الفصل 9 | من 19 فصل

رواية نبضات قاتلة الفصل التاسع 9 - بقلم زينب محروس

المشاهدات
19
كلمة
1,550
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

حلت قيوده الحديدية، وقابلته في الجلوس واضعة بينهما الطعام، وقالت بابتسامة لطيفة: _يلا عشان تتغدى. كان يحرك رأسه وكأنه يتأكد بأنها قد فكت وثاقه، فاسترسلت "غرام" بحماس: _لاء استنى، الأول تقوم تغسل إيدك وبعدين تاكل. استوت على قدميها، ودنت منه قابضة على يده، فنظر إليها بتوجس، استشفته من عينيه، فطمأنته قائلة: _هنغسل إيدك بس، مش هأذيك. تحامل على نفسه، وقام معها، كانت خطواته مهزوزة مما جعلها ترفع ذراعه خلف رقبتها قائلة:

_تقدر تسند عليا. عادت به مجددًا ليبدأ تناول طعامه بيدٍ قد اعتادت الارتجاف، فأسقط ما حملته الملعقة من طعام، وكان هذا دافعًا لتستلم "غرام" زمام الأمور عندما شرعت في إطعامه، وهو يتابعها بعينيه، ولم يتناول شيئًا من يدها حتى فتحت فمها، كإشارة ليفعل مثلها. أزاحت الطعام جانبًا وناولته كأسًا من خليط الحليب بالكاكاو، ودعّمت كفه بيدها كي لا ينسكب الكأس، وبقيت على هذا الوضع حتى أنهى الكأس بأكمله.

وهنا استخدمت منديلًا ورقيًا لتنظف شاربه الذي افتعله الحليب، وسألته بفضولٍ واضح: _مقولتليش اسمك ايه؟ انتظرت لوهلة قبل أن تخرج الأحرف من بين شفتيه بصوت رجولي خافت: _"أحمد". اتسعت ابتسامتها، وقالت بنبرة صادقة الحنو: _دا أنت كدا هتبقى غالي عندي جدًا يا "أحمد"، عارف ليه؟ لم ينطق، فأوضحت قائلة: _عشان "أحمد" ده اسم بابا...... أنا اسمي غرام أحمد ذوالفقار.......

أنا دلوقت مضطرة أنزل بس مش عايزاك تخاف هرجع أزورك تاني، ومش عايزاك تزعل مني عشان لازم أقيدك بالسلاسل دي تاني عشان محدش يعرف إن أنا جيت هنا، وأنت كمان خلي الموضوع دا سر، اتفقنا؟ اكتفى "أحمد" بحركة تأكيدية من رأسه. ***

تنفست الصعداء عندما وجدت "سميرة" لم ترجع بعد، وبينما كانت في طريقها إلى حجرة الجلوس، جاءها اتصال من "منى" صديقتها التي طلبت منها القدوم إلى منزل عائلتها في الحال، وأغلقت المكالمة دون أن تسمع منها أي سؤال. استقبلتها "منى" أمام المبنى السكني لعائلتها، استغربت "غرام" من احمرار عينيها كمن كفت عن البكاء لتوها، وغامت ملامحها وسيطر عليها الأسى، فسألتها "غرام" بنبرة يشوبها القلق: _ايه اللي حصل يا "منى"؟

جبتيني على ملا وشي كدا ليه؟ وبعدين شكلك مش كويس إنت تعبانة؟ ابتعلت ريقها وكأنها تُعد أحبالها الصوتية للإجابة، فمهدت لها قائلة: _طبعًا إنت عارفة إن أمر الله نافذ لا محال. أومأت "غرام" وقالت: _ونعم بالله. أكملت "منى" قائلة: _وعارفة إن الأعمار بإيد ربنا. ران عليهما صمت ثقيل، أنهته "غرام" وقالت بأعين دامعة: _مين مات يا "منى"؟ بابا ولّا ماما؟ أردفت "منى" بصوتٍ خافت: _الاتنين.

وكأنها جاءت بدلو من الثلج وسكبته فوقها، فسرت في أوصالها قشعريرة مُمِضّة، جحظت عينيها، وسالت عبرات حارقة على خديها، وجعلت تضرب وجهها بكفيها وهي تنطق بحسرة وكَمد: _الاتنين يا "منى"! الاتنين! مرة واحدة كدا؟!! بكت صديقتها لأجلها، وسعت إلى تهدئتها قائلة: _اهدي يا غرام، قضاء ربنا. _ونعم بالله يا "منى"، بس دا الاتنين يا "منى"، ابويا وامي مرة واحدة يا مني! مفضلش منهم حد يواسيني حتى يا "منى"! الاتنين يا "منى"!!

طب مأخدونيش معاهم ليه يا "منى"؟ سابوني لمين يا "منى"؟ لمين؟!! امتدت يديّ "منى" لتواسيها، فأبعدتها "غرام" قائلة بحزم: _هما اللي لازم يردو عليا يا "منى" مش إنت، أنا هطلع أسألهم. ركضت إلى الشقة التى تحوي لحظاتها منذ الطفولة، وجدت جيرانها قد تجمعوا مصطفين أمام الباب كمن صنعوا ممرًا للعبور، فدلفت إلى الداخل لترى والديها مددين أرضًا وعلى كل منها ملاءة بيضاء. جثت على ركبتيها بينهما، وكشفت عن وجهيهما، ورددت

عليهما سؤالها المنكسر: _سيبتوني ليه، أعيش لمين أنا دلوقت، عمركم ما سافرتوا من غيري، ازاي تعملوها كدا في المرة اللي مفيهاش رجوع، ازاي تعملوا فيا كدا يا بابا، ردي عليا يا ماما، حد فيكم يرد أرجوكم، حد يرد عليا. دنا منها عجوز مسن ليعاتبها قائلًا: _مش كدا يا بنتي، وحدي الله، مينفعش الكلام اللي بتقوليه ده. شرعت إليه قائلة بصوت مبحوح: _كانوا كويسين امبارح يا عمو، و الله مكنش حد فيهم تعبان، ازاي يموتوا فجأة الاتنين.

ربت على كتفها قائلًا بحزن: _أنا فاهم ومقدر اللي انتي فيه يا بنتي، بس والدتك تقريبًا نسيت الغاز شغال فاتخنقوا. قطبت حاجبيها وأردفت بخفوت: _غاز! _أيوه يا بنتي غاز، أنا عديت على والدك عشان نصلي الفجر زي ما إحنا متعودين بس محدش رد على رن الجرس أو دق الباب، واستغربت جدًا إن والدك معداش عليّ في المحل قبل ما يروح شغله فقلقت وطلعت أسأل تاني في جية الدكتورة صاحبتك لاقيناهم كدا.

بقى معها "مالك" مرتديًا لثام الحزن، فكان بكاءه يُشعر الرآي بأنه شخصًا لن يجرؤ على قتل نملة، وهو من يقتل الروح البشرية دون أن يرفّ جفنه. صممت على أخذ العزاء في منزل والديها، ولازمتها "منى"، ولم تتركها لحظة واحدة في الأيام الثلاث الماضية. جلستا جنبًا إلى جنب على الأريكة، واحتوتها "منى" بذراعها، لتقطع الصمت السائد بسؤالها: _هما أهلك كانوا متعودين يسيبوا المفتاح في الباب من برا يا غرام؟ ردت عليها بصوت سمعته بصعوبة: _لاء.

تحدثت "منى" بشك: _مش عارفة المفروض أقول الكلام دا دلوقت ولا لاء، بس أنا حاسة الموضوع غريب. اعتدلت "غرام" في جلسته، فظهر وجهها الشاحب، وعينيها المنتفخة لكثرة البكاء: _حاجة غريبة ازاي؟ بينت "منى" ما تعنيه قائلة بجدية:

_لم جيت أنا و عم "عبد المجيد" يوم الوفاة كان المفتاح متساب في باب الشقة برا، وكمان لما دخلنا كانوا أهلك لسه بلبس كتب كتابك، يعني معتقدش والدتك لحقت تفتح الغاز، وأصلا الأنبوبة اللي كانت مفتوحة كانت الاحتياطية مش اللي متوصلة بالبوتاجاز، وعيون البوتاجاز كانت مقفولة...... الموضوع مش طبيعي. استنتجت "غرام" قائلة: _قصدك إن حد قاصد يموت بابا وماما؟ حركت "منى" كتفيها بحيرة:

_مش عارفة، بس بردو مش مقتنعة إنها مجرد حادث، ولو فعلاً حد قاصد يعمل كدا هيكون مين؟ أهلك كانوا كويسين مع كل معارفهم وعلى حد علمي مكنش حد بيكرههم...... ولا أنت ايه رأيك؟ تجاهلت "غرام" سؤالها الأخير، ونهضت قائلة: _هكلم "مالك" عشان يجي ياخدني البيت، وأنتي اتصلي على جوزك يجي ياخدك. بمرور الوقت، أغلقت "غرام" باب الشقة بإحكام، ونظرت إلى "منى" قائلة بغموض: _متنسيش اللي قولتلك عليه. _حاضر. ***

اتخذت موضعها على الفراش استعدادًا للنوم، فجاء إليها "مالك" جالسًا حذوها، وتبسم سائلًا: _عاملة ايه دلوقت يا حبيبتي؟ انبثقت ابتسامة واهنة من بين شفتيها وقالت: _أحسن الحمدلله. أرجع خصلتها المتمردة إلى خلف أذنها، واقترب منها ماحيًا تلك المسافة الفاصلة، فكانت أنفاسه الساخنة تلفح رقبتها، فاستشفت من نظراته الحانية، رغبته في إتمام زفافهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...