في المساء، جلست نور بجوار زياد يشاهدون التلفزيون، حين بدأ زياد يشعر بوخزة قوية بقلبه. بوجه شاحب وصوت ضعيف أشار لنور أن تعطيه كوبًا من الماء. بوجه قلق ناولته نور الكوب، لكنه قبل أن يصل إلى فمه، سقط الكوب أرضًا وتناثرت قطع الزجاج في كل مكان. كان زياد يجاهد من أجل أن يلتقط أنفاسه، ممسكًا صدره بألم ويتصبب العرق من جبينه. صرخت نور بذعر: "مالك يا زياد؟ في إيه؟
لم يستطع أن يجيبها، فقط أشار لها بأنه لا يستطيع أن يلتقط أنفاسه. صرخت نور: "يوسف.. ألحق بابا." خرج يوسف من غرفته مسرعًا. وقعت عيناه على والده وهو يجاهد من أجل الحصول على أنفاسه ويمسك بصدره. تجمدت الدماء في عروقه، لكنه ركض إلى والده وبنبرة هادئة قال: "بابا قوم، هنروح المستشفى دلوقتي."
خرجت حياة من غرفتها مذعورة. بدأت الدموع تتساقط من عينيها قبل أن تدرك ما يحدث حولها. وفعلاً، في لحظات كان الجميع في السيارة متجهين نحو المستشفى. أخرج يوسف هاتفه واتصل بفارس. وما أن أجاب صاح يوسف بقلق: "فارس ألحق بابا تعبان أوي." فارس: "أهدي طيب يا يوسف، هو إيه الأعراض اللي عنده؟ يوسف وهو ينظر إلى والده في مرآة السيارة ووجهه شاحب ولا يزال يمسك بصدره: "مش قادر ياخد نفسه كويس وماسك صدره."
فارس: "طيب أنا في المستشفى مستنيك." حياة الجالسة بجوار يوسف كانت تنظر إلى والدها والدموع تتساقط من عينيها ولا تستطيع أن تقول شيئًا. كل ما تتمناه أن تكون في حلم وتستيقظ منه. زاد يوسف الضغط على دواسة البنزين وأسرع حتى وصل إلى المستشفى. على الباب كان فارس وطاقمه الطبي في انتظارهما. ساعد فارس زياد أن يجلس على الكرسي الطبي، وبسرعة انطلق به داخل غرفة الطوارئ.
وقف الجميع على الباب بقلق، بينما نور خانتها قواها. لم تستطع قدماها أن تحملاها أكثر من ذلك. جلست إلى إحدى المقاعد القريبة وهي تتلو آيات القرآن وتدعو الله أن ينجي زياد. دقائق وخرج فارس بوجه هادئ. وبنبرة صوت حاول أن يخفي بها قلقه قال: "متقلقوش يا جماعة... الحمد لله جبتوه المستشفى في الوقت المناسب." قالت نور بخوف: "زياد عنده إيه يا فارس؟
ربت فارس على كتفها: "متقلقيش، هو عنده ضيق في شرايين القلب، هيحتاج قسطرة وهيبقي كويس إن شاء الله... نظرت حياة إلى فارس ومن بين دموعها همست برجاء: "بابا يا فارس... نظر فارس إلى عيني حياة التي كانت تبكي بلا توقف: "هيبقي كويس إن شاء الله، ده إجراء طبي بسيط... متخافيش أنا معاه." لم تجبه حياة، بل حركت رأسها والدموع تتساقط من عينيها. يوسف: "طيب هتعمله القسطرة أمتى يا فارس؟
فارس: "أنا منتظر يجهزوا غرفة العمليات وهعملهاله بنفسي." بينما يتحدث فارس مع يوسف، جاءت إحدى أفراد التمريض وأخبرته أنهم بانتظاره في غرفة العمليات. ذهب فارس. وبينما يوسف ضم حياة إلى صدره وحاول أن يبث الطمأنينة في قلبها، بالرغم من القلق الذي يعتصر قلبه. أما نور، فأخرجت من حقيبتها مصحفًا صغيرًا وأخذت تقرأ فيه. جلس يوسف إلى جوارها ووضع قبلة فوق رأسها. في غرفة العمليات، وقبل أن يتم تخدير زياد، وقف فارس بالقرب منه يحاول
طمأنته بروح مرحة فقال: "شكلك عاوز تعرف غلاوتك عندنا يا أونكل... بس متخافش قلبك في إيد أمينة." لم يضحك زياد، بل نظر إلى عمق عيني فارس وهمس: "خلي بالك منها يا فارس." اقترب فارس وربت على كتفه. بدأ الطبيب المختص في ضخ المخدر في ذراع زياد، فغاب عن الوعي، وبدأ فارس بإجراء العملية. بعد مضي حوالي ساعة، خرج فارس من غرفة العمليات. التف حوله الجميع، فقال بنبرة هادئة: "الحمد لله العملية تمام وأونكل بخير."
تنفس يوسف الصعداء وهمس: "الحمد لله." بينما صاحت نور: "أنا عايزة أشوفه." ابتسم فارس بوقار: "هو دلوقتي في الإفاقة، نص ساعة بالظبط ويكون في أوضته وتقدروا تشوفوه." اقترب فارس من حياة بحنان وهمس لها: "ممكن كفاية عياط، والله باباكي بقي كويس وبخير." رفعت حياة عينيها وتلاقت مع عيني فارس الذي شعر بوخزة في قلبه حين رأى الدموع والألم بعينيها، لكنها تمتمت بصوت بالكاد مسموع: "بابا كل حاجة في حياتي يا فارس...
مقدرش أشوفه تعبان كده." بعد ما يقرب من ساعة، سمح لهم بالدخول لغرفة زياد. وقفت نور على باب الغرفة تنظر لزياد المستلقي على السرير بوجه شاحب، وصدر عارٍ متصل بالأجهزة. اقتربت منه ببطء ولهفة امتزجت بالدموع ملأت صوتها وهي تمسك يديه وتهمس: "خضتني عليك يا زياد." بصعوبة رفع يده وربت على رأسها: "متخافيش يا حبيبتي أنا كويس الحمد لله." وقف يوسف وحياة بجانب سرير زياد. أمسك يوسف بيديه: "حمد الله على سلامتك يا بابا."
ابتسم زياد بوجه شاحب: "الله يسلمك يا حبيبي." بينما حياة وقفت تنظر إليه بعينين دامعتين. لكن زياد أراد أن يخرجهم من الأجواء المشحونة بالتوتر المحيطة بهما فقال بمرح: "إيه يا جماعة... أنا بدلعكم كلكم في البيت، حبيت إنكم تدلعوني شوية، مش تقلبوها دراما." ابتسمت حياة وهي تميل تقبل يديه: "أنا أكتر واحدة بدلعك يا بابا... مش محتاج تقلقنا عليك عشان ندلعك."
بينما وقف طارق على باب الغرفة يشاهدهم بابتسامة ومن خلفه فارس. لم يلحظ أحد وجوده في البداية إلا حين صاح وهو يضحك: "لولا ابني حبيبي اللي أنقذك مكنتش عارف كان زمانك فين دلوقتي يا زياد." ابتسم زياد: "فعلاً.. لولا دكتور فارس كان زماني في خبر كان." ضحك طارق: "إيه خبر كان والكلام القديم ده، قول الحقيقة كان زمانك موت." انتفضت نور لوقع الكلمة على أذنها: "اخس عليك يا طارق، بعد الشر عنه متقولش كده."
خفتت ابتسامة طارق وقال معتذرًا: "أنا مقصدش والله، أنا بهزر معاه." ابتسم زياد: "سيبيه يا نور... انتي عارفة طارق طول عمره مش بيقول كلمتين جد. أنا كنت خايف فارس يكون طالع زيه، بس الحمد لله طلع بيبقى جد وقت الجد." اقترب منه فارس بوجهه البشوش وابتسامته التي تملأ وجهه: "حمد الله على السلامة، أهم حاجة بس إنك تخلي بالك من أكلك الفترة الجاية، وتبعد عن أي حاجة تزعلك." قالت حياة
وهي تربت على كتف والدها: "أنا هاخد إجازة من الشغل وأخلي بالي منك يا بابا." ضربتها نور على كفها لتبعد يدها عن زياد وقالت: "بس يا بت مش هتاخدي إجازة ولا حاجة، أنا قاعدة مع زيزو حبيبي في البيت وهاخلي بالي منه." ضحك طارق: "أنت كده يا زياد تخرج من المستشفى وانت مطمن، تعبك جاب نتيجة أهو وما شاء الله مراتك وبنتك بيتخانقوا مين فيهم يدلعك أكتر." تأوه زياد وهو يضحك،
بينما قال فارس بمرح: "واضح فعلاً يا بابا إنه كان عايز يعرف غلاوته عندهم." نظر طارق إلى فارس بتعمق وقال وهو مفتعل الجدية: "تفتكر يا واد يا دكتور انت لو عملت كده ممكن يجيب مع أمك وأشوف منها حبة دلع من اللي مانعاه عني بقالها 30 سنة؟ كتم فارس ضحكته: "بعد الشر عليك يا بابا، بس لأ مش هيجيب نتيجة معاها فا متحاولش." ضحك الجميع، بينما نظرت حياة بامتنان لفارس وحركت شفاها دون صوت: "شكرا."
ابتسم لها بحنان، بينما كانت عيني زياد تتابعهما في صمت. *** في المساء، جلست حياة في غرفتها تكاد لا تصدق ما مر بها في الليلة الماضية. واحدة من أقسى الليالي التي مرت عليها، أكبر مخاوفها تتجسد أمامها، والدها مريض... دائمًا كانت تخشى عليه، تهتم بصحته، لا تريد أن ترى فيه مكروهًا. سقطت دمعة من عينيها. أخرجها من شرودها رنين الهاتف بجوارها. نظرت إلى الشاشة المضيئة باسم فارس وانقبض قلبها. أجابت بلهفة: "فارس.... بابا بخير؟
أتاها صوته الدافئ حنونًا: "متخافيش يا حياة... أونكل زياد بخير أنا كنت عنده من شوية وهو بقي أحسن كتير... هيخرج بكرة إن شاء الله." تنهدت حياة بارتياح: "الحمد لله." أردف فارس بنفس النبرة الدافئة: "حياة.... طمنيني عليكي... انتي كويسة؟ همست بصوت ضعيف: "لأ.... انت مش عارف بابا عندي إيه يا فارس." بدأت تبكي. سمع فارس صوت شهقاتها الضعيفة عبر الهاتف فهمس: "ممكن متعيطيش....
لما شوفتك بتعيطي النهاردة كان نفسي آخدك في حضني وأقولك متعيطيش بس مقدرتش." لم تجب حياة، فقط ابتسمت من خلف دموعها... ابتسامة استطاع أن يشعر بها فارس عبر الهاتف.. فهتف بمرح: "يا بخت أونكل زياد عشان بتخافي عليه كده." هتفت حياة: "طبعًا بخاف على بابا جدا... أهم إنسان عندي في الدنيا... انت متتصورش أنا بحب بابا قد إيه." بنبرة هادئة قال فارس: "ربنا يخليهولك." همست: "يارب." ضحك فارس وهتف بمرح: "انتي مش بتثقي فيا ولا إيه؟
مش واثقة إني عالجت باباكي كويس؟ أخيرًا ابتسمت حياة: "لأ واثقة طبعًا، بس أنا لما بابا بيبقى تعبان أنا بحس إن روحي بتوجعني." تنهد فارس وقال بصوت هادئ: "متقلقيش يا حياة... أنا جنبك... وبابا بكرة إن شاء الله هيبقى في البيت." همست بضعف: "حاضر يا فارس." لم تستطع أن تكبح ضيقتها أكثر من ذلك فهمست: "فارس أنا زعلانة منك؟ جاءها صوته الهادئ بنفس الدفء: "ليه؟ ارتبكت نبرتها وقالت: "عشان... عاملتني كأني حد غريب في المستشفى...
مش زي ما بنتكلم." تنهد فارس وقال بصوت واثق: "حياة... المستشفى مكان شغلي، مينفعش إني أظهر أي مشاعر فيه.... غصب عني يا حياة متزعليش." همست بصوت ضعيف: "بس أنا كنت محتاجاك وقتها... كنت محتاجاك تطمني كصديق وكطبيب." أتاها صوته الهادئ بعد لحظات مطمئنًا: "أنا معاكي يا حياة... مستعد أفضل معاكي على التليفون للصبح عشان أطمنك." فلتت منها ضحكة صغيرة: "شكرا يا فارس." همس بحنان: "مش زعلانة؟
حركت رأسها بصمت وكأنها يراها، لكنه كان يشعر بصوت أنفاسها التي بدأت تهدأ وتنتظم على الطرف الآخر فقال: "حياة... نامي دلوقتي عشان انتي محتاجة ترتاحي، وأشوفك بكرة الصبح إن شاء الله." همست: "تصبح على خير." ابتسم صوته وقال: "تصبح على خير يا حياة." ***
في المساء كانت جميلة تجلس وحيدة في غرفتها، تتصفح هاتفها بملل واضح حين أضاء هاتفها بمكالمة فيديو من مالك. أجابت على الفور وظهرت على الشاشة صورة مالك بابتسامته التي تسحر قلبها. مجرد أن وقعت عيناها عليه همست: "وحشتني أوي يا مالك." اتسعت ابتسامته وقال: "وأنتي أكتر." بنبرة هادئة دافئة أردف: "انتي لسة صاحية؟ هتفت ممازحة: "انت منمتش ليه لحد دلوقتي، عندك شغل الصبح." أراح رأسه على قائم
السرير وهمس بنبرة ممازحة: "حسيت إنك عاوزة تسمعي صوتي قبل ما تنامي فمرضيتش أنام." ضحكت جميلة: "انت بتخمني، انت اللي اتصلت، اعترف إنك اتصلت عشان انت اللي مكنتش عارف تنام من غير ما تسمع صوتي." ضحك مالك: "مش فارقة كتير، المهم إني أشوفك قبل ما أنام." نظرت جميلة إلى الغرفة من حول مالك: "انت خلاص في السرير هتنام؟ همس بصوت ناعس: "آه خلاص... لاحظت جميلة وجود شيء خلف مالك وهو يتحرك براحة على السرير فصاحت: "مالك...
رجع الكاميرا تاني كده، إيه اللي جنب السرير ده؟ بدا التوتر واضحًا على صوته: "مفيش حاجة." صاحت جميلة بسعادة: "مالك، أنا شفتها مش هتخبي عليا." ابتسم وهو يوجه كاميرا الموبايل ناحية الطاولة المجاورة لسريره ليظهر إطار ذهبي يحمل صورتهما معًا يوم تبادلا الاعتراف بالحب. ابتسمت جميلة بحنان وهمست: "انت حاطط صورتنا جنب سريرك؟ نظر مالك إلى عمق عينيها وقال بحنان: "عشان تبقي أول حاجة أفتح عيني عليها."
مالت جميلة على الوسادة أكثر وهي تضع كفها على عينيها وتبتسم بخجل. شاهدها مالك بصمت وبنفس الابتسامة. لحظات ثم همس: "جميلة.. مش المفروض تنامي بقي عشان عندك شغل الصبح؟ بصوت ناعس همست: "أنا مش عايزة أقفل وأسيبك.... خلينا نتكلم شوية." أومأ رأسه: "ماشي خلينا نتكلم شوية، ما تيجي نتقابل بكرة، بقالي كتير مشفتكيش." قالت جميلة وهي تتململ في السرير: "بكرة بعد الشغل هاروح مع ماما عند خالتو مامت ليلي."
تغيرت ملامح مالك وأصبح الضيق واضحًا عليه: "هو لازم يعني تروحي عند خالتك؟ أجابت جميلة ببراءة: "ماما عاوزاني معاها." بنبرة حادة هتف مالك: "وابن خالتك هيكون موجود؟ رفعت كتفيها باستنكار: "معرفش..... ولو موجود انت متضايق ليه؟ صاح مالك بحدة: "هو إيه اللي متضايق ليه؟ مش انتي قولتيلي ابن خالتك ده كان عايز يتجوزك وباباكي كان موافق، عايزاني أكون مبسوط وانتِ رايحة عندهم البيت بنفسك." ضحكت جميلة وهمست بدلال وهي تضع
خصلة من شعرها خلف أذنها: "انت بتغير يا حبيبي؟ بملامح عابسة ونبرة هادئة لكنها حادة: "جميلة انت مش هتروحي." اقتربت جميلة للهاتف وهمست: "مالك... ابن خالتي عنده 15 سنة." عقد مالك حاجبيه: "واللي عنده 15 سنة ده كان عايز يتجوزك؟ ولا انتي بتضحكي عليا؟ أخفضت جميلة رأسها، فسقطت خصلات شعرها تغطي وجهها وهمست كما لو كانت تحدث مالك بسر: "محدش كان عايز يتجوزني، أنا قلت كده بس عشان أضايقك لما عرفت إنك كنت عايز تتجوز حنين."
صمت مالك قليلًا ثم همس: "ارفعي شعرك من على وشك وبصيلي." ببطء رفعت عينيها لتتلاقى مع عينيه العميقين التي تحملان كمًا من المشاعر لم ترها جميلة من قبل. نظر لها مالك طويلًا قبل أن يقول: "انتي عارفة أنا كان هيجرالي إيه لما انتي قولتيلي كده؟ ارتبكت جميلة وخفضت عينيها وهمست: "أنا آسفة يا حبيبي." ابتسم مالك: "أعتقد محتاجة تصالحيني بأكتر من أنا آسفة." رفعت جميلة عينيها، والتقت بعيني مالك وهمست: "بحبك."
ابتسم مالك: "وأنا كمان." رفعت جميلة حاجبيها: "انت عارف إن أنا دايما اللي بقولك كلام حلو وانت بتقولي وأنا كمان،" ثم قالت بدلال: "قول كلام حلو يا مالك." ضحك وقال: "كلام حلو يا مالك." عقدت جميلة حاجبيها: "بجد يا مالك، مش بتقعد تقولي كلام حب والحاجات دي." خفتت ابتسامته ونظر إلى عمق عينيها وقال بهدوء ودفء: "عشان الكلام ملوش معنى، كل كلام الدنيا مش هيوصل اللي أنا حاسس بيه." أراحت جميلة رأسها على الوسادة وأسبلت
جفونها وقالت بنبرة ناعسة: "بس ده ميمنعش إني أحب أسمع الكلام ده منك." همس مالك بصوت دافئ كما لو كان يتلو تهويدة: "بحبك يا جميلة، حياتي كلها اتغيرت من يوم ما شفتك، أنا من غيرك معرفش أعيش... ولو في سبب واحد مخليني عايش لحد دلوقتي فهو حبك." بجفون مسبلة وصوت ناعس همست: "أنا كمان بحبك." ابتسم مالك وهو ينظر لوجهها الملائكي البريء وملامحها المستكينة وهمس: "تصبح على خير يا جميلة."
راحت جميلة في ثبات عميق بينما مالك ظل يشاهد صورتها في صمت ويستمع لصوت أنفاسها الهادئة حتى غلبه النعاس هو الآخر. في الصباح، استيقظت جميلة على صوت دافئ يهمس باسمها: "كل ده نوم، هتتأخري على الشغل." فتحت جميلة جفونها بكسل. وجدت أنها لا تزال تمسك بالهاتف بين يديها، أدركت أن غلبها النوم ولم تغلق المكالمة. وجدت مالك يبتسم لها بنشاط وهو يحمل بين يديه كوب القهوة
وينظر إلى الهاتف باستمتاع: "هتفضلي تبصيلي كده مش هتقوليلي صباح الخير؟ ابتسمت جميلة وهي تتمدد بكسل: "صباح الخير يا حبيبي." ثم اعتدلت وهي تنظر للهاتف وصاحت: "انت عارف إنك مجنون صح؟ مقفلتش من امبارح؟ نظر مالك لعينيها لحظات ثم قال: "مقدرتش أقوم أن وشك يبقى آخر حاجة أشوفها قبل ما أنام وأول حاجة أصحى عليها.... حاجة مؤقتة لحد أما نبقى جنبي بجد." سرت قشعريرة بجسد جميلة واحمرت وجنتاها وصاحت بخجل: "مالك."
ابتسم مالك: "بس انتي عارفة إن شكلك حلو أوي وانتي لسة صاحية من النوم." فلتت ضحكة صغيرة من جميلة: "انت واضح إنك بتبقى رومانسي الصبح أكتر." ارتشف من كوب القهوة في يديه وقال: "لما تبقي انتي آخر حاجة أشوفها قبل ما أنام وأول حاجة أشوفها لما أصحى يبقى لازم أصحى مزاجي رايق." ابتسمت بخجل وهي تضع خصلة من شعرها خلف أذنها: "أنا مش هقدر على الدلع والحب ده كله." ضحك وهو
يضع كوب القهوة من يديه: "كفاية عليكي دلع كده عشان أنا لازم أنزل الشغل، وانتِ كمان عندك شغل." همست بدلال: "مالك، أنا بفكر أسيب الشغل." لمعت عينا مالك وهتف: "يبقى أحسن برضه..... أنا مش عايز حد يشوفك غيري." بتوتر وهي تعقد أصابعها قالت: "طيب وممكن أروح النهاردة مع ماما عند خالتو؟ ابتسم بهدوء: "ماشي يا جميلة... صاحت جميلة بسعادة: "بحبك يا مالك قلبي." ابتسم وصمت قليلًا قبل أن يتمتم: "وأنا كمان." ***
بعد يوم طويل في العمل، كانت جميلة تشعر بالإرهاق وهي في طريقها للخروج من باب الشركة. وجدت هاتفها يضيء باسم مالك. أمسكت الهاتف وفتحت الخط، لكنها قبل أن تتفوه بكلمة واحدة أتاها صوت مالك يهمس بدفء: "بصي قدامك كده." تلفتت جميلة حولها قبل أن تصيح: "مش معقول يا مالك انت هنا... أنا مش شايفاك."
أطلق مالك بوق السيارة، فانتبهت جميلة له وأسرعت إليه بسعادة كطفلة صغيرة أتاها والدها يقبلها من المدرسة. فتحت باب السيارة ووجدت على المقعد المجاور لمالك باقة من الورود البيضاء. نظرت إليه جميلة بعينين لامعتين وبهدوء أمسكته وضمته إلى صدرها وجلست على المقعد بجوار مالك الذي كان يراقبها بعينين مبتسمتين. لكن جميلة نظرت إلى باقة الورود وإلى مالك بعدم فهم وهمست: "ليا أنا؟ ابتسم مالك وهو يومئ برأسه بالإيجاب.
بنفس النظرة الحائرة همست: "بمناسبة إيه؟ رفع مالك حاجبيه وقال بنبرة دافئة: "هو أنا محتاج مناسبة عشان أجيب لحبيبتي ورد؟ بعدين مش انتي بتحبي الورد الأبيض؟ ضمت جميلة باقة الورد إلى صدرها، استنشقت عبيرها ورفعت رأسها ونظرت إلى مالك: "بحب الورد الأبيض، بس بحبك انت أكتر." ابتسم وهو يعبث بخصلة من شعرها المنسدل على كتفيها وهمس: "جميلة.... ممكن تبقي تربطي شعرك وانتي في الشغل؟ بخضوع أومأت رأسها. أدار مالك محرك
السيارة وانطلق وهو يقول: "معلش يا جميلة أنا هاوصلك البيت لأني لازم أروح ليوسف، باباه تعبان وعمل قسطرة في القلب امبارح... بس أوعدك نخرج بكرة بعد الشغل لوحدنا." بهدوء ردت جميلة: "ألف سلامة عليه، أنا كمان رايحة مع ماما النهارده، ولا أنت نسيت؟ افتعلا مالك الانشغال بالطريق وقال بسخرية: "لأ أنا فاكر... بس ابقي سلميلي على ابن خالتك." مالت عليه جميلة وهمست بدلال: "انت لسة زعلان." نظر إليها بنظرة ثاقبة سريعة وقال: "متضايق...
بس مش زعلان." أخرجت جميلة وردة من الباقة، وداعبت بها وجه مالك بمرح طفولي: "خلاص متزعلش." صمتت جميلة لحظات ثم أردفت بجدية: "وقتها أنا كنت خايفة يا مالك، فعلشان كده كذبت عليك." قال وعيناه على الطريق: "أنا مبحبش الكذب. لما حسيت إنك ممكن تروحي لراجل تاني يا جميلة أنا يومها بس حسيت بالعجز، حسيت قد إيه أنا ضعيف... الوجع كان كأن قلبي بيخرج من ضلوعي." همست جميلة بحنان: "بعد الشر على قلبك."
ابتسم مالك وهو يقف بالسيارة أمام منزل جميلة. فتحت جميلة باب السيارة ونظرت إليه بحب وهمست: "شكرا على الورد... وعلى التوصيلة." نظر إليها بابتسامة وقال بصوت رخيم: "خلي بالك على نفسك يا جميلة." ابتسمت وهي تتجه نحو المنزل لكنه أردف بصوت بالكاد مسموع: "وعلى قلبي." انطلق مالك بسيارته متجهًا نحو منزل يوسف. وقف في الإشارة وأخرج هاتفه وبعث رسالة إلى جميلة: "طمنيني عليكي، نزلتي؟ لحظات وأضاء
هاتفه برسالة من جميلة: "قربت أوصل عند ليلي." ابتسم مالك وهو يدرك في قرارة نفسه أن جميلة سيطرت على قلبه ومشاعره. للمرة الأولى التي يواجه فيها مالك نفسه بمشاعره، بضعفه أمام عيني جميلة، وحبها الذي يملأ كل كيانه. دخلت جميلة غرفة ليلي التي كانت مستلقية على السرير تعبث بهاتفها. رفعت ليلي عينيها عن الهاتف حين دخلت جميلة. نظرت لها وصاحت: "وشك منور يا جميلة." اتسعت ابتسامة جميلة وهي تغلق الباب خلفها
وصاحت بعيني لامعتين بالحب: "مالك جالي عند الشغل النهارده، وجابلي بوكيه ورد." رفعت ليلي حاجبها وهتفت: "ورد؟! مش لسة بدري على الفلانتين." ضحكت جميلة بدلال وقالت: "من غير مناسبة." اعتدلت ليلي في جلستها وصاحت: "مالك اللي مش بيقول كلمتين على بعض جابلك ورد؟! ده لما كان بيجيبلك شوكولاتة كان بيحطها قدامك ويقولك اهو جبتلك شوكولاتة، بيجيب ورد.... انتي عملتي فيه إيه؟
ضحكت جميلة: "هو تقريبًا عمل كده في الورد برضه، سابهولي على كرسي العربية.... بجد يا ليلي أنا مبسوطة أوي... أحلى إحساس في الدنيا إن الإنسان اللي بحبه بيستقبلني نفس الشعور." ابتسمت ليلي: "واضح إن مالك رومانسي بس مخبي.... كان خايف.... عليكي وعلى نفسه، بس دلوقتي اتجرأ شوية." همست جميلة: "بس أنا اللي بقيت أخاف عليه دلوقتي أكتر من أي حاجة في الدنيا... خايفة أي حاجة تبعدنا عن بعض."
رفعت ليلي حاجبها: "يا بنتي الواد وقع خلاص مفيش حاجة هتبعدكوا عن بعض إن شاء الله، بس قوليلي أخوه فين من حياتنا؟ مش بيخرج معانا ولا أي حاجة." ضحكت جميلة: "أنس باشا في الغردقة، وبعدين اتلمي بقى، هو لو شافك بالأسلوب ده ممكن يحبسك." غمزت ليلي: "لو هيحبسني في بيته أنا موافقة." ضحكت جميلة: "وبعدين معاكي بقى، بس أوعدك أول ما ينزل القاهرة هقول لمالك يخليه يخرج معانا." أضاء هاتف جميلة بمكالمة من مالك. رأت ليلي
اسم مالك على الهاتف فصاحت: "أوووه واضح إن الحب مولع.. ورد وتليفونات." ابتسمت جميلة بخجل وهي تبتعد عن ليلي لترد على مالك، همست بصوت حاني: "ألو." جاءها صوت مالك من الطرف الآخر هادئ ورخيم: "وصلتي؟ جميلة: "آه وصلت... قاعدة مع ليلي." مالك: "طيب كويس... أنا كنت بطمن عليكي... أنا تحت البيت عند يوسف، ابقي طمنيني عليكي لما تروحي." همست جميلة: "مالك... أنت أكيد مش زعلان مني؟ بنبرة واثقة أجاب: "مبزعلش منك."
همست بصوت منخفض: "أنا آسفة... بحبك." مالك: "وأنا كمان آسف لو زعلتك." جميلة: "كلمني لما تنزل من عند يوسف." أغلق مالك الخط وعلى وجهه ابتسامة يعرف مصدرها جيدًا، وصعد إلى منزل يوسف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!