الفصل 15 | من 17 فصل

رواية نبع الغرام الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رحمة سيد

المشاهدات
21
كلمة
3,454
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

تحرك “كامل” بخطى متعجلة في قسم الشرطة، يتجه نحو مكتب “المأمور رضوان” الذي تواطأ معه سابقًا. فتح الباب دون أن يطرقه، فرفع الآخر رأسه بدهشة مرددًا اسمه: -كامل! اقترب كامل جالسًا على الكرسي أمامه، ثم اقترب بجسده من حرف المكتب حتى إلتصق به، وهتف مباشرةً دون تجهيز أي مقدمات:

-تعرف تجيب لي واحد من اللي كانوا شغالين في القضية معاكم اللي بيشوفوا البصمات، يجول إن أيوب اداله رشوة عشان يشيل بصمات مرته غرام اللي كانت موجودة في الليلة إياها في أوضة النوم اللي مرتي اتقتلت فيها. أجفلت ملامح رضوان وظل متجهمًا للحظات والمفاجأة تبتلعه، إلى أن صدح صوته أخيرًا أجش: -إيه الكلام اللي أنت بتقوله دا؟ لا طبعًا مش هعرف. ضرب كامل على المكتب بانفعال بدد تصلب وجهه الزائف، ثم قال:

-لا هتعرف، أنت لازم تتصرف. الموضوع ده مهم جدًا بالنسبالي حياة أو موت. تابـع وهو يشيح له بغضب زحف نحو مقدمة كلماته لتخرج حادة: -وأنا مالي حياة أو موت ولا زفت؟ أنت مفكرني وزير الداخلية؟ كل ما تبقى عايز تعمل حاجة شمال هتجيني وأنا هعرف أتصرف بمنتهى السهولة!!؟ انسى مفيش الكلام ده. ثم لوى شفتاه وواصل سخريته البحتة وهو يسأله: -وبعدين تقدر تقول لي اللي عاوز يعمل كدا هاتديه فلوس منين؟ ولا ناوي تخليه يعمل كدا لله وللوطن؟

انقبضت معالم وجه كامل وراح يصيح في استنكار: -يعني إيه أنسى؟ أنت نسيت أنا عملت لك إيه؟ أنا خبيت البلوة بتاعتك، أنت لولايا ما كان زمانك لسه على الكرسي ده. صمت برهة وصدى ضربته الضمنية وسط كلماته لا يزال يتردد داخله بقوة، ثم رد بعناد وكبر زائف: -وأنا هتصرف في الفلوس ما يخصكش، أنا كامل العماري ماتنساش. ولكن الآخر هز رأسه نافيًا واستطرد ببرود متقن: -لأ مانسيتش، والخدمة اللي عملتها لي رديتها لك وشكرًا خلصت على كدا.

نفى كامل برأسه وهو يضرب على المكتب عدة مرات مؤكدًا بسيطرة يشعرها تتسرب من قبضته ككل شيء كان يملكه: -لأ ما خلصتش ومش هتخلص غير لما أنا أقول إنها خلصت. لم يهتز إنش في وجه “رضوان” الذي احتفظ بتحجر ملامحه الجوفاء، وتشدق بصوت مغلق ينضح بالتهديد المبطن: -ألاعيبك وبلاويك تحلها بنفسك أنا مليش دخل بيها، ولو أنت ماسك حاجة عليا تلوي دراعي بيها، فأنا كمان معايا اللي يثبت جريمة القتل اللي أنت عملتها.

استكانت ملامحه وعيناه السوداء، ثم سرعان ما كانت نيران الغضب الهوجاء تغزو ليلها من جديد ما أن خاطره الاستيعاب، وأخذ يهدر بشراسة: -إيه؟ أنت بتعمل معايا أنا كدا؟ أنا اللي خبيت مصيبتك وساعدتك لما سرقت ال آآ… قاطعه المأمور مزمجرًا بنبرة غليظة: -وطّي صوتك لسه في ناس مامشيتش، ماتوديش نفسك في داهية وأعجل لإني مش هروح في داهية لوحدي.

هدأت أنفاس كامل شيئًا فشيء وهو يدرك أن الانفعال ليس من مصلحته الآن على الإطلاق، وأن اللعبة التي تركها في تلك الساحة لتكون طوع يده، لم تعد كذلك وتمزقت خيوطها التي كان يتحكم بها. فيما عاد رضوان بظهره للخلف ملقيًا نظرة شامتة راضية عليه، ثم أردف آمرًا: -اتفضل يلا من غير مطرود ورايا مصالح مش فاضي أنا، ومش كل شوية توريني طلتك البهية، المرة الجاية لو جيت تاني من غير سبب مش هخليك تطلع منه تاني.

فلم يكن يملك إلا أن يغادر مستسلمًا على مضض، ولكنه بإباء وبنفس ترعرعت على الكبر فأصرت على نزع ثوب الانهزام رغم تغلغله لكافة خلاياه، كان يغمغم بصوت مكتوم: -ماشي يا رضوان، ماشي… بس الموضوع ما خلصش على كدا. ****

فتحت “غرام” الباب بعدما سمعت طرقاته وارتدت أسدال الصلاة، لتجد الطارق “أيوب” وما أن وقعت عيناها عليه وقد كانت رأسه مضمدة وبعض الدماء تلطخ ملابسه حتى شهقت بفزع وتصاعدت دقات قلبها حتى كادت تخترق قفصها الصدري، ثم سألته بنبرة هلوعة وهي تمسك بساعديه تساعده على الدخول: -إيه اللي حصل؟ مالك يا أيوب؟ أجابها بصوته الرخيم يهدئ من روعها: -اهدي يا غرام أنا كويس، دي حاجة بسيطة.

سار معها حتى جلس على الأريكة وجلست هي جواره تتفحص ضمادة رأسه بحذر تود اكتشاف مدى خطورة تلك الإصابة لتتأكد إن كانت بسيطة كما يقول أم لا، وعينيها تصرخ قلقًا على مالك القلب والروح… فيما شعر أيوب بنفسه المظلمة تلفظ قيح الحقد والسواد في استجابة فورية لصرخة القلق في بندقيتيها، ها هي حتى في أسوأ حالاته تُشفيه وتُشفي روحه المعطوبة! فهو منذ زمنٍ مر لم يعش حلاوة أن يُصاب أحدهم بالفزع لرؤيتك جريحًا حتى لو كان الأمر هين.

أمسك كفيها المشغولان بتفحص ضمادته، محيطًا إياهم بكفيه الكبيرين الدافئين، ثم تمتم بخفوت مشاكس: -أنا كويس صدقيني، أنا جايلك على رجلي على فكرة مش على نجالة وبطلع في الروح. ضربته في صدره بغيظ معقبة باستنكار: -بعيد الشر ربنا يبارك في عمرك ويجعل يومي قبل يومك، ماتقولش كدا. هز أيوب رأسه موافقًا راضيًا ممتنًا، فيما سارعت غرام بسؤاله ولا يزال قلبها الأمومي محاوط بأشواك القلق التي تنغزه كل حين: -اتعورت كدا إزاي؟

تنهد أيوب بصوت مسموع، ها هما يعودان لتلك النقطة السوداء اللزجة التي يكرهها من حياته والتي وكأنها تأبى الانفصال عنه! ثم تشدق بجمود: -دخلت المحل لاقيت كامل بيسرق فلوس، ولما شافني ضربني بالعصاية اللي كانت معاه على دماغي ووجعت مغمى عليا. شهقت بهلع وتلوت ملامحها البيضاء مستفسرة بعدم تصديق: -إيه! كامل؟ أبوك؟ تغضنت قسمات أيوب بألم وكأن الكلمة وحدها تؤلمه كطعنة جديدة باردة، ثم أومأ برأسه وتابع:

-والواد حسين هو اللي جه بالصدفة وشافني ووجعت ودماغي بتنزف، الناس اتلمت ودوني المستشفى وخيطوا لي كام غرزة واهو الحمدلله، عمر الشقي بقى. هدرت فيه بانفعال ضرب أبواب صدرها بعنف وهي تتخيل ما تعرض له، وما كان يمكن أن يحدث له لولا العناية الإلهية: -كل ده وتجولي بسيطة؟ أمال لو جامدة كان حصل إيه؟ كان شق دماغك نصين بالطول؟ ضحك أيوب على تعليقها، فعاودت ضربه على صدره من جديد بحنق طفولي لذيذ بات يعجبه كثيرًا: -بتضحك كمان؟

بتضحك، وبعدين إزاي حسين مايجوليش؟ كل ده يحصلك وماحدش يجولي وأنا قاعدة هنا بعمل بسبوسة؟ رفع حاجبيه معًا بإعجاب، ثم تلاعب بحاجبيه وهو يشاكسها قائلًا: -إيه ده عملتي بسبوسة بجد؟ طب ما تقوم تجيب لنا حتتين كدا نحلي بقنا (فمنا) بيهم يا حلو أنت. ولكنها لم تستجب لمشاكسته بل نهرته غاضبة: -أيوب. تأفف مصطنعًا الملل ثم أردف لاويًا شفتاه بغيظ: -هي طالبة معاكي نكد أنا عارف، اتفضلي حضرتك الميكروفون معاكي عايزة تبدأي وصلة النكد بإيه؟

سألته بذات النبرة الغاضبة والملامح الصلبة المتجهمة بعد سطو القلق عليها: -أكيد بلغت البوليس صح؟ عشان يعملوا له محضر عدم تعرض. كانت غايتها التأكد من عدم تكرار هجومه مرة أخرى، تراجع أيوب بظهره للخلف مستندًا على الأريكة، وتخللت الظلال السوداء حدقتيه لتغتال معالم الحياة بها مؤقتًا، ثم خرج صوته أجشًا وهو يخبرها بشرود:

-كنت هبلغ وهاتهمه بالسرقة كمان وكان هياخد فيها مش أقل من 3 سنين عشان الضربة دي مع السرقة، بس هو من أعوان إبليس وإبليس مش بيسيب أعوانه في محنة. عقدت غرام ما بين حاجبيها بعدم فهم: -مش فاهمة! حصل إيه يعني؟ تنهد بقوة وهو يتذكر حين دخل له “كامل” غرفة الطوارئ في المستشفى ما أن استعاد وعيه، يود مقابلته قبل أن يقوم أيوب بما هو متأكد أنه سيقوم به. إنتفض أيوب جالسًا رغم شعوره بالألم ينهش رأسه، وزمجر فيه بجنون:

-أنت بتعمل إيه هنا يا حرامي؟ وربي لأسجنك. اقترب منه كامل بتردد وكأنه يخشاه، ورغم ذلك حذره بنبرة أجشة: -اهدى كدا واسمعني عشان هتندم لو ماسمعتنيش. ردد أيوب من بين أسنانه بشراسة وعيناه تطلقان شررًا ناريًا: -أنا هاندم لو ما خليتكش تتسجن لحد ما تعرف إن الله حق. أردف كامل ببساطة استطاع أن يبسطها في ساحة ملامحه، ولكن داخله كان مشوش تمامًا: -أنا لو اتسجنت مش هتسجن لوحدي، مراتك الجميلة هتتسجن معايا. لوى شفتيه متهكمًا:

-كل ما تتزنق تقول نفس التهديد اللي بوظ جوي ده وما بقاش يأثر خلاص. أضاف بعناد وعيناه شاخصتان تطلقان سهام التحدي: -لا هيأثر، هيأثر لما المأمور يقدم الورق اللي بيثبت إن بصمات مراتك كانت موجودة في اليوم إياه وفي أوضة مرتي كمان، وحد هيعترف إنك أنت اللي رشيته عشان يخفي البصمات دي. استطاع زعزعة هيكل الثبات والغضب داخل أيوب الذي تخافتت عاصفته شيئًا فشيء، ولكنها لم تصفو تمامًا إذ قال بجمود:

-تبقى غلطان لو فكرتني هصدق تهديداتك الفارغة دي وهاسيبك، دي فرصتي وجت لحد عندي. هز كامل كتفاه معًا بلا مبالاة ظاهرية: -صدق ماتصدقش براحتك، أنا جيت أعرفك إن دي قصاد دي، ولو وصلت بيا إني أعترف كمان إني كنت هناك في يوم الجريمة وشوفت غرام هقول، وهزود الشكوك عليها، أصل اللي يتسجن يوم يتسجن عشرة فمش فارقة كتير. ثم ربت على كتفه قبل أن يتحرك وهو يتفوه ساخرًا: -حمدلله على سلامتك يا ولدي.

ثم غادر بعدما تأكد أنه نجح في غرس الفتيل بين جذور عقل “أيوب” ينقصه فقط أن يشتعل لتحرقه حرقًا، فإيذاء غرام سيحرقه… وترك كامل دون عقاب سيحرقه أيضًا! عاد لواقعه على وجه غرام الذي بهت وفرت منه الدماء كعادتها ما أن تأتي هذه السيرة، ثم سألته بصوت شاحب كوجهها: -وهتعمل إيه؟ زفر أيوب مجيبًا وهو يهز كتفاه معًا بقلة حيلة: -ماعرفش. أجابته المموهة لم تُسكن ضوضاء عقلها الذي عمته الفوضى بانتشار الخوف فيه كجنود مشردة!

فـعاودت سؤاله بصيغة أخرى أكثر وضوحًا: -هتسجنه وتخاطر بيا؟ أحاط وجهها بيديه متحسسًا نعومة وجنتها المكتنزة، ثم واصل بخشونة معبقة بالعاطفة: -ما أقدرش أخاطر أو أفرط فيكي وفي أيوب اللي اتولد على إيديكي. ومالت نغمة صوته للانهزام قليلًا وهو يتابع مبتعدًا بعينيه عنها: -ومش عارف إزاي هفرط في حقي اللي هيجي لي منه على طبق من دهب! وأشفي غليلي من الراجل ده يمكن ساعتها الحقد اللي جوايا ينتهي.

تركت غرام الباحة للصمت ليسود طويلًا، ثم أعادته لجحره حين استرسلت بشيء من التردد: -أنا خايفة عليك من العقاب يا أيوب. عقد أيوب حاجبيه مستنكرًا: -عقاب ليا أنا؟ عقاب إيه؟ -عقاب ربنا، ماتنساش إنه في الأول وفي الآخر أبوك، وماينفعش تبقى عاق بأبوك مهما كان هو وحش وجاسي وفيه كل العبر. سارعت بقذف كافة الأفكار التي كانت ترتج بعقلها قبل أن يغتالها التردد من أن تجرحه، لتجد الاعتراض والغضب يثوران بعينيه التي اشتد

ظلامها وهو يعنفها بغلاظة: -عقاب ليا أنا؟ وهو ربنا هيكافئه على اللي عمله فيا كل السنين دي؟ هزت رأسها نافية بسرعة تبرر قولها: -لا طبعًا، هو برضو ربنا هيحاسبه على عقوقه ليك، بس أنت اللي تهمني مش هو، نفسي تجرب تسيب ربنا هو اللي يجيب لك حقك ويعاقبه من غير ما تتدخل وفي نفس الوقت يكافئك على صبرك وبرك له رغم كل الوحش اللي فيه. أردف بصوت أجش وملامحه الخشنة تستنفر:

-أنا مش مثالي عشان أبقى كدا وأعمل اللي بتقوليه بالبساطة دي، أنا بشر وبغلط وبتأثر وغصب عني وعنك باخد رد فعل على الوحش اللي بيتعمل لي. ضاقت عيناه وهو يحدق بها وللوهلة الأولى ساقه ظنه نحو أنها تقنعه بذلك لأجلها؛ ظنًا منها أنه سيُقحمها مما تهرب به منذ البداية! قرأت غرام أفكاره بسهولة بين سطور عينيه فهزت رأسها نافية وهي تتلفظ بصدق:

-ومش بقول كدا عشاني أنا، أنا كدا كدا بريئة وربنا مابيرضاش بالظلم، لكن صدقني أنا خايفة عليك أنت، ولو مصمم وعايز تفضل عايش بقية حياتك بهاجس اسمه كامل يبقى خليك وراه وتبجى لا كسبت دنيا ولا آخرة. تنفس أيوب بصوت مسموع وكعادتها معه مؤخرًا كلماتها تتسرب له لتنتشر كالمخدر أسفل جلده وتجعل شيطانه يسقط في غفوة أخرى طويلة! هتف بكلمات تقطر حقدًا وهو يكز على أسنانه بقوة: -بكرهه وهفضل أكرهه طول ما أنا عايش. اومأت

برأسها متابعة بعقلانية: -ما أقدرش أجبرك تحبه بعد اللي عمله فيك، بس حاول ماتعاملهوش وحش وماتبقاش عاق بيه عشان ربنا ما يحاسبكش بس. طال رده لدقائق غلفها الصمت، ثم أومأ برأسه على مضض بعدم اقتناع ولكنه سيحاول! وغرام تعلم ذلك، ولكنها لم تصر أكثر بل منحته ابتسامة صغيرة حلوة، ليقترب منها غامزًا إياها بطرف عينه وهو يناغشها: -طب إيه مش هناكل بسبوسة يا بسبوسة؟ ضحكت هذه المرة عاليًا قبل أن تقترب منه قليلًا بوجهها مرددة بشقاوة

ونعومة تحمل دلال فطري: -البسبوسة وصاحبتها ملكك وطوع يدك يا سي أيوب. قبل أن تقترب منه وللمرة الأولى تأخذ هي المبادرة وتقبله بحب وشغف بعدما تعززت الشجاعة داخلها بمشاعرها الراضية بتأثيرها الواضح عليه، جذبها من خصرها نحوه وعاد ليتولى هو زمام القبلة بأخرى وأخرى أكثر شغف.. أكثر شراسة عاطفية وتطلب، لينصهر في شمسها الحارقة الشافية، وتنصهر هي في عشقٍ لم تعرفه سوى على يديه. **** في المستشفى…

عادت “ليلى” لعملها كممرضة في المستشفى بعدما قررت مع ظافر ألا تعمل في أحد المنازل مجددًا، وأيضًا لتكون دومًا بالقرب من “سالم” تتابع حالته عن قرب وتطمئن عليه وتطمئن ظافر الذي صار هاجسه وهوسه الوحيد العثور على الشخص الذي أذى جده، وربما ما يغذي هذا الهاجس هو الخوف من تكرار محاولته!

اتجهت ليلى لغرفة الطبيب المشرف والذي رشحها للعمل في منزل سالم العبادي “خلاف الآخر الذي يتابع حالة سالم حاليًا “، وكان معها بضعة أوراق تخص العمل، ما أن كادت تطرق الباب حتى سمعت صوته الذي حاول كتمه وهو يهتف بانفعال واضح: -يعني إيه؟ لا أنا ما يتلعبش معايا، أنا لو حسيت بس بالغدر هتلاقيني عندكم بقول لظافر كل حاجة وأعرفه مين اللي عمل كدا في جده وعليا وعلى أعدائي، أنا مجنون وأعملها. صمت برهة وكأنه يسمع للطرف الآخر ثم تابع

بنبرة متوجة بالانتصار: -أيوه كدا، الواحد يحط عقله في راسه ويعرف خلاصه، فلوسي تبقى عندي النهارده بليل وإلا أنا مش مسؤول عن اللي هيحصل بعد كدا، اللهم بلغت اللهم فاشهد. كتمت ليلى شهقتها بيدها وهي تحاول الاستيعاب أن هذا الطبيب، الطبيب الذي لا يستحق كلمة طبيب الذي من المفترض أنه ينقذ الأرواح ويهبهم فرصة لحياة جديدة، متواطئ في محاولة سلب حياة شخص بريء!!

تحركت بتوتر تنوي المغادرة مسرعة قبل أن يتم كشفها لتخبر ظافر على الفور، ولكن حظها أعلن تخليه عنها حيث اصطدمت دون قصد بسلة القمامة الموضوعة خلفها فأصدرت ضجة تسببت في انتباه الآخر لها فسارع بالنهوض وفتح الباب ليرى من الذي يقف خلف الباب، وكانت ليلى قد تحركت تكاد تغادر ولكنه رآها وهي تسير مسرعة في الرواق فأدرك دون عناء أنها هي، لذا أوقفها مسرعًا بحزم يناديها: -ليلى!

توقفت مكانها، بل تجمدت وهي تفكر ماذا يفترض عليها أن تفعل الآن.. هل تركض هاربة؟ أم تتوقف وترسم لوحة زائفة من الثبات والهدوء وكأنها لم تسمع شيء حتى لا يأخذ هو ومن معه حذرهما؟ حسمت أمرها واستدارت ببطء وهي تبتلع ريقها، لتواجه بوجه متصلب مجيبة: -أيوه يا دكتور؟ أمرها بلهجة لا تقبل الجدال: -تعالي على مكتبي عايزك ضروري.

لم تملك سوى أن تنصاع لأمره فاتجهت خلفه لمكتبه على مضض وهي تفكر بذعر داخلي… هل سيقتلها الآن كما في الأفلام ليخفي جريمته؟ انتبهت له حين سألها مباشرة بجرأة لم تعرف كيف امتلكها في تلك اللحظات التي يجب أن يكون مرتبكًا بها: -سمعتي إيه بالظبط؟ ضيقت عينيها تصطنع الجهل: زجرها بنظرة محتدة رشقت بها كالسهم وبنبرة فظة: -من غير لف ودوران كتير أحسن لك أنا شوفتك، قولي سمعتي إيه؟ سمعتي كل الكلام؟

هذه المرة صمتت ولم تنطق تريده أن يقع في فخ البوح دون شعور، ولكنه كان أذكى من ذلك حيث سلط حديثه المتراشق على دفئتها هي: -طب اسمعيني كويس، أنتي لو فكرتي تقولي لأي حد اللي سمعتيه هاوديكي في داهية، سامعة؟ رفعت حاجبيها معًا متسائلة باستخفاف: -هاتوديني في داهية إزاي؟ هاتطرديني من الجنة دي يعني؟ هز رأسه نافيًا ببطء وبابتسامة خبيثة مستذئبة كان يخبرها:

-لأ الطرد حاليًا هيبجى هدية ليكي، أنا عايزك تعرفي بس إن الحقنة اللي بعتهالك، واللي أنتي لسه مديها لسالم العبادي، دي مش تبع العلاج زي ما أنتي مفكرة، دي هتموته ببطء! إتسعت عينيها وشعرت بأعصابها تنساب ببطء فزع كزبد البحر!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...