الفصل 60 | من 160 فصل

رواية نعيمي وجحيمها الفصل الستون 60 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"

المشاهدات
21
كلمة
1,506
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

كطفلة صغيرة التقت بأبيها بعد غيابه عنها منذ سنوات، تشبثت به وهو يحتضنها بقوة، فاقدة النطق، تخشى ألا حقيقة أو يكون أنه وهم من محض خيالها. مازالت لا تصدق رغم رهانها من داخلها على عودته. رافعًا أقدامها عن الأرض وهو يقهقه بصوت عالٍ، يناغشها بمرح: "كبرتي يازهرة وهاتتجوزي قبلي كمان يابنت أنا مش مصدقة إنك جيت، والله ما مصدقة."

تفوهت بها بتقطع، قبل أن ينزلها بتمهل لتطأ أقدامها على الأرض، ومازال يقبل فوق رأسها وفوق وجنتيها، وقد ضم وجهها بين كفيه يتأمل جمالها بأعين ملتمعة، مرددًا بمشاعر تفيض بالفرح: "وأنا أقدر أسيبك ياعيون خالك في يوم زي ده، حتى لو كنا مخاصمين بعض أو تفصل مابينا بلاد." ردت هي بلهفة وهي تقيم ما يرتديه من حلة رائعة باللون الرمادي على جسده الطويل وبشرة وجهه التي ازداد سمارها مع سفره: "بس إنت لحقت إمتى تيجي؟

لا ولابس بدلة كمان، ولا أكنك عريس ياخالي." رد خالد بتفكه وهو يدفع بكفه على رأسها من الخلف بخفة: "عريس مين يابنت الـ... ما عملتيها إنت وسبقتيني." مزحته جعلتها تفقد رزانتها الدائمة، فصدرت ضحكتها المرحة على دعابته بصوت مقهقهة، قبل أن تفاجأ بمن يجذبها بحزم للخلف وصوته الأجش يقول: "حمد الله عالسلامة ياعم خالد." رد خالد بضحكة مجلجلة وهو يعيد زهرة بحزم هو الآخر إلى تحت ذراعه: "الله يسلمك ياعريس، أخبارك إنت إيه؟

ارتفع حاجبا خطرًا من جاسر الذي تحامل على نفسه بصعوبة، وهو يرى هذا الرجل يحتضن عروسه باشتياق ويقبلها على وجنتيها وجبهتها. والأدهى من ذلك هو تشبثها هي به بفرحة أنارت وجهها وأذهبت عنها التوتر، بالإضافة إلى ضحكاتها معه وكأنها طفلة في السادسة وليست عروس بجوار عريسها الذي تركته غير مبالية. تدخل فجأة صوت نسائي: "إيه ياجماعة مش تعرفوني بالعريس، ولا إنتوا هاتسيبوني اليوم كله واقفة كده على جنب."

التفت جاسر نحو صاحبة الصوت ليجد زهرة ترحب بلهفة بالمرأة الواقفة بجوار كاميليا، والتي قامت بمهمة التعريف: "جاسر بيه دي تبقى نوال خطيبة خالد." رحب جاسر بالمرأة الجميلة ذات الملابس المحتشمة، لكن بأناقة، رغم غيظه من خطيبها: "أهلاً بيكِ حضرتك، نورتي." ردت نوال بابتسامة، فصدح صوت زهرة بتساؤل: "ده على كده بقى إنت كنتِ عارفة، عشان كده اتأخرتي في مجيتك؟ والخاېنة دي قاعدة اليوم كله معايا وهي راسمة ومشتركة معاكم في الخطة؟

ردت كاميليا ضاحكة: "طب يعني كنت عايزاني أعمل إيه بس؟ وخالك منبه ومشدد إن لساني ما ينطق بحرف واحد." رد خالد وهو يميل بوجهه نحو زهرة التي مازالت تحت ذراعه: "كنت عايز أعملهالك مفاجأة، إيه رأيك بقى؟ عجبتك يا حبي الأول والأخير إنت؟ ختم جملته بقبلة على جبهتها جعلت الدماء تغلي بأوردة الآخر، وهو يشاهد ابتسامتها التي زينت وجهها الجميل وهي تنظر إليه بامتنان. ليتفاجأ برد نوال البارد من وجهة نظره:

"آه جينا بقى لشغل الضراير، أنا قولت ما أجيش الفرح ده من أساسه ياعم." ارتفعت شفة مستنكرة من جاسر وهو يتابع ضحكات الثلاثة ومزاحهم، حتى خرج هو عن سيطرته، فجذبها من يدها إليه بحركة سريعة قائلاً: "طب ياجماعة كفاية عطلة بقى، المأذون والشهود مستنيين بقالهم فترة، حصلنا ياخالد، يلا."

قال الأخيرة وهو يهرول بها مبتعدًا من أمام خالد الذي عض على شفته بابتسامة مستترة، قبل أن يحسم أمره في الذهاب خلفهم كي يذهب إلى والدته ويكون وكيلها في العقد.

بعد قليل، وبعد أن تم عقد القران وذهب الرجل الدين، فلم يتبق سوى المدعوين من الأسرتين والعروسين. انطلقت الزغاريد من سمية وبناتها الصغار، غير مبالية بالمكان ولا رهبته. أثارت ضحكة مشجعة من رقية التي أسعدتها أجواء الفرح. انتقلت أنظار إحسان نحو علية عمته، ليجدوها مقهقهة هي الأخرى وسعيدة بالعرض.

أما جاسر، فلم ينتبه لشيء وهو ينهض على الفور، منتقلًا من مقعده ليجلس بجوار عروسه على أريكة لهم وحدها، ممسكًا بكفها بين قبضته وكأنه يخشى عليها من الهرب. همس وهو يرفعها إليه ليقبلها: "مبروك يازهرة يا أجمل عروسة شافتها عيني." أومأت له بابتسامة خجلة: "الله يبارك فيك." تنهد من قلبه وعيناه تلهم تفاصيلها، يشعر بفرحة عريس بأول زواج له، وكأنه لم ير أو يختبر من النساء قبلها. هي فرحته الأولى والأخيرة، بل هي أجمل النساء.

هتف طارق من الناحية الأخرى مصفقًا بيده: "إيه ياعريس، هو إحنا هانقضي الليلة كلها هنا ولا إيه؟ إنت نسيت اتفاقنا ولا ياكبير؟ التفتت أنظار الجميع نحو جاسر الذي أومأ برأسه قائلاً بارتباك وهو يضع يده في جيب سترته: "آه آه تمام، حاضر، ثواني بس."

قال، ثم أخرج علبة مخملية أكبر من سابقتها وتناول منها الخاتم الألماظ الذي أبهر الجميع بجماله وفخامته، ليضعه بكفها التي تناولها مقبلًا إياها بحب مرة أخرى، متحديًا الجميع ليزيد من خجلها وتتسع ابتسامته من رد فعلها. تناول من العلبة مرة أخرى أسورة من نفس الطقم يلفها على رسغها. هزت برأسها ناظرة إليه باستفهام. رد بابتسامة صامتة وهو يتناول عقدًا آخر كاد أن يذهب بعقل إحسان وابنتها التي كانت تنظر بأعين جاحظة تكاد تخرج من محجريها، وهي تراه يلفه حول رقبتها وفوق حجابها.

قالت علية بمرح وهي تقترب منهم: "أجي أنا ألبسها العقد ياجاسر، مادمت إنت مش عارف." رمق جاسر عمته بنظرة محذرة، وهو يستمع للضحكات من حوله ويتابع مستمتعًا بهذا القرب منها وارتباكها المحبب إليه، حتى إذا انتهى منه أخيرًا هتف طارق بمرح: "حلو، وأخيرًا خلصنا." صدحت ضحكات الجميع، أما جاسر فاقترب من زهرة هامساً:

"كان نفسي ألبسك سلسلة الست الوالدة، بس مدام خالك موجود يبقى خليها في علبتها أحسن، وإنت البسيها بعد كده براحتك، ماهي خلاص بقى رجعتلك." رفعت عيناها تنظر إليه بامتنان على تذكره لهذا الشيء العزيز على قلبها ومرعاته لشعور خالها الذي لو رأى السلسلة لكانت أثارت برأسه التساؤلات. "ياعررريس." هتف بها طارق مرة أخرى بمغزى لصاحبه الذي استدرك قائلاً:

"طب ياجماعة، إحنا نقوم كلنا مع أستاذ طارق، ليَفضحنا لو فضلنا أكتر من كده، عشان المفاجأة اللي محضرينها." سألته رقية: "رايحين فين ومفاجأة إيه اللي بتقول عليها دي؟ أجابها هذه المرة كارم، والذي كان صامتاً من أول الجلسة: "اطمني ياحاجة، إحنا بس كلنا هانخرج مع جاسر باشا في احتفال بسيط بمناسبة جوازه على زهرة هانم." "زهرة هانم! همست بها غادة بامتعاض لوالدتها التي نكزتها بحذر، وهي تتابع جدال رقية لعدم الذهاب معهم.

"ليه بس ياحاجة، القعاد ماتيجي معانا، دي كل حاجة مترتبة والله، وإنت بالذات عاملين حسابك." هتف بها جاسر نحو رقية التي ردت بابتسامة: "متشكرين يابني، كتر خيرك، أصلي أنا لا برتاح في الخروج ولا الفسح، اخرجوا إنتوا وافرحوا وانبسطوا، متاخدونيش حجتكم." خاطبها خالد بجوار خطيبته: "إيه يارقية، ماتيجي معانا وخلاص في المكان."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...