مر يوم يليه الأخر وكل فرد في دوامته الخاصه وأفكاره التي أسرته. كان تهامي بداخل مقر شركته والهموم تحاصره وآخر ما استمع إليه من رونالد يساوره. نجح في غرس زرعة كبيرة من الشك بداخله تجاه أخيه. مازالت تتردد آخر كلماته على أذنه: "أخيك عزت هو الرجل الرابع الذي من الممكن أن تشتبه به أيضا. أليس هو شريكك بكل شيء ويدرك المكان هنا مثلنا تماما ويعرف جميع أسرارنا!
إن لم يكن أنا أو أنت أو ذلك الحارس فالبتأكيد سيكون عزت. أنا أعرف ذلك الخلاف الذي حدث بينكم فمن الممكن أن يكون هو من يريد الانتقام منك. فكر جيداً وجد من فعلها وإلا حياتك ستكون الثمن." منذ ذلك اليوم وهو لم يرى عزت بأي مكان وعلم أنه لم يأتِ إلى الشركة أو أي مقر للعمل. بحث عنه بكل مكان من الممكن أن يتواجد فيه وكذلك كل المستشفيات ولم يجده. وعلى الناحية الأخرى علم أن جوزيف (عمار)
عمل حادثة بسيارته في ذلك اليوم الذي تركه ذاهباً لمنزله وذهب لزيارته بذلك الصرح الذي تواجد به ولكن لم يسمحوا له بالزيارة لسوء حالته. تأكد من خلال مصادره أيضاً أنه بالفعل أتى الصرح في حادث سيارة منذ ثلاثة أيام. على الرغم من تشكل بعض الشكوك أيضاً تجاه جوزيف ولكن انتظر إلى أن يخرج من تلك المشفى ويعود إليه على الرغم من أن هناك شيئاً بداخله يخبره ببراءة عمار ويلقي بكافة الاتهامات على عزت الذي لم يظهر إلى الآن.
خرج أدم من مكتب والدته حيث التقى بوالده. "عرفت أن تهامي أبو الدهب جه هنا وسأل على عمار. لأ وكمان حط مصادره الخاصة عشان يتأكد من الكلام اللي إحنا وصلنا ليه! ابتسم والده بانتصار وتشفي. "وأتأكد! "عيب عليك اتأكد طبعاً."
وفي خلال تلك الأيام تقرب كل من حسام وشريهان إلى بعضهم البعض بشكل كبير. كل يوم مع بعضهم منذ الصباح الباكر وحتى آخر الليل. أنجذبت إليه شري بشدة ورأت به فارساً لها وأخذته تحدياً لنفسها بأن تنسيه حب زوجته المتوفية. وكذلك هو جذبته إليها دون أن يشعر. أصبح يخرج معها ويتقرب منها وبداخله سعادة ومصدر آخر يخبره بأنه يفعل ذلك من أجل متعته وراحته أيضاً وليس لذلك الغرض الذي يخطط له. ولكنه اعترض على ذلك ولم يعترف بما يحاصره داخل صدره. وبداخل إحدى المطاعم على الشاطئ جلسوا سوياً لتناول العشاء.
شرع حسام بالحديث: "تقريباً كده أنا مواريش غيرك الفترة دي! كل ما أقول خلاص هركز في شغلي والهدف اللي جاي هنا عشانه ألاقيقي بتنطيلي في كل حتة وطول الوقت معاكي." ابتسمت شري بحب. "أيوه وإن كان عاجبك كمان! أنا عايزاك طول الوقت معايا." تنهد حسام. "اسمحيلي أسألك ليه؟ كل ده ليه يا شري! مدت يديها برجفة بسيطة ولمست يديه مرددة. "لسه معرفتش ليه يا حسام." "أنا بصراحة بعد اللي عرفته عنك وعن خواتك خايف عليكي."
أطبقت على يديه بحب صادق وقلب مضطرب نابض. "حسام أنا.. أنا بحبك.. بحبك بجد.. وعارفة إنك مش بتحبني دلوقتي." سحب حسام يديه بلطف وهز رأسه بابتسامة وبداخله حيرة شديدة. "وإزاي إنتي عارفة إن أنا مش بحبك ومع ذلك سامحة لنفسك إنك تحاصريني بالشكل ده! مش خايفة أكسرك؟ مش خايفة أأذيكي وأحطمك؟ وضعت يديها على خده في تنهيدة بحب وهي ترمقه بنظراتها.
"لأ مش خايفة. لو كانت عايز تأذيني كنت أذيتني من زمان لكن اللي أنا شفته فيك بيقول عكس كده وشايفة إنك أكتر واحد ممكن تحافظ عليا حتى لو محبتنيش للدرجة اللي أنا عايزاها. أنت بتسميه حصار وأنا بسميه قمة الحب والتفاني." "ودي تيجي إزاي؟ رفعت يديها في وجهه على شكل مسدس مرددة بمرح. "إذا مقدرتش أنسيك حبك القديم هعترف بفشلي وهسيبك لذكرياتك. أتفقنا." "وكبريائك؟ كبريائك إنتي كأنثى." تحدثت بجدية.
"كبريائي من إصراري. يا حسام أنا مش داخلة تحدي أو منافسة مع أنثى تانية على حبك. حبك القديم مجرد ذكريات مع واحدة ماتت وهتتنسي مع الزمن بمجرد ما يكبر حبي في قلبك ودي بقى مهمتي." مع كلماتها الأخيرة وابتسامتها الرائعة الواثقة سلب حسام من لسانه في هيام. "مش قادر! هزت رأسها يميناً ويساراً في رقة ودلع. "مش قادر إيه؟ "مش قادر أنكر إني معجب بيكي جداً وبإصرارك وتحليلك ده." ابتسمت شريهان أكثر في سعادة وفرح.
"مادام بدأنا بالإعجاب يبقى أنا متفائلة جداً وسيبلي نفسك خالص.. وبلاش تحط حواجز قدام مشاعرك... انسف معتقل ذكرياتك القديمة ده وبص قدامك هتلاقي دنيا جديدة مستنياك." لوهلة شعر بأنها احتلت جزءاً كبيراً بداخله وأنه بالفعل يفكر بكل ما قالته له ويأخذه على محمل الجد. انفلتت يديه لا إرادياً وأمسكت بيديه التي كانت ممتدة له وقبلها في حب وإعجاب. وبداخله يتمنى أن لا تنتهي تلك اللحظة.
وبداخل إحدى المستشفيات الخاصة دلف تامر صديق عزت وجلس بجواره. "الدكتور قال إنك هتخرج النهارده. حمدلله على سلامتك." رد عزت بضعف. "الله يسلمك. بس أنا مش عايز أرجع بيتي دلوقتي ياريت لو أجي عندك شوية." "كل ده عشان تهامي ميعرفش؟ ما تفهمني إيه اللي حصل بينكم وصلكم لكده! هز رأسه بنفي وغضب. "مش وقته يا تامر دلوقتي. أنا مش عايزة يعرف ولا حتى يشوفني دلوقتي وأنا بالضعف والتعب ده! "اممم... طيب على فكرة بقى تهامي سأل عنك هنا."
رفع رأسه له بصدمة وقلق. "وأنت قلتله إيه؟ "أنا مقولتش حاجة أنا بلغت وحذرت المستشفى هنا بالكلام اللي أنت قولته وهما نفذوا. متقلقش معرفش إنك هنا." تنهد عزت بارتياح ولم يكن بحسبانه أن تلك الغصة الملحة عليه من كرامته تجاه أخيه سيدفعه عمره بأكمله. ***
مر يوم آخر وهو لم يستعيد كامل وعيه. فتح عينيه منذ يومين ليطمئن الجميع أنه بخير وبنجاح العملية أيضاً ولكن ذهب مرة أخرى في النوم أثر الأدوية والمضادات التي تسري بداخله لألتئام جروحه وشفاء إصابته التي لم تكن هينة. اليوم الرابع لها على التوالي وهي لم تفارقه ومنذ أن تم نقله إلى غرفة خارجية عن العناية المركزة وهي لم تطأ خارجها. بل لم تتزحزح من جواره ودمعتها لم تجف من على خدها.
لم تعرف للنوم طعماً منذ أن فتح عينيه أول مرة وبانتظار المرة الأخرى كما أخبرتها مرام عن حالته. ظلت تتطلع إليه وطيف ذكرياتها معه يمر أمامها في ومضات كالبرق بانتظار حبه لها التي لامسته في كلماته حينما كان بين يديها آخر مرة.
ظلت تترقبه على أملها الجديد وهو يخبرها كم أحبها وعشقها. جلست زينة على الأرض أسفل السرير وأمسكت بيديه ووضعتها على خدها ثم قبلتها بحب قبل أن تشعر بثقل عينيها وخمول جسدها فأرتخت وأغمضت عينيها على ذلك الوضع وهي محتضنة يديه.
بعد ما يقارب الساعتين فاق عمار من نومه وفتح عينيه ببطء لينظر حوله في تلك الغرفة حتى وجدها. ابتسامة غريبة ارتسمت على محياه ورجفة سرت بداخل قلبه حينما وجدها متمسكة بيديه ومغطاة في النوم. كانت تعابير وجهها وأرهاقها وقلقها واضحاً على قسماتها. تذكر ذلك اليوم العصيب وكل ما مر به وكذلك آخر ما قاله لها وهو بين يديها في لحظاته الذي ظن أنها الأخيرة له. ربما القدر لم يرد إنهاء قصتهما عند تلك النقطة. شيئاً بداخله يخبره أن لتلك الفتاة حكاية أكبر وأعمق مما كان يتخيلها.
لطالما كان يكره الحب ويعتبره سوي لا شيء من المشاعر التافهة التي ليس لها اسمها فأطلقوا عليها الحب ولا يؤمن سوى بالمادة وأن لا يجمع بين الرجل والمرأة سوى غريزة جسدية يحتاجها الجسد من أجل المتعة تدعى الجنس. ولطالما أنه يستطيع أن يعيش بدون ذلك الجنس فليس هناك أي شيء يدعى الحب.
ومازال عند تلك النقطة لم يعترف بالحب ولا يدرك ما هو أيضاً ولكنه مؤمن بأن ذلك الشيء الذي جمع بينه وبين تلك الفتاة أكبر من أي مشاعر أو علاقة جسدية عابرة. أكبر من كلمة الحب. أعمق من أي علاقة سميت إلى الآن. حرك يديه ببطء كي لا يوقظها ولكن كانت حركته الطفيفة تلك كافية بأن تجعلها تنهض في قلق. نهضت زينة مسرعة وجثّت على ركبتيها أمامه وهي ترى يديه تتحرك داخل يديها.
وألتقت عيناهما في نظرة طويلة دون أن يرمش لهما جفن. وكأن كل منهم يسبح بعيني الآخر باحثاً عن كل شيء بداخلها. فرت دمعة من عيني زينة فرفع عمار يديه وجففها لها. خرج صوتها مرتجفاً مهزوزاً. "أنت بجد صحيت وبتبصلي! هز عمار رأسه مردداً. "آه." من شدة فرحتها وخفقان قلبها أخذت تهذي في غير تصديق. "أنا فرحانة أوي أنا مش عارفة أقولك إيه وإزاي أبدأ كلامي عندي حاجات كتير عايزة أقولهالك.. عمار أنا....
قاطعها دخول الدكتورة مرام ومعها الطبيب سمير وإحدى الممرضات. بادرت مرام بابتسامة واسعة وهي تتجه إليه لتطمئن إلى قلبه وحالته الحيوية. "حمدلله على السلامة يا قائد." حاسس بإيه دلوقت؟ حاول عمار التحرك قليلاً ولكن شعر بألم شديد في بطنه فردد: -الألم اللي في بطني ده غير طبيعي! تحدث الطبيب سمير وهو يفحصه:
-طبعًا لازم يوجعك ومش هيخف بسهولة. احنا استأصلنا جزء صغير من الأمعاء كان متضرر وكان ممكن يعملك تسمم. متنساش إنك اتصبت من بطنك، طلعت من ضهرك والحمدلله إنها مأصابتش الكلى. دا غير إن جسمك قوي الحمدلله، قدر يستحمل إصابة خطيرة زي دي. حد تاني كان في لحظتها... أنت انكتب لك عمر جديد. حمدلله على السلامة. تحدثت الممرضة: -كمان ساعة بالظبط هغير لك على الجرح يا سيادة المقدم. حمدلله على سلامتك يا فندم.
خرجوا جميعًا من الغرفة، في حين أسرعت واقتربت منه زينة مرة أخرى في لهفة وحب. كان عمار أيضًا يريدهم أن يخرجوا من الغرفة حتى ينفرد بها قليلاً. شعر بأنه اشتاق إليها. رددت زينة بقلب يرتجف وهي بجواره: -حمدلله على سلامتك. نظر لعينيها وكأنها أسرته بداخلهما: -الله يسلمك. انتي كويسة؟ هزت رأسها بإيماء وأغمضت عينيها وهي تمسك بيديه في توتر شديد وعشق: -عماار أنا.. أخر مرة كنت...
ولم تكمل حديثها للمرة الثانية حتى دلف اللواء نزيه إليه مرددًا: -وحش الصاعقة! ألف حمد الله على السلامة! كده برضه تقلقني عليك يا راجل؟ شعرت زينة بالحرج الشديد وابتعدت عنه، في حين ردد عمار: -كويس إن حضرتك هنا يا فندم! في حاجة مهمة جدًا لازم أبلغك بيها. نظر عمار لزينة بأن تخرج وتتركهم. نفذت ما قاله لها وخرجت تنتظرهم بالاستراحة خارج الغرفة.
على الرغم من فضولها الشديد عن معرفة ما يقولونه، ولكن انتظارها كان أكبر من ذلك. أخذت تحسب الدقائق التي مرت عليهم سويًا وكأنها سنوات. انتظرت كثيرًا من عمرها للقائه، ولكن تلك المرة كانت أصعبهم. استمر حديثهم ما يقارب للساعة، حتى وجدت الباب يفتح وخرج اللواء نزيه من غرفته مكفهر الوجه. رمقها بنظرة لم تفهم مغزاها أو بما يقصد من خلالها، ولكن لا يهمها ما يعنيه أو ما يكنه لها.
أسرعت إلى الداخل فوجدت عمار شارداً وتغيرت ملامحه إلى العبوس والغضب. جلست بجواره مرة أخرى في توتر وقليلاً من الخوف: -عمار! ردد بجمود دون أن ينظر إليها: -خير؟ حمحمت زينة بتوتر ولطف: -مالك اتغيرت كده ليه؟ في حاجة ضايقتك؟ نظر لها عمار بجمود: -حاجة متخصكيش. هزت زينة رأسها في استنكار شديد: -هو أنت بتتغير بسرعة كده إزاي يعني؟ إزاي فهمني بجد عشان مش فاهمه؟ ده أنت لسه راجع من الموت ولسه بنقول يا هادي.
-واتغيرت عن إيه بقى إن شاء الله؟ زينة في انفعال وحزن: -من شوية بس أول ما فتحت عينيك مكنتش كده. ولا أخر مرة لما كنت بتموت. كنت واحد تاني خالص. كنت حد أنا حلمت بيه واتمنيت أسمع كلامه اللي قالهولي ده. يعني هو أنت كان لازم تموت عشان تقولي كلام حلو أو تطلع اللي جواك؟ لازم تموت عشان تعاملني كويس وتحترمني أكتر من كده وتحبني؟ عمار ببرود شديد وقسوة:
-هو من شوية لما فتحت عينيا ورجعت من الموت زي ما بتقولي كنت وعدتك بالجواز ولا حاجة؟ ولا حتى قبل ما أموت عملت كده ولا قولت لك بحبك حتى؟ محصلش. وبعدين أديكي قولتيها كنت بموت يعني، لا فاكر ولا عارف أنا كنت بقول إيه أصلاً. مفيش عقل. لكن مهما كان اللي قلته ده ميفسرش خالص الكلام اللي انتي عايزة تسمعيه. استوقفته زينة بعدم تصديق وصدمة: -لأ لحظة واحدة! انت كمان هتكذب الكلام اللي قولته لما كنت بموت بين إيديا؟
يعني كل كلمة قولتهالي مكنتش حقيقة... مستحيل. -هو انتي عبيطة؟ انتي بتسألي وتجاوبي على نفسك. يعني أنا وأنا بموت قلت أجبر بخاطرك وأعاملك كويس عشان تبقي حاجة حلوة أو ذكرى تفتكريني بيها وأنا مش معاكي وتدعيلي بدل ما تدعي عليا، تقومي انتي دلوقت تطالبي بحاجة أنا أصلاً كنت بقولها وأنا مش في وعيي! كل النصوص التي كتبت عن الخذلان لم توصف حالها. رددت زينة بشرود وألم:
-وأهو انت صحيت تاني وحولت الذكرى دي بعد ما كنت عايشة على أمل منها لحاجة بشعة مكنتش أتمنى أجربها تاني. شكراً إنك قتلت كل ذرة حب جوايا. (نظرت لعينيه) تعرف يا عمار! ياريتك كنت متت. دلفت الممرضة ومعها الغيار. أخبرت زينة بأن تنتظر بالخارج. نهضت من جواره وابتعدت عنه وعيناه لم تفارق طيفها وهي تخبره بأنها لم تعد تحبه. لم أعد أحبك بعد الآن. غرقنا في الكذب والخداع. ذهبنا مع الضحكات. يوم امتلأ من الوعود. لا يناسبني للأسف أذهب.
أنا في اللاشيء من كل الصعوبات. أشعر بالوحدة وأتلوي وأتوقف. أنت التزمت الصمت. تجاهلت ضوء القمر. واليوم وسط الشمس قد تجاهلت الاشتياق. لا تقل لي ابق. تنادي عبثًا. لا تلمس روحي ماذا تقول أساسًا. أبدا لا تنظر في عيناي. غير مطيع وترفرف. أساسًا تأخرت في القول حتى الآن. لم أعد أحبك. دلف تامر إلى إحدى غرف منزله حيثما يتواجد عزت وعلى وجهه علامات التوتر: -عزت! التفت إليه عزت من شروده وهز له رأسه، فأضاف تامر:
-تهامي أخوك بره وتقريبًا عارف إنك هنا. زفر عزت في ضيق وحنق وهو لا يود لقاءه على الإطلاق، ولكن لم يدري أن الأمر أكبر من تلك الأمور التافهة التي تساوره. لم يقو على النهوض كليًا، في حين استمع لصوت تهامي يدلف الغرفة: -والله ليك وحشة يا ابن أبو الدهب. حمدلله على سلامتك. مش تقولي إنك تعبان ومتصاب عشان ألحقك زي كل مرة ما بتقع فيها. ولا المرة دي مينفعش أنا بالذات ألحقك!
وبداخل الصرح الطبي كانت زينة تقف أمام الحائط ملقية بثقلها عليه مغمضة عينيها. شارده في ألم قلبها لا تجيب أحدًا. رأتها مرام على تلك الحالة فأسرعت إليها: -زينة! انتي واقفة هنا ليه مالك! زييينه!!!! فتحت زينة ونظرت إليها في ذبول، فأمسكت بها مرام وجذبتها معها إلى مكتبها وأغلقت الباب: -أنا خلصت شغلي هنا خلاص وفاضية تمامًا. ممكن بقى تقوليلي مالك؟ طلعي اللي في قلبك عشان ترتاحي وفضفضي. (أضافت بمرح)
أنا طبيبة القلوب ودكتورة نفسية شاطرة كمان. ابتسمت زينة بمجامله وجلست بجوارها على الفوتيه وظلت تنظر لأسفل في شرود لبضع ثوانٍ، ثم نظرت إليها: -هو الإنسان لما بيموت فعلاً مبيبقاش واعي؟ يعني الكلام اللي بيطلع منه قبل الموت ده بيبقى كذب أو أي حاجة ملهاش علاقة بالمنطق؟ ضحكت مرام بعفوية: -أنتي مبتسمعيش أفلام أو مسلسلات؟ أو حتى عمرك ما شفتي أو كلمتي حد قبل ما يموت؟ -بسمع أفلام ومسلسلات طبعًا، بس ده إيه علاقته؟
ثم تذكرت والدها فنكست رأسها بحزن مرددة: -وشفت والدي قدامي وهو بيموت. أقتربت منها مرام وربتت على ذراعها بحنان:
-حبيبتي أنا مقصدش خالص، لكن عايزة أقولك إن مثلاً في الأفلام والمسلسلات دايماً بيجيبوا مشهد إن لما حد بيموت بيقول وصيته للي قدامه أو الحاجة اللي يعملها لو مات، لأن هو بيكون حاسس إنه خلاص هيموت. مش شرط بقى يموت ولا يصحى تاني، لكن لمجرد إحساسه بأن خلاص ده وقته بيطلع كل اللي جواه. بل بالعكس ده حتى ممكن يطلب السماح لو كان أذى حد قبل كده. يعترف لحد بحاجة جواه عشان متتموتش معاه. الشخص لما بيموت بيدور على أقرب حد ليه ويقوله أي حاجة نفسه فيها، وبتاخد أصدق كلام طالع من جواه في اللحظة دي.
فأنتي ليه بقى متخيلة إن الإنسان لما بيموت مبيكونش واعي؟ بالعكس ده بيكون في قمة الوعي إلا لو كان هو أصلاً مجنون أو عنده اضطراب نفسي. طب إيه رأيك بقى إن ساعات برضه المجنون ده بيبقى واعي في لحظات قبل الموت، ما بالك الشخص العادي؟ تذكرت زينة والدها: -معاكي حق. بابا لما كان بيموت قالي إني أهرب عشان يحميني، ولو كان يقدر يقوم ويبعدني بنفسه عن المكان كان عملها.
-بالظبط. قوليلي بقى مين ضحك عليكي وقالك كده أو ليه بتسألي سؤال زي ده؟ شعرت زينة بالحرج والتوتر ولم تدري بما تجيبها، فاضافت مرام: -عمار قالك إنه بيحبك مثلاً قبل ما يموت ودلوقت بيقولك إن أنا مكنتش واعي ومبحبكيش صح؟ خفضت رأسها في خجل شديد، فأكملت مرام: -يبقي صح. -مش بالظبط كده. هو مقاليش بحبك ولا حاجة. ده قال اللي أكبر من كده. -يبقي وقتها مكنش بيكدب عليكي ودلوقت بيكدب. -ليه بيعمل كده؟ مش فاهمه!
-هو الوحيد اللي ممكن تلاقي عنده إجابة بصراحة. بس هقولك حاجة. نهضت مرام وصنعت فنجانين من الكابتشينو وجلست بجوارها مرة أخرى: -اشربي ده عشان يديكي طاقة بدل ما تقعي من طولك. ابتسمت زينة وتناولت من الفنجان وكذلك مرام، ثم أكملت حديثها:
-مفيش ست أو بنت بينضحك عليها، على الأقل بينها وبين نفسها بتبقى عارفة الحقيقة وبتختار إذا كانت عايزة تكمل في الكذب على مشاعرها عشان هي اللي بتحبه من طرف واحد وعايزاه معاها أو يبقى حب متبادل بينهم. بمعنى...
انا معرفش ليه عمار بيعمل كده أو قالك كلام بصدق ورجع تاني كذبه. معرفش هو بيخطط لإيه أو إيه اللي في دماغه دلوقتي. لكن عارفه ومتأكده أن انتي عارفه وحاسه. بل وممكن تكوني متأكده أن هو عنده مشاعر من ناحيتك. ولو مكنتيش حاسه بده كان هيحصل جفا جواكي وكنتي واحدة واحده هتبعدي عنه. بس انتي عشان حاسه ان هو بيحبك أو عنده مشاعر ناحيتك لسه عندك أمل ومستنيه اللحظه اللي هيضعف فيها ويعترف لك حتي لو هتستني ميت سنه. كلامي مظبوط.
هزت زينه رأسها في تنهيده: -صح. والمفروض دلوقت اعمل ايه؟ -انتي عايزه ايه دلوقت؟ لما قالك كده أنه مبيحبكيش حسيتي بإيه؟ -حسيت اني كرهته ومش عايزه أشوفه تاني وكفايه لحد كده. -يبقي متشوفيهوش تاني وأبعدي خالص. خليه ماشي ورا عقله اللي بيحركه ده وقلبه هيوصله ليكي ويرجعه تاني. -بس عمار قلبه ميت أو معندوش قلب ومبيعرفش يحب زي ما قالي. -مفيش راجل معندوش قلب يا زينه. -هو انا ممكن أطلب من حضرتك طلب؟
***************************************** كان كل من تهامي بصحبته أخيه داخل السياره في وجهه معينه لا أحد يعرفها سوي تهامي. ذهب عزت معه علي الرغم منه وهو لا يدرك نواياه مطلقا. -هو أحنا دلوقت رايحين فين؟ كان تهامي جامدا ووجهه خالي من التعابير: -هتعرف لما نوصل. -مش فاهم يعني المشوار ده أهم من تعبي دلوقت؟ انت مش شايف حالتي عامله ازاي؟ أبتسم تهامي بتهكم: -المشوار ده مخصوص عشان حالتك.
وصلا الي مكان شبه مهجور. تحديدا ذلك المكان التي أختطف فيه نوران وحسام واعتدي عليهم بالضرب والاهانه. ذلك المكان السري الذي ينفذون به معظم أعمالهم الاجراميه. شعر عزت بالتوتر وتمكن التعب منه فأمسك ببطنه في الم: -احنا جايين هنا ليه يا تهامي؟ انا تعبان ومش قادر اقف حتي. ما أن دلفوا داخل المكان حتي ظهر بعض رجال تهامي حيث كانوا بأنتظاره. إلي أن وصل إليهم تحدث تهامي وهو يلقي بعزت أرضا: -اربطوه. نظر عزت حوله
في ضعف وأشتد الألم عليه: -يربطوا مين؟ هو في ايه؟ لم يمهلوه حتي يتحدث أكثر من ذلك حتي حملوه وقيدوه من يديه وقدميه. فتحدث عزت مره أخري في ألم واستنكار وصدمه: -تهامي هما بيعملوا فيا كده ليه! قولهم يفكوني انا مش قادر. فكوني يا ولاد الجزم. تناول تهامي كرباجا ضخما واتجه به ناحيه عزت وبجمود: -خنتني ليه يا عزت؟ هز عزت رأسه بدهشه والم: -خنتك ازاي مش فاهم؟ وخنتك مع مين؟ -انت عارف انا دفعت كام تمن خيانتك دي؟
نص ثروتنا. دفعت نص ثروتنا اللي أنا بقالي سنين وسنين بجمع فيها. ده غير أن انا كنت هدفع حياتي وحطيت رقبتي تحت سيفهم. خنتني ليه يا عزت وعشان ايه؟ -انا مش فاهم. مش عارف انت بتتكلم عن إيه أصلا. -وأنا هعرفك. مفكر نفسك هتهرب مني وإيدي مش هتطولك.
أشار تهامي لرجاله فأسرعوا لعزت ونزعوا عنه ثيابه بالنصف الاعلي فبدي صدره عاريا أمامهم. نظر تهامي لجرح بطنه المضمد وكذلك ظهره من الخلف وتمكن الغضب والألم بكافه جوارحه. فأسرع ونزع ذلك الضماد من علي جسده بقوه أدت لفتح الجرح مره أخري وصرخ عزت بألم: -ااااااااااااااه أنت بتعمل إييييييييه!
قبض تهامي علي السوط وتملكته ثوره عارمه من الغضب والأنفعال. انهال علي عزت بالضرب المبرح علي كافه جسده وهو يعنفه بأقبح الألفاظ والشتائم. ولم يستمع مطلقا علي عويله أو يهذي به. ظل عزت يصرخ ويتألم ويحلف له بأنه لم يفعل شيئا مثل ذلك أو يخونه وأنه برئ مما يتهمه به. ولكن أعمي الغضب عين تهامي واصم أذنه وأخذ يفرغ كل طاقته علي جسد أخيه حتي خارت قواه وأغمض عينيه ولم يقوي علي الصمود أكثر من ذلك.
***************************************** أخبر أدم عمار بأنه نفذ ما وصاه به ومن خلال مراقبته لعزت املاه ما فعله به تهامي. تعددت الزياره من اللواء نزيه وكذلك معتز لعمار داخل المشفي وأيضا لذلك الأمر الذي يخططان له. أمر اللواء نزيه معتز بأن يذهب مره اخري إلي الكتيبه في حين ظل هو مع عمار. أطلق زفيرا حار مرددا: -تفتكر مين ممكن يكون الخاين يا عمار؟ -حضرتك عارف أو شاكك ومع ذلك بتسأل؟ -معتز أو محمد.
-وانت عارف ان معتز ميعملهاش ده كان ممكن يموت معايا. ده غير أنك مترددتش لحظه في انك تبعت معتز وترفض محمد. -لما أخترت معتز مش عشان مش شاكك فيه لأ. ده عشان محمد كان أتصاب في العمليه الأخيره اللي طلعها ومحتاج يرتاح. -أتصاب ولا أصاب نفسه؟
تقدر تفسرلي يا فندم ليه محصلش هجوم أو مناوشات حتي علي الكتيبه أو أي وحده من وحدات الجيش لحد الأن عشان ياخدو بطارهم بعد الكارثه اللي أحنا سببناها ليهم لحد دلوقت مع أن المفروض أول حد هيشكوا فيه هو عمليات الجيش؟ -عشان عارفين أن مش الجيش هو اللي عملها. -بالظبط!
عشان عرفوا واتأكدوا أن مش الجيش هو اللي عملها. وبالنسبه لأن معتز بنفسه كان معانا. وأنا وزينه وولاد عبدالله الحسيني اللي شغالين في المخابرات واللي ابنهم كان هيموت هو كمان. محدش فينا ممكن يكون بلغهم أو حتي يكون موضع شك. نظر إليه بشك: -وانت بقه واثق من البت اللي معاك دي؟ مش يمكن تكون... ردد عمار بغضب شديد: -اولا مسمهاش بنت!
ثانيا دي أصلا اخلاصها ليا مش موضع نقاش أساسا. لو سمحت يا فندم دور علي الخاين عندك انت مش اي حد من اللي أنا أخترتهم يطلعوا معايا. أبتسم اللواء نزيه بخبث: -أخلاصها ليك؟ تنهد عمار وأشاح وجهه بضيق في حين نهض اللواء نزيه مرددا: -لما تخرج من هنا وترجع لكتيبتك نبقي ننفذ الخطه اللي حطيناها. ولا مش ناوي ترجع؟ ظل عمار صامتا شاردا لبضع ثوان وهو يفكر بزينه التي لم يراها منذ يومين. فردد اللواء نزيه:
-عمار أنا بكلمك. كفايه لحد كده ولازم ترجع معانا خلال أسبوع بالكتير دي أوامر. هز عمار رأسه بإيماء: -تمام يا فندم. علم. وينفذ. وما أن خرج اللواء نزيه حتي دلفت مرام بجوارها أحدي الممرضات: -متهيقلي مش هتنورنا هنا اكتر من كده يا سياده المقدم! بكره المفروض تمشي والنهارده أخر غيار علي الجرح. ردد عمار بتبرم وضيق: -انا من امبارح عايز امشي أصلا فياريت مفضلش لبكره. لو سمحتي يا دكتوره خرجيني من هنا وعلي مسؤليتي. نظرت مرام
للمرضه بحيره فأضاف عمار: -هاتي أي حاجه امضي عليها أن انا المسؤول لكن مش هفضل هنا أكتر من كده والا هخرج لوحدي من غير أي حاجه. بعد نقاش بسيط بينه وبين مرام مضي أقرار علي نفسه لأخلاء مسؤليه الصرح. بينما هو يرتدي ملابسه مستعدا للخروج دلفت أحدي الممرضات لمساعدته فسألها: -هي زينه! البنت اللي كانت معايا هنا فين؟ إجابته الممرضه بعمليه: -معرفش يا فندم مشفتهاش من يومين ومجتش هنا. تأمرني بحاجه تانيه؟
هز رأسه نفيا في حيره شديده وتفكير. نفخ بزهق وخرج من ذلك الصرح متجها لتنفيذ ما يخطط له. ***************************************** جلس علي كرسي مكتبه ووضع رأسه عليه في حزن شديد وقلبه لا يطاوعه عما فعله بأخيه. شيئا ما بداخله يخبره بأنه برئ مما فعله به وأن هناك طرفا أخر بالأمر. ولكن كيف وهو من وجد عليه أثار الطعنات التي أخبره بها رونالد وكذلك كذبه عليه بأمرها وأنه لم يستنجد به في كل مره؟
كل الأدله تشير إليه ولكن قلبه يخبره بأنه مهما تمادي الخلاف بينهم لم تصل بعزت الي الخيانه وبالتحديد أنه يدرك جيدا خطوره ذلك الأمر. شعر بأن هناك أمرا اخر يدبر من خلف ظهره ليظهر له ما يريدون إظهاره فقط. أقنع تهامي نفسه بذلك الأمر كي يرحم أخيه ويعيده إليه مره أخري. شعر بالضعف أمام أخوتهم وحياتهم سويا وقرر تأديبه علي فعلته تلك أن تأكد منها وليس قتله. تناول هاتفه وأخبرهم بأن يطلقوا صراحه بعدما عالجوه خلال ذلك اليومين.
شعر بأنه داخل متاهه كبيره. ضغط علي الجرس بجواره فدلفت إليه جسيكا: -أوامرك يا باشا؟ -هي ديما مجتش ليه من أسبوع؟ مش المفروض كانت تستلم الشغل هنا؟ -معرفش ياباشا. هي مجتش ولا أتصلت من أخر مره كانت هنا. أمرها بالأنصراف وأخذ يفكر بديما وعن سبب تغيبها وكذلك عن اشتياقه لها وحسم أمره بخصوص زواجهما. فلن يدعها تفلت من بين يديه مره اخري. ومن ناحيه اخري بمنزل ديما.
ارتدت الروب الخاص بها واسرعت تفتح باب المنزل الذي لم يتوقف عن الطرق مما أربكها بشده. وما أن فتحت ورأت من الطارق حتي شهقت بقوه وهلع: -عزت! ايه اللي عمل فيك كده؟ أسرع عزت وألقى بجسده عليها، فألتقطته ديما وسندته إلى الداخل في قلق شديد وخوف عليه. ما أن مد جسده على السرير حتى فرت دمعة عالقة بعينيه وهي تنظر إليه مرددة: "حصلك إيه يا حبيبي؟ مين اللي عمل فيك كده؟ "تهامي." لطمت على صدرها في صدمة شديدة: "يا مصيبتي! بتقول مين؟
*** نهض تهامي من على مكتبه وقبل أن يخرج منه حتى وجد من يقف أمامه. "أنا رجعت، وأعتذر عن المدة الطويلة اللي غبت فيها." نظر إليه تهامي بجمود وعلامات الاستفهام تغزو وجهه. لما لم يضع أيضاً جوزيف موضع شك كبير مثل أخيه؟ وبالتحديد أنه أيضاً لم يره منذ آخر مرة كان معه. احتلت الشكوك رأسه بين الثانية والأخرى وتحولت نظراته إليه إلى غضب واستنكار شديد. وضع أغراضه على مكتبه مرة أخرى ونظر لعمار: "كنت فين كل ده؟ أجابه عمار برسمية:
"لما سبتك آخر مرة تعبت في الطريق وعملت حادثة، وكنت في المستشفى، وتقدر تتأكد من ده بنفسك." كانت نظراته لعمار لا توحي بأي خير. اقترب منه وربع ذراعيه: "ما أنا عرفت. هو محدش قالك إن أنا سألت عليك؟ "لا للأسف محدش بلغني، وعشان كده أول ما خرجت جيت هنا على طول عشان أبلغك." هز رأسه وأخذ يتلفت حوله وهو يتفحصه من كل ناحية. ثم توقف أمامه وبحزم شديد وغضب: "اقلع التيشيرت اللي انت لابسه ده وريني جسمك."
نظر له عمار بقلق كان واضحاً عليه بشدة وهز رأسه بتساؤل وتعجب: "أفندم؟ كانت كلمات تهامي في ذلك الأمر لا تقبل النقاش مطلقاً. فكرر كلامه ثانية: "سمعتني... اقلع هدومك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!