بدت «غرام» طبيعية وكأنها لم ترَ شيئًا في الليلة الماضية. توجهت إلى المطبخ حيث كانت «سميرة» تنشغل في إعداد الطعام. اقتربت منها «غرام» وهي تسألها بنبرة ودودة: _صباح الخير يا «سميرة»، بتعملي إيه على الصبح كدا؟ ابتسمت لها «سميرة» وأجابت: _بعمل معجنات عشان الفطار، المدام حابة تفطر منهم قبل ما تسافر. شمرت «غرام» عن ساعديها واقتربت منها قائلة: _هساعدك عشان تخلصي بسرعة.
انضمت إليها في تشكيل العجين، لتغتنم «غرام» انشغال «سميرة» في تجهيز بعض الأطباق الأخرى، وانتزعت لنفسها قطعة من العجين بعدما أضافت إليها المزيد من الطحين فجعلتها أشد تماسكًا. أخفتها بقبضة يدها وانسحبت دون أن تشعر بها الأخرى. أسرعت إلى غرفتها فاصطدمت بـ «مالك» في طريقها. توترت قسمات وجهها وشدت على قبضتها، فكانت تخشى أن يرى ما لديها وينهال عليها بوابل من الأسئلة التي لا يجب أن يعلم إجابتها.
تنفست بارتياحٍ عندما تبسم قائلًا: _مستعجلة كدا ورايحة فين يا حبيبتي؟ تكلفت في ابتسامتها وردت عليه بصوت خافت: _طالعة الأوضة. رفع حاجبيه قائلًا بشك: _ده أنتي بتهربي مني بقى! امبارح تنامي قبل ما أرجع والنهاردة أصحى ألاقيكي مش موجودة، ودلوقتي نازلة وأنتي طالعة! ضحكت بخفة وأشارت إلى ثوبها قائلة: _كنت بساعد «سميرة» في المطبخ وهدومي بقى عليها دقيق فهغير ونازلة حالًا.
تنحى «مالك» عن طريقها وأتاح لها المرور، فهرولت صعودًا إلى الغرفة وهي تحمد ربها أنه لم يكتشف ما لديها. أفرغت صندوقًا صغيرًا خاصًا بأقراطها الذهبية ووضعت به قطعة العجين، وخبأت الصندوق في حقيبتها اليدوية. انتقلت إلى خطوتها التالية وهي البحث عن مخبأ المفتاح. بدأت تفتش في الأغراض الخاصة بـ «مالك»، لكنها لم تعثر عليه وباءت محاولتها بالفشل.
اعتلت الفراش، تسأل عقلها عن طريقة لتحصل على المفتاح، فأملى عليها عقلها إن كان «مالك» يزور تلك الغرفة بشكل متتابع، فبالتأكيد ذلك المفتاح لا يفارقه. هبت واقفة هامسة لنفسها بشك: _المحفظة! ممكن يكون في المحفظة! حسمت أمرها بالحصول عليه اليوم، فهاتفت صديقتها وطلبت منها المرور على بيت عائلتها لتطمئن على والديها، وأكدت عليها بضرورة زيارتها اليوم قبل الغد.
استعدت «ثريا» لسفرها بعدما تناولت وجبة الإفطار برفقة ابنها وزوجته. أحضرت «سميرة» أمتعة السفر ووضعتها جانبًا، وودعت الوالدة عروس بيتها، وأوصتها ببعض النصائح للحفاظ على بيتها وزوجها سعيدًا، فكانت «غرام» تهز رأسها بابتسامة خفيفة، وبعقلٍ باحث عن طريقة لتتفقد محفظة «مالك».
لم يكن الطعام قد رُفع عن المائدة، فتحركت «غرام» وحملت كأسًا من العصير وسارت به حتى تبقى بينها وبين «مالك» بضع خطوات صغيرة، فتظاهرت بالتعثر وسكبت العصير على بنطال «مالك» من الخلف قبل أن تلقي بالكأس أرضًا وتتصنع التعب. تجعدت قسمات وجهها بشكلٍ يوحي بالإرهاق، وتحسست جبهتها وهي تعتذر قائلة: _أنا آسفة يا «مالك»، ما أخذتش بالي. كان على وشك الصراخ، ولكن منعته والدته بإشارة من عينيها، واقتربت من «غرام» سائلة باهتمام:
_مالك يا حبيبتي إيه اللي حصل؟ ردت عليها «غرام» بصوت واهن: _مش عارفة يا ماما، فجأة كدا حسيت نفسي دايخة ومش قادرة أقف. خمنت «ثريا» قائلة: _تلاقي ضغطك وطى من قلة الأكل، ما أكلتيش حاجة امبارح، ولا حتى دلوقتي على الفطار..... _طلعيها ترتاح يا «مالك» وأنا هستناك على ما تغير وتنزل. وجهت جملتها الأخيرة إلى «مالك»، الذي امتثل لطلب والدته دون اعتراض، فحمل «غرام» صاعدًا بها إلى حجرتهما. أنزلها على الفراش قائلًا:
_ارتاحي يا حبيبتي. دلف إلى ملحق الغرفة الخاص بالملابس، فتابعته «غرام» بنظرها هامسة بعبوس: _يادي الزفت، كان يخلع الجاكت هنا على الأقل. زفرت بضيقٍ، وأراحت ظهرها على وسادة خلفية، لتفكر في طريقة أخرى. منذ دقائق معدودة، وهي تتحرك في ردهة الطابق العلوي ذاهبةً وإيابًا، وتتأرجح ذراعيها بملل وخيبة. لم يدم هذا الوضع طويلًا، حيث تراجعت سريعًا إلى غرفتها عندما تناهى إلى سمعها خطوات تصعد الدرج.
تركت الباب مواربًا، لتختلس من خلفه النظرات، فشاهدت «سميرة» تتجه إلى ظهر البيت بأطباق الطعام، فلاحت على شفتيها ابتسامة ماكرة، لتهمس بإصرار شديد: _يبقى بلاش «مالك» ونلعب مع «سميرة» الأول. لم تحرك ساكنًا، وظلت «غرام» كما هي تنتظر «سميرة»، التي لم تستغرق وقتًا كثيرًا وكانت تهبط الدرج فارغة اليدين، فتأملتها «غرام» بعناية ودقة، قبل أن تحادث نفسها قائلة:
_«سميرة» نازلة ومش ماسكة مفتاح في إيدها، وكمان لبسها مفهوش جيوب عشان تخبي المفتاح، معقول تكون بتعينه على السطح؟ لازم أتأكد بنفسي. لحقت بها سريعًا وهي تطلب منها إعداد فنجانٍ من القهوة، فأخبرتها «سميرة» أنها سترسله إليها مع الخادمة الأخرى، لأنها ستغادر المنزل لتحضر ما ينقصها من أغراض المطبخ. قُدمت إليها فرصة من ذهب، وهي لن تضيعها، طلعت الدرج بخطوات بطيئة هادئة، حرصًا منها ألا تصدر صوتًا يسمعه أحد.
وضعت كفيها على خاصرتيها، ونظرها يجول في المكان، فانتبهت إلى خزان الماء الذي يرفعه حامل ذو قاعدة حديدية، فدارت حوله ترمقه بنظرات متفحصة لكنها لم تجد ما تريد، فجثّت على ركبتيها، ومالت برأسها لتتفقد أسفل القاعدة. مرت ثانية، وقبل أن تمر أخرى، تهللت أساريرها فرحًا، فقد عثرت على وجهتها، ها هو المفتاح! يتحرك بخفة إثر نسمات الهواء الباردة، وكأنه يناديها لتأخذه.
التقطته سريعًا وتوجهت إلى الغرفة لتفتح بابها. شرع برأسه ناظرًا إليها، فارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة عكس ضربات قلبها الخائفة التي تشعرها ببرودة في أطرافها. رفعت يديها بتردد واضح، ولوحت إليه بخفة، لكنها لم تجد منه ردًا أو تفاعلًا، كان فقط يُمعن النظر إليها. قادتها خطواتها لتقترب منه، فأوقفتها أطباق الطعام التي اصطدمت بها، فقالت باستنكار وسخرية: _جايبين لك عيش وحلاوة! أنت مسجون بجد ولا إيه؟
نقل نظراته بينها وبين الطعام، فحدثته «غرام» قائلة: _خمس دقايق وجاية تاني. في طريقها إلى الطابق الأرضي، صادفت الخادمة التي بادرت بالحديث إليها: _أنا سبت لحضرتك القهوة في الأوضة يا دكتورة. تعجلت «غرام» في سؤالها قائلة: _عندنا أكل إيه يا عبير؟ _موجود في التلاجة أكل من امبارح، لكن لسه ما عملتش أكل الغدا بتاع النهاردة. أردفت «غرام» بشغفٍ واضح:
_طيب بصي يا قمر، سخني من الأكل اللي هنا، وجهزي صينية كويسة كدا وهاتيها، ولا أقولك أنا جاية معاكي يلا بينا أصل أنا جعانة. نطقت جملتها الأخيرة باستعجال، وتقدمت إلى المطبخ ومن خلفها الخادمة، التي ساعدتها في تسخين الطعام، لتذهب إلى «أحمد» محضرةً إليه ما لذا وطاب من الطعام، الذي لم يتذوقه منذ شهور طويلة. حلت قيوده الحديدية، وقابلته في الجلوس واضعة بينهما الطعام، وقالت بابتسامة لطيفة: _يلا عشان تتغدى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!