عبس يرد على كلماتها: "عطلة إيه يا كاميليا اللي هاتجيلي من مشوارك؟ هو أنا هاخدك وأسافر بيكي يعني، ولا انت عندك الركوب مع سواق غريب آمن من الركوب معايا في عربيتي؟
أحرجها بكلماته، فتحركت أليًا لتنضم معه في الأمام بجواره. اعتلى السيارة ليدير المحرك ويقودها بجوارها صامتًا حتى لا يزعجها. بنهج اتخذه منذ مدة حينما لاحظ جفاء ردها معه كلما حاول التقرب. فمهما حرق قلبه ناحيتها، لن يسمح بامتهان كرامته في عشق امرأة لا تبادله نفس المشاعر. قطعت هي شروده بسؤال: "خارجت بدري أوي النهاردة وسيبت الشغل، مش عادتك يعني." ارتفع حاجبيه لسؤالها المفاجئ، ثم رد بروتينية يمنع نبضة الأمل التي
تبذر بداخله لاهتمامها: "خرجت أساوي شوية مصالح كدة لجاسر، اداني أوردر بيهم امبارح." قالت مبتسمة: "وجاسر الريان دا استحلاها باينه، دا كان قايل يدوب يومين واحنا دلوقت هانكمل أسبوعين في غيابه." التفت إليها قائلاً بمغزى: "وما يقعد أسبوعين ولا شهر حتى، الراجل مبسوط مع مراته، وأظن هي كمان مبسوطة معاه، وأيام العسل دي مابتتعوضش. ولا انت مكلمتهاش وعرفت منها؟ أجابت كاميليا:
"طبعًا كلمتها وعرفت منها إنها مبسوطة، بس دا الطبيعي على فكرة في البداية مع الدنيا الجديدة اللي اتحطت فيها فجأة بكل الإبهار والرفاهية اللي مكنتش تخطر على بالها." صمتت قليلاً، تضحك بدون صوت وهي تنظر للخارج من نافذة السيارة بجواره. واستطردت ساخرة:
"بس أقسم بالله الراجل ده ذكي بشكل يخوف، خد البنت في مكان منعزل ليهم لوحدهم عشان تتعود عليه، وعمل على عقلها حصار بحيث إن ما يدهاش فرصة للتفكير وتحبه مضطرة مع إلحاح عواطفه ناحيتها. والبنت بريئة ياعيني، عجينة طرية يشكلها بإيده." التفت طارق إليها مضيقًا عينيه بتفكير، وقد أثارت فضوله ليسألها مباشرة بدون تحفظ: "هو انت إيه اللي أخرك في الجواز لحد دلوقتي يا كاميليا؟ وما تقوليش نصيب عشان أنا عارف إن السبب منك."
أفزعها بسؤاله المفاجئ، فخرج صوتها إليه بحدة: "لاحظ إن سؤالك ده فيه جرأة أنا ماسمحش بيها. يا أستاذ طارق، اتجوز ما اتجوزش دي حاجة تخصني." أكمل غير مبالٍ: "لأ يخصني يا كاميليا، لما أشوف تعاملك الجاف معايا من غير سبب. كل ما أقرب خطوة ناحيتك وكلامك دلوقتي على جاسر وتحاملك عليه زود الشك في دماغي. انت عندك سبب غامض جواك ومش عايزة تبوحي بيه قدام حد." قالت بتحدي: "وافرض عندي سبب صحيح، أنا مش ملزمة أقولك انت بالذات عليه."
صمت ينظر إليها بغيظ وهو يعض على فكيه من رأسها العنيد. فتابعت هي: "ممكن بقى تنزلني هنا على جنب الطريق؟ "لأ مش ممكن يا كاميليا، أنا هاوصلك لحد باب بيتك وهالتزم مكاني من غير ما أكلمك زي ما عملت الأيام اللي فاتت، مدام دا اللي يريحك."
قال بقوة قبل أن يلتفت للطريق يتابع في قيادة السيارة بصمت متجنبًا الحديث والنظر إليها. تأملته قليلاً ببركان غضبها، وقد نجح بجرأته في النبش عن المنطقة الخطرة برأسها في سابقة لم تحدث معها أبداً قبل ذلك، وهي التي نجحت وتخطت هذه المرحلة إلى أن وصلت لما هي عليه الآن دون مساعدة من أحد. التفتت للطريق من نافذة السيارة تدعي اللامبالاة وبداخلها تفور غيظًا. *** "هي دي الحارة اللي فيها العنوان؟
تساءلت ميريهان بقرف وهي تتأمل المباني القديمة والجدران المقشرة بفعل مياه الصرف الصحي التي غطت نصف الحوائط. أجابت صديقتها وهي تسير بسيارتها بتأنٍ وتتطلع حولها جيدًا هي الأخرى: "شكلها هي بس أظن يعني... بصراحة مش عارفة. المباني هنا شبه بعض وأنا مش قادرة أعرف هي ساكنة في أنه عمارة في هنا، بس العنوان هو نفسه اللي مكتوب في أوراق الشركة." قالت ميري باشمئزاز: "ياي يا مرفت، معقول في ناس ساكنة هنا وبتاكل وبتنام كمان؟
دي كلها عمارات آيلة للسقوط ومياه الصرف الصحي مبهدلاها." ردت ميرفت بتركيز في الطريق: "عودوا يا ميري على العيشة فيها عادي يعني، المهم أنا هوقف العربية قبل ما نغوط في الحارة. عايزين نسأل من غير ماحد يحس بينا." أومأت برأسها ميري بموافقة. وأوقفت مرفت السيارة لتلتفت إليها فوجدتها تداري رأسها بطاقية وتغطي عينيها بنظارة شمس. سألتها باستغراب: "ليه بتخبي نفسك أوي كدة؟ دا إحنا لسة في العربية ومخرجناش." أجابت ميري على الفور:
"لازم يابنتي، مش يمكن حد يعرفني؟ أنا شخصية عامة غيرك." عوجت مرفت فمها على زاوية تردد حانقًا: "شخصية عامة في إيه بقى؟ والدك وزير ومعروف آه، لكن انت بقى الناس هاتعرفك منين؟ قالت ميري بانفعال: "إزاي مايعرفونيش بقى وأنا عندي صفحة عليها آلاف المتابعين؟ مش يمكن ألاقي حد فيهم هنا." صمتت مرفت تكتم غيظها من هذه التافهة، فتابعت ميري غير مبالية: "يالا بقى انزلي اسألي أي حد هنا عنها." ردت مرفت من تحت أسنانها: "أسأل مين كمان؟
وأنا لوحدي هنا في المنطقة الغريبة دي. لو عايزاني أسأل يبقى تنزلي معايا." "أنااا؟ أنزل بجزمتي Brand هنا؟ هتفت بها ميري بمبالغة. حركت كتفيها مرفت بعدم اكتراث تتلفت أمامها وترد وهي تهم لتدير السيارة: "خلاص ياحبيبتي، ولا يهمك خليك بجزمتك Brand ونرجع عادي." أوقفتها ميري حانقة: "خلاص خلاص، هانزل معاكي وابقى أضحي بقى بجزمتي." تبسمت مرفت بانتصار وهي تخاطبها قبل أن تترجل من السيارة: "طب يالا بقى عشان مانتأخرش."
ترجلت ميري خلف الأخرى بتأفف. تتطلعان حولهن بتشتت في الوجوه المارة حولهن والتي تتطلع لهيئتهم باستغراب. حتى وجدوا صبيًا يبدو في الثالثة عشر من عمره. أوقفته مرفت وهو يمر بجوارهم: "ثواني ياحبيبي، ممكن خدمة؟ أجاب الفتى وهو يتطلع إليهم باندهاش: "نعم يا أبلة، عايزين إيه؟ تدخلت ميري تجيبه على الفور: "عايزين نسأل على واحدة ولو جاوبت كويس ليك مني حاجة حلوة." "عايزين تسألوا على مين يا أبلة؟
صدرت بالقرب منهم بصوت خشن. انتفضت ميري ومرفت يلتصقن ببعض خوفًا فور أن رأين صاحب الصوت بهيئته الضخمة وهو يقترب بخطواته إليهم. تلجلجت ميري وهي تجيبه: "إحنا مش قاصدين حاجة وحشة، إحنا بس عايزين نسأل عن واحدة وهانمشي على طول." قيمهم فهمي بنظرة شاملة من رؤوسهم إلى أقدامهم في الأسفل، وقد خاب ظنه بعد أن اعتقد هم ممن يأتين بقصد شراء الكيف والمواد المخدرة منه. ثم سألهم بهدوء مريب:
"ومين هي دي بقى اللي مكلفين نفسكم وجايين الحارة مخصوص تسألوا عليها؟ أجابت مرفت: "إحنا بس كنا عايزين نسأل على واحدة اسمها زهرة محروس. بيقولوا إنها ساكنة في الحارة. هي زميلتنا في الشغل واحنا عايزين نطمن بس ونعرف سبب غيابها." صمت قليلاً يرعبهم بنظراته الغامضة المخيفة قبل أن يرد: "هي فعلاً كانت ساكنة هنا في العمارة اللي في آخر الحارة اللي في وشكم دي، بس هي دلوقتي ماتت ومعدتش موجودة."
انتقلت أنظارهم نحو المبنى المتهالك قبل أن يعودن إليه، فسألته ميري: "ماتت إزاي يعني؟ عايزين نفهم كلامك." بصق من فمه على الأرض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!