كأن عاصفة من النوم قد هبت على عاملَي البيت، بمن فيهم «عبير» و «سميرة»، فقد سقطوا في أماكنهم ذاهبين في ثبات عميق، غافلين عن وصول أربع سيارات سوداء، وقد ترجل منها ما يزيد عن عشرة رجال. كانت ملابسهم شديدة السواد، وقد أُخفيت وجوههم أسفل قناع قماشي أسود، لم يُظهر سوى أعينهم.
ما إن اقتربوا مباشرة من الباب الداخلي للمنزل، فُتح لهم الباب وكأن هناك من ينتظر قدومهم، تسلل جزء منهم إلى ظهر المنزل، دون أن يصدورا صوتًا قد يسلط الضوء عليهم. وبقي الجزء الآخر لتأمين الطريق. كانت لديهم نسخة من المفتاح الخاص بغرفة «أحمد»، الذي أصابه الذعر لرؤيتهم، مما جعله يشدد يديه محتضنًا ركبتيه، فكان ملتصقًا بحائط الغرفة، ولا مجال للهروب منهم.
اقترب منه أحدهم مطمئنًا، وبدأ في نزع السلاسل الحديدية بعيدًا عنه إلى الأبد، وعندما حاول الرجل مساعدته على الوقوف، دفعه «أحمد» أرضًا. فخرج صوت الآخر، ليتضح من نبرتها الرقيقة أنها أنثى، فقالت: "هو أكيد خايف، حاول تطمنه." امتثل لحديثها وأردف بصوت خافت: "متخافش يا «أحمد»، إحنا هنا عشانك، لازم تيجي معانا عشان تبعد عن أذى «مالك»." حرك «أحمد» رأسه تكرارًا للرفض، ونطق بتلعثم: "امشوا من هنا، مش عايز آجي معاكم، امشوا من هنا."
حاول الشاب أن يأخذ بيد «أحمد» الذي حرك جسده بعشوائية، فنتج عن ذلك إزاحته للطاولة الخشبية الموضوعة جانبًا فارتطمت أرضًا. ونجم عن ذلك صوت مزعج، ارتفع صداه في المكان. *** انتبه «مالك» إلى ذلك الصوت، فلم يكن الفاصل بين غرفته وغرفة «أحمد» سوى الكتلة الخرسانية التي تعمل كسقف لغرفة «مالك»، والذي بدوره ترك من يده كأس العصير، ناظرًا إلى الأعلى بإنصات واهتمام، وكأنه يستشف ما يحدث عند أسيره.
ابتلعت «غرام» ريقها بتوتر، قبل أن تمتد يدها لتتلمس الخاصة بـ «مالك»، وهي تقول في خطوة لإرباكه: "إيه رأيك لو... قاطعها «مالك» عندما أشار إليها بإصبعه كي تكف عن الحديث. *** على الجانب الآخر، نظر الشاب إلى رفيقته قائلًا: "مش معاكي مخدر؟ هاتيه." اعترضت الفتاة قائلة: "ما بلاش مخدر، حاول تطمنه زي ما «غرام» قالت." زجرها الشاب قائلًا:
"ده مش وقت يسمح لنا نطبطب ونطمن، اخلصي هاتي المخدر بدل ما نرجع من هنا من غيره، أو الكافر اللي تحت ده ما يخلناش نرجع أصلاً." ناولته قنينة زجاجية صغيرة، وقطعة من القماش، وبينما كان يصب المخدر فوق قطعة القماش، باغته «أحمد» وأسقط القنينة من يده، فتهشمت وانتشر ما بها أرضًا.
وبالرغم من ذلك، أطبق الشاب القطعة المبتلة على أنف «أحمد»، الذي حاول جاهدًا أن ينفلت من بين يديه، ولكن باءت محاولاته بالفشل. رفعه الشاب على كتفه وأشار للفتاة بالتحرك، لتخرج أمامه ومن بعدهم خمسة رجال. *** التقط سمعه الصوت الناتج عن انكسار القنينة، فهب واقفًا كمن لدغته حية، قائلًا بشك: "في حاجة بتحصل فوق."
وبالفعل قد دنا «مالك» من الباب، تحت نظراتها المتوجسة، فتحركت سريعًا لتمنعه من الخروج، لكنه فعليًا قد فتح باب غرفته تزامنًا مع هبوط الآخرين على الدرج، فأدار وجهه إليها وعاتبته بدلال أجادت تصنعه: "يعني كل ما يبقى لينا وقت خاص تسيبني وتروح عند اللي فوق ده! شعر بدوار في رأسه، وتشوشت رؤيته متعجبًا: "إيه اللي بيحصل! لم تكن هي في حالة أفضل منه، بل أصابها ما أصابه، فتراجعت إلى الأريكة وقالت: "حاسة نفسي دايخة."
رمقها «مالك» بنظراته الناعسة، قبل أن يتحرك ليجلس على طرف فراشه مرددًا: "وأنا كمان." *** أفاضت الماء على وجهها، فنهضت مذعورة من سباتها كمن أفزعه كابوس لاذع، كان وجهه المتهجم ونظراته التي ترميها بسهام الغضب المشتعلة، تكاد تجزم في تلك اللحظة أنه إن كانت النظرات تحرق، لكانت «غرام» الآن تُحسب ضمن التراب.
لم يعطها تفسيرًا لفعلته، ولم ينطق بحرف واحد من شفتيه، بل نطق ذراعه عندما امتد إلى خصلات شعرها القصيرة جاذبًا إياها بعنف مفرط. كان يجرها خلفه كمن يسحب حزمة من القش، لم يكترث بصراخها، وتوسلها إليه كي يتركها.
دلف بها إلى الغرفة التي غادرها «أحمد»، لتبدأ رحلتها في عذاب زوجها الوحش الكاسر، دفعها أرضًا فتأوهت بشدة، فقد اخترقت القطع الزجاجية ساقها، تغاضت عن الدم المتدفق من قدمها، كما تغاضى «مالك» عن آلامها تمامًا، وقرر أن يغدق عليها بآلام جديدة، عندما بدأ ضربها بحزامه الجلدي كما فعل سابقًا مع «أحمد». دوى صراخها في أرجاء الغرفة، كمن يعزف لحنًا حزينًا يقطع نياط القلوب، ورغم ذلك فهو لم يشفق عليها وإنما زجرها قائلًا:
"صوتك ده يتكتم، مش أنتي اللي هربتيه! يبقى تستحملي وتاخدي دوره بقى." حركت رأسها نفيًا، وحاولت الدفاع عن نفسها قائلة: "أنا معملتش حاجة، معملتش حاجة." دنا منها، ليعتصر فكيها بين قبضته الغليظة، وتحدث بأنفاس متهدجة: "متكذبيش، أنا سمعت في تسجيلات المراقبة الناس اللي بعتيهم وهما بيتكلموا عنك."
اتسعت حدقتاها، واختنقت الكلمات في حلقها، فلم تكن تعلم شيئًا عن تلك الكاميرا، أغمضت عينيها بألم أدركت الآن أنه لن ينتهي، فقد سقطت بين براثن الوحش. ابتعد عنها قائلًا بتوعد: "هخليكي تلعني اليوم اللي اتولدتي فيه، وإلا ميبقاش اسمي «مالك»."
تركها وغادر، لتنزوي بنفسها، وانخرطت في بكاء مرير، حسرة على ما قد آلت إليه الأمور، يا لحظها العاثر؛ لقد حافظت على قلبها ومشاعرها، لم تسمح لشاب قط بالتودد إليها، حتى ظهر هو بأسلوبه الناعم وقسوته المغطاة بوشاح وثير من الطيبة والحنان. لقد اختارته وفضلته عن الجميع، فقابل حبها بخذلان لن يغتفر، وبدلًا من منحها بيتًا جديدًا، هدم بيتها واستقرارها العائلي فوق رأسها، حرمها أمنها وأمانها، فقدت الاحتواء من أمها، وخسرت من عاشت دائمًا تحتمي بظهره. ليتها علمت مسبقًا بأنه اختيار خاطئ، فكيف للمرء بإكمال حياته بعدما تعرض قلبه إلى خيبة أمل، وعاش مرَّ الانكسار، من أين لها بالقوة كي تنسى أوجاعها!
يحتاج قلبها إلى جرأة كبيرة للوقوع في الحب مجددًا. قُطعت وصلة بكائها، عندما لاحظت سكينًا يُمرر إليها من فتحة صغيرة أسفل الباب. *** تراص الحرس أمامه كالمذنبين، فصرخ «مالك» في وجههم مستغربًا: "كنتم فين يا بهايم لما هما دخلوا البيت؟ قال مشغل عندي حرس، ده أنتم عايزين اللي يحرسكم! تحدث واحد منهم دون أن يرفع عينيه عن الأرض:
"والله يا «مالك» بيه إحنا كنا شايفين شغلنا كويس لحد ما حضرتك بعت لنا العصير والجاتوه، من بعدها نمنا كلنا." ضيق ما بين حاجبيه قائلًا باستنكار: "عصير إيه؟ أنا مبعتش حاجة." تدخلت «سميرة» التي طلت من الخلف، قائلة: "العصير ده بعتته دكتورة غرام." أومأ برأسه متفهمًا: "كده العبارة وضحت." *** سحب كرسيًا خشبيًا، وجلس أمامها واضعًا قدمًا فوق الأخرى، وتحدث بنبرة هادئة:
"يعني عيد الميلاد ده كان خطة منك عشان تهربي «أحمد»، غدرتي بيا ليه؟ تعرفي «أحمد» ده منين عشان تعملي كدا عشانه؟ كانت تعلم أن هدوءه هو ما قبل العاصفة، لم تجبه فقط تستمع إلى حديثه، فاسترسل «مالك» بنبرة ماكرة: "بس أنا مينفعش حد يعلم عليّ، مينفعش انتي تعملي حاجة تزعلني، مع إني اللي بدأت على فكرة." نظرت إليه بأعين ضائقة وكأنها تنتظر تفسيرًا، فأضاف بصوت يقطر منه الشر: "عارفة عملت إيه؟ أنا قتلت أهلك، أيوه أنا السبب."
قهقه عاليًا بوتيرة جنونية، قبل أن تتهادى ضحكته قائلًا: "أبوكي عرف موضوع «أحمد» ده قبل كتب الكتاب، وعشان كدا كان لازم أخلص منه، أصل أنا كنت معجب بيكي وعايز أتوزك، وعشان كدا بقى قتلته وقولت أبعت معاه أمك تونسَه والموضوع يبان إنه مجرد حادثة بسبب أنبوبة الغاز." انهمرت دموعها بتتابع متزايد، وأردفت بلهجة من الندم: "إنت بلاء، إنت لعنة دخلت على حياتي." تلوت شفتيه ببسمة ساخرة، وقال بصوت كالفحيح:
"لأ ولسه اللي هعمله دلوقتي، هيخليكي تكرهيني وتدعي عليّ عمرك كله، أنا مرحمتش اللي حبيتها مابالك بقى اللي يا دوب معجب بيها شوية صغيرين! لم تفهم ما يرمي إليه، حتى وجدته يحاول التقرب منها، فدفعته بعيدًا بأنفاس منبعها النفور، فنظر إليها بعصبية وغضب شديد، وعاد يضربها بلا رحمة، قبل أن يسيطر عليها بذراعيه.
كانت ضعيفة وضئيلة الحجم مقارنة به، لكنها لم تستسلم بل عافرت وجعلت تتحرك بعشوائية حتى وصل بهما الأمر إلى جانب الفراش، وهنا امتدت يدها إلى السلاح الأبيض الذي قد أخفته في الفاصل الصغير بين الحائط والسرير. وعلى حين غرة، تفاجأ «مالك» بطعنة تخترق معدته، لقد فاقت توقعه بتصرفاتها الشرسة.
ها هي تثأر لنفسها ولوالديها، انفجر بركان غضبها دون سابق إنذار، لتحرقه وتلقنه درسًا على أفعاله الشنيعة التي لا تُغتفر، كررت فعلتها مرة أخرى دون أن يرف لها جفن، كانت تطالعه بنظرات من الكره، ونار الانتقام التي اعتمرت بصدرها.
أعلنت ركبتاه الانسحاب، وخارت قواه، فوجد نفسه طريحًا على الأرض، فرت دموعه هاربة، بعدما خرجت منه آهة حارقة، بينما هي استوت على أقدامها ورفعت عينيها لتتقابل بأعين «سميرة» التي قد حضرت لتوها، فكانت تطالعها بنظرات من الجمود.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!