توقف وهدان عن حديث نفسه لها عندما فتحت هيام عينيها مرددة بصوت خافت: "حمدي." ليسمعها يونس فيستشيط غضباً ويتجه إليها ليوبخها: "هو أنتِ إيه حكايتك، مرة متجوزة ومرة هتبرطمي باسم واحد غريب، وشكلك بتحبيه عشان كده هملتيني، بسوديني مش هسيبك." وهمّ أن يهاجمها ولكن وهدان استوقفه ودفعه بغضب مردفاً:
"لا أنت اتجننت رسمي يا يونس، وإظاهر كده لازم تتحبس في استراحتك لحد ما تتعلم الأدب وتحترم الكبير هنا. أنا صبرت عليك كتير قوي وآخرتها كنت عايز تموتني وأنا كنت مفروض أهدر دمك بس قلت ده طايش وبيحب والحب بيعمي القلوب. لكن تهجم عليها وهي مريضة وهتحاسبها على كلمة مش في وعيها تبقى اتجننت صح." ثم أمر زين ورجل آخر بتكتيفه وربطه بالحبال وإلقائه على أرض استراحته. حاول يونس المقاومة صارخاً:
"لا لا، أنتوا شايفني عيل هتربطوه، ده أنا أسيح دمكم." لتأتي أم يونس هنادي على صوت صراخ ابنها لتبوخ هانم بقولها: "هو فيه إيه يا هانم، متلمي ولدك عن ولدي شوية؟ هانم بضعف وألم: "ولدك هو اللي هيجيبه لنفسه يا هنادي. اعجليه شوية عشان ميضيعش حياته واحمدي ربنا إن ولدي مجتلهوش بعد ما حاول هو يقتله." نظرت هنادي لوهدان بحدة مردفة بنزق: "يعمله، ماهو ابن حرام من يومه، كان يوم أسود لما لميتيه من الشارع وجبته هنا وسطنا تربيه."
جحظت عين وهدان وتجمدت الدماء في عروقه وكأن أحداً صب عليه دلواً من الماء البارد على ظهره، ليفتح فمه ببلاهة ناظراً لها بإندهاش ثم ناظراً لوالدته هانم بتساؤل ورجاء لعلها تنفي ما قالته ولكنه وجد الدموع قد فاضت من عينيها وهمهمت بضعف: "روحي يا هنادي، يارب تموتي مفضوحة أنتي وولدك. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي." ثم سمع صوتاً ضعيفاً يخرج من هيام:
"أنت كمان ناس ربوك زي حالاتي. بس أنا الحمد لله اتربيت زين مع ناس تعرف ربنا، لكن أنت صعبان عليا قوي." قمر بصوت حاد مشيرة إلى هنادي وجميلة: "خدي أمك يا بت يا جميلة وروحوا حداكم دلوقتي." زفرت هنادي بغضب: "كده، أنتِ وأمك ووهدان علينا. إلهي أشوف فيكم يوم. يلا يا بتي، ملناش مكان هنا." فودعت جميلة وهدان بنظرة من عينيها العاشقة له وغادرت. قمر كانت على علم منذ الصغر أن وهدان أخ شقيق لها ولكنها أخوها بالرضاعة.
إنحنى وهدان وهو في حالة صدمة مما سمع على والدته قائلاً بصوت مقهور: "الكلام اللي بتقوليه هنادي ده صح يا أمي؟ أنا مش ولدك؟ أنا ابن حرااااام؟ حاولت هانم الإنكار مراعاة له: "دي كدابة مهتصدقيهاش واصل، دي من يومها غيرانة مني وابنها طلع جاموسة شبهها وهيغير منك وبنتها حاطة عينيها عليك وأنت مش معبرها، عشان كده بتقول حديث ماسخ زيها. لكن أنت ابني ومرضعاك من صدري ده، وقمر أختك." وهدان القهر يسيطر عليه:
"حاسس إنك هتكدبي، ولو مقلتليش أنا ابن مين دلوقتي هموت نفسي." ثم أخرج مسدسه ووجهه نحو رأسه. فصرخت قمر: "لا لا يا خوي، أنت فعلاً أخوي بالرضاعة. بس إحنا منعرفش مين أبوك الحقيقي." وهدان بغصة مريرة: "يعني صح أنا ولد حرام." هانم: "لا يا ولدي، متقولش كده. وسامحني يا ولدي، بس أنا أحلف بالله حبيتك كيف قمر وزيادة، وعمري ما حسيت في يوم إنك مش ولدي." وهدان: "تكونيش سرقتيني من أمي، منا عارف زين هتعملوا إيه؟ فصمتت
هانم للحظة ثم تحدثت بحزن: "أكده يا ولدي تظن كده في أمك اللي ربتك. والله يا ولدي أنا مسرقتكش. أنا لقيتك زمان وأنت صغير في بيت مهجور، وكان معاك كمان بنت. وصعبت عليا وأخدتك بدل ما تموت من الجوع أو تاكلك الذيابة." ثم نظرت لهيام مردفة: "كان نفسي كمان آخد البت بس أبوك الله يسامحه مرداش وقال سيبها. بس هي شكلها خدها ناس أحسن منا وربوها، وسبحان الله طالعة شبهك ونفس العلامة على الكتف كمان." التفت وهدان لهيام التي بكت مرددة:
"يعني أنا كمان معرفش إن كنت بنت ناس ولا بنت حرام." فأسرع إليها وهدان ودفن رأسه على صدرها، يبكي وهي تبكي بمرارة، ثم ربتت على ظهره بحنو: "أخيراً لقيت حد ليا من دمي أتحامى فيه." فرفع وهدان رأسه بخيبة أمل: "تتحامي يا بت أبوي، ده أنا اللي محتاج أتحامى في حد، ياريتنا كنا اتربينا مع بعض ومتفرقناش كده. ياريتني طلعت في بيت كويس مش طلعت ابن ليل." هيام:
"ده نصيب ومكتوب يا خوي، المهم دلوقتي إن ربنا لم شملنا. ويعلم يكون فعلاً أبوي وأمي لسه عايشين." وهدان: "وهنعمل إيه بيهم بعد ما رمونا كده، عشان جابونا من حرام." أشفقت عليه هانم بقولها: "يا عيني عليك يا ولدي، هون على نفسك وأنت متعرفش ممكن تكون ابن حلال وحد سارقك فعلاً من أمك ولما ملاش حد ياخدك منه، رماك في الحتة دي." وهدان: "ياريت ده أهون عندي من إني أكون ابن حرام." هانم:
"ومتجاش عليا يا ولدي، كلنا كان نفسنا نعيش حياة تانية بس مكنش قصدنا غير كده، يا إما كنا نموت من الجوع. أوعى تكرهني يا ولدي، ده أنا روحي فيك أنت وقمر." ثم أجهشت بالبكاء، فرق قلب وهدان لها وأسرع إليها يقبل يدها مردفاً بحنو: "متبكيش يمه، أنتِ كنتِ أحن عليّ من اللي رموني للذيابة." هانم: "يعني مسامحني يا ولدي." وهدان: "مسامحك يمه." هانم: "مش هوصيك على أختك قمر، مش عشان لقيت أختك الحقيقية تنساها، دي أختك برده." وهدان:
"طبعاً يمه، قمر غالية عندي قوي." هانم: "أكده اطمنت وهموت وأنا مستريحة." وإذ بها تشهق شهقة عالية ثم تسكن بعدها للأبد لتصعد روحها إلى خالقها. فصرخت قمر وجلست على ركبتيها بجانب والدتها: "أمي أمي، لا لا لا. متيمتيش وسيبيني لحالي، أنا محتاجاكِ قوي، لا لا لا، ليه مين بعدك يمه."
انخرط وهدان أيضاً في البكاء على تلك المرأة التي قامت على تربيته حتى وإن أخطأت في حقه ولكن يكفي قلبها الذي اتسع بينما ضيق عليه العالم كله. ثم أمسك بيد قمر فقامت من جلستها، ثم أخذها لصدره واحتضنها مردفاً: "أنا هنا يا قمر، ومش هتكوني لحالك واصل وهفضل ضهرك طول ما أنا عايش، أنتِ وهيام." فابتسمت هيام رغم دموعها. "ربي يخليك ليا يا خوي."
وتجمع سكان الجبل حول هانم وقاموا بواجب العزاء ويقوموا بعد ذلك بدفنها خلف الجبل كما تعودوا دفن موتاهم. ألقت وردة بنفسها على الفراش ودموعها تتسابق على وجنتيها وهي تحدث نفسها:
"معقول يا وهدان تطلع ابن ليل، وأنا كنت مستنية اليوم اللي تيجي تتجملي فيه بفارغ الصبر، وكل يوم والتاني أقول هتيجي. ليه بس كده يا حبة قلبي، تطلع دون عن الناس كلها ابن ليل وأنا اللي بحبك أكتر من نفسي. بس معدش ينفع خلاص، لازم أدوس على قلبي لحد ما أقدر أنساك، بس كيف أنساك؟ آه يا ويل قلبي منك يا حبة قلبي. ربنا يهديك وتبعد عن الطريق الواعر ده، لو بتحبني صح يا وهدان." قامت من على الفراش مردفة:
"أنا هقوم أتوضأ وأصلي ركعتين لله. وأدعي لو كان من نصيبي صح، تهديه أول يارب. عشان مقدرش أرتبط بواحد هيعمل كل الحرام ده، وميخافش من ربنا، يبقى حياتنا هتكون جحيم." فصلى وردة ودعت الله أن يهدي قلبه ويرزقه حلالاً يغنيه. زين لـ قمر مواسياً لها: "أنا كمان جنبك يا قمر، بس أنتِ افتحيلي قلبك شوية، أنا بحبك يا بت الناس من زمان، لكن مش عارف ليه قلبك مش حاسس بيه؟ طأطأت قمر رأسها خجلاً مردفة:
"مش بيدي والله يا زين، أنا مش شايفاك غير أخوي زي وهدان بالظبط مش أكتر من كده فمعلش متصعبهاش عليا." زين وقد أحس أن الدنيا قد أحاطت به وشعر بالدوار وأمسك برأسه: "أكده يا قمر، أخوكِ بس، طيب يا بت الناس." ثم ابتعد عنها حزيناً، يواري دموعاته، حتى لا يشعر أحداً بضعفه. أما هيام فقد توسلت إلى وهدان:
"إن شاء الله يخليك يا خوي، عايزة أروح لأبوي اللي هو جوزي يعني اللي رباني. زمانه هيموت عليه وخايفة يجراله حاجة من كتر الچلب عليه." وهدان: "وكيف تجوزي واحد من دور أبوكِ كده وهو طمع فيكِ عشان رباكِ ولا إيه؟ هيام: "لا أبداً ده مفيش في حنيته عليّ، بس ولاد الحرام قالوا مهينفعش أقعد معاه كده من غير صفة، فأنا اللي طلبت أزوجه، عبال يعني ما ييجي نصيبي." فابتسم وهدان قائلاً: "أظن نصيبك ده اسمه حمدي."
فافترشت هيام بنظرها الأرض خجلاً. "خلاص متتكسفيش، بس واعر عليكِ تمشي دلوقتي. خليكِ لبكرة أحسن يكون الحرارة راحت وبقيتي أحسن شوية." استكثرت هيام قوله فصاحت وهـ عاد لسه: "بكرة، يعلم أبوي هيقضي ليلته دي إزاي من غيري؟ وهدان: "معلش دي ليلة." ذهب عطية العمدة في تلك الليلة لمديرية أمن مركز سوهاج، فقد طفح به الكيل من هذا الجبل مستنقع القاذورات وملجأ الخارجين عن القانون فتحدث مع اللواء عبد المجيد الصياد. عطية:
"يا سعادة الباشا، أنا جي وكلي أمل في حضرتك لسمعتك الطيبة وقدرتك في إثبات أمن المنطقة." اللواء عبدالمجيد: "ده واجبي زي ماهو واجبر يا عمدة." عطية: "طبعاً، كلنا خدامين تراب بلدنا. وعشان كده يا باشا، أنا جي وأملي في الله كبير ثم في حضرتك. نعمل حملة كبيرة قوي قوي المرة دي، نقضي فيها على كل وش الإجرام اللي في الجبل." أومأ عبد المجيد برأسه:
"فعلاً أنا جتلي شكاوي كتير وكنت فعلاً بستعد لحملة تطهير للمنطقة كلها وعلى رأسهم الجبل ده." عطية: "الله يبشرلك بالخير يا باشا. وأنا لازم ولابد أشارك فيها، حتى لو اتصابت ومت، هكون شهيد." عبد المجيد: "أنا مقدر طبعاً تعاطفك بس أنت وظيفتك إدارية أكتر من أنها تنفيذية. فخلينا إحنا علينا التنفيذ يا عمدة، ودعواتك بإذن الله بكرة هنخرج بالحملة، وإن شاء الله نرجع منصورين." عطية: "بإذن الله ربنا هينصركم على المجرمين دول."
ثم تابع: "أستأذن أنا بقى يا باشا عشان مآخدش من وقت حضرتك كتير." عبد المجيد: "اتفضل يا عمدة، شرفتنا." عطية: "الشرف لينا يا باشا." ثم عاد عطية إلى النجع مستبشراً خيراً في القضاء على تلك الخلية الإجرامية المتمركزة في الجبل. صالح ببعض من القلق: "ها يا دكتور، طمني على الشيخ عزيز؟ الطبيب: "والله الحاج اتعرض لصدمة جامدة، أصابته بالشلل ده، وصراحة عضلاته كلها تيبست ومحتاج يتنقل مستشفى المركز عشان يبدأ علاجه فوراً." صالح:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. عين وصابتك والله يا شيخ عزيز." أما عزيز فكان لا ينبس بكلمة بعدما فقد النطق ولكنه اكتفى بالدموع فقط. صالح: "طيب يا دكتور بكرة إن شاء الله أجيبه المستشفى." الطبيب: "تمام، كل ما قدمت المعاد هيكون نسبة الشفا أكبر بإذن الله." صالح: "يارب يعفو عنه ويشفيه." وعندما غادر الطبيب، جلس صالح بجانبه مداعباً بكلمات لعلها تخفف عنه:
"مكنتش أعرف إنك هتحبها قوي كده يا عزيز، وأنا عارف إنك مش محتاج مستشفى ولا غيره. ويمكن أول ما تيجي تطل عليك دلوقتي، هتجف زي الحصان." فأغمض عزيز عينيه وكأنه يقول: "يارب." صالح: "ربنا يطمنا عليها، وإن شاء الله الحكومة تلاقيها وترجعها صاغ سليم." أما حمدي فارس هيام المنتظر كان يعمل مدرساً في الكويت وقد حان موعد إجازته السنوية. فداعبه زميل له بقوله: "يعني وشك منور النهاردة على غير العادة يا مستر حمدي دي." زينت
ثغر حمدي ابتسامة مضيئة: "ومفرحش ليه وأنا أخيراً نازل البلد وأشوف الحبايب بعد سنة من الغربة المرة دي." أحمد زميله: "الحبايب ولا حبيبة واحدة يا عم الحبيب." فقذفه حمد بكشكول كان في يده، فضحك أحمد قائلاً: "نشنت يا ناصح. وخلاص خلاص يا عم، غلطنا في الجماعة إياك." حمدي: "دعواتك بس المرة دي فعلاً، يكون ليه نصيب فيها وأتدم وأتقبل، عشان كل مرة بتقول، لسه شوية ومش رايدة تهمل أبوها لحاله." أحمد:
"لا كفاية كده وقولها العمر بيجري وعايزين نلم نفسنا وإن كان على أبوها تروحله وقت ما هي عايزة براحتها." حمدي: "ربنا يدبر الأمر ويكرمني وأفرح الإجازة دي." أحمد: "إن شاء الله هتيجي والدبلة منورة إيدك." حمدي: "يارب."
ثم جهز حمدي أغراضه وانتظر موعد الطائرة في صباح اليوم التالي، لتهبط به بعد حين من الوقت في أرض الوطن، فحمد الله ثم توجه سعيداً إلى النجع. تهلل وجه أبيه وأمه وإخوته لرؤيته، ثم تساءل كثيراً عن أحوال أهل النجع، لتأتي سيرة هيام وعزيز لتنزل عليه كالصاعقة. أم حمدي: "أسكت يا ولدي، مش هيام مرات عزيز اتخطفت عشية." فقام حمدي من مجلسه فزعاً كأنه لدغ من عقرب قائلاً بدهشة: "إيه قلتي إيه يا أمي، مرات مين؟ قصدك بت؟
صح. واتخطفت كيف وإزاي؟ وأكيد رجعت صح؟ قولي يا أمي بسرعة. أنتِ ملخبطة الدنيا ومش مركزة." ضيقت والدته عينيها بإستفهام: "ما سر غضبه هو زواجها أم خطفها؟ أم الإثنين معاً؟ حمدي غاضباً: "مهترديش ليه يا أمي وتريحيني؟ أم حمدي: "ربنا يريح بالك يا ولدي بس أنت مش واخد بالك أنك مزودها حبتين، هو فيه حاجة أنا معرفهاش؟ أنت كان عينك من البت دي ولا إيه؟
ولو كان عينك منها، فانسى لأنها بقت في عصمة راجل دلوقتي. وكمان اتخطفت يعني يعلم عملوا فيها إيه كمان؟ فاسودت الدنيا في عيني حمدي وشعر بالدوار وأمسك برأسه للحظات ثم لم يعد يشعر بنفسه وسقط مغشياً عليه. فصرخت والدته وتجمع عليه إخوته. وحملوه على فراشه، ثم بعد لحظات عاد إليه وعيه ولكنه رفض الحديث إلا كلمة: "لو سمحتم هملوني لحالي دلوقتي. مش قادر أتكلم."
وعندما خرجوا، ترك الدموع المحبوسة في عينيه تنهمر على وجنتيه وكانت كالماء المغلي الذي يخرق قلبه وشعر بالقهر محدثاً نفسه: "كيف ده يحصل، كيف يا هيام تبعيني وتجوزي الراجل الكبير اللي رباكِ رغم الحب اللي بينا. يعني كنتِ هتعشقيه هو وتضحكي عليه أنا معقول؟ لا لا مش مصدق، حاسس زي ما يكون بحلم. لا ده كابوس ونفسي أفوّق منه. بس أنتِ فين دلوقتي يا ترى. أنا لازم أشوفك وأحط عيني في عينك وأعرف أنتِ ليه عملتي فيا كده؟
ورغم صدمتي فيكِ، بس ربنا يرجعك بالسلامة يا حبة قلبي اللي خانت قلبي." وفي الجبل بعد شروق الشمس استيقظت هيام لترى وهدان نائماً على مقعده الذي اتخذه بجانبها، ليراعيها طول الليل بنفسه. فابتسمت متمتمة: "ربي يخليك ليا يا خوي، ويخلي قلبك الطيب، اللي اتظلم في سكة الحرام والجبل دي." قامت بالنداء عليه ليستيقظ: "وهدان يا خوي، وهدان قوم." ففزع وهدان مردفاً: "إيه حصل إيه؟ لساكِ تعبانة قوي؟ حاسة بإيه؟ هيام:
"متتخضش كده يا خوي. أنا بقيت أحسن الحمد لله، بس خلاص معدتش عندي صبر وعايزة أروح، أطمن على أبوي وأطمنه عليه." وهدان: "والله لولا الراجل ده كويس ورباكِ زين، أنا مكنتش أقدر تفارقيني يا بت أبوي." هيام: "وأفارقك ليه؟ هو أنت مش هتيجي تطل عليه كل وقت والتاني ولا خلاص هتنساني؟ فابتسم وهدان مردفاً: "لا طبعاً أنا أقدر، هاجي عشان أكيد هتوحشيني وكمان عشان أشوف... ثم تنهد بوجع مسترسلاً:
"والله ما عارف هقدر أشوفها كيف تاني بعد ما خلاص عرفت أنا مين؟ ومبقتش طايقاني، والحب اللي بينا ضاع بين الرجلين." هيام: "تقصد وردة؟ وهدان: "وهو فيه غيرها." هيام بخجل: "معلش يا جلب أختك، هو نصيب. بس يعني يا خوي متأخذنيش يعني... وهدان: "قولي ولو إني عارف عتقولي إيه! هيام: "يعني مفيش شغلانة تانية بالحلال تعيش بيها مستور أحسن من الجبل ده واللي فيه." تنهد وهدان بألم وضم شفتيه بندم ثم أردف: "وأنا أعرف إيه غير كده؟
خلاص دي حياتي ودي عيشتي، وهو قدر ومكتوب. وهي حرة يا تقبل على كده أو...... هيام: "يعني هتهملها لحالها لو مرضيتش؟ ويمكن ساعتها تجوز واحد تاني، هتجدر تستحمل كده يا خوي، ده الحب ده واعر قوي." فوقف وهدان فجأة كأنه أصيب بصاعق كهربائي فتجمد مكانه وإزرق جسده. وحاول إخراج كلماته بصعوبة: "تتجوز واحد تاني؟ لاااااااا ده أنا أموتها بإيدي أحسن من إني أشوفها مع راجل تاني غيري." فضحكت هيام ولمعت عينيها عندما تذكرت حمدي ثم قالت:
"مش بقولك الحب واعر قوي يا خوي، بس محصلش للقتل، حد بردك يقدر يقتل روحه؟ وهدان: "آه يا قلبي، هي فعلاً روحي، ومهتصورش حد غيرها في قلبي. ولا حد غيري في قلبها." هيام: "طيب بزيادة عاد، ويلا ساعدني أقوم، أروح لبيتي." وهدان مداعباً لها: "طيب يا قطة على رأي الزفت القطران يونس." فتوترت هيام وهزت رأسها بفزع: "متجيبليش سيرته، ده اسمه بس بيخوفني، ومش عارفة، هيعمل إيه فيه المرة الجاية أكتر من كده؟ طمأنها وهدان بقوله:
"طول ما أنا عايش متخفيش من حد واصل، وأنا هعرف كيف أوقفه عند حده." ابتسمت هيام: "إن شاء الله يخليك يا خوي." وهدان: "ويخليكِ يا جلب وهدان. ويلا هاتِ يدك أقومك واسندي عليه وقومي بشويش." أمسكت هيام بيد أخيها وحاولت أن تستقيم جالسة ولكن داهمها ألم شديد في كتفها، فلم تستطع وغارت عينيها بالدموع فأشفق عليها وهدان مردفاً: "قلت خليكِ يومين كده يكون الجرح طاب وتعرفي تتحركي وكمان أشبع منكِ." فابتسمت هيام بوهن مردفة:
"معلش أخاف أبوي يجراله حاجة، هو راجل كبير ومهيستحملش." وهدان: "أمري لله، وأدي شيلة."
فانحنى وهدان وحملها بيده، فضحكت. وضحك وهدان لأول مرة منذ زمن. ثم أخرجها إلى دراجته البخارية وأجلسها برفق لينطلق بها نحو النجع، ولم يدري أن خروجه في هذا الوقت رحمة من الله عز وجل حيث كتب له عمر جديد. فقد انطلقت قوات الأمن إلى الجبل في غيابه، لتبدأ ملحمة وصراع شديد بين الحق والباطل. فيا ترى من سينتصر هذه المرة وهل ستبيد قوات الشرطة الجميع؟ وما مصير جميلة ويونس وقمر وزين وباقي الرجال؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!