استقرت راحت يدها على صدره، لتدفعه بعيدًا بضعف، لكنها كانت إشارة كافية لينتبه إلى قسمات وجهها النافرة من قربه. فأصبح ينقل حدقتيه بين وجهها ويدها بنظرات قاتمة، وقد احتدت ملامحه. فتعجلت «غرام» قائلة بخوف: _بلاش تفهمني غلط. ابتعد عنها قائلًا بغيظ: _خلاص فهميني الصح؟ منحتها ابتسامة متكلفة، وتحاملت على نفسها عندما لامست خده بأناملها، وأوضحت الأمر قائلة:
_أنت عارف إني بحبك يا «مالك»، بس الحقيقة إن أنا حاليًا مش مستعدة لخطوة زي دي. نفسيتي مش أحسن حاجة، فخلينا نأجل الموضوع دا شوية، لأن أنا بجد مش كويسة خالص بسبب فراق بابا و ماما. أشاح بوجهه بعيدًا عنها، وأغمض عينيه في حركة سريعة، ساعيًا لكبح غضبه عنها، ثم التفت ناظرًا إليها وقد ارتخت ملامحه العابسة، وقال: _مفيش مشكلة يا حبيبتي، ارتاحي إنت دلوقت و أنا شوية و راجع.
قامت «غرام» باستدعاء «عبير» إلى غرفتها بعدما تأكدت من ذهاب «مالك» إلى عمله، فكانت تحرك قدميها بتردد لشعورها بملل الانتظار. وأخيرًا جاءت إليها الخادمة، فطلبت منها التأكد أن الباب محكم الإغلاق. وأشارت إليها لتجاورها على الأريكة، وبادرت قائلة بترقب: _أقدر أثق فيكي ويفضل الكلام اللي هقوله ده سر بينا ميعرفش بيه مخلوق؟ ردت عليها «عبير» بنبرة صادقة:
_طبعًا يا دكتورة، أخدمك بروحي والله، دا أنتي جميلك اللي عملتيه مع رجاء أختي في ولادتها، يخلي أوامرك كلها مطاعة. _الأمر لله يا حبيبتي، بصي أنا عايزة منك خدمة صغيرة بس بالنسبة لي اكنك بتنقذي حياتي. ضيقت «عبير» حاجبيها باستغراب، وسألتها بفضول: _تحبي أعمل إيه عشانك؟ تحدثت «غرام» بصوت هامس وقالت: _الوقت اللي تلاقي فيه «سميرة» طالعة فوق تتصلي عليّ فورًا، ولما أكون مش موجودة تحت و«مالك» يرجع من الشغل بردو تتصلي عليّ......
بس لازم محدش منهم ياخد باله بكدا.......... تمام؟ _بس كدا! _أيوه، بس لازم تعرفي إن لو حد عرف بالكلام ده أنا هروح فيها، أنا اخترتك عشان بأثق فيكي، بلاش تكسري الثقة دي أرجوكي. ضربت «عبير» على عنقها وأقسمت بصدق: _والله العظيم يا دكتورة، أنا افديكي برقبتي، متقلقيش. _طيب اسمعي ساعديني دلوقت ناخد أكل من المطبخ من غير ما «سميرة» تاخد بالها.
_«سميرة» بتخرج كتير من البيت، تقدري تقولي كل يوم ممكن تخرج بتاع ساعتين كدا تروح تشوف أولادها و مامتها. فلو ينفع تستني عشر دقايق كدا هي كانت بتغير و أنا طالعة. عندما تقدمت خطوتها الأولى داخل غرفته، تسلل عطرها إلى أنفه فأغمض عينيه مستمتعًا بشعور الأمان الذي يجتاحه بتواجدها معه. وضعت أمامه الطعام وابتسمت قائلة: _عامل إيه يا «أحمد»؟ وحشتني؟
لم تكن تعني كلمتها الأخيرة بالمعنى الحرفي، ولكنها رغبت في منحه شعور الاهتمام، ليعلم أن هناك من يحبه ويريده بخير. فتح عينيه ناظرًا إليها، فلمعت عيناه بوميضٍ من اللهفة والعتاب، فاستندت بظهرها على الحائط وقالت: _أنا آسفة عشان مجتش الأيام اللي فاتت، بس كان عندي مشكلة. نظر إليها باهتمام؛ ينتظر تفسيرًا لكلماتها، فأكملت بصوت مختنق: _فاكر بابا «أحمد» اللي قولتلك عليه المرة اللي فاتت؟
لما خرجت من عندك يومها عرفت إنه مات هو و ماما. خانتها عيناها عندما فرت الدموع هاربةً على وجنتيها، فتفاجأت به يُزيل دموعها بأنامله النحيفة المرتجفة، وينطق بخفوت: _البقاء لله. لقد سمعت تلك الجملة من الجميع، لكنه جعلها مميزة، وكأنه طبطب على قلبها، فابتسمت بودٍ وقالت: _ونعم بالله. بدأت تطعمه كما فعلت في المرة السابقة، وقالت بحنان صادق: _كدا مبقاش عندي غير «أحمد» واحد، ومش هسمح لحد يؤذيه.
ظلت على هذا المنوال لمدة أسبوع كامل، اقتصرت في يومها على زيارتها لأحمد وإمداده بالغذاء نهارًا، وفي المساء تخلد مبكرًا إلى نومها كي تتحاشى زوجها، وتحافظ على المسافة والفتور بينهما. جاءت إليها «منى» لزيارتها في بداية الأسبوع الجديد، ففضلت «غرام» أن تأخذها إلى غرفتها بعيدًا عن «مالك» الذي يشاهد المباراة في حجرة الجلوس. بادرت «منى» بنبرة جادة: _مستعدة تسمعي الكلام اللي هقوله؟ هزت «غرام» رأسها وقالت باستعجال:
_قولي قولي، جاهزة أسمع أسوأ السيناريوهات، مفيش حاجة هتبقى أشد عليّ من موت أهلي. _أنا شفت تسجيل الكاميرات اللي في محل عم «عبد المجيد»، أمك رجعت البيت قبل ما المأذون يكتب الكتاب وكانت بعربية «مالك» والشاب اللي نزل معاها ده شغال في الحراسة اللي عندكم هنا. _وبعدين؟ _الغريب بقى إن والدك ظاهر في الكاميرا وهو بيعيط وبيجري داخل العمارة، وبعد والدك ما طلع بحاولي تلت ساعة الشاب اللي كان مع والدتك ده نزل......
يعني اعتقادي إن الشاب دا هو السبب في موتهم. أيدت «غرام» اعتقاد صديقتها وقالت: _وعمل كدا بطلب من «مالك». _خلينا نقدم شكوى، وسيبي البيت ده وتعالى معايا. اعترضت «غرام» قائلة: _مينفعش، لسه قاعدة هنا شوية، وموضوع الشكوى ده لا هيقدم ولا هيأخر، لأن «مالك» هيخرج منها زي الشعرة في العجينة. قالت «منى» باستنكار: _إزاي يا بنتي دي جريمة قتل! تلوى ثغرها ببسمة ساخرة وقالت:
_ببساطة جدًا الفيديو اللي بتقولي عليه ده مش دليل على إدانة «مالك»، وكمان مش دليل قوي ضد الشاب اللي ظاهر، ف خلينا نأجل الموضوع دا شوية، كدا كدا هجيب حق أهلي. حذرتها «منى» قائلة بقلق: _بلاش اللي في دماغك دا يا غرام، واضح إن «مالك» صعب وشخص وحشي مش هنعرف نلعب عليه. قالت «غرام» بغموض: _سبيها لله، عملتي الطلب التاني؟ تزامن رد «منى»، مع إخراجها مفتاحًا من حقيبتها فقالت:
_أهوه، طلعت نسخة زي اللي كانت مطبوعة على العجينة، أتمنى يكون الصنايعي عرف يعملها مظبوط. في تلك الأثناء، قاطعت «سميرة» متابعته للمباراة، عندما جاءت قائلة: _مستر «مالك» عايزة أقولك حاجة. رد عليها ونظره مثبت على شاشة العرض: _فيه إيه؟ أجابته قائلة بحيرة: _فيه حاجة غريبة بتحصل بخصوص «أحمد». ضيق ما بين حاجبيه سائلًا بترقب: _حاجة غريبة إزاي؟ أوضحت «سميرة» قائلة:
_دلوقتي أنا كنت بطلع كل يوم ساعة الصبح وساعة وش المغرب كدا أفكه عشان لو هيستخدم الحمام، وكنت بطلع عيش وحلاوة كل 3 أيام زي ما أنت قولت لي. _فين الغريب في كدا؟ _الغريب إنه الأول كان بيخلص الأكل اللي بطلعه، دلوقت مبقاش يقرب منه أصلا. قال «مالك» بحقدٍ دون اكتراث: _عنه ما أكل يا «سميرة»، خليه يموت ونخلص. _ما هو في حاجة كمان. _حاجة إيه؟ _الأسبوع الأخير ده بقيت أسيب الأكل بكميات معينة في التلاجة، وأجي تاني يوم ألاقيه ناقص.
هتف «مالك» بحدة خفيفة: _هو إحنا هنراقب الأكل؟ ما يمكن تكون «عبير» بتاكل أو «غرام» أو ممكن «غرام» بتأكل حد من الحرس.... فمش هقعد أدور مين أكل ومين لأ! _طب حاجة كمان. تنهد «مالك» بصبر أوشك على النفاذ وقال: _انجزي، لسه إيه؟ _طلعت امبارح لاقيت «أحمد» مفكوك مع إنّي متأكدة إني كنت قافلة السلاسل الحديد على إيده، وكمان قابلت الدكتورة نازلة من على السطح.
قطب حاحبيه مفكرًا، ثم هب واقفًا بوجه مكفهر، فقد استطاع ربط الخيوط ببعضها، فهدر بغضب مكتوم: _«غرام» فين؟؟ _مع دكتورة «منى» في الأوضة فوق. تخطاها «مالك»، صاعدًا إلى غرفته ناويًا الفتك بها، فقد نفذ صبره ولن يغفر لها بعد الآن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!