت أن تخبره عن كل ما حدث لها منذ بداية اليوم، وحلمها المزعج، وكلام والدتها، حتى تستريح قليلاً من التوتر العصبي الذي أصابها. أردفت بتنهيدة: خلاص مش مشكلة، نأجل الكلام للصبح. أكيد تعبان ونام غصب عنه. ذهبت إلى الخزانة، وسحبت ثوب النوم، ودخلت الحمام الملحق بالغرفة.
بعد قليل خرجت من الحمام، وسبقتها رائحة عطرها المميز، ثم سارت بخفة إلى السرير، واستلقت بجانب زوجها مدثرة نفسها في البطانية. وضعت يديها تحت وجهها، وظلت تنظر إلى ظهر أدهم. وبعد قليل غفت. فتح أدهم جفنيه عندما شعر بانتظام أنفاسها خلفه، وقلب جسده نحوها معانقًا خصرها إليه. ثم رفع أصابعه برفق، وأبعد خصلات شعرها المبعثرة عن وجهها، وظل يحدق في ملامحها الناعمة.
لم يستطع النوم بسبب الفكر الذي يؤرقه كثيرًا، وبقي على هذا الوضع مدة طويلة حتى تغلب عليه سلطان النوم. صباح يوم جديد في غرفة زين وروان استيقظت روان منزعجة من صوت المنبه المزعج. كم تكره هذا الصوت لأنه يخرجها من أحلامها الوردية. غمست رأسها أكثر في صدر زوجها الذي كان نائمًا بجانبها، لتمنع أشعة الشمس التي تضيء الغرفة من الوصول إلى عينيها. فتحت روان عينيها ببطء وتكاسل، وأخذت تتأوه بضجر من ذلك المزعج الذي لا يريد التوقف.
تثاءبت قائلة لنفسها بغضب، وهي تمد يديها إليه لكي تغلقه: خلاص اسكت، ده أنت زنان ولحوح أوووي. انحنت بالنصف الجزء العلوي من جسدها على جسد زين النائم، قائلة ببحة خافتة من آثار النوم: زين اصحي يا قلبي. زفرت روان بتمتمة: يالهوي عليك يا زين وعلى نوم أمك التقيل ده.. يا زين.. يا زينووو.. قوم وراك شغل. أردفت بابتسامة لعوبة على فمها: مفيش مفر، أنت اللي اضطرتني لكده.
أخذت نفسًا طويلًا استعدادًا لما ستفعله، وكانت على وشك الصراخ، لكنها وجدت يدًا فوق فمها، ولم يستطع صوتها الهروب من حلقها. رفع زين جسده قليلًا تجاهها، وقال بهسيس خبيث بجوار أذنها: أيّاكِ تفكري تكرريها وتصرخي في وداني يا مجنونة. سقط قلبها في قدميها ونظرت إليه بعيون واسعة مندهشة، وهو يخفض يده من على فمها، لتقول بصدمة: هو أنت صحيت من إمتى!! زين ببرود: من يالهوي عليك وعلى نوم أمك التقيل.
حاولت روان أن تتكلم لكن انعقد لسانها، فخرجت الكلمات غير مترابطة: يا خبر.. احم.. أنا مكنش قصدي أنا.. حاولت التحرك لتهرب من جنبه، لكن يده كانت أسرع منها وسحبها إليه بابتسامة خبيثة ظهرت على شفتيه، فأصبحت ممددة على صدره ووجهه منغمسا في بشرة رقبتها الناعمة، لتسمعه يهمس بصوت أجش: صباح الخير. نظرت روان إليه باسمة الثغر ببلاهة، لتقول بصوت مبحوح: صباح الفل. زين بعبوس: إيه الصباح الناشف بتاعك ده. قبلته
بجانب شفتيه بعفوية لتسأل: كده لسه ناشف؟ زين بنصف عين: أيوه لسه. روان بتذمر طفولي: إيه ده، أنت بتدلع يلا قوم عشان تلحق تنزل على شغلك. عانق خصرها أكثر، وقال بنفس الهمس الأجش: وإنتي هتروحي الجامعة ولا هتعملي عبيطة زي امبارح؟ طبعت قبلة خاطفة على خده، قائلة بابتسامة حمقاء: هعمل عبيطة طبعًا. زين بجدية: معرفش ليه حاسس إنك بتهربي من مرورك الجامعة يا روان. زاغت عيناها، وتلعثمت في الرد: لا خالص.. أنا ههرب ليه؟
حرك ذقنها لتواجهه مباشرة وغمغم بإصرار: قولي الحقيقة. لم تستطع أن تتجادل معه أكثر، وهو لن يتركها دون أن يحصل على إجابة. قائلة بتردد: بصراحة خايفة أروح وتحصل مشكلة بينا، وأنا ما صدقت إننا مبسوطين. أغمض أدهم عينيه متضايقًا من نفسه، ثم هتف بتساؤل: إنتي لسه بتفكري إني مابثقش فيكي، مش كده؟ أدارت عينيها ولم تجيب على سؤاله. تنهد زين وهو يرفع
وجهها بأصابعه قائلا بهدوء: ارفعي وشك هنا، دي آخر مرة هقول الكلام ده.. أنا بحبك يا روان ومتأكد من حبك ليا زي ما أنا متأكد من نفسي.. حدقت في عينيه عندما بدأ يداعب بشرتها الناعمة بإبهامه مردفًا: انسي كل حاجة فاتت.. تصرفي كان من غيرتي عليكي.. عارف إنها صعبة شويتين بس استحمليني. استأنف حديثه مبتسمًا بمزح: أنا زي جوزك برده. ابتسمت متأثرة بكلماته، حيث شعرت بأنها تستوطن قلبه حقًا. ثم قالت متظاهرة بالتفاجئ،
وهي تزم شفتيها للأمام: يعني دي آخر مرة هتقول بحبك؟ ضحك عليها وهو يضرب رأسها بخفة، وتنهد بقلة حيلة من جنونها: هو ده اللي لفت نظرك من كل كلامي. وضعت روان يدها على خده قائلة بحب: مش عارفة أوصفلك قد إيه كنت محتاجة أسمع منك الكلام ده. صمتت قليلاً، ثم أردفت بدلع طفولي: بس ده ما يمنعش إني أسمع منك كلمة بحبك على طول.. من حقي كمواطنة أسمعها منك دايما.
ابتسم بمكر، ثم في لحظة قلب وضمها لتجد نفسها في غمضة عين مستلقية على السرير بينما أصبح فوقها، قائلا بهمس خطير أمام شفتيها: إيه رأيك أسمعهالك بالأفعال مش بالكلام؟ اتسعت عيناها بهلع حيث احمر خديها من الخجل عندما أدركت ما قالته، وما الذي سيفعله زين. روان بتحذير واستعطاف: اعقل يا زين، أنت عندك شغل ومتأخر كمان.
أدار وجهه ونظر إلى الساعة المعلقة على الحائط، ثم ابتعد عنها قائلا متذمرًا: كل مرة بتفلتِ من إيدي بحجة مقنعة، ملاحظة مش كده. هتفت بمرح وهي تنهض من جانبه: دي حظوظ بقى. أنا غيرت وهروح الجامعة. زين بإبتسامة: برافو يا قلبي. نظرت إليه ببراءة قائلة بدلال: ممكن توصلني في طريقك. زين بضحكة: من عيوني. في قصر أدهم البارون. تجلس ليلي في الشرفة الكبيرة وتحمل كوباً من الشاي بالنعناع كما تحب.
سبق نادين صوت رنين كعبها العالي ليحطم هدوء المكان وقالت بإستخفاف: صباح الخير يا طنط. نظرت ليلي إليها بعين غاضبة من سخريتها متمتمة: صباح النور. أردفت ببرود بينما كانت نادين تسير وتجلس علي المقعد الأخر أمامها: بالمناسبة أدهم ومراته راجعين انهاردة من السفر. نادين بتعجب: بالسرعة دي غريبة ماكملوش يومين يعني. ليلي بسخرية: أنا حبيت أعرفك قبل ما تخرجي وترجعي متأخر زي كل يوم من وقت ما سافروا.
كانت نادين متوترة من أسلوب تلك المرأة العجوز فتذمرت حتى لا تلاحظ عصبيتها: إيه يا طنط انتي عايزاني أتحبس في البيت يعني مش كفاية إني متجوزة ابنك ومش مراعيني خالص جواز بالاسم بس. تشدق وجه ليلي بابتسامة جانبية قائلة بصرامة: احمدي ربنا يا نادين إنه مستحملك ومش عايز يطلقك لحد دلوقتي وأسلوب كلامك معايا تعدليه بلاش دور الزوجة المظلومة اللي انتي عايشة فيه دا واضح كلامي. تمتمت نادين بحنق: واضح. أما في الصعيد.
تحديداً في غرفة نوم أدهم وكارمن. تململت كارمن في نومها إلى الجانب الآخر من السرير ووضعت يدها على مكان نوم أدهم لتتفاجأ أن المكان كان فارغاً. نهضت وفتحت عينيها الزرقاوين تتثاءب بنعاس تحدق في الغرفة لتدرك أنها كانت وحيدة فيها. مدت يدها إلى الطاولة المجاورة للسرير وأخذت هاتفها لتنظر إليه مخاطبة نفسها: أنا نمت كتير أوي كدا.. الساعة بقت 10 ونص.. أدهم شكله سبقني على تحت.. بس ما صحنيش معاه ليه دا؟ عند أدهم.
كان يسير في الأراضي الخضراء حول المنزل وقد استيقظ منذ الفجر وتسلل من جانب كارمن ثم جاء إلى هنا وحتى الآن كان يفكر فيما سيفعله ويحاول ترتيب أفكاره بهدوء وتمهل. أخرج هاتفه من جيب بنطاله وضغط على زر الاتصال. بعد لحظات سمع صوته قائلاً بمرح: صباح الخير يا أبو الأداهيم. أدهم بضجر: صباح النور مش وقت سخافة على الصبح يا مالك. مالك بحيرة: في إيه يا أدهم شكلك قرفان ليه كدا؟ تنهدت أدهم قائلاً بهدوء: مفيش حاجة انت فينك.
مالك: في البيت هفطر وأروح الشركة. أدهم: طيب لما توصل احجزلي على طيارة باريس انهاردة بليل أو بكرة بالكتير. مالك: صبرك عليا عشان أترجم الكلام.. انت مش في الصعيد يا بني. أدهم بملل: أيوه راجعين انهاردة هنتحرك من هنا على الظهر وبليل نوصل مصر. مالك بدهشة: إيه اللي هيرجعكو بسرعة كدا في مشاكل ولا إيه!! ماتفهمني عدل. أدهم بهدوء: مش ضروري تفهم بعدين هبقى أقولك.. المهم دلوقتي نفذ اللي قولته.. يلا سلام.
مالك بقلة حيلة: ماشي اللي تشوفه.. سلام. بعد فترة وجيزة في المندرة. الحج عبدالرحمن: إيه يا ولدي الكلام دا.. معقول تسافروا بسرعة كدا لسه مالحقناش نشبع منكم. أدهم بإحترام: سامحني يا حج عبدالرحمن لكن عندي شغل كتير لازم أتابعه بنفسي. أومأ الحج عبدالرحمن برزانة وتفاهم: إذا كان الموضوع شغل خلاص يا ولدي ربنا يكتبلك التوفيق ويصلح حالك. أدهم بإبتسامة: تعيش يارب. عند كارمن.
خرجت كارمن من الحمام على طرق الباب فذهبت لتفتح لتجد مريم تدخل وتمسك بيد ملك. كارمن بإبتسامة رقيقة: صباح الخير يا ماما. مريم: صباح الورد يا كوكي. هبطت كارمن أمام ابنتها الصغيرة وهي تقبل وجنتها المكتنزة بحب: ملوكة قلبي هاتي بوسة لمامي. مريم بهدوء: حبيبتي أنا جيت أقولك إن أدهم كلم جدك عشان عايزنا نرجع مصر انهاردة. نهضت كارمن
على قدميها قائلة بإستفهام: ليه نرجع هو كان قالي إننا ممكن نقعد أسبوع.. وبعدين هو ما قاليش بنفسه ليه؟ مريم بتبرير: يمكن زهق من القعدة هنا.. انتي عارفه طبع أدهم شغل وخروج.. حياته مختلفة خالص عن الحياة هنا يا بنتي. ثم أردفت مجيبة على سؤالها: هو أكيد اتحرج يقولك عشان ماتزعليش منه. كارمن بقلة حيلة: ماشي هحضر الشنط وأجهز نفسي. مريم: لا سيبي انتي الشنط وروحي اقعدي مع جدك زي ما فهمتك امبارح بعد مانفطر كلنا سوا قبل السفر.
كارمن بضيق: حاضر هغير هدومي. في الأسفل. تناول الجميع وجبة الإفطار في جو هادئ. لم يتحدث أدهم وكارمن أثناء الإفطار لكنهما تبادلا بضع كلمات بسيطة رداً على أسئلة الجميع. بعد فترة وجيزة. كانت كارمن تجلس على بعد مسافة صغيرة من الحاج عبدالرحمن في المندرة بناءً على طلبها رحب الجد بذلك ثم جلسوا يتحدثون بهدوء. استرسل
الحج عبدالرحمن حديثه: انتي عارفه يا كارمن يا بنتي قبل ما تيجي.. كان عندي خبر بكل حاجة عن طريقة جوازك من أدهم وعدم رضاكي عن الوضع وإنك اضطريتي لكدا عشان مافيش حد يقف في ضهرك. حاولت كارمن أن تقاطع حديثه: جدي. الحج عبدالرحمن: خليني أكمل كلامي وبعدين أحكي على راحتك. كارمن بإحراج: آسفة اتفضل يا جدو. الحج
عبدالرحمن بنفس الهدوء: كنت ناوي أطلقك منه وأخليكي تعيشي تحت سقف بيت أهلك ووسط عزوتك حتى لو هو مارضيش.. لكن بعد ما شوفت قد إيه هو إنسان كويس وطيب.. كمان أمك نفسها حكتلي كل حاجة بيعملها عشانك وعشان الصغيرة فبدأت أفكر من تاني. اختنق صوته لكنه أصر على أن يخرج ما في قلبه وامتلأت عيناه بالدموع التي بدأت تتساقط بهدوء قائلاً
بندم وألم: أنا غلطت يا بنتي في حق أبوكي جيت عليه كتير من صغره.. مش عشان مابحبوش بالعكس دا ابني البكري الغالي اللي من يوم ما اتولد اعتبرته السند والعون ليا.. يمكن عشان كدا قسيت عليه من غير ما أدري.. وبعد اللي حكته ليا أمك اتأكدت إني خلفت راجل بصحيح. تأثر قلب كارمن كثيراً بكلمات جدها ورغم عنها دموعها سقطت على خدها ولم تستطع الجلوس في مكانها فقامت وعانقته بحزن ودعم كبير. أردف بصوت أجش وهو يربت
على رأسها ويعانقها بحنان: صدقيني يا بنتي بعد ما لاقيتك يعز عليا فراقك.. لكن أنا مرتاح إنك في عصمة راجل جدع كيف أدهم هو إنسان شهم.. رغم إني عرفت إنه متجوز لكن معاملته ليكي وخوفه عليكي وعلى بنتك يغفرله أي حاجة. صمت قليلاً ثم أخرجها من أحضانه عندما لم يتلق أي رد منها ليقول بهدوء: وما تفتكريش إني بقول كدا عشان اللي سمعته عنه وبس.. لا من كلامي معاه فهمته وعرفت قد إيه هو راجل يعتمد عليه.
هتفت كارمن بإندفاع: بجد يا جدي دا رأيك فيه؟ ابتسم على لهفتها وقال بمحبة: أيوه يا حبيبتي انتو صحيح ظروف جوازكم كانت غلط وقاسية بس قلبكم نظيفة وهتنجحوا في حياتكم مع بعض إن شاء الله. ابتسمت كارمن من بين دموعها قائلة بسعادة حقيقية: ربنا ما يحرمنيش منك يا جدي ويخليك لينا يارب.. أنا كمان فرحانة أوي إني شوفتك وعرفتَك كنت محتاجة ليك جداً في حياتي. بعد قليل. قالت حنان بصعوبة
وهي تعانق مريم بلطف: هتمشوا بسرعة أوي كدا مالحقناش نقعد ونتكلم زي ما اتفقنا يا مريم. نظرت مريم إليها بإبتسامة وقالت: سامحيني يا حبيبتي مش بإيدي لكن أوعدك هنيجي تاني أنا حبيت المكان وحبيتكم أوي ربنا اللي عالم. حنان بود: من القلب للقلب رسول يا غالية. انضمت إليهما كارمن فاقتربت من
حنان وعانقتها قائلة بهدوء: سلميلي على روان أوي يا طنط حنان وقوليلها ماتزعلش إننا مشينا وهي مش موجودة.. وأنا لما أوصل مصر هبقى على اتصال بيها عشان أطمن عليكو. حنان: فكرتيني صحيح هتزعل جداً إنكم ما قعدتوش معانا وماشيين.. معرفش أنا وراكوا إيه لو على جوزك هو يسافر لشغله ويعاود تاني يا ألف مرحب به. كارمن بتنهيدة: ياريت كان ينفع يا طنط أنا نفسي جداً أفضل معاكم أكتر من كدا. بس أنا كمان بشتغل معاه وفي شغل كتير محتاجنا.
حنان: ربنا يصلح ليكوا الحال يا حبيبتي ونشوفكم على خير. بدر بابتسامة لطيفة: مش هتسلمي على عمك يا بنتي؟ ذهبت إليه كارمن وعانقته بمحبة. بينما هو أخذ يربت على شعرها ليغمغم بحنان: هنتوحشك يا حبيبتي وقريب هتلاقينا عندك عشان نطمن عليكي. كارمن بنبرة ناعمة: ربنا يخليك ليا يا عمو. *** بعد ساعتين على طريق السفر. في سيارة أدهم.
أدهم يجلس بجانبها، لكنه لا يرفع عينيه عن الحاسوب الذي يضعه في حجره ويواصل عمله. بينما كارمن أيضاً صامتة، لا تريد أن تبدأ الحديث معه. ويدور في ذهنها سؤال واحد بحيرة: إيه اللي غيره من ناحيتي كده؟ لا بيكلمني ولا معبرني كأني مش موجودة.. حتى ما كلّفش نفسه إنه يقولي ليه راجعين بسرعة كده. ماهو لو على الشغل صحيح، هو بيشتغل من مكانه ومالك بيتصرف لو في حاجة، إيه قلب حاله كده ياربي بس؟ أدهم بهدوء: مالك ساكتة من ساعة ما مشينا؟
زعلانة مش كده؟ خرجت من أفكارها على صوته وردت بهدوء أيضاً: لا عادي، مش زعلانة ولا حاجة. طالما الشغل عايزك، مفيش مشكلة. أغلق أدهم الحاسوب ونظر إليها بتمعن، ليسأل بصوت أجش: بس أنا حاسك زعلانة من حاجة. كارمن بخفوت: اتضايقت شوية إنك ماقولتليش بنفسك إننا راجعين النهارده. لم يستطع أدهم مقاومة ملامسة خصلات شعرها البنية التي هبت عليها الريح، فداعبها عفوياً بأصابعه قائلاً بحنو: مرضيتش أصحيكي من نومك.
كارمن بابتسامة هادئة: تمام. أمسك بيديها الدافئتين قائلاً بلطف، ولم يستطع تصنع البرود بعد أن شعر بضيقها: اتكلمتي مع جدك في إيه؟ بينما كانت تنظر إليه بدهشة، تتسائل في ذهنها ما الذي غير مزاجه معها دون أي سبب واضح. ثم ردت برقة: قولتله إني مش زعلانة منه وإني سامحته ووعدته إننا هنزوره تاني قريب.
وأضافت بهمس: أول ما حضنته استريحت وشميت فيه ريحة بابا، حسيت إنه قدامي من تاني، الله يرحمه.. عشان كده اتضايقت شوية وإحنا ماشيين، ماكنتش عارفة إني هتعلق بيه بسرعة كده. أدهم بابتسامة: هخليكي تسافري تشوفيهم تاني أي وقت تحبيه. كارمن بسعادة: بتتكلم جد؟ أومأ إليها بصمت، ثم عاود النظر إلى جهاز الحاسوب الخاص به. *** في منزل ميرنا.
تقدمت ميرنا من باب الشقة عندما سمعت دق الجرس، ثم فتحته لتتفاجأ بقاسم يقف عند باب المنزل، ويقول بابتسامة جانبية. بينما تفحصت عيناه جسدها الرشيق في ذلك السلوبيت الجينز الذي لائم عودها تماماً: وحشتيني يا وحش. ميرنا بفتور: أهلاً يا قاسم، ادخل. أردفت وهي تغلق الباب بعدما دخل: خير، إيه سبب الزيارة المفاجئة دي؟ ذهب إلى الأريكة الكبيرة وجلس عليها بشكل مريح: كل حاجة اتفقنا عليها حصلت. جلست ميرنا بالمقعد
المجاور إليه قائلة بتعجب: لحقت تنفذ بالسرعة دي؟ ابتسم قاسم بمكر: اضرب على الحديد وهو ساخن يا مزة. ميرنا: تمام أوي، هات الفلاشة. ألقى قاسم نظرة جريئة على جسم ميرنا الجذاب: مش قبل ما تسهريني سهرة حلوة. ردت ميرنا بضحكة ساخرة: هي نادين ما قامتش بالواجب؟ قاسم: نادين صاروخ مافيهاش كلام.. بس انتي حاجة تانية. وضعت ميرنا إحدى قدميها فوق الأخرى
أمامه قائلة بمكر أنثوي: ده عشان لحد دلوقتي ما طولتش مني حاجة.. وما ينفعش يحصل. إحنا مع بعض فيد واستفيد، أكتر من كده مفيش. قاسم بضحكة: ماشي يا ريري، اتقلّي براحتك. بكرة هتيجي بكيفك. أضاف باستفهام: قوليلي، ناوية على إيه؟ ميرنا ببرود: مش لازم تعرف. رفع قاسم حاجبه قائلاً بدهشة: إزاي مش لازم أعرف؟ إحنا مش شركاء ولا إيه؟ ميرنا: أكيد. قاسم بإلحاح: خلاص، امتى هنساوم نادين على الفيديوهات؟ ميرنا بضجر: إنت ليه مستعجل كده؟
الصبر حلو! قاسم باستياء: أيوه، بس أنا محتاج فلوس الأيام دي. ميرنا بسخرية: ومين سمعك؟ أنا كمان محتاجة فلوس، يمكن أكتر منك، بس لازم نصبر. قاسم بدهشة: ومحتاجة الفلوس في إيه؟ ما انتي عندك ورث جوزك. ميرنا: صح، بس اللي إنت ماتعرفوش إن أهل المرحوم مش ساهلين، مستكترين عليا الملاليم اللي ورثتها عنه وعاملين لي مشاكل. قاسم: طيب ما نسرّع الأمور. ميرنا: ومين قالك إن نادين معاها فلوس؟ إنت ناسي إنها صحبتي، كل حاجة عنها أعرفها.
قاسم بتأفف: اومال عاملين الحكايات دي كلها ليه؟ هتفت ميرنا بسأم: فتح مخك. جوزها مليونير ومعروف اسمه زي الطبل في البلد.. لما توصل الفيديوهات دي، هيبقى مستعد يدفع أي مبلغ نطلبه منه من غير ما يفكر.. مش هنحتاج نتعامل مع نادين من الأساس.. ساعتها هيدفع لنا، وقليل عليها لو طلقها بعد اللي عملته فيه، وممكن يقتلها كمان، مين عارف؟ ابتسم قاسم قائلاً بصوت خفيض، وعيناه تلمعان بخبث من إعجابه بشدة دهائها: إنتي إزاي خطيرة كده؟
ده إبليس نفسه يضرب لك تعظيم سلام. ضحكت ميرنا بحقد: ساعتها حلال علينا الفلوس، وحلال في نادين اللي هيجرالها من جوزها المغفل. قاسم بإلحاح: هرجع تاني وأسألك، امتى هننفذ؟ ميرنا بحنق: يوووه على زنك! مش دلوقتي، أنا عارفة بعمل إيه. كفاية أسئلة، أنا صدعت منك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!