صباح الخير يا مرسي أوي على ذوقك. أطلق ضحكة ساخرة مرددًا: مرسي! آخرابي ياما ههخخخ. عضت شفتها غيظًا من هذا الرجل والذي دائمًا ما يشعرها بأنه يكشف ما بداخل عقلها. تماسكت لتسأله: معلش يعني لو هاقطع عليك وصلة الضحك بتاعتك، بس أنا كنت عايزة أسألك عن الراجل اللي ركب العربية مع كارم دلوقتي. رد إمام على الفور: قصدك على عم محروس أبو الآنسة زهرة؟ برقت عيناها بلهفة بعد سماع كلماته، فتشجعت تسأله:
أيوه هو، كنت عايزة أعرف منك بقى إيه اللي جابه هنا وراكب مع كارم في عربيته كدا إزاي؟ صمت قليلاً يدعي التفكير، ثم انفغر فاهه بابتسامة مرحة يجيبها: بصراحة معرفش. ردت وهي تجز على أسنانها: يعني عرفت إن اسمه محروس وأبو زهرة، ومعرفتش السبب اللي جابه هنا؟
أه. قالها مقتضبة مع تساع ابتسامته، مما أثار ازدياد حنقها منه. وبدون كلمة استدارت وهي تتفتت من الغيظ منه، تطرق بكعبها العالي على الأرض الرخامية عائدة بعد أن فقدت الأمل باستدراجه في الحديث. فتحت باب مكتبه لتفاجأ بجلسته على طرف المكتب بابتسامة تنبئها أنه كان في انتظارها. استدارت لتغلق الباب خلفها وهي تتمتم داخلها: دا أنا بايني هاشوف العجب في الأيام اللي جاية.
عادت لتخطو نحوه بتردد وهي تموت خجلًا من نظراته المتفحصة لها، حتى اقتربت منه تمد يدها ببعض المستندات: اا دول عايزين إمضة. تناولهم سريعا ليلقيهم بإهمال خلفه على سطح المكتب مرددًا: ودا وقت شغل دلوقتي، تعالي الأول اقعدي هنا قصادي عشان أكلمك. برقت عيناها وهي تراه يمسك بكفها كأنه أمر عادي، ليسحبها كي تجلس على الكرسي المقابل له أمام المكتب. إيه بقى، وشك مخطوف كدة ليه؟ صمتت قليلاً قبل أن تجاوب على سؤاله:
لا يعني، بس أنا مستغربة قوي اللي بيحصل، لأنه بصراحة مكنتش أتوقعه. اعتلى شفتيه ابتسامة رائعة وهو يرد: لا صدقي وصدقي أوي كمان، أنا طيارتي كمان ساعة أو أقل، هاسافر أطمن على بابا وأقوله بالمرة، وبعد ما أرجع بقى كل حاجة هتبقى رسمي. إن كان يظن أن بكلماته طمأنها، فهو واهم. بربشت بعينيها وقد عاد دوار رأسها من جديد وهي تردد داخلها: رسمي! انتبهت عليه ينهض فجأة يتناول حقيبته، يلملم بها أشياءه ويهتف عليها:
قومي يالا عشان أوصلك معايا في طريقي. توصلني فين؟ سألت بعدم تركيز جعلته يضحك مرددًا لها: هاوصلك على بيتكم يازهرة، أو بمعنى أصح السواق هو اللي هايوصلك بعد ما يوصلني أنا على المطار، قومي عشان تريحي في بيتكم، انت شكلك تعبان. لم تجادل معه ونهضت على الفور تنفذ أمره، فأقصى ما تتمناه الآن هو الاستلقاء على سريرها، أو أن ترتمي داخل حضن رقية ملجأ أمانها.
كانت غادة تسرع بخطواتها كي تصل إلى زهرة بعد أن وصلت إلى طابقها، لتسألها عن حضور والدها للشركة، ربما وجدت عندها المعلومة التي ترضي فضولها. التصقت بالحائط فجأة حينما رأتها تسير بجانب جاسر، والذي تراه لأول مرة، لا يسرع بخطوته كالعادة، بل ويتحدث بارتياح مع زهرة، واضعًا كفه بجيب بنطاله. تسمرت محلها تراقبهم حتى دلفوا لداخل المصعد، فاشتعل رأسها. لااا أنا قلبي كدة مش مطمن وحاسة إن في حاجة مش مظبوطة وبتحصل من ورا ضهري.
غمغمت بها قبل أن ترفع هاتفها لتتصل بوالدتها، والتي أجابت على الفور: الوو... أيوه ياغادة بتتصلي ليه؟ ردت على الفور: أيوه ياما، في حاجات حصلت النهاردة في الشركة مجنناني وهاتخلي برج من نفوخي يطير. حاجات إيه يابت؟ ترجل محروس من سيارة كارم أمام بناية منزله يردد بصوت عالٍ: اتفضل ياباشا اشرب شاي ولا خد واجبك. أومأ له كارم بكفه وهو يتحرك بسيارته، والآخر يكرر بصوت عالٍ: طپ ياباشا مع ألف سلامة، مع السلامة.
ظل متابع السيارة حتى خرجت من الحارة، ثم التفت على الجيران والبشر التي انتابها الفضول نحوه. تنهد بصوت عالٍ وهو يسير بقلب الحارة منتفخ الصدر بزهو، حتى وصل إلى القهوة مرددًا بصوت عالٍ أمام نظرات فهمي الذي كان يدخن الشيشة بجوار رجاله: واد ياحمامة، فرق شربات على الحارة كلها حلاوة خطوبة بنتي ست البنات كلهم زهرة محروس. صدرت الهمهمات مع الأصوات المباركة وبعض الأسئلة الفضولية: ألف مبروك يامحروس، عريسها يبقى مين ياترى؟
العريس من الحارة؟ أومأ يرد بتفاخر: عريسها يبقى باشا كبير أوي من دولة عربية شقيقة. ألقى جملته الغريبة فازدادت الأسئلة مع المباركات والتهنئة، وهو يجيب بزهو ويختلق قصصًا من وحي خياله. حتى أجفله فهمي الغاضب ينكزه بكفه: هي مين اللي اتخطبت من الدول العربية؟ انت بتتكلم بجد ياراجل انت ولا جاي تصيع علينا؟ نفض كفه محروس يقول بشراسة: وانت مالك، إن كنت بألف ولا اخترع حتى من دماغي، فلوسك أخدتها عالجزمة القديمة، لك إيه تاني بقى؟
توقف فهمي مزهولًا من فعل محروس الذي تجرأ عليه أمام البشر بوقاحة تأتي من ثقة بداخله. تجاهله محروس وهو يبتعد عنه يردد بصوت عالٍ مرة أخرى: فرق يابني فرق، وماتسيبش حد من الحارة نهائي، خلي الكل يعرف بالنسب اللي يشرف مش يعرق. قال الأخيرة وهو يرمق فهمي بنظرة معبرة زادت من غضب الآخر، والذي كان صدره يعلو ويهبط بتنفسه الحاد. وفي الأعلى صفية كانت متابعة ما يحدث من الشرفة التي تركتها لتذهب لرقية بالداخل هاتفة:
الحقي ياستي، دا أبويا بيفرق شربات في الحارة وبيقول إن زهرة اتخطبت لراجل مهم من دولة عربية. رددت خلفها رقية بعدم فهم: دولة عربية إيه يابت وكلام فارغ إيه اللي بتهلفطي فيه؟ هو أبوكي اتجنن ولا اتلحس في عقله؟ ردت صفية: والله ما أعرف ياستي، أنا بقولك على اللي شوفته وأنا باصة من البلكونة حالًا دلوقتي عالشارع تحت. صاحت عليها رقية بغضب: شارع! لهو كمان نشرها في الشارع؟
انزلي يابت روحي اندهي له بسرعة، ولا هي حصلت كمان يخطبها من غير ما نعرف؟ ناقص بقى يجوزها من غير علمي عشان أطين عيشته إن شاء الله بالمرة.
بجوار مطار القاهرة الدولي توقفت السيارة التي تقلّها معه، وهي ما زالت على حالتها من الصمت والشرود. تومئ برأسها وهي تستمع إلى حديثه وحكاياته القديمة في السفر وسرده بعض العادات والطقوس الغريبة لبعض الشعوب. حتى إذا سألها عن شيء لتسمع صوته تجيبه باقتضاب وعدم تركيز، فعقلها لا يستوعب حتى الآن الشخصية الجديدة له، ما زالت تبحث عن الرجل المخيف بها. إيه بقى، إحنا خلاص وصلنا كدة، يعني أنا حالًا هانزل وأسافر.
أومأت برأسها تقول له: تسافر وترجع بالسلامة إن شاء الله. ردد بفرح: الله يازهرة، حلوة الدعوة دي منك كدة، هاتخلي الواحد يسافر وهو مبسوط مرتين، مرة عشان الدعوة اللي تجنن دي، ومرة تانية عشان مجيتك معايا قبل ما أسافر. ثواني كدة. أردف الأخيرة وهو يخرج من جيب سترته هاتفه ليفاجئها بالتقاط
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!