رفعت عينيها غريزياً نحو الأعلى ثم عادت تردد اسمه ببهجة: "عماد." ولجت داخل منزلها بسعادة تجعلها وكأنها طافية على سطح المياه. لا تصدق ما تم إنجازه هذا اليوم، هذه الصدفة العجيبة التي استغلتها بذكائها لتفعل ما ودت فعله منذ فترة طويلة، فحققت بها أهدافاً عدة في وقت واحد، كالذي ضرب بحجر وأصاب عدة عصافير. ارتمت على أريكتها الأثيرة واستلقت عليها بظهرها، وما زال فمها منشق بابتسامتها الظافرة.
"هذه ليست مشكلة قليلة وستمر مع الوقت، بل إنها فضيحة." كلمات عماد التي ألقاها في وسط المشفى على الملأ، إضافة إلى الشك الذي زرعته بداخله حينما وجد الاثنان بغرفة واحدة مغلقة عليهما. لا تستبعد انتقام جاسر منها، إن لم يكن بطلاقها، فسيقوم بقتلها بعد هذا العشق الأبله منه ناحيتها.
رفعت الهاتف تنظر في التسجيلات والمشاهد التي وثقتها بالتصوير، فانطلقت تضحك بهستيريا على هيئة عماد المزري بإصاباته من جاسر، وهو يتكلم بجدية تنبع من تصديقه الكامل لعشق زهرة له بعد أن أوهمته غادة المؤذية بذلك. "هذه الفتاة تفيدني دائماً وبشكل غير طبيعي."
صورة جاسر الذي اظلم وجهه مع كلمات عماد وهو يتقدم للفتك به، هذه الزهرة وهي ترتمي على الأرض كالخرقة البالية أمام عيون البشر المصوبة نحوها، وقد أجفلها عماد المتيم بكلماته الغريبة.
تقسم أنها لم يمر عليها في الحياة بمثل هذا اليوم من سعادة، ولا ضحكت من قلبها هكذا. تذكرت بداية لقاءها مع عماد بعد أن قص عليها مشكلته بكل غباء. أسعدها لتدبر خطة مكتملة الأركان، وكان اختيارها الجيد لفتاة تعمل في تنظيف مراحيض المشفى، ثم إغراؤها بحزمة كبيرة من المال جعلت الفتاة تجحظ عينيها مع رؤيتها بعدم تصديق، ثم تحفيظها للكلمات التي ستدلي بها لزهرة لتوقعها.
وتمت المهمة حينما أخذت هاتف الفتاة نفسها لتبعت منه الرسائل لجاسر، وهي تراقب من زاوية قريبة ذهاب زهرة إلى الغرفة التي يعمل بها عماد، ثم تعويض الفتاة بحزمة كبيرة أخرى بعد سحب الخط وتكسيره. فور استجابة جاسر للذهاب لتحذيراتها ليضبط الزوجة الخائنة مع حبيبها القديم.
عند هذه وانطلقت بموجة أخرى من الضحك لا تستطيع التوقف عنها، يغمرها إحساس هائل بخوضها لمغامرة غير عادية أثارت بقلبها السعادة. تنهدت بغبطة لتتمالك نفسها من الضحك قليلاً، ثم اعتدلت بنومها لتهاتف الرقم المناسب لها الآن. "ألو.. أيوة يا فاضل."
أغلق باب الغرفة فجأة بعد أن دلف إليها، فانتبهت هي من شرودها والتفت رأسها إليه مع جلوسها متكئة بظهرها على وسادة من الخلف. أشاحت بوجهها عنه على الفور، فلم ترى هذه اللهفة التي بدت على ملامحه وهو يخطو ليقترب منها ممسكاً بيده ملف التحليل الخاص بها لاختبار الحمل، بعد أن تأكد من صحة المعلومة وعاد بقرائته عدة مرات بدون ملل. دنا ليجلس بجوارها يسألها بصوت متحشرج من فرط المشاعر التي تتنابه الآن لدرجة تجعل الصوت يخرج بارتجاف:
"ما قولتيش ليه." وكأنها لم تسمع، ظلت على وضعها ولم تجب. فتابع بأسئلته: "ليه ما قولتيش على حاجة زي دي يا زهرة، وأنتِ عارفة ومتأكدة إني هـتجنن عشان أعرفها." التفت برأسها إليه بنظرة خاطفة ثم عادت للناحية الأخرى مرة أخرى لتجيبه بلهجة ميتة: "كنت عايزة أتأكد الأول قبل ما أتكلم." رد يلح بسؤال آخر: "برضه ليه ما قولتيش من البداية، وأنا كنت سعيت معاكي عشان نتأكد مع بعض."
عادت لصمتها ولم ترد. فباغتها فجأة يجذبها من ذراعها لتلتفت إليه عنوة وتقابل عينيها بخاصتيه المتعطشة لمعرفة الحقيقة، فأمرها مردداً بصوته الحازم المسيطر: "ما تسبنيش أتكلم كده وأنتِ ساكتة، اتكلمي وردي عليا، قولي يا زهرة وريحي قلبي من أسئلة كتير في دماغي، قولي." "عشان كنت عايزة أعملهالك مفاجأة." هتفت بها صارخة بوجهه لتكمل بانهيارها مع سيل من الدموع تهطل بغير توقف:
"أيوه يا جاسر، كنت مفكرة إنه هيبقى أجمل خبر ممكن أبلغك بيه، وعلى أساس إنها تبقى مناسبة سعيدة ما بينا وهاتفضل ذكراها معانا العمر كله، بس ده كان ظني في الأول، لكن دلوقتي بقى مش عارفة." لم يتمالك نفسه أكثر من ذلك، فجذبها بقوة يضمها لصدره مردداً بحرقة: "سعيدة والله، والله سعيدة يا أجمل زهرة في عمري كله." مع شعورها بغمرته القوية لها بذراعيه وإحساسها بفرحته رغم ما حدث منذ قليل، انطلق بكاؤها بهستيريا تردد له من بين شهقاتها:
"أنا كنت محضرة كلام وحاجات كتير أعملها لما أجي أبلغك بالخبر بعد ما أتأكد، ما كنتش أتخيل إن فرحتي المنتظرة تيجي مع ظرف بشع بالشكل ده."
زاد بضغط ذراعيه عليها، وقد وصله إحساسها المقهور بصدق كلماتها إليه، يتمزق قلبه إلى أشلاء متناهية الصغر مع كل حرف يصدر منها. يعيد لململة شتات نفسه بعد أن فكر بروية زهرة منذ زواجها به وهي تحت أنظاره، سواء في البيت أو العمل، حتى بيت جدتها يتم بمرافقة حراسه. بالإضافة أنه ليس بالصغير أو عديم الخبرة، حتى لا يعلم بصدق عشقها إليه أو الادعاء بذلك.
مع تذكره لظرف زواجهم ومحاولاته الكثيرة معها حتى استجابت له، هو أعلم الناس بصدقها وبرائتها التي أوقعته أسيراً لها، ولكن يظل هذا السؤال: لماذا ذهبت إلى غرفة هذا الشخص؟ فك ذراعيه لينزعها عن حضنه بلطف شديد بعد أن هدأت شهقاتها قليلاً. رفع وجهها إليه يمسح بإبهاميه كي يجفف عنها دموعها التي لا تتوقف، فقال بلهجة حانية:
"خلاص يا زهرة، أنا مصدقك، بس أنتِ أكيد عارفة ومقدرة الوضع اللي أنا اتحطيت فيه والكلام اللي قالوه المتخلف ده قدام أمّة لا إله إلا الله في المستشفى." مع تذكيرها بما حدث، عادت لبكائها تقول بحرقة:
"بس أنا والله ما عشمته بحاجة يا جاسر، أنا مش فاهمة أساساً هو جايب الثقة دي منين، بيتكلم وكأنه أمر واقع، مش فاهمة ليه بيعمل كده، واللعبة اللي لعبها عليا عشان أعدي برجليا لأوضته اللي بيشتغل فيها ويفتن ما بيني وما بينك، أقسم بالله لا يمكن أسامحه عليها أبداً." ضاق عينيه قليلاً يسألها بريبة: "لعبة إيه اللي لعبها عليكي؟ قطعت بكاءها لتجيبه بقوة:
"ما هو ده اللي كنت عايزة أقولك عليه من البداية عن السبب اللي خلاني أروح للغرفة اللي شغال فيها." احتدمت عينيه وتحفزت جميع خلاياه مع قوله لها: "قولي يا زهرة، اللي حصل وأنا سامعك كويس أوي."
بفستان أزرق يغطي ركبتيها بقليل وزينة خفيفة بوجهها غير مبهرجة، تنفيذها لتوصيات أبيها الذي أصدر أوامره أيضاً. جلسوها الآن في انتظار الزائرين المهمين، تفرك بملل لا تطيق هذه الجلسات المملة وهو مشغول عنها في النظر في حاسبه ومتابعة أعماله، حتى دوى صوت جرس المنزل، فأغلقه على الفور مع دخول الرجلين لداخل المنزل بصحبة مدير مكتبه. فوقف يخاطبها من تحت أسنانه: "قومي اقفي معايا باحترام واتعدلي في وقفتك، مش عايز أي استهبال."
نفخت بضيق مذعنة لأمره، ومغتمغة بالكلمات الحانقة بداخلها، حتى وقعت أنظارها على الضيفين، الرجل السفير فوزي شريف وابنه رائد، فارتخت ملامحها وبدا عليها الإعجاب لهذا المدعو رائد بهيئته الأنيقة بشكل مبالغ فيه، مع ارتدائه لحلة رمادية انعكست على لون بشرته البرونزية وعضلاته البارزة بوضوح مع سترته المحكمة بضيق على ساعديه، ليذكرها بنجوم المصارعة التي تعشقها بعشق أبطالها، والنظر إليهم يتقدم نحوهم مع أبيه برزانة ووقار تظهر رقي تربيته.
هلت بداخلها على هذا الاختيار الرائع من أباها، ثم تمالكت بداخلها لتجيد التعامل مع العريس اللقطة كما يقال عنه في الحارات الشعبية. أسبلت أهدابها تدعي الخجل وهي ترحب بهم برقة غريبة عنها، أثارت إعجاب الرجل الكبير ليثني على جمالها وحسن أدبها: "بسم الله ما شاء الله عليك يا بنتي، مثال الجمال والأدب، يا زين ما ربيت يا فهمي." "متشكرة أوي يا أنكل، ربنا يخليك."
قالتها بصوت بالكاد يسمع، جعل حاجب يرتفع باستغراب من أبيها، قبل أن يندمج مع الرجل بضحكة مفتعلة مع قوله: "ده من ذوقك يا فوزي، بس بصراحة أنا متعبتش خالص في تربيتها، أصلها دي ورثت الأدب والاحترام عن والدتها."
أكمل الرجل بكلمات الإعجاب وهي تطرق برأسها بمبالغة، رغم خبثها في نقل النظرات إلى هذا الجميل المدعو رائد، وهو يبادلها الإعجاب. حتى جلس أمامها يفتح أزرار سترته، فبرزت عضلات صدره من القميص الأبيض، كادت أن تصرخ مكبرة بالإعجاب، ولكنها استطاعت السيطرة على جنونها وتمالك نفسها لتسمع كلمات المودة بين الرجلين. وهذا السفير يقول مخاطباً أباها:
"أنا اتشرفت جداً بالتعرف عليك يا سيادة الوزير، بصراحة أنت مثال الشرف والتواضع، ياريتني قابلتك من زمان ووطدت علاقتي بيك." ربت فهمي بكفه على عظام صدره يظهر الامتنان لكلمات الرجل بقوله:
"ده أنا اللي اتشرفت وزادني الشرف بمعرفتك، في الحقيقة أنا راجل مش اجتماعي أوي في حكاية التعارف والصدقات، لأني دايماً بحب التقدم في شغلي بكل ضمير، ودلوقتي كمان بعد ما مسكت الوزارة بقالي سنين ما عدتش حتى بعرف أنام الليل وأنا شايل هم البلد وبفكر طول الليل في مشاكلها." "يا سلام يا فندم على نبل أخلاقك وضميرك اليقظ." أردف بها الرجل بحماس ليستطرد:
"مش بقولك سعيد بمعرفتك يا فندم، أنا بقالي فوق العشرين سنة دلوقتي بخدم في دول أمريكا اللاتينية من ساعة ما كنت موظف صغير في السفارة، إلا أن وصلت لمنصب السفير، بخدم في منصبي كمان بكل إخلاص وضمير، فاستسلمت بقى للغربة وقسوتها. بس بقى لما جيت عند جواز ابني، فوقت لنفسي وقولت إنه لا يمكن أجوزها لواحدة أجنبية بتربيتهم المختلفة عننا، أصل مافيش غير البنت المصرية هي اللي تليقله عشان تصون شرفه وتراعي ربنا في أولاده."
سهم فهمي بكلمات الرجل الصادمة له، ولكن مع التفاتة بسيطة لابنته التي اندمجت في دورها وهي تتبادل مع الشاب ابتسامتها بخجل، تدعي خف توتره قليلاً.
أتت الخادمة بصينية كبيرة تحمل عليها الحلويات وفناجين القهوة، فنهضت هي سريعاً تجفل المرأة بأخذ الصينية منها لتضيف بنفسها الرجلين وتعطيهم أطباق الجاتوه. انتشى والدها من فعلتها، ولكنه اندهش مع تسمر الخادمة أمامهم بذهولها من فعل ميري الغريب. هتف عليها بالانصراف، وعادت ميري تدعي الحياء لتزيد من إعجاب الرجل وابنه معه. وبداخلها تتراقص من الفرح، فهذا الوسيم ذو الجسد العضلي الرائع سوف يكون من نصيبها لتغيظ به صديقاتها وكل من شمِت في طلاقها من جاسر الريان، بالإضافة أنه لا يعرف شيئاً عن تاريخها.
فاقت من شرودها على إضاءة الهاتف الذي جعلته صامتاً برقم ماروا. تأففت بقرف تغلق الهاتف لتعود لجلستها وابتسامتها للشاب الراقي الوسيم، لتزيد من تعلقه بها، فمن الواضح من نظراته نحوها أنه بلع الطعم وسيكون موعد زفافها به قريباً، لا بل قريباً جداً. في صباح اليوم التالي.
فتح أجفانه على أثر الضوء الذي اخترق الغرفة، مستيقظاً من نومه العميق، والتعب ما زال يفتك برأسه رغم غفوته لهذه الساعات الطويلة بعد سهرة مع تعب أبيه ومرور يومه السابق بمشقة مع أحداثه الكثيرة والكبيرة أيضاً. تأوه من تخدر ذراعه الذي ما زال يحمل رأسها، ليعتدل بجسده بصعوبة ويميل ليقبلها على جبهتها بقصد إيقاظها مع مداعبته الرقيقة لأنفها، وهي تزمجر بصوتها متأففة، فيزيد عليها بضمها بقوة حتى أنت بين ذراعيه
قائلة بصوت مختلط بنعاسها: "بس بقى يا جاسر، كفاية غلاسة." ضحك منتشياً بمناكفتها التي تزيد من مرحه مع ردود أفعالها غير المتوقعة، فدنى منها يردد بجوار أذنه: "مش هابطل غلاسة غير لما تقومي وأشوفك صاحية قدامي."
تغضنت ملامح وجهها بضيق وهي تسحب الشرشف لتغطي رأسها، وحاولت أن تنقلب للناحية الأخرى، ولكنها لم تتمكن من ضيق المساحة على السرير الطبي وهو بجسده الضخم محشور بجوارها يحاصرها بذراعيه. ضحك من قلبه على محاولاتها الفاشلة لتعود لوضعها، متنهدة باستسلام تغطي بساعدها على عينيها. ازداد بضحكاته ليكشف عيناها، فهتفت بتذمر: "يوه عليك يا جاسر، كفاية بقى، عايزة أنام، حرام عليك."
وكأن بكلماتها الغاضبة تطالبه بالمزيد، زاد بميله عليها حتى ثبت ذراعيها بجانبيها ليعطي للضوء مساحة كاملة وفرصة كبيرة لإزعاجها أكثر، حتى استسلمت تفتح عينيها إليه قائلة بغيظ: "اديني أتنيّلت وصحيت، استريحت أنت كده بقى." أومأ لها برأسه بسعادة تدغدغ قلبه مع فرط فرحته بحملها. يتأمل تفاصيل وجهها بنهم لا يصدق بتحقق حلمه أخيراً بإنجاب طفل أو طفلة. قطعه منها يتمنى بشدة أن يكونوا جميعهم شبهها، حتى يرى صورتها مع كل نظرة لأحد منهم.
قاطعت شروده قائلة بسأم: "هنفضل ع الوضع ده كده كتير، مش ناوي بقى تفك عني شوية، خليني أتحرك ولا آخد نفس." حرك رأسه بالنفي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!