الفصل 72 | من 160 فصل

رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثاني والسبعون 72 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"

المشاهدات
24
كلمة
1,485
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

أنا بقى مضايقاك في إيه؟ مضايقني إنك بتضحكي ومبسوطة عشان رجعنا، وانت شايفة وعارفة إني قطعت الإجازة مضطر، يبقى تخلي عندك دم وتقدري إحساسي. رددت خلفه بعدم فهم: أقدر إحساسك! يعني أعمل إيه؟ أجابها بجدية: تقلبي وشك انت كمان وتكشري، ما أشوفش ضحكتك ولا ابتسامتك الحلوة دي خالص لحد ما أخرج. هزت برأسها تراضيه وهي تكتم ابتسامة ملحة، وكأنها تعامل طفلاً صغيراً: حاضر تمام، مش هاضحك وابتسم خالص.

تنفس من صدره بقوة لتتركها ذراعيه، ويلتفت عنها نحو المرأة يكمل ما يفعله، فغمغمت بصوت خفيض من خلفه: كل ده عشان رايح شغلك، إشحال إن ما كنت مادد إجازتك من يومين لعشرين يوم. برطمتي بتقولي إيه؟ قالها وهو يرمقها بنظرة حانقة، قبل أن يتناول سترة بدلته ويرتديها. أجابته بابتسامة مترددة: كنت بقول يعني مدام أنا مش رايحة الشغل زيك غير على أول الأسبوع زي ما اتفقنا، فـ أنا عايزة أروح لجدتي بقى. التفت يرد عليها وهو يسحب

في أكمام سترته والقميص: يعني مش قادرة تصبري يومين كمان؟ هو انت لحقتي تريحي من تعب السفر؟ ردت بلهفة: لا يا جاسر، أنا مش تعبانة والحمد لله، ولو تعبانة هابقى أريح هناك في أوضتي وعلى سريري. عبس وجهه من جديد وهو يستدير ليمشط شعره، وقالت: تنامي فين يا زهرة؟ ما فيش نوم طبعاً، هي ساعة ولا ساعتين وتيجي على بيتك. ردت قاطبة وقد تغير لون وجهها وذهب عنه المزاح: ليه بقى ساعة ولا ساعتين؟ ومنامش كمان؟

وانت أساساً بتتأخر في اجتماعك ده ومش بعيد تيجي على آخر اليوم. دفع بعنف فرشاة شعره أمامه والتف إليها متخصراً بقبضتيه، يتطلع إلى غضبها، فتنفس قليلاً بعمق يستدعي الحكمة قبل أن يرد عليها: أنا مش عايز أضايقك، بس بصراحة أنا خايف عليك من العمارة بتاعتكم دي اللي آيلة للسقوط يا زهرة. عقدت حاجبيها قليلاً قبل أن ترد بابتسامة مندهشة:

وافرض يعني زي ما بتقول، ما أنا طول عمري عايشة فيها، وستي وعيلتي كلها وخالي ده اللي سافر من غير ما أشوفه. لأ، برضه هيفضل عايش فيها لحد ما يتجوز وياخد ستي معاه. تأمل هيئتها المتحفزة، فقال ملطفاً وهو يقترب منها: عارف والله كل اللي بتقوليه ده، بس أعمل إيه أنا بقى في عقلي ده اللي هيفضل مشغول عليك طول الوقت؟ أنا راجل بخاف يا ستي. عادت إليها ابتسامتها، فقالت برقة وهي تمسح بكفها على صدره العريض من فوق السترة:

لا يا حبيبي، ما تخافش ولا تشغل بالك حتى، ده بيتنا واحنا متعودين عليه. انتوا متعودين، لكن أنا مش متعود. تفوه بها وتابع بحدة: لولا خايف بس من دماغ خالك لا يعند ويعملنا مشاكل، لكنت نقلت عيلتك كلهم في شقق جديدة خارج الحارة والمنطقة كلها، بس شكلي كده هاعملها قريب، وعنه ما رضي... قاطعته على الفور مرددة: لا، أوعى يا جاسر تعمل كده، أنا خالي صعب وحاجة زي دي هايخدها على كرامته، ده أنا لسه شايلة هم شقته اللي انت سددت أقساطها.

قربها يضمها إليه أكثر وهو يقول بصوت أجش: طيب، أمال أعمل إيه بس؟ وأنا مش قادر أمنعك ولا قادر ألاقي حل مع راس خالك الناشفة دي. ردت زهرة وهي تلف ذراعيه حول جذعه: سيبها على الله يا سيدي. ونعم بالله. أردف ومال عليها يقبلها ويزيد من ضمها إليها بشوق لا ينضب ولا يهدأ أبداً. بعد قليل، وحينما تركها يجبر أقدامه جبراً للذهاب، أردف لها: عم رزق السواق الجديد ها ياخدك ويرجعك، وما فيش مشوار تاني هاتعمليه من غيره، حتى مشاوير الشركة.

هتفت إليه بعدم تصديق: أنا بقى عندي سواق مخصوص؟ أجابها بثقة: وعربية مخصوص كمان. *** خرج محروس من غرفته وهو يسعل بصوت متحشرج في عرض يومي كل صباح، نتيجة لامتلاء صدره بالتدخين والمواد المخدرة، ورغم ذلك لا يتوانى عن إخراج سيجارته ليشعلها ويدخنها في نفس الوقت. ارحم صدرك يا محروس، أو حتى اشربلك حاجة سخنة تريحه الأول قبل ما تدخن. هتفت بها سمية وهي تعمل بروتينها اليومي في ترتيب المنزل ونظافته.

نفث أمامها دخاناً كثيفاً بتحدٍ لما تقوله، قبل أن يجلس على أريكته الخشبية المنجدة يخاطبها والسجارة في فمه: مالكيش دعوة بصحتي يا أختي، أنا فل وعال العال، بطلي انت رغي وحضريلي الفطار. استقامت بجذعها عن تنظيف الأرض لتسأله بانتباه: عايزني أحضرلك الفطار والساعة داخلة على عشرة؟ هو انت مش رايح ورشتك كمان النهاردة؟ أجاب بتعالي وهو يضع قدماً على قدم: وأروح ليه وأتعب نفسي؟

وأنا عندي بدل الصبي تلاتة وأربعة يشتغلوا تحت إيدين الواد عامري، هما يخلصوا الطلبية وأنا أسلمها للزبون وأستلم حقها، كفاية كده. لوت ثغرها بامتعاض، قبل أن تقترب لتجلس بجواره قائلة بلطف حتى لا تثير غضبه: يا محروس، المال السايب بيعلم السرقة، والفلوس اللي انت خدتها مهر لزهرة وبتتبعتر فيها شمال ويمين دي، حاول تلم إيدك فيها شوية، انت معاك بنات عايزين يتعلموا وعايزين جهاز لما يجيلهم عدلهم. رمقها بنظرة مستنكرة صامتاً،

فتابعت هي: ده غير الشقة اللي إحنا ساكنين فيها دي، حل الكيس وشوفلنا لو حتى أوضتين في عمارة تانية غير اللي ممكن توقع علينا دي. رد محروس مستخفاً بكلماتها: والله وبقالك حس يا سمية، وبقيتي تخططي كمان؟ عايزاني أسيب الشقة اللي عايشين فيها بقالنا سنين؟ وتغيري؟ لأ، وكمان عايزاني أحوش لجهاز بناتك؟ أحوش ليه أنا وأضيقها على نفسي من دلوقتي؟ ما يشُدوا هما حيلهم لما يكبروا ويتعلموا من أختهم الكبيرة اللي وقعت الباشا على بوزه.

ضربت سمية بكفها على صدرها قائلة بجزع: يالهوي يا محروس، انت برضو اللي بتقول كده على بنتك؟ دي زهرة ما فيش في أدبها ولا احترامها. لسعته كلماتها الحادة، فانتفض يصيح نحوها بغضب: وانت بقى هاتعلميني أتكلم إزاي على بنتي؟ قومي يا ولية انت حضري الفطار زي ما قولتلك، بلا وجع دماغ ورغي كتير على أول الصبح، قومي. نهضت سريعاً من جواره تتفادى يده التي امتدت لضربها واتجهت نحو المطبخ مذعنة لطلبه وهي تتمتم داخلها:

روح يا شيخ ربنا يهدك على بهدلتك وعمايلك فيا. *** وصلت زهرة بالسيارة السوداء الفخمة التي اقتحمت الحارة، لتلتفت إليها جميع الوجوه من مارة وسكان، وزاد الفضول حينما توقفت أمام بنايتهم. سهمت زهرة في الوجوه الناظرة بتساؤل نحوها بخوف: مش هو دا البيت حضرتك، ولا أنا غلطت في العنوان؟ أردف بها السائق وهو رجل في عقده السادس يتكلم بتهذيب وعيناه لا يرفعها نحوها. ردت زهرة باحترام للرجل المسن والذي اختاره جاسر بعناية:

لا، هو نفسه يا عم رزق، أنا اللي سرحت شوية، بس حالاً نازلة أهو. قالتها وتناولت حقيبتها وأكياس الهدايا المعلبة. فسألها الرجل: تحبي أشيلهم أنا حضرتك؟ نفت برأسها وهمت لفتح الباب، فتابع لها: طيب، أرجو منك يا زهرة هانم ترن في أي وقت تعوزيني فيه على أي مشوار، مش المرواح بس. أومأت لها برأسها وترجلت بالخطوة السريعة تدلف للبناية لتصعد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...