الفصل 16 | من 17 فصل

رواية نبع الغرام الفصل السادس عشر 16 - بقلم رحمة سيد

المشاهدات
21
كلمة
3,578
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

وصلت ليلى أمام بيت سالم العبادي. ظلت تنظر للبيت مطولًا، وأنفاسها تخرج ثقيلة مسموعة، مُحملة بأفكارها التي تسممت منذ قليل على يد ذلك اللعين! تحسست رقبتها أسفل حجابها، وكأنها تود نزع ذلك الحبل الوهمي الغليظ الذي اختلقه ليخنقها به ببطء قاتل. كيف ستخبر ظافر؟ أو بمعنى أصح، ماذا ستخبره؟ هل ستخبره ببساطة أنه مُحتمل أن تكون قاتلة جده؟

حتى لو لم يكن قتل عمد، ولكنه سيبني جسرًا لا يُهدم بينها وبين ظافر، حتى أنه لن يسامحها أبدًا مهما كانت المبررات، وسيحملها المسؤولية حتى وإن لم يعلن اتهامه! ظلت تدور حول نفسها وأفكارها تواصل النهش في عقلها للتوصل لحل. ولكن إن لم تخبر ظافر، سيعلم حتمًا بطريقةٍ ما. وحينها لن يشك فقط، بل سيتأكد أنها فعلت ذلك عمدًا، وإلا ما كانت أخفت عنه. تبًا لذلك الحقير الذي ألقاها في خندق الحيرة ليحرقها حرقًا وهي حية.

زفرت بصوتٍ مسموع، وقبل أن تتخذ قرارها بشكلٍ نهائي، كان ظافر يقطع حبل أفكارها حين وقف أمامها وهو خارج من البيت، وسألها متعجبًا: –ليلى؟ واقفة هنا وما دخلتيش ليه؟ ابتلعت ريقها بتوتر ثم ردت: –كنت لسه داخلة أهوه، عايزة أتكلم معاك. هز رأسه موافقًا وهو يشير لها بهدوء: –طب تعالي نتكلم جوه، أكيد مش هنتكلم في الشارع كده.

أومأت برأسها هي الأخرى ثم سارت خلفه ليدلفا للداخل، وهي تحاول تنظيم كلماتها ولكنها كانت مبعثرة بدرجة غير مسبوقة. وبالفعل وصلا للغرفة التي يعمل بها. جلس أولًا ثم أشار لها متابعًا بشيء من التوجس: –اجعدي واحكيلي في إيه؟ وشك مخطوف، جلجلتيني. بللت شفتيها والتوتر لا يزال يصفع كل ما تحاول لملمته من ثباتها، ثم خرج صوتها أخيرًا متحشرجًا نوعًا ما من فرط التوتر: –أنا هاحكيلك، بس اوعدني إنك تسمعني وتفهمني. رمقها

بنظرات حذرة وهو يستفسر: –ما تجولي من غير مقدمات يا ليلى، أنتي كده بتجلجليني أكتر. راحت تقص على مسامعه كل ما حدث في غرفة ذلك الطبيب. وظل ظافر متصلبًا مكانه وكأنما أُلقيت عليه تعويذة ليصبح صوانًا صلدًا! كسر الحاجز الحجري الذي غلفه كليًا ليسألها دون استيعاب وهو يرمش بأهدابه عدة مرات: –جدي مات؟ هزت رأسها نافية بسرعة وردت عفويًا: –لأ، لسه.

ثم عضت على شفتيها بعنف توبخ نفسها دون صوت على بلاهتها. وفجأة انفجرت القنبلة الساكنة التي كانت تحويها ضلوع ظافر، حيث نهض مزمجرًا يدمر كل شيء أمامه بجنون: –يعني أنا جدي هيموت؟ طب لييييه، عايز منه إيه؟ ومين من مصلحته إن جدي يموت أصلًا؟ هما بيعملوا كده ليه؟ صمت برهة لاهثًا وهو يردد لنفسه بكلماتٍ تقطر ذهولًا: –الكلب ده هيموته وأنتي…

قطع كلماته وهو يستدير نحوها بعينين محمرتين تقدحان شررًا مشتعلًا غاضبًا بجنون، ثم واصل ببطء وكأنه يُملي تلك الكلمات على عقله الذي يرفض تصديقها: –وأنتي اللي ادتيله الحجنة وسيبتيه هناك يموته؟! هزت رأسها نافية بهلع وهي تدافع عن نفسها: –لأ طبعًا، أنا جيت عشان أجولك قبل ما تعرف من حد تاني و… قاطعها هادرًا بعنف وهو يقترب منها خطوة: –إيه الأنانية دي؟ أنتي إزاي ممرضة؟

سايبة المريض اللي أنتي عارفة إنه ممكن يتجل و جايه هنا تجوليلي قبل ما حد تاني يجولي، ومش مهم هو يموت المهم إنك تبرأي نفسك؟! ثم تحرك مسرعًا ليغادر الغرفة وهو يتشدق من بين أسنانه بتوعد شرس: –وديني لأجتله وأشرب من دمه الكلب ابن ال****. هم بفتح الباب ولكن ليلى تداركت صدمة اتهامه وأسرعت نحوه لتغلق الباب مرة أخرى بعنف، ثم أسندت ظهرها عليه لتمنعه من الخروج. وهزت رأسها نافية تقول بصوت أجش:

–أنا مش أنانية وما سيبتهوش يموت، أنا بلغت الدكتور المشرف على حالته إن في حد شغال في المستشفى حاول يموته واداله حجنة وهو جالي إنه ملاحظش أي تغيير ولو بسيط في حالته وإنه مع ذلك هيعمله التحاليل والفحوصات اللازمة ومش هيخلي حد من الممرضات يديله حاجة لحد ما نشوف نهاية الموضوع ده وهو هيديه بنفسه العلاج. إن ظنت أن سعير الغضب في عينيه سيهدأ فهي خاطئة، حيث واصل بنبرة تفيض شكًا وقلقًا:

–وأنتي إيش ضمنك إن الدكتور ده نفسه ما يكونش مع ال**** التاني؟ ما كلهم ولاد ستين كلب مجرمين. اتسعت عيناها ذهولًا من المنحدر الذي اتخذته أفكاره، وسارعت تحاول تصحيح مسارها: –لا طبعًا، أنت إزاي تفكر كده؟ دكتور عادل محترم وبيخاف ربنا، وما تنساش إن هو اللي جالك إن في مادة في دمه هي اللي اتسببت بكده وإن حد بدل الدوا. لو هو فعلًا مجرم كان هيخبي عنك لحد ما تتفاجئ بجدك ميت فعلًا.

كان صوت أنفاسه عالي كدلالة على محاولته الفاشلة في كبت نيران الغضب. فجذبها من ذراعها بقوة وهو يهدر بشراسة ووعيد: –ابعدي من جدامي، لازم أتطمن عليه وأجتل ال**** اللي عايز يموته وأعرف مين خلاه يعمل كده. ولكنها هزت رأسها نافية بعناد وهي تتشبث بالباب بكل قوتها لتمنعه من المغادرة: –اتصل بالدكتور واتطمن، لكن مش هاسيبك تروحله وأنت بالمنظر ده، لازم تهدى الأول عشان ماتعملش حاجة في لحظة غضب تندم عليها باقي عمرك.

كز على أسنانه بعنف حتى سمعت صكيكها العالي، ثم حذرها بخشونة حادة: –ابعدي يا ليلى عشان فعلًا هعمل حاجة نندم عليها. نظرت له للحظات معدودة، ثم استدارت مسرعة لتغلق الباب بالمفتاح الذي كان فيه، وأخذت المفتاح لتضعه في ملابسها، مؤكدة بصرامة: –جولتلك مش هتخرج من هنا إلا لما تهدى. صرخ فيها آمرًا بغلاظة: –هاتي المفتاح حالًا. هزت رأسها نافية وهي تضغط على المفتاح بين ملابسها، فكرر من جديد بصوت عالٍ أكثر حدة:

–جولت هاتي المفتاح حالًا وإلا هاخده بطريقتي وساعتها ماتلوميش إلا نفسك. نفت برأسها مرة أخرى وهي تقول بنبرة فاترة صلبة: –لأ مش هاديهولك ولو جربت مني هصوت والمرادي مش هسامحك أبدًا. حينها صرخ فيها بعنف لدرجة أنها شعرت بصراخه كالشظايا ينغرز بوجهه: –يعني أنتي عايزاني أجعد هنا جنبك زي الحريم وأسيب جدي عند ابن الكلب ده عشان يموته وأفضل أتفرج لحد ما يجيلي خبره. تنهدت بقوة قبل أن تعيد كلماتها بصبر:

–لأ، هو فيه الروح وأحنا فينا الروح يا عالم مين يموت قبل مين كل واحد له ساعة. وجولتلك اتصل بالدكتور اتطمن عليه، لكن لما تروح تجتل الكلب التاني وتودي نفسك في داهية هتفيد جـدك بإيه كده؟ بالعكس أنت هتضره لو فاق وعرف إن حفيده الوحيد اتسجن عشانه وضيع مستقبله. ضرب الباب بقدمه بكل قوته وهو يهدر بأعصاب انفلتت تمامًا: –لا يصحى يجول حفيدي زيه زي الحريم ماعرفش مين عمل فيا كدا ولا جابلي حقي.

أخبرته بإصرار وهي تغوص في عمق عينيه السواداوين المحترقتين وكأنه يمدها بطاقة غير ملموسة من نبع الشوكولاتة في عينيها: –لأ هاتـجيب حقـه، بس بالعجل مش بالعصبية اللي مش بتضر غير صاحبها، اهدى عشان تتصرف صح وتجيبله حقه من غير ما تضر نفسك. بدأ ظافر يتنفس بصوت عالٍ غير قادر على قطع وصال عينيها التي يعشق، خاصةً وهي تحدق فيه بتلك الطريقة وكأنه أثمن شيء على وجه الأرض وتأبى أن يُلطخ بسوادها.

فتابعت ليلى بينما تقترب منه ببطء حتى صارت أمامه مباشرة، لتحيط وجهه بيديها تداعب بحنان لحيته النامية ووجنته السمراء، هامسة بخفوت دافئ: –ماعنديش استعداد أخسرك بعد ما لاقيتك، أنت بطل قصتي اللي كان في خيالي وظهرلي أخيرًا على أرض الواقع، وأنا طول عمري بكره النهايات الحزينة، ممكن ماتسيبش بطلتك يا بطلي؟ ضغط على يديها بيده وهو يغمغم بصوت خشن متحشرج: –أنا هموت لو جدي جراله حاجة يا ليلى، هموت، هو ليه حرام أعيش في هدوء؟

ليه مستكترين عليا الراحة النفسية؟ استرسلت همسها الحاني تداعب آلامه بقولها: –يمكن عشان ربنا لو حب عبده بيبتليه؟ ولكنه همس باختناق وانهزام: –بس أنا تعبت، تعبت من جو المؤمرات اللي لقيت نفسي فيه فجأة وجدي بين الحياة والموت.

احتضنته حينها بقوة تحيطه بذراعيها تمنحه الدفء الذي ربما يداوي قلبه الذي أثلجته الهموم، وأحاطها خصرها هو بقوة يضمها له واضعًا رأسه عند رقبتها يسحب عطرها الحلو لرئتيه. كل شيء فيها حلو ودافئ بطريقة خيالية رائعة، هي من تُعيد ترميم ما هُدم منه، هي فقط. ثم ابتعدت ليلى قليلًا ولكنها ظلت بين ذراعيه، ورفعت نفسها قليلًا لتُقبل وجنته فخدشتها برقة لحيته النامية لتمتم بدلال تريد إخراجه من طور تلك الحالة: –دجنك خشنة جدًا شكّتني.

فرفع ظافر حاجبيه مبتسمًا ببطء: –بجد؟ ثم داعب نعومة وجنتها بخشونة وجنته وذقنه وهو يستطرد بخشونة أضفت لها العاطفة رنين خاص في أذنيها: –هي اللي خشنة ولا خدودك اللي ناعمة قوي، ناعمة وجميلة لدرجة إنها بتغريني عشان آكلها يا شيكولاتة. ثم نفذ ما قال وراح يقضم وجنتها برفق بأسنانه لتضحك ليلى وهي تبعده عنها بتدلل وشاركها هو الضحك قبل أن يتفوه بنبرة رجولية تهيم عشقًا:

–أنتي بطـلتي اللي خطفتني وماقدرش أستغنى عنها، بس ما طلعتيش من خيالي، طلعتي من أحلامي، أحلامي اللي لشهور ما كانش فيها غيرك. *** بعد فترة، في منتصف الليل…

كان ذلك الطبيب الحقير عزت يسير بخطى مسرعة نحو منزله، يزرع الأرض بتوتره وهو ينظر يمينًا ويسارًا ليتأكد من عدم تواجد أي شخص بينما يحتضن حقيبة سوداء بين ذراعيه بقوة وحرص. وصل أخيرًا أمام منزله وما أن وصل أمام منزله بالفعل وهم بإخراج مفتاحه ليدخل، حتى وجد من يقبض على كتفيه من الجهتين. نظر نحوهما بفزع ليجدهما رجلان مفتولا العضلات بملامح خشنة تصرخ بالتأهب الإجرامي. سألهما بحروف متهتزة حاول أن تفضح خوفه: –إيه في؟

أنتوا مين وعايزين مني إيه؟ قال احدهما بهدوء تام غامض: –ظافر بيه عايز يدردش معاك شوية. وقبل أن يبدي أي رد فعل كان الآخر يضربه على رأسه بقوة جعلته يفقد الوعي على الفور، ثم انحنى ليحمل الحقيبة على كتفه، وتعاونا معًا على حمل عزت للسيارة التي تنتظرهما.

وصلا بعد قليل للمكان المنشود البعيد عن السكن البشري، تحديدًا في مخزن يملكه ظافر العبادي. بدأ عزت يستفيق ببطء سرعان ما تحول لهلع عارم حين أدرك أين هو ورأى أمامه ظافر العبادي الذي انحنى بهدوء وبطء ليفتح الحقيبة التي كانت بين يدي عزت، فصرخ عزت فيه مسرعًا: –سيب شنطتي يا حرامي، أنت هتعمل إيه وعايز مني إيه؟ تأكد شك ظافر حين رأى بها الأموال، فرفع عينيه نحوه وسأله بهسيس خافت ولكنه حاد كطرف شفرة:

–دي الفلوس اللي جبضتها عشان تجتل جدي؟ فسارع الآخر بهز رأسه نفيًا وهو يردد بتلعثم: –جـدك؟ أنا ماعرفش إيه اللي أنت بتجوله ده وماعرفش حاجة عن جـدك ولا ليا دعوة بيه أصلًا. عاجلته لكمة عنيفة من الرجل الواقف جواره كتنبيه صغير جدًا لوقف الكذب. بصق الدماء من فمه وهو يغمغم بنبرة أرادها حادة مهددة: –هتندم والله هتندم على اللي بتعمله ده، أنت مفكر نفسك مين؟ أنا دكتور كد الدنيا والدنيا هتتجلب عليك لما يعرفوا اللي أنت عملته ده.

ضحك ظافر بسخرية وبهدوء مخيف فعليًا كان يسأله: –أنت جايب الثقة دي منين إنك هتخرج من هنا أصلًا؟ ثم اقترب منه ببطء قاصدًا إثارة الرعب في نفسه المرتعدة أصلًا، ثم قرب وجهه منه وقال من بين أسنانه بوعيد مزلزل: –أنا هادفنك هنا ومش هيلاقوا ليك قبر حتى يزوروك فيه يا بن الكلب يا **** يا مجرم، عشان ماتفركش تيجي جنب أسيادك تاني. راح يدافع عن نفسه بذعر: –صدقني أنا ماعملتهوش حاجة، والله ما عملتله حاجة.

تلقى لكمة جديدة أعنف من سابقتها، ثم جذبه ظافر من رقبته نحوه بعنف متعمد وهو يزمجر فيه: –برضو مصمم على الكدب؟ امال إيه الحجنة اللي خدها واتجرأت وهددت مرتي بيها؟ ودي لسه حسابها حاجة تانية. ما أن استدرك عما يتحدث حتى قال بلهفة صادقة هذه المرة: –كنت بخوفها بس والله عشان تسكت، لكن هو ماخدش أي حاجة مضرة بدليل إنه لسه كويس لحد دلوقتي، أنا كنت عايز أكسب وقت بس لحد ما أخد فلوسي.

كلماته التي ظن أنه يُبرئ نفسه بها أشعلت فتيل الغضب الذي كان ظافر يكتمه بإرادة حديدية، فانقض عليه يضربه بعشوائية في جسده في أي مكان تقع عليه يده وهو يصيح فيه بشراسة: –فلوسك على حساب حياة جدي يا ****، حشرة زيك عايزة تجتل جدي؟ غمغم لاهثًا بألم من بين تأوهاته المتألمة: –أنا ماعملتش حاجة، والله ما عملت حاجة، أنا اديتها الدوا "الدواء" بس. توقف ظافر لاهثًا يلتقط أنفاسه، ثم سأله بحروف شديدة اللهجة مخيفة لا تقبل الجدال:

–هي مين؟ مين اللي خد منك الدوا ده وبدل دوا جدي؟ ابتلع عزت ريقه بصعوبة ثم نطق بصوت شاحب: –راوية مرت عمك. أجفلت ملامح ظافر وكلماته تدوي كالقنبلة بعقله دون أن يجد القدرة على استيعابها؛ انتابه الشك تجاهها كثيرًا وهو يفكر من الممكن أن يفعل ذلك، ولكنه كان في كل مرة يطرد شكه خارج جدران عقله مرددًا لنفسه أنها تكرهه هو ولا تطيق وجوده ولكن جده لا، لن يصل الأمر لقتل جده، فلماذا تقتله أصلًا وهي تعيش بمنزله وأمواله هانئة؟

استعاد السيطرة على بقاع ملامحه سريعًا لتعود ضبابية محاطة بألسنة النيران وهو يأمر الرجلين: –أدبوه وبعدين اطلعوا بيه على البوليس بالفيديو اللي صورتوه له دلوقتي. ثم غادر كالعاصفة تاركًا خلفه عزت الذي أخذ ينوح على انهيار حياته وأحلامه وكل ما كان يطمح له. *** وصل لبيتهم كالعاصفة التي على أتم استعداد لتقتلع كل ما يقابلها، كان صوته يزلزل أرجاء البيت وهو يصرخ مناديًا وحالة من الجنون تنتابه: –راوية يا راوية، أنتي فيين؟

أتى على صوته عمه وخلفه زوجته راوية، ثم راح يعنفه بحدة وصرامة: –إيه في؟ وطّي صوتك، ومن أنتي وهي اسمها راوية بس يا ابن أخويا يا محترم؟ هدر بصوت غليظ دون أن يهتز له رمش: –من النهارده، وأنا عشان ابن أخوك ومحترم مش عايز أقول أسوأ من كده. تدخلت راوية تسأله بملامح ممتعضة ونبرة أجشة: –إيه في؟ عامل دوشة ليه خير إن شاء الله؟ ولا هو خلاص اللي كان حاكمك ومخلي صوتك واطي مش موجود.

اقترب منهما ببطء وهو يهز رأسه متسائلًا بابتسامة خالية من المرح ولهجة ذات مغزى: –آه، تقصد جدي اللي أنتي كنتي عايزة تجتليه؟ بلحظة هُدمت صلابتها لتبقى فقط أنقاض ملامحها التي تهاوى فوقها رعبها، وراحت تغمغم بفزع مبطن: –أجتله؟ إيه اللي أنت بتجوله ده أنت اتجننت ياك؟ فيما هدر فيه عمه هو الآخر بعينين متسعتين ذاهلتين: –ظافر!!

–أنا اتجننت صح لما ماعرفتش من أول دقيقة إن أنتي اللي بدلتي العلاج بتاعه، أنتي الحية اللي قاعدة وسطنا عشان تلدغنا من غير ما نحس بيها. زمجر فيها بشراسة كالليث، فانكمشت ملامحها تلقائيًا قبل أن يعلو صوتها في مواجهته: –احترم نفسك يا قليل الرباية، أنت شكلك خلاص مبقتش تستوعب أنت بتجول عليه وعايز تلزق فيا أي مصيبة وخلاص، أنا مستحيل أعمل كده في عمي. قال عمه بخشونة يحذره بنبرة عصفت بها الغضب:

–لو طلع في الآخر اتهامك ده في الهوا يا ظافر، صدقني هتشوف مني وش تاني مش هيعجبك والمرادي أنا هوقفلك لإن دي مرتي، يعني مرت عمك لو نسيت، يعني سمعتها من سمعتي. هز ظافر رأسه بلا مبالاة ثم أردف بنبرة ذات مغزى: –صدقني أو ماتصدقنيش يا عمي، كده كده أنا بلغت البوليس وفي فيديو للدكتور وهو بيعترف إن هي اللي عملت كده. ضربت راوية صدرها بهلع وهي تردد بعدم تصديق وفزع: –إيه! بلغت البوليس!؟ بلغت عن مرت عمك يا ظافر؟

رمقها ظافر بنظرات تقطر اشمئزازًا، فيما استدار نحوها عمه الذي كان مبهوتًا أمام ملامحها التي حكت فزعها وعدم نفيها واللذان لا معنى لهما سوى شيء واحد؛ أن ظافر مُحق! في حركة غير متوقعة كانت صفعة عنيفة تسقط على وجنتها حتى أوقعتها أرضًا، ثم جذبها من حجابها بعنف صارخًا فيها بعدم تصديق: –عايزة تموتي أبويا يا راوية؟ أبويا أنا اللي كنتي عايشة في بيته وخيره يا بنت الكلب يا فاجرة.

ثم توالت الصفعات على وجهها وسط صراخها وبكائها وهي تحاول الدفاع عن نفسها وهي تهذي: –عملت كده عشانك، عشان تاخد حقك في فلوسه وخيره ده بدل ما أنت عايش مجرد ظل لابن أخوك. ولم يكلف ظافر نفسه عناء إبعاده عنها أو النطق بحرف، فربما يُشفي قليلًا من غليله بضربها كما لم يستطع هو أن يفعل، ثم غادر بكل هدوء ونفس راضية، وأخر ما سمعه كان صراخ عمه الجريح: –أنتي طالق، طالق طالق بالتلاتة، خليكي تعفني في السجن يا ****. بعد فترة…

عاد أيوب لمنزله بخطى بطيئة مُثقلة.. وبقلب جريح مُحاط بضباب غليظ كونته مشاعر شتى من الألم.. الارتياح.. والندم! طرق باب منزله ببطء لتفتح له غرام الباب، وما أن ترآى لها وجه الشاحب حتى استعلمت بتوجس: –إيه في يا أيوب؟ مالك؟ خرج صوته جاف خاوٍ من أي مشاعر: –أنا بلغت عن كامل إنه سرقني وحاول يقتلني وسلمت الفيديوهات اللي في الكاميرا و… صمت فسقط قلب غرام أرضًا وهي تسأله: –وإيه يا أيوب؟

طال صمته فأحست أن القادم كارثة لا محال، كارثة ستحل حتمًا فوق رأسها هي… كارثة متمثلة في كابوس تواجدها خلف القضبان متهمة بجريمة لم ترتكبها، ولكن ذلك لم يصدمها، أكثر ما أثار فزعها وصدمتها فعليًا هو أن أيوب يُعتبر من سلمها لهم على طبق من ذهب ليجدوا أخيرًا متهم في تلك القضية! ***

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...