غادر الجميع، ولم يتبقَّ سوى أهل البيت. استغربت "غرام" ذهاب والديها دون علمها، فذهبت إلى غرفتها الجديدة لتتحدث إليهما على الهاتف. تفاجأت بما يزيد عن مئتي مكالمة من رقمٍ غير مسجل. تغاضت عن الأمر واتصلت بوالدها مراتٍ عدة ولكن دون فائدة. فانتقلت إلى رقم والدتها ولم تجد منها ردًا هي الأخرى. زفرت بضيقٍ وهي تنزع حذائها، فهناك قلقٌ يعتمر في صدرها. جال في ذهنها أن تعاود الاتصال بذلك الرقم، فقد يكون للأمر علاقة بوالديها.
وبالفعل قد فعلت ذلك، وفي هذه المرة قد جاءها الرد سريعًا، لكنه كان صوتٌ أنثويٌ لم تألفه من قبل. "معايا 'غرام ذو الفقار'؟ ردت عليه "غرام" باستغراب: "أيوه، مين معايا." جاءها الرد بنبرة تحذيرية بالغة: "مش مهم أنا مين، المهم أوعي تتجوزي 'مالك'، حتى لو هتهربي من عندك." قطبت حاجبيها وقالت: "بتقولي كدا ليه؟ وتعرفيني أنا و'مالك' منين؟ "اسمعي مني يا دكتورة، جوازك منه أكنك بتدخلي الجحيم برجلك، دا واحد مريض نفسي." عنفتها "غرام"
عندما صرخت: "احترمي نفسك، اللي بتتكلمي عليه دا بقى جوزي." أغلقت المكالمة سريعًا بعد كلمتها الأخيرة، فكان صدرها يعلو ويهبط في تتابع مستمر. وضعت يدها على صدرها وتنفست بعمق، لكنها كانت ثوانٍ معدودة قبل أن يعلو صوت هاتفه يخبرها بوصول رسالة جديدة. فتحتها سريعًا لاعتقادها بأنها من والديها، ولكنها وجدت أنه الرقم نفسه، لكنها لم تتجاهل الرسالة، التي كان محتواها...
"لو عايزة تعرفي حقيقة جوزك افتحي الأوضة اللي على السطح، وشوفي الدفتر اللي في الدرج التاني جنب سرير 'چنى'." *** على الجانب الآخر كان "مالك" واقفًا على سطح المنزل، يديه في جيب بنطاله، وقد شرع برأسه ناظرًا إلى السماء. الصمت فقط هو من يعم المكان، إلى أن قطعه "مالك" قائلًا بخفوت: "أتمنى متكونيش زعلانة مني يا 'چنى'."
عدل من وضع رأسه، وزفر زفرة حارة قبل أن يتوجه إلى تلك الغرفة التي تخفي بداخلها الكثير من الأحزان. أشعل الضوء وخطا خطوة لم تلحق بها أخرى، حيث جاءه اتصال من رجاله. رد عليه بصوته الأجش: "عملتوا ايه؟ "زي ما طلبت يا 'مالك' بيه، الاتنين فقدوا الوعي." ظهرت بسمة ماكرة على زاوية فمه، وتحدث كالأفعى التي تبث سمها: "افتح عليهم الغاز، أنا عايز 'أحمد ذو الفقار' ميطلعش عليه نهار لا هو ولا مراته، وعايز الموضوع يبان طبيعي." ***
ألقت هاتفها بإهمالٍ، وأمسكت فستانها بقبضتيها، وقصدت الحجرة التي قد بقيت فيها "چنى" قبل وفاتها. حاولت كثيرًا فتح الباب لكن دون جدوى، فلقد أغلقه "مالك" بمفتاحٍ هو من يحتفظ به. فانطلقت تعدو على الدرج بقلبٍ مرتعش، وعقلها يُملي على لسانها بدعوات كهذه: "يارب تكون كذابة، أو يكون حد عامل فيا مقلب، يارب متخيبش ظني فيه."
عندما استقبلتها الضوء النافذ من الغرفة، توقفت موضعها وهي تُطمئن قلبها، بأنه لم ينخدع ولن تخسر من أحبت. بدأت تتحرك صوب الباب، فكانت تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى. *** في تلك الأثناء. أعاد الهاتف إلى جيب بذته، وتحرك إلى "أحمد" الذي لم يحرك ساكنًا، ويبقى كما تركه "مالك" بسبب تلك السلاسل التي تقيد حركته. حل وثاقه قائلًا
بنبرته الجنونية الساخرة: "النهاردة كان فرحي، عشان تعرف بس إنك عزيز عليّ، جيت احتفل معاك عشان أنت صاحب عمري ومعنديش غيرك." تقهقر "أحمد" إلى الوراء وهو يضم جسده المرتجف بذراعيه، فأوقفه "مالك" رغمًا عنه، وبحركة سريعة سدد إليه ضربة أطرحته أرضًا، ونزف أنفه على إثرها، فهتف "مالك" قائلًا: "تصدق بالله، أنا مش بتبسط غير لما احتفل معاك."
كان فاقدًا قوته، لا يمتلك قدرة للمقاومة، هو فقط يزحف إلى الوراء وعيناه المرتعبة تتابعان "مالك" وهو يفك حزامه الجلدي، وما لبث أن نزل به على جسد "أحمد" الذي يكتم ألمه في صدره، ضربة تلو الأخرى. ولكن إن رغب "مالك" بالمزيد من الضربات فلن ترضى "غرام" بذلك. وهذا ما حدث حيث تفاجأ بها "مالك" تحتضن "أحمد"، لتتلقى هي الضربة بدلًا عنه. تألمت بشدة، لكن ألمها الجسدي لن يُذكر إن قُورن بألم قلبها وخذلانها.
طرف بعينيه مرات متتالية وهو يرى الأمان يعانقه مرة أخرى، بعد غيابه عام كامل. جذبها "مالك" من ذراعها بعيدًا، وعنفها قائلًا: "ايه اللي جابك هنا؟ مش حذرتك تدخلي الأوضة دي؟ ابتلعت تلك الغصة في حلقها وهي توزع نظراتها بين "مالك" و "أحمد" الذي يتفحص ملامح وجهها وكأنه يطبعها في ذاكرته. أغمضت عينيها في محاولة لكبح دموعها، ثم خرجت عن صمتها وقالت بنبرة جاهدت لجعلها طبيعية: "كنت بدور عليك." نزع عن وجهه لثام اللطف والبراءة،
وحدثها بصوت حازم: "طيب انزلي، ومتجيش هنا تاني." رمقت "أحمد" بنظرة أخيرة، قبل أن تنهض وتقترب من "مالك"، حيث تحدثت بنبرة ناعمة وهي تمسك بيده: "هو مش النهاردة فرحنا يا 'مالك'، ما تنزل معايا وفكك منه." نفض يدها بعيدًا وقال: "انزلي دلوقت وأنا جاي وراكي." ***
دلفت إلى غرفتها، تجر معها أذيال الخيبة، أغلقت الباب، وسقطت أرضًا، فلم تعد قدماها قادرة على حملها. سمحت لنفسها بالانهيار، فأجهشت ببكاء مرير، بكت عيناها، وبكى قلبها. لقد تحطمت، لم تكن تعلم أن الليلة التي انتظرتها طويلًا ستمنحها هدية لاذعة كتلك، لم تعلم أنها قد أُغرمت بشيطانٍ لا يعرف الرحمة، رأت الأمان في وحشٍ يفتك بالجميع، اعتقدت أنها دعت لنفسها بالخير لكنها تفاجأت به يتحول إلى شرٍ لن ينتهي.
ولولت على حالها لقلة حيلتها، وضربت على وجهها قهرةً: "أعمل ايه؟ ازاي انخدعت كدا فيه؟؟ ازاي!!! لملمت ما تبقى من شجاعة محطمة، واستوت على قدميها، أزاحت دموعها الحارقة، وهمست لنفسها مشجعة: "دا مش وقت عياط، لازم أنقذ نفسي، وأنقذ الشاب اللي بيموت على البطيء ده، أنا قدها، ربنا معايا وعمري ما هغرق، طالما رميت نفسي في نص البحر يبقى لازم أعوم عشان أوصل تاني لبر الأمان."
تحركت سريعًا وبدلت ثيابها إلى منامة ساترة، وخلدت إلى النوم، أو لنقل اصطنعت النوم. *** قيده مجددًا وهو يقول باسمًا: "شفت مرات أخوك قلبها طيب إزاي! مقدرش أزعلها بقى عشان عروسة جديدة، فهسيبك ترتاح وتتبسط، وهروح أشوف الشباب خلصوا على أهلها ولا لسه." *** على صعيدٍ آخر.
تأكد الشاب طويل القامة من إغلاق النوافذ، ثم توجه إلى المطبخ، ساحبًا أنبوب الغاز الاحتياطي ليضعها على مقربة من صالة المنزل، ثم أدار الصمام مُتيحًا للغاز مسارًا للنفاذ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!