اندفع إلى غرفته كالثور الهائج دون دق الباب، و تشدق مردفًا بنبرة حازمة لا تقبل النقاش: _تقدري تمشي دلوقت يا دكتورة. تعجبت «منى» من حالته، فكانت عروقه بارزة، عينيه يتطاير منهما الشرر غضبًا، و قد اختنق الاحمرار في وجهه و كأنه جمر مشتعل. عندما رآها ثابتة في موضعها، صرخ بصوت مرتفع: _سمعتي قولت ايه؟؟
انتفضت «منى» و اعتراها الخوف، فأشارت إليها «غرام» بعينيها تحثها على المغادرة، فنهضت «منى» ، لتحرك قدميها بخطى متكاسلة تخشى على «غرام» من بطش «مالك» المتوحش. لم تمر ثانية على خروجها من الغرفة، حتى كان «مالك» قابضًا على عنق غرام، لينهرها قائلًا: _ايه اللي بيطلعك عند «أحمد» ؟ مش حذرتك أكتر من مرة متقربيش من سطح البيت؟ حصل و لا لاء.
كانت يده تشتد على عنقها، و بالرغم من محاولاتها في إزاحة يده إلا أنها فشلت، و ما زاد الأمر سوءًا هو إدراكها بمعرفته للأمر، مما جعلها ملجأ لخوفٍ عارم، قد ملأ قلبها و شل حواسها. مرت عليها لحظات ثقيلة، قبل أن تدرك أنها على وشك الهبوط في محطتها الأخيرة، لترتفع بإنضمامها نسبة الوفاة. فعادت تضرب ساعده بيدها الرقيقة، و أغرورقت عينيها بالدموع، لترمقه بنظرات متوسلة، فدفعها للوراء مبتعدًا عنها.
وقف يلتقط أنفاسه المتهدجة و كأنه يسابق الغضب، و يحدجها بنظراته الحادة، بينما هي كانت تسعل بشدة، و ارتفع معدل التنفس لديها. انتصبت على قدميها و اقتربت منه لتبرر فعلتها قائلةً بنبرة متقطعة: _أنا عملت كدا عشان، كنت خايفة عليك. افتر ثغره عن ابتسامة ساخرة، و أردف مستنكرًا: _دا على أساس ايه بقى؟ فاكرة نفسك بتكلمي عيل صغير!! صرخ في جملته الأخيرة، فحركت رأسها رفضًا، و تحدثت من بين شهقاتها:
_لاء أنت مش صغير، بس صدقني أنا بحبك و بثق فيك و الدليل على كدا إني مسألتش مين الشخص اللي فوق ده و لا أنت حابسه ليه، عارف ليه؟ عشان أنا بثق فيك و عارفة إن عمرك ما تعمل حاجة غلط، بس كمان لما عرفت إنك بتأكله كل تلت ايام مرة، خوفت يموت أو يحصله حاجة بسبب قلة الاكل و ساعتها أنت هتبقى في مشكلة، أنا ميهمنيش الشاب ده، بس أنت تهمني و خايفة عليك....
اقتنع بحديثها بعض الشيء و لكن ليس كليًا، فكان يطالعها بنظرات من الشك. فأكملت «غرام» و هي تمسك بيده: _«مالك» أنت عارف إني بحبك، بلاش تخلي سوء التفاهم ده يعمل بينا مشكلة يا «مالك»، أنا بحبك و الله. أبعدها عنه بعنفوان، و خرجت كلماته بصرامة: _الأهم من إنك تحبيني هو إنك تسمعي كلامي، المرة دي هكتفي بحبسك هنا في الأوضة كعقاب ليكي و شغلك اللي كان مفروض تنزليه من بكرا دا تنسيه. مسحت خديها بظهر كفيها، و أومأت قائلة بحنو و ندم:
_معنديش مشكلة يا «مالك»، أهم حاجة إنك تسامحني يا حبيبي، أنا متقبلة أي عقاب يا حبيبي. أغلق عليها الباب و احتفظ بالمفتاح في وحدة إدراج تستقر بين الغرف، و توجه إلى «أحمد» ليصب عليه ما تبقى من غضبه، فجعل يضربه بحزامه الجلدي بغضب و عنف، دون أن يحفل بآلامه و جسده الذي أصبح لوحة يُرسم عليها بفرشة التعذيب.
اكتفى من جلده عندما أصابه الألم في ذراعه، فألقى الحزام من يده، و جلس أمامه يلتقط أنفاسه، قبل أن يرمقه بنظرة تقيمية من رأسه إلى أخمص قدميه، ثم هدر بغضب تتخلله الغيرة: _نفسي أعرف بيحبوك على ايه؟ فيك ايه مميز عني عشان يبقوا كويسين معاك كدا؟ دا أنت لا جمال و لا حتى ذكاء، فيك ايه يتحب عني؟؟! كان «أحمد» صامتًا في البكاء، فاسترسل «مالك» صراخه قائلًا: _رد عليّ! بيحبوك عني ليه؟؟ تراخت نبرته و تغيرت تمامًا، ليتحول
من فهد مفترس إلى حمل وديع: _بس أنت المفروض تشكرني يا «أحمد»، عارف ليه؟ أشار بيده إلى مصدر الضوء قائلًا: _لأن لو أنا بتفرج على كاميرا المراقبة كل يوم مكنتش أنت هتعرف تاكل أكل حلو، ولا كنت لاقيت حد يودك أو يعبرك غير «سميرة» اللي كشفت مكرك و رغبتك إنك تسرق مني مراتي. انتصب «مالك» على قدميه واقفًا، فظهرت قامتها الفارعة، و تحرك ليقف مباشرة أسفل الضوء، ثم شرع برأسه ناظرًا لأعلى بأعين ضائقة:
_محدش واخد باله إن دلاية النور فيها كاميرا مراقبة بتصور كل حاجة ٣٦٠ درجة و بالصوت كمان، يعنى دبة النملة عندك هنا متسجلة. *** منع عنها الخروج من غرفتها و سلبها هاتفها الخلوي، و أكد على «عبير» أن تكتفى بعملها في المطبخ، فأصبحت «غرام» تحت مسؤولية «سميرة» التي تذهب إليها بالطعام يومياً إن لم يتواجد «مالك» في البيت.
قلة من الأيام و لم تستطع «غرام» البقاء على هذا الوضع، فأوقفت «سميرة» ذات مرة، بينما كانت تحضر إليها الطعام، و قالت برجاءٍ أجادت تصنعه: _ممكن اطلب منك طلب يا «سميرة» بعد إذنك؟ _طبعًا يا دكتورة، اتفضلي. _عايزة أشوف عبير، ينفع تخليها تيجي تقعد معايا شوية؟ ضيقت «سميرة» حاجبيها و قالت باستغراب: _عبير! اومأت «غرام» برأسها و أكدت: _أيوه عبير، عشان خاطري يا «سميرة»، أوعدك هما خمس دقايق بس. اعترضت «سميرة» قائلة:
_بس أستاذ «مالك» مانعها تطلع هنا، و مأكد عليّ محدش يقابلك غيري. _خمس دقايق بس يا «سميرة» و الله، و كدا كدا لو أنتي مقولتيش ل«مالك» هو مش هيعرف. تنهدت «سميرة» و قالت: _حاضر يا دكتورة، هنزل و ابعتها. ابتسمت غرام، و قالت: _طيب عايزة مساعدتك في حاجة كمان. _ايه؟ _عيد ميلاد «مالك» كمان يومين، عايزاكي تساعديني أعمل عشا رومانسي هنا في الأوضة. ردت عليها «سميرة» بترحاب: _مفيش مشكلة، شوفي انتي حابة نحضر ايه و أنا معاكي.
صفقت «غرام» بيديها، و رددت بحماس زائف: _حيث كدا بقى لما تبقى فاضية عرفيني اكتبلك شوية طلبات تجبيهم أو تخلي حد من الشباب يروح يجيبهم. *** و أخيرًا و بعد طول انتظار، قد أتى اليوم الفاصل، إنه نقطة الحسم و التحول في حياة أحدهم، رغبتها في القضاء على استبداده و سيطرته التى أصبحت حق مكتسب بالنسبة إليه، جعلتها تلقى بحياتها و مستقبلها على حافة الهاوية.
صنعت ديكورًا لطيفًا بالورود الحمراء، و أضافت إليها طابع رومانسي باستخدام شموع بيضاء تنتشر في الغرفة، و تجهزت «غرام» بارتدائها فستانًا ذهبي اللون، قد لاق كثيرًا مع بشرتها الداكنة، و نسقت مع فستانها القصير زوج من الأقراط الفضية المشابهة لقلادة عانقت عنقها في رقة و جمال. طالعت انعكاسها في المرآة، و حاولت بث الشجاعة في نفسها هامسة: _إنتي قدها يا غرام، هانت و الكابوس دا ينتهي، إنتي قدها.
استغنت عن الإنارة الكهربائية، كما تخلت عن خجلها و خوفها، و فضلت ضوء الشموع اللامع. سمعت طقطقة خفيفة صادرة من الباب، فأدركت أنه قد وصل أخيرًا من عمله. تزامنت أولى خطواته مع استخدمها أنبوب المفرقعات الورقية، و هنأته قائلة بحبور: _Happy birthday, baby! ألقت تلك الأنبوب الورقية من يدها، و احتضنتها بين ذراعيها، قبل أن تبتعد عنه قائلة بدلال لا يليق بسواها: _ربنا يخليك ليا يا «مالك»، يارب العمر كله مع بعض يا حبيبي. ***
تأكدت «عبير» من دخول «مالك» إلى غرفته، ثم تحركت مباشرة إلى المطبخ لتحمل صينية متوسطة الحجم، تعددت عليها أنواع العصائر، و انطلقت لتعطى ما بحوزتها لرجال الحرس المنتشرين حول المنزل، و لم تغفل عن إعطائهم قطع من الكيك، لتخبرهم أنه يقدم إليهم بناءًا على طلب من «مالك»، ليحتفلوا معه بعيد ميلاده. بينما يتردد في عقلها صوت «غرام» التي أكدت عليها قائلة بجدية: _لازم الكل ياكل الكيك أو يشرب من العصير يا عبير. ***
ساعدته في نزع الجاكت الخاص ببذته، ثم سحبته من يده قائلة: _خلينا نتعشى الأول، أنا طلبت من «سميرة» تعمل الأكل اللي أنت بتحبه. كان لديه شيء من النرجسية و الغرور، يخبره بأنها تأكيدًا لن تُعجب بذلك الشاب الرَثّ، و بالفعل هو فقط من تهيم به عشقًا، فها هي لم تعترض على عقابه، و إنما تحاول إرضائه بشتى الطرق. بدأ يتناول طعامه، و هو يسترق النظرات إليها، فكانت تتحدث إليه بسعادة و حب عارم أجادت تصنعهما. ***
و كأن عاصفة من النوم قد هبت على عاملى البيت، بمن فيهم «عبير» و «سميرة»، فقد سقطوا في أماكنهم ذاهبين في ثبات عميق، غافلين عن وصول أربعة من السيارات السوداء، و قد ترجل منهم ما يزيد عن عشرة رجال. كانت ملابسهم شديدة السواد، و قد أُخفيت وجوههم أسفل قناعٍ قماشي أسود، لم يُظهر سوى أعينهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!