وقفت نور أمامه، لم تفكر، لكنها شهقت عندما أحست بألم شديد. نظرت برعشة لترى ذلك الشيء الحاد مغروزاً فيها. محمود بزعر: نوووور... تدارك شريف ما فعله وسحب المطواة بسرعة وجرى بهلع. كل هذا حدث في أقل من دقيقة. نظرت نور إلى الجرح الذي ينزف ووضعت يدها عليه. رحلها محمود بسرعة وحوطها قبل أن تقع، ووضع يده على جرحها وقال بزعر عندما وجدها ستغلق عينيها: لا، لا تغمضي. ابقي معي، أنتِ كويسة. وشالها بسرعة وجرى بها على سيارته.
نهى بزعر: استنى يا محمود. وراحت وراءه بسرعة. حط محمود نور على الكنبة التي بالخلف ونظر إليها، وكانت تبص له بخمول. محمود بخوف: هتبقي كويسة، متخافيش. أنا جنبك. يلا يا ماما اقعدي جنبها وخلي عينيكِ متتغمضش. وأعطاها علبة المناديل، وطلع منها كذا واحد وقال: واضغطي على الجرح بالمناديل دي.
كان محمود يتكلم كأنه خارج من حرب، يلهث جامد وكأن أنفاسه ذاهبة ولا يعرف أن يأخذها، لكنه وضع في دماغه أنه لازم ميضعفش، لازم يتصرف، لازم يلحقها. جلست نهى بجانبها. ركب هو في الأمام وشغل العربية وتحرك بسرعة لدرجة أن عجلات العربية عملت صوت. اتجه للمستشفى. وسليمان كان لا يزال واقفاً مكانه، يحدق بهدوء تجاه مكان سيارة محمود التي تحركت. وبعدها نظر إلى مكان كراسي الضيوف، وجدها فارغة، والمأذون مشى.
اتجه بكل هدوء لسيارته، وطلع وراهم. في السيارة التي كان فيها مدحت، كانت صفية تحتضن ابنتها التي كانت تبكي، لكن رعشتها كانت غريبة. صفية بقلق: مالك يا بنتي؟ اهدي. يا مدحت، البنت بترتعش جامد أوي، دا مش طبيعي. مدحت بخوف قال للسفر: خلاص، اطلع بينا على مستشفى قريبة بسرعة. ولكن فجأة، وقف السفر في نصف الطريق. بصله مدحت باستغراب وقال: وقفت ليه يا بني؟
وفجأة دخل رجلان ضخما البنية، واحد من ناحية سهى وواحد من ناحية صفية، ورفعوا عليهم المسدسات. صفية احتضنت ابنتها التي كانت تتنفض. مدحت بزعر: في إيه؟ السفر بهدوء مريب: صوتك دا مش عايز أسمعه لغاية ما نوصل، وإلا هتخسر أحب ما عندك. وبعدها تحرك بالسفرة بهدوء تجاه المجهول. وعند محمود، وقف أمام المستشفى. فتح باب السيارة واتجه للخلف. نهى بزعر: نور يا نور، افتحي عينك يا بنتي. فتح محمود الباب وشالها بسرعة، وكان وراه نهى.
دخل محمود وهو شايل نور بزعر، وزعق وقال للاستقبال: بسرررعة. تحرك الاستقبال وجابوا سرير. حطها محمود عليه ومسك إيدها. واتحرك معاها هو ونهى لأوضة الطوارئ. وأول ما وقفوا قدام الطوارئ، وكان محمود ماسك إيد نور وبيشد عليها جامد لأن إيدها كانت باردة. ولم يسمع كلام الدكتور وهو يقول بتوتر وسرعة: سيب إيدها يا بني. نهى تحاول تتمالك خوفها: سيب إيدها يا ابني، خلي الدكتور يشوف شغله.
تدارك محمود الوضع، ساب إيدها، ودخلوا بيها بسرعة للطوارئ، وقفلوا الباب. محمود بص على إيده اللي كان فيها دم نور، وهنا كانت إيده بترتعش من غير ما يحس. حاسس إن روحه مش معاه، حاسس إنه تايه، مش حاسس بحد، مش سامع حد. الشيء الوحيد اللي مركز عليه بعينه هو باب الأوضة اللي دخلوها فيها. وفجأة تكلم سليمان وقال: ها، الممثلة فاقت ولا لسه؟ عملت الحركتين دول عشان تقعد في البيت. بس أقسم بالله ما أحقق لها اللي في بالها.
نظرت له نهى باستنكار وغضب، وراحت له، مسكته من ياقة قميصه وقالت: أنت إيه يا أخي؟ إيه مبتحسش؟ مش كفاية اللي عملتوه فيها؟ لولا النهاردة كنت انت اللي هتبقى واقف هنا وبتستنى تتطمن على ابنك. دي ضحت بحياتها عشانه، ومفكرتش إيه... فوق بقى من اللي بتعمله ده، البت ملهاش ذنب في حاجة، أخويا اللي عمل، مش هي. فوق. بعد
سليمان إيدها بعنف وقال: لو مكنتش أختي حامل فيها، مكنش جالها نزيف وماتت. أختي ماتت بسببها. اللي حصل فيها دا دلوقتي عقاب على اللي عملته زمان. يارب تموت زي ما... وقبل ما يكمل كلامه، كان محمود ضرب الحيطة اللي جنبه بعنف. نهى بخوف: محمود. وقف محمود قدام سليمان بغضب، وشد على صوابعه في راحة إيده جامد عشان ما يتهورش، دا مهما كان أبوه. ورفع نظره، وكانت عينه حمرا من الغضب، وأنفاسه سريعة،
وقال لسليمان: يعني دلوقتي لو حصل حاجة لنور جوه، أقتلك أنت صح؟ مع إن شريف اللي قتلها، لكن... أصلك دعيت عليها دلوقتي. ها، اتكلم. أنا مش هعاقب شريف اللي شفته قتلها، لا، أنا هعاقبك أنت عشان دعيت عليها، مش دا مبدأك بردو؟ وبعدها قال بزعيق: نور اللي كانت لسه حتة لحمة حمرا هي اللي قتلت أختك، مش كدا؟ خلاص، يبقى أنا هبلغ عنك وأقول إنك أنت اللي قتلتها. أنا مستعد دلوقتي. نهى بصدمة
وقالت وعنيها فيها الدموع: ده أبوك يا محمود، أبوك. سليمان بصدمة: أنت عايز تدخل أبوك السجن ظلم يا ابني عشان البنت دي؟ وقف محمود قدامه بغضب وقال: وظلم ليه؟ أنا بحملك ذنب كل اللي حصل لها. مش أنت اللي جبت شريف؟ يبقى أنت اللي قتلتها. مش خالي يبقى قتل عمتي، وأنت محمل نور الذنب أهو. أنا دلوقتي بحملك الذنب. يا سليمان. وهنا، خد محمود قلم جامد من سليمان. جاب وشه الناحية التانية. شهقت نهى.
سليمان قال بحسرة: يا خسارة تربيتي فيك يا أخي، يا خسارة. ربيتك عشان تكون سندي ليا في الدنيا، لكن لا، دا أنت عايز تدخلني السجن؟ يا خسارة بجد. لا أنت ابني ولا أعرفك. نهى بزعيق وعصبية: طلقني يا أخي، طلقني. مبقتش طايقة أعيش معاك يوم تاني بعد النهارده. بصلها سليمان ببرود وقال: أنتِ... طالق. بصت له نهى بصدمة إنه خرجها بالسرعة دي، لكن اللي صدمها أكتر لما كمل ببرود: بالثلاثة. أنتِ طالق بالثلاثة.
شد محمود على صوابعه في راحة إيده جامد، وبص لسليمان وقال بحدة: وأنت بعد اللحظة دي، لا أنت أبويا ولا أنا أعرفك. وأمي دي مش هتحتاج منك حاجة طول ما أنا عايش. بص سليمان ليه وحاول تكون نظرته باردة وهادية، لكنه مقدرش. عيونه دمعت وغلبته. محمود ده بالنسبة لأبوه روحه، بعد أخته اللي ماتت، ميقدرش على إنه يبعد عنه. لكنه تمالك نفسه وقال: ولا أنا عايز أشوف وشك، وشها تاني.
واتجه لبرا، ومشي تحت نظرات محمود اللي مهما حاول يخبي الحزن فيها مش هيعرف. وبص على أمه اللي بتعيط وبتحاول متخرجش شهقتها. راح حضنها جامد، ومسح على شعرها. ورغم الحزن اللي فيه والتعب، وإنه بجد كان محتاج حد في اللحظة دي يحضنه ويخرج له اللي حاسس بيه، ال إنه تماسك وقال لأمه بأسلوب حنين: عيطي يا أمي، أنا جنبك، مش هسيبك. عيطي. وهنا مقدرتش نهى وانهارت جامد، وشدت على قميص محمود. ومحمود حضنها أكتر، وقعد يمسح على شعرها ويواسيها.
وفي اللحظة دي، سمع محمود صوت باب غرفة العمليات وهو بيفتح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!