ستظل الدنيا هكذا لقاء بلا موعد وفراق بلا سبب. فيلا عمر البارون داخل فيلا صغيرة بيضاء بتصميم حديث وبسيط في إحدى الأحياء الراقية الهادئة. في غرفة نوم مظلمة، نجد ذلك الجسد الضعيف هادئ على الفراش لا يصدر منه صوت. تبكي كارمن بصمت وتعانق ابنتها بشدة، وعقلها لا يتوقف عن التفكير. هل مات محب روحها وزوجها العطوف وتركها في الدنيا وحيدة هي وابنته التي تشبه والدها كثيراً، بعيون مشرقة من البراءة والفرح؟ كيف ستواصل حياتها بدونه؟
تدعو الله أن يداوي روحها ويصبرها على فراقه. أغمضت عينيها عندما خطرت هذه الذكرى في عقلها. *** Flash Back وقف عمر في المطبخ واحتضنها إلى صدره من الخلف، وهو يزيح خصلاتها المتمردة على جانب عنقها ليقول بهمس: تعرفي يا كوكي أنا بعشقك أوي، خليتي لحياتي كلها طعم جميل... مش خايف من حاجة، قد ما أنا خايف تبعدي عني دلوقتي!
التفتت كارمن إليه وأحاطت خصره وشددت من ذراعيها حوله، ودفنت رأسها في صدره لتهمس له أيضاً: مقدرش أبعد عنك، أنت الأمان بالنسبالي. كفاية إن ربنا عوضني بيك عن حنان الأب والأخ والزوج، مش عايزة حاجة تانية غيرك من الدنيا. أكملت كلامها بمشاكسة: وبعدين هبعد عنك وأروح فين! أنا قاعدة على قلبك لا عينك تزوغ كدا ولا كدا.
ضحك عمر بمرح: وأنا أقدر أصلاً، دا كفاية الأخبار اللي في التليفزيون عن جرائم قتل الستات لأزوجهم، أنا مش مستغني عن عمري. كارمن بابتسامة ماكرة: برافو عليك، حرس على عمرك بقى. همس عمر بصدق: أنتي وملك أغلى حاجة عندي وهفضل عايش عشانكم. ثم غمز لها قائلاً: بحبك أوي، ماتسيبي الأكل دا وتيجي أقولك كلمة سر قبل ما تصحي ملك. ابتسمت كارمن وقبل أن ترد سمعوا بكاء تلك الصغيرة، ومعكرة صفو لحظاتهم الجميلة معاً كما يسميها عمر. Back ***
عادت إلى الواقع على صوت فتح باب غرفتها. دلفت مريم الحزينة للغاية على حالة ابنتها منذ أن عادت من المستشفى. جلست مريم على الطرف الآخر من الفراش بجانب ابنتها قائلة: ادعيله بالرحمة يا حبيبتي، هو شايفك دلوقتي وزعلان على حالك. لازم ترضي بإرادة الله، هي دي الحياة مفيش شيء دائم. كارمن خرج صوتها مبحوح أثر البكاء: صعب عليا أوي يا ماما، مش مستوعبة إن اللي أنا فيه دلوقتي دا حقيقة، حاسة إنه كابوس وهصحى منه.
تكلمت الأم بحنان: من رحمة ربنا علينا يا بنتي إن الأحزان بتتولد كبيرة ومع الوقت بتصغر. ولازم تهتمي بصحتك، أنتي لسه خارجة من عملية الزايدة وانهيار عصبي ومش بتأكلي كويس، لو مش عشان نفسك عشان ملك. اقتربت منها تربت على كتفها بحنان واستمرت في قراءة القرآن الكريم لها لتهدأ حتى استغرقت في نوم عميق على صوت والدتها الرقيق. *** بعد مرور أسبوعين في منزل مالك البارون استيقظ مالك من نومه على صراخ طفله. التفت جانبه لم ير زوجته.
نظر في ساعة الحائط كانت الرابعة فجراً. رفع الغطاء وهو ينهض متجهاً إلى غرفة ياسين. دخل ليرى يسر تحمل ياسين بين ذراعيها. مالك بخضة: إيه يا يسر ماله ياسين؟ يسر بحيرة وخوف: مش عارفة يا مالك، صحيت على صريخه بيقولي إن بطنه بتوجعه وبحس حرارته سخن أوي! حمل من يديها ياسين يربت على ظهره بحنان: طب هاتيه أنا هلبسه وأنتي روحي البسي وناخده المستشفى بسرعة. يسر: حاضر. هرولت يسر إلى غرفتها ترتدي ملابسها، وغادروا إلى المستشفى. ***
داخل المستشفى مالك يحمل ياسين على ذراعيه، ويدخل للطوارئ ومعه يسر. بعد فحص الطبيب لياسين: اطمنوا يا جماعة مفيش خطر، المغص والحرارة من أكله للحاجات اللي فيها مواد حافظة زي الشيبسي والكراتيه. يسر: أيوه فعلاً يا دكتور، دايماً ياكل الحاجات دي.
الطبيب بعملية: ممنوع الحاجات دي الفترة الجاية تماماً يا مدام. لازم ياكل أكل صحي وفي فيتامينات ويشرب لبن كتير عشان مناعته تقوى. أنا كتبتله على شوية فيتامينات وخافض حرارة وإن شاء الله يبقى كويس. نظر الطبيب لياسين الذي يعدل ملابسه بمساعدة والده، وقال بهدوء: وأنت يا بطل بلاش شقاوة وتسمع الكلام، وإلا أنت بتحب الحقن؟ نظر له الصغير بخوف من ذكر الحقن، وهز رأسه بالرفض.
ضحك الطبيب ببشاشة: يبقى مفيش شيبسي وإلا هكتبلك على حقنة كبيرة. هتف ياسين ببراءة: مش هحب الشيبسي تاني. مالك: شكراً ليك يا دكتور بعد إذنك. غادروا المستشفى يتوجهون إلى المنزل بعد أن اشترى مالك الأدوية. *** صباح يوم جديد في قصر البارون استيقظ أدهم في الثامنة صباحاً وحده بجناحه، ولم يعد يتقاسم الغرفة مع زوجته منذ فترة طويلة.
فرك وجهه يخرج من النعاس والتعب من السهر، لا ينام جيداً، وكيف ينام وهو يشعر بكل هذا الحزن لفقدان أخيه. يظهر للجميع كم هو متين ومتماسك من الخارج، والعكس تماماً بداخله. يتنهد بقوة، يزيل الغطاء عنه ويخفض قدميه على الأرض ليقف منتصباً، متوجهاً إلى الحمام الملحق داخل غرفته، آخذاً حمامه الصباحي. دخل الصالة الرياضية وقام ببعض التمارين لتنشيط جسده كالمعتاد، ثم ذهب إلى غرفة الملابس وأخرج بدلته السوداء ولبس ملابسه وساعته وحذائه.
وقف أمام المرآة، يرتب خصلاته الناعمة بأصابعه، ويضع عطره الخاص، ويتجه للخارج، جاهزاً ليوم حافل بالعمل. *** نزل على درج القصر الكبير الذي كان يسوده الهدوء والسكون. ذهب إلى غرفة الطعام ليرى والدته تجلس أمام الطعام ولم تأكل شيئاً. هتف أدهم بصوته الرخيم: صباح الخير على ست الحبايب. ابتسمت ليلى ببشاشة: صباح النور يا حبيبي. اقترب منها مقبلاً يديها وجلس بجوارها، قائلاً
باهتمام: أكلك مش عاجبني يا أمي، ماتنسيش إنك بتاخدي أدوية قوية لازم تاكلي كويس. تحدث بنبرة لوم وهو يشير إلى الصحن الذي أمامها. ربتت على يديه وقالت بحنان: هفطر إذا فطرت معايا الأول قبل ما تروح الشركة. ابتسم أدهم لها وقال: أمرك يا ست الكل. نظرت إليه كأنها تذكرت شيئاً لتقول بهدوء: أدهم أنا هروح أشوف كارمن النهاردة، البنت حالها كل يوم بيسوأ وهي لسه قايمة من عملية من مدة بسيطة وبعدها انهيار عصبي، ربنا يكون في عونها.
أشار بالموافقة قائلاً ببرود: تمام يا أمي. وبلغيني لما تتحسن صحتها عشان أرتب مع المحامي ييجي يفتح وصية عمر الله يرحمه. في ذلك الوقت، كانت نادين تقف عند باب الغرفة، تستمع إلى ما يقولونه بداخلها. فهي تتجنب الجلوس مع أدهم منذ أن طردها من غرفته، لتخاطب نفسها سراً: يا ترى الوصية دي فيها إيه يا عمر؟ مش مطمنة، بس يا خبر بفلوس بكرة يبقى ببلاش. عندما شعرت بأقدام تسير نحو الباب غادرت مسرعة إلى الأعلى.
خرج أدهم من القصر متجهاً إلى سيارته الخاصة التي يقودها بنفسه، وبدأ أن يتحرك وسيارة كبيرة بها مجموعة الحرس الخاص به ورائه. *** في شركة البارون ديزين دخل مالك مكتب أدهم بعد أن دق الباب سامحاً له بالدخول. أدهم بدهشة: جاي متأخر النهاردة مش عادتك... مالك بتعب: ياسين سخن الفجر. وأخدناه المستشفى بعد ما فضحنا بعياطه. أدهم: وهو أخباره إيه دلوقتي؟
مالك: تمام، الدكتور كتبله على خافض حرارة وفيتامينات. الباشا مش بيبطل أكل الشيبسي. ابتسم أدهم بحزن، وشرد بتفكيره في حالة عجزه الذي علم به منذ سنوات. أفاق من شروده على صوت مالك: روحت فين يا أدهم؟ أدهم: معاك! أحس بما يفكر به صديقه المقرب، فشعر بالحزن عليه رغم قناع الجليد الذي يرتديه دائماً، فقال بتساؤل: لسه مش عايز تفكر بالعلاج؟ مفيش شيء دلوقتي إلا وله حل وربنا قادر على كل شيء.
رد أدهم بجمود: ونعم بالله. كل شيء وله وقته. قال مالك بحيرة: اللي مستغرب منه إزاي نادين كان رد فعلها إنها تكمل معاك. وهي متأكدة إنك مش بتحبها وعارفة سبب جوازك منها عشان مركز أبوها. ابتسم أدهم قائلاً بتهكم: عشان الفلوس. هي مش تهمها الخلفه والأطفال قد ما بتحب الفلوس. وطول ما فيه فلوس هي موجودة، مش بتفكر غير في النوادي وسهر والخروج والشوبنج. مالك: وإنت إيه مصبرك عليها لحد دلوقتي وإنت فاهمها كده؟
أدهم: بستمتع باللعبة، وهي فارقة موجودة أو لا، كله زي بعضه. مالك: طيب، أنا هرجع على شغلي. غادر مالك إلى عمله وعاد أدهم إلى الأوراق التي أمامه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!