جلس مالك مع جميلة في إحدى الكافيهات بالمول، كان التوتر والتردد يظهر بوضوح علي مالك، لكنه حاول أن يخفيه. نظرت إليه جميلة وهي تضع السكر في كوب القهوة وقالت: في إيه يا مالك؟ لم ينظر إليها، ارتشف رشفة من قهوته وقال: نتيجة التحاليل طلعت النهاردة. ظهر القلق والتوتر على جميلة، اتسعت حدقة عينيها، حدقت بمالك كثيرا قبل أن تهمس بصوت مكتوم: وايه؟ ابتسم مالك ابتسامة واسعة: الحمد لله... خفيت يا جميلة.
ابتسمت جميلة بسعادة بدت واضحة على كل ملامحها، نظرت لعيني مالك بكل حب: الحمد لله. لم يختف التوتر من عيني مالك، ابتلع ريقه عدة مرات قبل أن يهمس بتوتر أصبح واضحا على نبرة صوته: جميلة أنا عاوز أقولك حاجة. نظرت إليه باستغراب وهي تضع خصلة من شعرها خلف أذنها: إيه؟ تنفس مالك بعمق وهمس بنبرة واثقة مشحونة بالمشاعر: كل مرة كنتي هتقوليها، كنت بقراها في عينيك...
كنت بفهم وبحس بيكي قبل ما تتكلمي لأني دايما فاهمك يا جميلة، فاهمك أكتر من نفسك، وكل مرة كنت بصدك فيها، كان على أمل أني أقولها أنا الأول..... لأنك تستاهلي يا جميلة إني أنا اللي أقولها الأول... صمت قليلا، أخذ نفس عميق ثم همس: جميلة... أنا بحبك. احمرت وجنتاها وتلألأت دمعة داخل مقلتيها، نظر لها بعيني تشعان بالحب فأردف مالك: بحبك من زمان... بس أنا كنت خايف... كنت باهرب منك، كنت خايف أعلقك بيا وأسيبك وأمشي....
مكنتش عاوز أوجعك.... بس من النهاردة مفيش خوف ولا هروب تاني. ابتسمت بهدوء وهمست: بحبك يا مالك. تنهد كما لو كانت ردت إليه روحه مرة أخرى: بحس دلوقتي قد إيه أنا كنت غلطان إني مقولتهاش من بدري. ضحكت جميلة بخفة وهي تضع خصلة من شعرها خلف أذنها: بس أنا كنت عارفة يا مالك... طول عمري بحس بيك من غير ما تقول..... ثم ضحكت بخبث: بس أنت المفروض تعوضني عن كل الوقت اللي فات ده. ابتسم مالك وهتف بمرح: استعدي. ابتسمت
جميلة بعينين لامعتين: مستعدة لكل حاجة جاية طالما هنبقي مع بعض. دفع مالك حساب القهوة، ونظر إلى جميلة: تتمشي شوية؟ أومأت رأسها بالإيجاب. سارا جنبا إلى جنب في المول، فرد مالك كف يديه بجوار كف جميلة، ارتعدت أنامله للحظة، لم يتحدث، لم ينظر لها، فقط أنامله قريبة جدا من يدها لكنه لا يلمسها، لكن فجأة دفعت جميلة كفها بحضن كفه، ضغط على كفها بقوة وكأنها كل ما يملك في هذا العالم. وقفت جميلة فجأة، وأخرجت هاتفها ونظرت لمالك:
أقف يا مالك خلينا ناخد صورة سوا، علشان نفتكر اللحظة دي دايما. رفعت جميلة الهاتف، وقفت لتلتقط الصورة بينما مالك وقف خلفها وابتسم ابتسامة مليئة بمشاعر لم تراها جميلة من قبل... كانت لحظة تستحق أن يحتفظ كلاهما بها للأبد. *** في المقهي الذي اعتاد الأصدقاء اللقاء فيه، جلست لارا ويوسف وليلي في انتظار مالك وجميلة... الذي تأخرا على غير العادة. أخيرا دخل مالك يدا بيد مع جميلة، كفه يحتضن كفها بحنان...
جلسا متجاورين لكن أقرب من المعتاد، لاحظ الأصدقاء ما يدور حولهما، نظرا إلى بعضهما البعض.. حتى قطعت الصمت ليلي وضيقت عينيها وصاحت وهي تشير لجميلة ومالك: وده من امتي؟ ابتسمت جميلة بحياء ولم تعقب، فصاحت لارا بحماس: مش معقول أخيرا قالها؟ أومأت جميلة رأسها بالإيجاب مع ابتسامة ووجنتين حمر، صاحت ليلي مجددا: قوليلي علشان أنا عارفاكي هو اللي قال الأول ولا انتي اللي قولتي؟ ابتسم مالك وهو ينظر لجميلة: أنا اللي قولت الأول طبعا.
تنهد يوسف بدراما مفتعلة: ااااه يا قلبي... أخيرا قولتها. صاحت لارا بحماس: أنا فرحانة جداا. ضحكت ليلي: قولولي التفاصيل بالظبط.... قالها إزاي وأمتي، قالها عادي كده ولا بطريقة رومانسية. رفعت جميلة كتفيها بابتسامة: قالها وخلاص. ضحك يوسف: عندك حق المهم إنه قالها. أمسكت ليلي بهاتفها ورفعته وهي تهتف: لازم أتصل بحنين... مش هينفع الخبر ده يفوتها. لحظات وأتاها صوت حنين وصورتها عبر الهاتف، ما إن رأتهم مجتمعين حتى صاحت:
كلكوا متجمعين كده يبقي أستر يا رب. ضحكت ليلي: استني بس أمال لو عرفتي اللي حصل. ضحكت حنين: عملتوا مصيبة ولا إيه؟ غيرت ليلي اتجاه الكاميرا فجعلتها على مالك وجميلة وصاحت: شايفة فيه إيه متغير هنا؟ نظرت حنين قليلا بصمت ثم صاحت بحماس: مش معقووووول..... أخيرااا. ضحك مالك بخفة: واضح يا جماعة إن كلكوا كنتوا مستنين الحدث ده من زمان..... خلاص يا جماعة قدامكوا كلكوا ... أنا بحبها..... خلاص..... ممكن نتكلم في حاجة تانية.
صاح الجميع بسعادة، بينما ابتسمت جميلة بخجل وهي تداري وجهها في كتف مالك من الحياء. ضحك يوسف: ده إحنا مش هنتكلم غير على الموضوع ده النهاردة. قالت جميلة بحزم: خلاص بقي يا جماعة. بينما صاحت ليلي بمرح: لأ يا مالك... مش هنسيبك غير لما تقولها كلام رومانسي قدامنا. نظر لها مالك بحزم: ولو قولت خلاص هنقفل الموضوع و تسكتوا؟ ضحك يوسف بمرح: أوعدك لو قولت مفيش حد هيفتح بقه تاني. بهدوء قال مالك:
علشان انتوا تافهين، مفكرين إن الحب كلام وبس، مع إن الحب إحساس... ثم نظر إلى جميلة وهمس بصوت واضح مسموع للجميع: أنتي أحلي حاجة حصلتلي في حياتي، ومش محتاج أقولها كل يوم علشان تبقي عارفة. احمرت وجنتا جميلة من الخجل، بينما تنحنح يوسف وهو يكتم ضحكته وقال: خلاص يا جماعة مالك عمل اللي طلبناه كفاية غلاسة عليهم لحد كده، ها هتشرب إيه يا مالك؟ صاحت ليلي بسخرية: ليمون.
نظر لها مالك بحدة مفتعلة، بينما ألقت عليها جميلة ورقة كانت موضوعة على الطاولة، وضحك الجميع. *** اعتادت سارة أن تجلس كل يوم بعد الغداء في غرفتها مع عصام، وبعد رحيله حافظت على تلك العادة، تجلس وحيدة تتناول الشاي في صمت وهي تتذكره. سمعت طرقات خفيفة على الباب، فتحت لارا الباب وجلست إلى المقعد الفارغ بجوار والدتها، ابتسمت سارة وربتت على رأس لارا بحنان وهمست: في إيه يا لارا... حساكي محتارة. نظرت لارا إليها
كثيرا ثم همست بصوت ضعيف: ماما... هو أنا كنت فعلا بحب يوسف قبل الحادثة؟ نظرت لها سارة مطولا قبل أن تقول: الإجابة دي مش عندي، بس انتي ليه بتسألي؟ هو انتي مش بتحبيه دلوقتي؟ خرج صوت لارا ضعيف مرتبك: أنا مستغربة ليه نسيته هو، لو كنت بحبه بالطريقة اللي بيقولها مكنتش هنساه، صح؟ نظرت سارة داخل عينيها وقالت بنبرة حنونة:
اللي أعرفه قد إيه كنتي بتتحايل عليّ علشان أوافق إنكم تتجوزوا، لحد قبل ما تسافري الغردقة كنتي بتطلبي مني أوافق، كان باين في عينيكي وقتها الحب..... يوسف إنسان محترم وبيحبك بجد، فيه شبه كبير من زياد. وعلى فكرة أنا وافقت تتجوزوا لما شوفت بعيني لهفته عليكي في المستشفى، كان مستعد يعمل أي حاجة بس تفوقي. تنهدت لارا: وأنا يا ماما؟ كنت بحبه زي ما هو بيحبني؟ أنا معنديش شك إن يوسف بيحبني، بس.... قاطعتها سارة:
أنا مش هادخل جوه مشاعرك يا لارا علشان أعرفها، بس إحساسي كأم كان بيقولي إنك بتحبيه زي ما بيحبك، لما كنتي بتخرجي مع أصحابك وترجعي كنت بعرف الخروجة اللي كان فيها يوسف من عينيكي لما بترجعي، وشك كان بيبقى منور وعنيكي فيها لمعة. بدى التردد أكثر على لارا، لكنها قامت من مكانها ووضعت قبلة حنونة على جبين سارة واتجهت إلى باب الغرفة وقالت: ماما أنا هاقابل أصحابي و أرجع كمان ساعة مش هتأخر. ***
جلست لارا أمامه في إحدى المقاهي، تتطلع إليه بشرود، شعره الأسود المرتب بعناية، جبهته العريضة، حاجبيه الداكنان وعينيه السوداء التي تحمل غموض لم تراه من قبل، صدره المنتفخ بالعضلات، نظراته لها لم تكن مريحة، شعرت بقبضة في قلبها حين فتح فمه وقال بصوت عميق كالفحيح: برضه عملتي اللي في دماغك يا لارا واتخطبتي ليوسف؟ هو ده اللي أنتي عايزاه؟ ارتبكت لارا، لكنها حاولت أن تخفي ارتباكها عنه، لكنه كان جليا في نبرة صوتها حين قالت:
سامر... أنا بحب يوسف، وعلشان كده اتخطبتله. بعينين جامدتين صاح: وأنا يا لارا؟ نسيتي إننا كنا بنحب بعض. ازداد ارتباكها: أنا مش فاكراك أصلا و..... قاطعها بحدة: وفاكرة يوسف؟ شعرت بضربات قلبها أقوى، طرقت بأناملها على الطاولة: أنا سألت كل أصحابي عنك، محدش فيهم يعرفك، محدش يعرف إن كان في بينا حاجة. ضحك سامر بسخرية وهو يضع مرفقيه على الطاولة ويميل نحوها، نظر إلى عينيها بخبث:
إحنا كنا بنتكلم في السر يا لارا، من ورا الناس كلها، من ورا يوسف، كنتي عاوزة تقولي لصحباتك إيه؟ إنك تعرفي راجلين في نفس الوقت؟ اتسعت عين لارا في ذهول: أنا استحالة أعمل كده.... أكيد ده محصلش. ابتسم سامر: الحب يا حبيبتي يخليكي تعملي أكتر من كده.... انتي مش وحشة، بس أنتي كنتي هتسيبي يوسف فعلا، كنتي بس مستنية الوقت المناسب. هزت لارا رأسها بنفي، قلبها ينبض بقوة، تجاهد ليخرج الصوت من حلقها: مستحيل. أخرج سامر
هاتفه ووضعه أمام لارا: عاوزة إثبات؟ قدامك أهو... صور ورسايل ومكالمات بينا بالساعات، بس أنتي نسيتيها يا لارا، الحادثة غيرتك أوي. شردت لارا للحظات، تحدثها نفسها بأنها لا يجب أن تصدقه، عقلها مشوش تماما، بينما قلبها يخفق بتوتر، استجمعت كل قوتها وصاحت: و ليه بتقول الكلام ده دلوقتي؟ كنت فين وأنا في المستشفى؟ لو بنحب بعض زي ما بتقول مكنتش جنبي ليه وقتها؟ ابتسم سامر بعيني حادة كالصقر:
ومين قالك إني مكنتش جنبك، كنت باجي أطمن عليكي كل يوم، بس كنت باحترم اللي كان بينا ومكنتش باقرب منك قدامهم. صاحت لارا: أنت كذاب. ابتسم سامر بخبث: ماشي أنا كذاب.... خلينا نشوف يوسف لما يعرف اللي بينا هيبقي إيه رد فعله، تفتكري لو عرف إنك كنتي بتخدعيه هيعمل إيه؟ لو عرف إن حبيبة القلب كانت بتيجي تترمي في حضني وتحلم باليوم اللي أسيبه فيه؟
شعرت لارا بقشعريرة تسري في جسدها، انقباضة قوية في قلبها جعلتها تدرك أن سامر يحاول التشويش على عقلها، بل و يهددها... صاحت بنبرة حاولت أن تبدو قوية: يوسف بيحبني وبيثق فيا... واستحالة يصدقك. بهدوء ونفس النبرة الساخرة قال سامر: ماشي مش هيصدقني، بس رسايل الحب اللي كنتي بتبعتيهالي والصور ومكالمتنا كل يوم، تفتكري والدته اللي مكنتش موافقة عليكي من الأول لما تشوفهم هيبقي رأيها إيه؟
شعرت لارا ببرودة تجري في أوصالها، عقلها مشوش، سامر يبدو واثقا في تصرفاته، لكنها متأكدة أن من يحكي عنها سامر من المستحيل أن تكون هي، شعرت بخوف حقيقي يتملكها قالت بصوت منكسر: وعايز إيه دلوقتي؟ ابتسم وقال بصوت منخفض كالفحيح: عاوز تقابليني وقت ما أنا عايز، واللي أقوله يتنفذ لحد أما تسيبي يوسف خالص وتبعدي عنه.
لم ينتظر منها رد، قام من مكانه تاركا بعض النقود على الطاولة حسابا لقهوته، بينما دفنت لارا رأسها بين راحتيها وانغمست في البكاء، عقلها لا يستوعب ما يحدث حولها. حتى أضاء الهاتف باسم يوسف. نظرت إليه بتردد قبل أن تجيب، وضعت الهاتف على أذنها لكن لم تقل شيئا، أتاها صوت يوسف بمرح: انتي نايمة؟ حتى لو نايمة تصحي عشان وحشني صوتك. بنبرة هادئة أجابت: أنا صاحية يا يوسف. انساب القلق إلى نفس يوسف فقال: انتي كويسة؟ صوتك فيه حاجة.
لارا: أنا بخير يا يوسف. يوسف: طيب إيه رأيك أعدي عليكي ونتغدى سوا النهاردة؟ لارا: معلش يا يوسف ممكن نخليها يوم تاني؟ يوسف: ماشي بس ليه يوم تاني؟ لارا: حاسة إني تعبانة النهاردة شوية... محتاجة أرتاح. يوسف: طيب خلاص، هاخلص شغل وأعدي عليكي في البيت أطمن عليكي. لارا: لأ... بلاش النهاردة عشان أنا هنام. يوسف: طيب خلاص نامي وارتاحي يا حبيبتي ولما تصحي كلميني.
أنهى يوسف المكالمة مع لارا وتسرب القلق إلى نفسه، صوتها مرتبك ورفضها لملاقاته جعل قلبه يخفق بقوة، لكنه حاول أن يطرد الأفكار السلبية من عقله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!