كان الدكتور قيس واقفًا، يرتدي ملابس العملية، لكنه لم يكن قادرًا على دخول الغرفة. دقات قلبه تسارعت بشكل كبير عندما رأى ريناد محاطة بعدد من الأجهزة. أخذ نفسًا عميقًا ومسح وجهه بيده. "دكتور... إنت مش حتنزل؟ لم يسمع الدكتور قيس كلام عمر، لأنه لم يكن مركزًا معه. طوال وقوفه، كانت صورة فتاة واحدة تقف في مخيلته، صورة زوجته -ليال. "دكتور قيس... إنت كويس؟ صحي قيس من غفلته على صوت عمر. نظر إلى عمر كثيرًا،
ثم تراجع عدة خطوات وقال: "أنا مش حأعمل العملية دي للبنت، حاكون أناني عشان أنا حأنقذ الطفل ومش حاأنقذ أمه." "بس يا دكتور... قاطعه قيس بعدما خلع ملابس العملية ورماها على الأرض. كان خارجًا من هناك، لكن عمر كان في وجهه. نظر إليه كثيرًا، والطريقة التي كان يضغط بها على بنطلونه. لحقه الدكتور عمر ووقف في طريقه. "دكتور قيس، في إيه؟ "أنا قلت إني مش حأقدر أعمل العملية دي. دكتورة مريم ممكن تعملي العملية بدالي."
الشخص الذي كان يقف في وجهي ويمنعني من الدخول إلى العملية الساعة الواحدة الآن، يريدني أن أعمل عملية لشخص كان السبب في الحادث بتاعه. ابتعدت عن طريقه وتركته يخرج من الغرفة. قرب مني عمر ومسك يدي وقال: "إنت مش جراحة يا مريم، ومش حتقدري تعملي العملية دي. العملية لازمها دكتور عنده خبرة زي الدكتور قيس، بس هو رفض يعملها." "أنا حأعملها. الدكتور قيس طلب مني كده، وحأنقذ الست اللي اسمها ريناد وابنها."
لم أترك الفرصة ليرد عليّ عمر، وذهبت وأخذت الملابس من الدولاب. لبستها بسرعة ونزلت للطابق الذي كانت فيه العملية. كنت مترددة لدخولها، لكن في النهاية دخلت، والكل نظر إليّ. "كان النبض ضعيف قوي، وفي نزيف حاد عندها." "عندها الحوض انكسر ونزيف في الرحم، وممكن ينفجر في أي لحظة... إحنا لازم ننقذ الطفل الأول... جهاز الصدمات الكهربائية جهزوه." "هي عندها مضاعفات كمان يا دكتورة؟
الحالة التي وصلت لها ريناد خطيرة جدًا، بس أنا وعدت نفسي إني مش حأخليها وابنها يموتوا. ابتلعت ريقي وبدأت أعمل لها العملية. "عرقت جامد في العملية الأولى دي، وتمنيت للحظة لو أني ما عملتش الحادثة ولا خبطتها بالعربية." نظرت للأعلى، وجدت الدكتور قيس واقفًا وهو واضع يديه وراء ظهره، يتابع كل شيء من الشباك. "النبض ضعيف يا دكتورة." "فين المقص؟
جابت لي الممرضة المقص وقطعت الحبل السري، بس دي كانت أكبر غلطة عملتها. بمجرد ما قطعته، نبضها وقف. "مديت الولد للممرضة." "لأ... ده مستحيل يحصل." أخذت جهاز الصدمات الكهربائية وبدأت أعمل لها الإنعاش. كل مرة بزوده، بس ده مجابش أي فايدة. دموعي نزلت من عيني. يعني في أول يوم ليا في الشغل، كنت السبب في موت شخص، والأسوأ من كل ده إنه الشخص ده قريب مني كتير.
نظر الممرضين لبعضهم وكانوا سيخرجون، بس لقوني قاعدة فوق السرير وأنا أضرب قلبها بقوة. "معندكش حق تموتي... أنا آسفة بجد، بس مش عاوزة أخسر شخص تاني من عيلتي." "دكتورة مريم... خيطي الجرح." كان ده صوت الدكتور قيس، اللي صحاني من شرودي. كل واحد فيهم رجع مكانه. نظرت إلى الشاشة، ولقيت إن النبض بدأ يرجع لها. ما كنتش مصدقة إني عملتها وأنقذت حياتها وحياة ابنها. نزلت من السرير وخيطت الجرح.
بعد مدة، خرجت من غرفة العمليات وأنا أحمد ربنا على اللي حصل. نظرت إلى هدومي، لقيتها كلها دم، بس ما اهتمتش للأمر ده كتير. كنت رايحة أشوف بابا، بس لقيت الدكتور قيس واقف قدامي. "أنقذت الأم وابنها... مبروك على نجاح أول عملية." نظرت إليه بتوتر، ودخلت يدي في جيوب المريول بتاعي. ابتسمت وهزيت رأسي، وكأني بشكره بالطريقة دي. بس وقفت مكاني من جديد لما قال: "عارفة أنا رفضت أعمل العملية دي ليه؟ "لأ."
كنت مستنية إجابته، بس هو أخذ نفسًا عميقًا ورد عليّ: "كان ممكن أعمل زيك وأطلع على سريرها وأجس نبضها من جديد، بس أنا لأ. ما عملتش كده. بمجرد ما شفت اللي كنت عاوزه، طلعت من الأوضة وسبتها تموت." "مين دي؟ "مش مهم." سيبني وراه وأنا بفكر في كلامه. سابها تموت وطلع بعد ما شاف اللي كان عاوزه. بس هو كان عايز إيه؟ ومين الشخص ده أصلًا؟ طردت كل الأفكار من دماغي ونزلت عند بابا. أحمد لسه قاعد قدام الباب. ابتسمت وقلت
بعد ما بقيت واقفة قدامه: "فين زين؟ "راح يشوف ابنه ومراته." أخذت نفسًا عميقًا ودفنت وشي بين إيدي. "أنا السبب في كل حاجة... اللي حصل لمراته كان بسببي. حوضها مكسور والرحم بتاعها اتضرر كتير، وبنسبة كبيرة هي مش حتقدر تخلف تاني." "المهم إنك أنقذتها. بس زين قالي إنه اختار مراته، والخلفة ربنا حيعوض إن شاء الله...
إنت أنقذتيهم يا مريم، وعشان كده إنت لازم تكوني فخورة بنفسك. عملتي حاجة أكبر الدكاترة الموجودين هنا مقدروش يعملوها." "بس ليه؟ "مكنتش عاوزة أخسر أخ تاني ليا يا أحمد."
فتحت باب أوضة الباب ودخلت عنده، لقيته نايم على السرير. كل اللي حصل معاه كان بسبب ياسين وشمّه للمخدرات. رحت ناحيته وقعدت جنبه على السرير وأنا ببص له بدموع. اليوم اللي مات فيه أخويا ياسين، اتولد فيه شخص تاني من العيلة. مسكت إيد بابا وبستها زي ما كنت بعمل وأنا صغيرة. كل حاجة بعملها، عاوزة فيها رضاه.
"في اليوم ده، مفيش حاجة كويسة في حياتي يا بابا. عرفت إن أخويا شمّام، وهو السبب في دخول بنت ملهاش ذنب للمستشفى، والسبب في إدمانها وبعدها موته. كله نكد من شلل، والحادثة اللي عملتها وكانت حتوديني في داهية، بس الحمد لله على كل حاجة." بعد إيده عني وقعدت على الكنبة الموجودة في أوضته. وقفت من مكاني لما فتح الدكتور الباب ودخل عندنا وهو ماسك أوراق بابا بين إيديه. "دكتورة مريم...
اتفضل أوراق أبوك، ممكن تطلعه دلوقتي وتأخذه البيت." "طيب تمام، وشكرا يا دكتور." دخل الممرضين عندنا وحطوا بابا على كرسي متحرك. أحمد كان بيدفع الكرسي وأنا كنت وراه. "أحمد خد بابا للعربية وأنا جاية." "ما تتأخريش."
رغم أني رفضت الجواز من أحمد، بس هو بيساعدني في كل حاجة، لدرجة إني فكرت أبدأ حياتي معاه من جديد، وده كان قراري. طلعت الطابق الثاني ورحت الأوضة اللي نقلوا ريناد فيها. دخلت عندها، لقيت زين قاعد معاها وهو ماسك إيدها، والسرير اللي عليه البيبي قدامهم. "أنا آسفة بجد، كل اللي حصل معاك بسببي. أنا كنت عاوزة أ... قاطعني زين لما وقف:
"أنا كنت عاوز أخلي الشخص اللي تسبب في حادثة ريناد يطلع ريحته جوه السجن، بس مش عارف أنا حأعمل ده إزاي. وإنتِ أختي اللي طول الوقت كنت براقبها عشان أحميها من أعداء أبونا، وهو كان طالب مني ده يا مريم... إني أراقبك بكل حركة تعمليها." أخذت نفسًا عميقًا ومديت إيديا ناحيته. "لو كنت عايز تدخّلني السجن، فهو شغلك، بس أنا والله آسفة، وما كانش قصدي أخبط مراتك بالعربية." قالت ريناد بخفوت: "زين...
أنا كان ممكن أموت وأنا بالعملية، بس هي أنقذتني، عشان كده متدخلهاش السجن. لو عملت كده، أنا مش حأسمحك." نزلت رأسي وكنت حأعيط زي ما أنا متعودة. بس زين سحبني ناحيته وحضني وهو بيطبطب على ضهري. كان ياسين يعملي كده دايما لما يحس إني زعلانة، ودلوقتي زين. ممكن ربنا عوضني بأخ تاني وراجل تاني أحسن من عمر. "أنا حرجع البيت." "باعد زين عني وقال: ريناد حتبات هنا." "أيوة... لو في حد من عيلتها موجود، ممكن تبعتوا يقعد معاها يا زين."
نظر زين لريناد بطرف عين وقال: "ريناد ملهاش حد غيري يا مريم، هي يتيمة بس... قاطعته بعد ما طلعت تليفوني من المريول بتاعي. "ممكن تروح شغلك وأنا حأتصل بصاحبتي وحتّي تبات معاها... متخافش، دي زي أختي وأنا واثقة إنها حتقدر تهتم بيها. عليك العافية."
اتصلت بنور وقلتلها إنها لازم تيجي المستشفى عشان تبات مع بنت أعرفها، وهي وافقت. وبكرة إن شاء الله حأقولها على كل حاجة. طلعت من المستشفى، لقيت عربية أحمد لسه مستنياني. رحت ركبت جنبه وهو ساق. *** "بابا، هو يعني إيه متلازمة داون؟ قالها هشام وهو قاعد في حضن قيس. بص له قيس بطرف عين ومسك وشه بين إيديه. "متلازمة إيه يا هشام؟ "متلازمة داون يا بابا." وقف قيس مكانه بعدما نزل هشام من حضنه: "أم عبده... أم عبده... إنت فين؟
طلعت أم عبده من الأوضة وهي بتمشي على أطراف صوابع رجليها، وراحت ناحيته بخوف. "في إيه يا دكتور قيس؟ "مين قال لهشام عن متلازمة داون؟ "ماعرفش يا دكتور... اسأله." مسح وشه بإيده عشان يكتم غضبه، ونزل لمستوى هشام: "هشام حبيبي... إنت مين قالك عن متلازمة داون؟ "اللي معايا في الحضانة قالوا إن عندي متلازمة داون، وكلهم ضحكوا عليا يا بابا... أنا مش عاوز أرجع للحضانة تاني، أرجوك يا بابا خدني معاك." "قيس
بنفاذ صبر: هما قالوا إيه كمان؟ نزل هشام رأسه تحت ورد عليه: "قالوا لأولادهم متلعبوش مع الولد ده عشان هو وحش." وقف قيس من جديد والغضب كان مسيطر عليه: "أم عبده... طلعي هشام أوضته ونيميه، ومن بكرة مش هيروح تاني للحضانة، فاهمة؟ هزت رأسها بخوف وحملت هشام بين إيديها وطلعته أوضته. قيس قعد على الكنبة ودفن رأسه بين إيديه. عدى شوية وقت وهو بنفس الحالة، بس بعد إيديه عن وشه لما قعدت أم عبده في الكنبة التانية. "دكتور قيس...
أحضرلك العشاء؟ "لأ... شكرا." "أنا عارفة إن الكلام اللي حا أقولهولك دلوقتي حا يزعلك يا دكتور، بس ممكن تسمع مني، مش أنا زي أمك." "في إيه؟ اتنهدت بقوة وقالت: "الصراحة يا دكتور قيس، إنت مش بتهتم خالص بولادك وهما محتاجينك في الوقت ده. كل صحاب هشام لما يطلعوا من الحضانة يلاقوا أبوهم أو أمهم مستنينهم قدام الباب، بس هو بيلاقي السواق...
وأسيل من يوم ما اتولدت ما طلعتش عندها تشوفها من الموبايل، ولما تتكلم معايا مكالمة فيديو بس. يا دكتور... هشام وأسيل منك وهما محتاجين حنانك، وإنت ما شاء الله دكتور قد الدنيا، بس لازم تخصص وقت لهم." قام قيس من مكانه ورد عليها: "أعمل إيه مثلا... أنا مدير المستشفى يا أم عبده ولازم أبقى هناك كل يوم و... قاطعته لما قالت: "تتجوز...
جيبلهم أم تهتم بيهم وتراعيهم. هشام حاسس بالوحدة وكلهم بعدوا عنه لما عرفوا إنه عنده متلازمة داون، وأسيل لسه صغيرة." "اليوم اللي ماتت فيه ليال، اتولدت فيه أسيل... أنا حرمت أسيل من أمها، فإزاي عاوزني أطلع أوضتها؟ "أنا قلت لك يا ابني اتجوز... لما تتجوز هما مش حيحسوا بغيابك كتير عشان كل الوقت حتكون معاهم مراتك... فاهم قصدي مش كده يا دكتور؟ قيس هز رأسه وغمض عينيه:
"كان ممكن أنقذ ليال، بس أنا كنت أناني وغبي لما ما عملتش كده... خبطتها في الأول بعربيتي وقتلتها، كان لازم ياخدوا مني الشهادة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!