الفصل 31 | من 160 فصل

رواية نعيمي وجحيمها الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"

المشاهدات
25
كلمة
1,528
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

فيها بحجة أنها بنت الغالية حبيبة قلبك اللي ماتت في عز شبابها واتحرمتي منها. أقنعتيني أنها يتيمة ومحتاجة اللي يطبطب عليها عشان تتعدل، وهي ضلع معوج بكتر الدلع وحب النفس والانانية. أنا معدتش جاسر بتاع زمان ياست الكل، ولا انت نسيتي؟ يابني ياحبيبي.... معلش والنبي الله يخليك يا أمي اقفلي دلوقتي وبكرة الصبح هاتصل أنا وأطمن عليكم. ياجاسر... كان قد وصل إلى غرفته وهو ينهي المكالمة بعد مقاطعة والدته.

رمى الهاتف وسلسلة المفاتيح على المقعد الوحيد الذي وجده أمامه قبل أن يسقط بظهره على التخت يتنفس بثقل، وكل عضلة بجسده تئن من التعب. بالإضافة لتزاحم الأفكار السيئة بعقله بعد أن عادت إليه مشاهد الحادث القديمة ومراحل العذاب في العلاج الشاق بعد ذلك حتى يستطيع الوقوف على أقدامه مرة أخرى، وقد ظن عدم النجاة وانهيار عالمه. أغمض عينيه يستعيد وجهها الجميل بمخيلته، ويتذكر مشاكسته لها منذ قليل وردودها العفوية التي تسعده دائما.

تنهد من العمق وهو يفتح أجفانه على رؤية الغرفة الكبيرة الخالية من الحياة لأول مرة منذ فترة طويلة. يكره شعور الوحدة فيها بعد أن كيّف نفسه عليها، بل وكان يجد الراحة بها، لكن كان هذا قبل أن يراها! بعد أسبوع. دلف إلى الشركة التي جعلها المقر الرئيسي لقيادة المجموعة، يقضي معظم يومه بها يدير كل شيء من داخلها، عكس ما كان ينتوي سابقًا قبل أن يراها وتتغير معه كل خططه.

خطواته السريعة توقفت فورًا أن دلف للغرفة الواسعة حينما رأى ابتسامتها التي تسلب لب قلبه وهي تتحدث في الهاتف غافلة عنه. بطء بخطواته حتى أصبح قريبًا منها ويستمع إلى محادثتها: "حبيبي والله زي ما بقولك كدة، رقية حكمت عليها تبات معانا ليلتين وصاحبتك ماصدقت دي روحت بالعافية. النعمة بعد ما والدها اتصل وبهدل الدنيا معاها، واقعة أوي بصراحة يعني." صمتت قليلاً تستمع لرده عبر الأثير. فانطلقت ضحكة بصوتها كادت أن توقف قلبه.

من خلفها ورأسها تميل للخلف حتى اصطدمت عيناها به. فانتفضت تنهض مجفلة أمامه حتى أغلقت المكالمة دون أن تدري. "جاسر بيه، آسفة والله مكنتش واخدة بالي." رغم الإحباط الذي انتابه بتوقف ضحكاتها، لكنه تمكن من رسم الجمود كالعادة في حديثهم. "ماتخلي بالك يا آنسة من ضحكتك وأنت في مكان شغلك." أومأت برأسها وردت وهي مطرقة رأسها: "عندك حق، مش هاتكرر تاني يا فندم." صمت قليلاً وانتظرته هي أن ينصرف، ولكنه فاجأها بسؤاله الفضولي:

"كنت بتكلمي مين؟ رفعت عيناها إليه باندهاش وردد هو: "بسألك مين ده اللي كنت بتناديه يا حبيبي؟ عضت على وجنتها من الداخل تكبح غضبها فقالت متصنعة الابتسام: "ده يبقى خالي يا جاسر بيه، أنا كل كلامي كدة معاه." "خالك خالد." أردف بها قبل أن يتحرك قليلاً ثم استدار قائلاً: "أنا بسألك بس عشان مصلحتك، مهما كانت معزة خالك عندك، الكلمة دي ما يصحش تتقال عشان بس ما حدش يسمعك ويفهمك غلط بعد كده."

أومأت برأسها بعدم اقتناع أملاً في ذهابه الذي حدث بعد ذلك. ولكنها أوقفاته قبل أن يدلف لغرفته هاتفة: "على فكرة يا جاسر باشا، أنا خلصت كل الملفات المتكومة، يعني النهاردة بقى يحق لي آخد فرصتي زي بقية الموظفين في البريك بتاعي." التفت برأسه لها بنظرة حانقة قبل أن يدلف لمكتبه صافقًا الباب بقوة أمامها. بداخل دكانه الذي كان يعمل به بجهد وقد توفرت معه المواد الخام كي ينهي الأعمال القديمة والتي توقفت منذ زمن.

بيده إحدى الوسادات التي يعمل عليها بتركيز وبجواره من الناحية الأخرى العامل الصغير المدعو عامري. يعمل هو الآخر بقطعة أخرى. ارتفعت رأسا الاثنان فجأة على صيحة جهورية أجفلتهم. "صباح الخير عليك يا عم يا محروس." "فهمي! هو أنت خرجت إمتى من السجن؟ تمتم بها محروس بعد أن انتفض وسقطت الوسادة منه على الأرض وهو يرى الظل الطويل أمامه بمدخل الدكان يخطو ببطء وخطوات متمهلة بوجهه الإجرامي وملابسه المتسخة بفعل السجن. قال مخاطبًا الفتى:

"قوم ياعسل روح هاتلي حاجة ساقعة من البقال اللي في الشارع اللي ورانا." تسمر عامري بجلسته بعد تركه ما كان يعمل به أيضًا، فانتقلت عيناه باستفسار إلى معلمه. هدر عليه فهمي: "فيه إيه يا جدع، ماتقول للواد يتحرك يجيبلي حلاوة خروجي من السجن؟ ولا أنت مش فرحان بخروجي من السجن يا محروس؟ استدرك نفسه محروس يستوعب الصدمة، فهتف على صبيه:

"روح يا عامري نفذ اللي قالك عليه عمك فهمي، قوم يابني اتحرك بسرعة، حمد الله عالسلامة، كفارة يا فهمي." أومأ له الفتى وهو ينهض على مضض كي يخرج ويتركهم. بعد مغادرته تناول فهمي أحد المقاعد ليجلس عليها بالعكس ليصبح مقابل محروس الذي كان يبتلع ريقه بصعوبة من الخوف. "عامل إيه يا محروس من غيري؟ بتعرف تصرف نفسك من الكيف؟ سأله بنبرة غريبة. أجابه محروس على تخوف:

"لا، ماهو الواد شمة اللي كان شغال معاك مقصرش معايا بصراحة، كان بيديني اللي بطلبه منه، وكله بحسابه." ردد فهمي بتمهل وهو يتناول سيجارة من جيبه ليشعلها: "آه صح عندك حق، كله بحسابه. بس ياترى بقى دفعت أنت حسابه؟ رد محروس بعدم فهمه: "طبعًا، وحتى أسأله أنا، مافيش مرة سحبت منه حاجة إلا وتمنها في إيده الأول." "والتمن بقى جايبه منين يا غالي؟ صاح فهمي فجأة وهو يبغت محروس بجذبه من قميصه، جعل الخوف يزحف بأوردته.

"الله الله يا فهمي، إيه اللي حصل يا جدع وأنت بتعمل معايا كدة ليه؟ هدر فهمي وهو يجز على أسنانه بعد أن أوقع السيجارة من فمه وأصبحت أنفه تنفث دخانًا يلفح بشعر محروس:

"بعمل كدة عشان أنت جبان خيخة. اعتبرتك راجل لما اديتك الفلوس مهر البت عشان تجوزهالي، وفي الآخر خدت أنا على قفايا خطيبة المحروس. اتفقت مع أخوها الظابط وعملوا عليا رباطية عشان يدخلوني السجن وما أخرجش منه تاني. لكن لا يا حبيبي، العيال هي اللي شالت الليلة عشان أنا صفحتي بيضا والبوليس فتشني وملقاش في هدومي حاجة." "طب ماهو دا كويس يا فهمي، مدام ربنا نصرك عليهم وخدت براءة." قال محروس بتلجلج من الخوف. جز الآخر

على أسنانه أكثر في قوله: "لا مش كويس يا عينيا، عشان الـ... أخو المحروسة حطني في دماغه وحلف إنه هايسود عيشتي لو قربت من الكونتيسا بنتك، يعني لبست غضب الحكومة بسببك." دافع محروس يومئ بكفه نحو صدره: "أنا يافهمي! وأنا ذنبي إيه بس في الليلة دي؟ شدد فهمي من قبضته على تلابيب قميص محروس يهزه بعنف هادرًا:

"ماهو أنت لو راجل وبتعرف تحكم أهل بيتك ما كانش أي حاجة من دي حصلت. اسمع أما أقولك ياض، قدامك فرصة أسبوع بالكتير ياتردلي الفلوس اللي أخدتها على داير مليم والكيف اللي كنت بتبلعه على حسابي، ياتجوزني البت وبرضاها، تمنع الرباطية دول عني. فاهم يا خيخة؟ صمت محروس بصدمة فدفعه فهمي للخلف بقوة حتى اصطدم ظهره بالحائط.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...