جلس زياد في غرفة المعيشة، يرتدي قميص قطني باللون الأبيض وبنطال رياضي باللون الأزرق الداكن. بجواره جلست نور تقطع له التفاح وتضعه في فمه بحنان. ومن الحين للآخر تضغط على يده وتطمئن عليه. همست بصوت ملئ بالقلق: في حاجة تعباك يا زياد؟ عاوز تدخل ترتاح جوه؟ ابتسم لها زياد في هدوء وقال بصوت ضعيف: أنا كويس يا نور. وضعت نور يدها على صدره ونظرت إلى عينيه وقالت: أنا اللي مش كويسة يا زياد....
من وقت ما شوفتك تعبان وحاسة إن قلبي أنا اللي واجعني. اقترب منها ببطء ووضع قبلة حانية على جبينها وهمس: بعد الشر عن قلبك يا حبيبتي... أنا لسة معاكي وجنبك اهو، مش هاسيبك دلوقتي متقلقيش. ربتت نور على ساقه: ربنا يخليك ليا. دخل يوسف إلى الغرفة. نظر إليهم بابتسامة وهتف بمرح: هو أنا جيت في وقت مش مناسب ولا إيه؟ هتفت نور بحدة: احترم نفسك يا ولد. جلس يوسف بجوار والده وأمسك يديه ومال على أذنه وهمس:
طيب ما انت كويس اهو يا حج بتقلقنا عليك ليه. ضحك زياد بضعف وهو يتألم وقال: بحب ألعب معاكوا شوية. دق الباب. فصاح يوسف: ده مالك يا بابا، جاي علشان يطمن على صحتك. قالها يوسف واتجه خارج الغرفة. بينما نور اعتدلت في جلستها ووضعت غطاء رأسها. لحظات وعاد يوسف ومن خلفه مالك، الذي وقف عند مدخل الغرفة بوجه مبتسم، يحمل في يده علبة شوكولاتة وقال: ألف سلامة على حضرتك يا عمو. ربت يوسف على ظهر مالك وهو يقول بمرح:
ادخل يا مالك، بابا بس بيحب يلعب معانا شوية... بس الحمد لله بقى كويس. جلس مالك على المقعد المجاور للأريكة التي يجلس عليها زياد. فقال زياد: كتر خيرك يا ابني... تعبت نفسك والله. اكتفى مالك أن يرد بابتسامة. فأردف زياد: صحتك عاملة إيه دلوقتي يا مالك. أومأ مالك بهدوء: الحمد لله. بينما صاحت نور: هو كان تعبان ولا إيه؟ ما شاء الله وشه منور وزي الفل أهو. ضحك يوسف وهو يمرر أصابعه في خصلات شعره وقال:
وشه منور من حاجة تانية يا ماما. توتر مالك، وبدا الخجل واضحًا على ملامحه. بينما قال زياد: الله... هو انت كمان وقعت... أنا قلت برضه. هتف يوسف بمرح: ادعيله بقى يا بابا يتهور ويعملها قريب. نظر له زياد بابتسامة وقال: لو بتحبها بجد متستناش حاجة، قولي وأنا أروح أخطبهالك. ابتسم مالك ابتسامة خجولة وقال: إن شاء الله قريب. بينما صاح يوسف: أوووه ده اعتراف أنا معرفوش... واضح إن ليك غلاوة عنده يا بابا علشان يقولك.
قاطعهم صوت جرس الباب. فقال زياد بصوت ضعيف: ده أكيد فارس، قالي هيعدي عليا علشان يجيب نتيجة التحاليل. خرج يوسف. لحظات وعاد ومعه فارس. وقف فارس عند مدخل الغرفة يرتدي بنطال من الجينز الأزرق وقميص كحلي منمق مفتوح ومن تحته تي شيرت قطني أبيض. ملامحه هادئة، وابتسامته تبعث على الطمأنينة حين قال: صحتك عاملة إيه دلوقتي يا أونكل؟ ابتسم زياد وقال بمرح: أنا متدلع أوي، الدكتور بنفسه جاي يطمن عليا في البيت. ضحكت نور وهي تضع قطعة من
التفاح في فم زياد وقالت: هو عندنا أغلى منك يا حبيبي. دخل فارس سلم على مالك وجلس بجوار زياد. فتح حقيبته الصغيرة وأخرج بعض الأوراق وقال: التحاليل طلعت وكلها الحمد لله كويسة.... مش محتاج بس غير إنك ترتاح شوية وتبعد عن أي توتر وقلق... وياريت لو تبعد عن الشغل اليومين دول. قال مالك بنبرة مازحة: لو هتبعد عن التوتر والقلق يا عمو يبقى محتاج تبعد عن يوسف. ضحك الجميع بينما وكزه يوسف في كتفه.
دخلت حياة وهي تحمل صينية عليها بعض أكواب الشاي والعصير. سلمت على مالك وفارس. ناولَت زياد كوبًا من الينسون وقالت: أنا عملتلك حاجة سخنة تشربها يا بابا، مش هينفع قهوة زي ما دكتور فارس قال. ابتسم فارس. بينما قالت نور بعفوية: هي حياة كده، مركزة مع كل كلمة انت بتقولها يا فارس وبتنفذها بالحرف. احمرت وجنتا حياة، بينما تعلق فارس بعينيه بها وظهرت ابتسامة صغيرة على جانب شفتيه. وقف مالك على الفور وقال:
أنا اطمنت عليك يا عمو فا أستأذنكم أنا. وقف يوسف بدوره وقال: ما تخليك قاعد معايا شوية. مال مالك على أذن يوسف وقال وهو يسلم عليه: الجو هنا بقى عائلي أوي ومشحون بالمشاعر. ضحك يوسف وهمس: هو أنت أخدت بالك؟ رفع مالك حاجبه باستنكار: هو في حد مش واخد باله. ربت يوسف على كتفه وهو يتبعه إلى الخارج وهمس في أذنه: هما نفسهم مش واخدين بالهم. ***
جلس عمر خلف مكتبه في البنك يراجع بعض الأوراق بتركيز وهو يحتسي قهوته، حين رن هاتفه بمكالمة واردة من والدته. لم يكن من المعتاد أن تتصل به في أوقات عمله فهي تعلم بحبه واهتمامه بعمله. أجاب بصوت قلق: الو يا ماما..... انتي كويسة يا حبيبتي. لكن آتاه من الجانب الآخر صوت زغاريد لم يفسرها في بادئ الأمر، لكنه تفهم حين صاحت والدته في سعادة: مبروك يا حبيبي... ألف مبروك. ضحك عمر بعدم فهم وقال: مبروك على إيه يا ماما؟ ردت والدته
وهي لازالت تطلق الزغاريد: اخص عليك يا عمر بتخبي عليا أنا، كده متقوليش إن حنين حامل... أعرف من حماتك. بصق عمر القهوة من فمه من الصدمة وهو يصيح: حامل؟! التفت إليه زملاءه في البنك بابتسامة وانهالت عليه التهاني. بينما همس عمر لوالدته بحرج: إزاي يا ماما... استحالة. والدته: استحالة إزاي يعني... بقولك حنين اللي قالت لمامتها إنها تعبانة... قالتلها كل أعراض الحمل، هو يعني انت هتفهم أكتر مني. تغيرت ملامح عمر وهتف بقلق:
ماما يعني حنين تعبانة في البيت دلوقتي؟ والدته عبر الهاتف: يا حبيبي متقلقش عليها كده، كل الستات بتتعب كده في أول الحمل. صاح عمر بقلق: طيب اقفلي دلوقتي يا ماما.... لازم أروح أطمن على حنين وهابقى أكلمك. أغلق عمر الهاتف ووجد زملاءه يلتفون حوله يطلقون عبارات التهاني ويباركون المولد القادم. أخذ عمر مفاتيح سيارته وانطلق مسرعًا إلى المنزل.
دخل عمر إلى شقته بسرعة وهو يشعر بالقلق على حنين. صاح باسمها عندما فتح الباب، لكنه وجدها تجلس أمامه على الأريكة، قدماها مرفوعتان إلى جوارها وتشاهد فيلما في التليفزيون وتضحك. وقف أمامها عمر لحظات قبل أن يطلق ضحكة وهو يقترب منها ويتساءل: هو إحنا مستنين حدث سعيد قريب؟ نظرت إليه حنين بعدم فهم. اعتدلت في جلستها، بينما هو أردف بابتسامة: يعني مش المفروض خبر زي ده أبقى عارفه قبل مامتك؟ اتسعت عينا حنين باستغراب وقالت:
هو في إيه يا عمر؟ حدث سعيد إيه؟ جلس عمر إلى جوارها وقال من بين ضحكاته: ماما يا ستي كلمتني وأنا في الشغل وبتزغرط وتقولي مبروك حنين حامل. اتسعت حدقتا حنين وفرغت فاها قبل أن تضع يدها عليه. أطلقت شهقة وقالت: طنط جابت للكلام ده منين... يعني.. أقصد... إحنا... استحالة يا عمر... ضحك عمر، لكنه أمسك يدها بحنان وهمس: هو انتي تعبانة يا حنين؟ حركت رأسها بالنفي وقالت: أنا كويسة الحمد لله اهو. همس عمر بصوت دافئ:
ماما قالتلي إنك قولتي لمامتك إنك تعبانة.. لو تعبانة قوليلي ونروح لدكتور. نظرت له حنين مطولاً قبل أن تضع يدها على فمها مرة أخرى وصاحت: عمر أنا لما كلمت ماما النهارده قولتلها فعلاً إن بطني بتوجعني ودايخة شوية... بس أنا أبعد ما يكون عن إني حامل... أنا.. أنا عندي.. عضت حنين على شفتها من الخجل وصمتت. أطلق عمر ضحكة وهو يضع يده على قلبه بحركة درامية مضحكة وقال: أنا اللي عندي ورطة كبيرة دلوقتي. اقتربت منه حنين وهمست بقلق:
ورطة إيه؟ في مشكلة في شغلك؟ ضحك عمر بمرح وهو يخلع ساعته: دلوقتي أقول لماما إيه اللي مستنيه أول حفيد... مش بعيد تكون نزلت تشتري هدوم البيبي وبتجهز للسبوع. ضحكت حنين بمرح: والله يا عمر ما قولت لماما حاجة... هي فهمت غلط أكيد. عمر: لا والمشكلة الأكبر في البنك..... أول ما ماما كلمتني صرخت وقولت حامل... البنك كله سمعني، ونزلت التهاني والمباركات ويتربي في عزك، وهتسميه إيه....
وأنا أحاول أفهمهم إن يا جماعة أكيد مراتي مش حامل، محدش هيفهم طبعًا..... خصوصًا إني سبت الشغل وجريت. ضحكت حنين حتى دمعت عيناها: دي ورطة فعلاً يا عمر.. غير هدومك وتعالى نتغدى وأنا هاكلم طنط أفهمها على سوء التفاهم. نظر إليها عمر بمرح وقال بمكر: ويهون عليكي تكسري قلبها، ما تيجي نفرحها بجد. وكزته حنين في صدره وهي تتجه إلى المطبخ: بس يا عمر كفاية هزار... أنا هاكلمها بعد الغدا. ***
دخلت لارا إلى غرفتها في المساء. جلست على الأرض أمام خزانة الملابس. لم تكن تدري عما تبحث بالتحديد، لكن قادها الفضول للبحث بحقيبة سفر صغيرة موضوعة داخل الخزانة. أخرجتها بعناية، فتحتها بعقل مشوش. تنقلت بين محتوياتها... وردة مجففة بعناية... خاتم مصنوع من الورق المقوى مرسوم عليه قلب باللون الأحمر، صورة تجمعها بيوسف وتضحك فيها بسعادة...
تذاكر قديمة للسينما، تذكرتين لدخول البرج بنفس تاريخ الصورة التي أشار إليها يوسف، زجاجة عطر شبه فارغة من العطر الذي يضعه يوسف، وأخيرًا وجدت دفتر صغير من الجلد البني محفوظ بعناية. فتحته بابتسامة حزينة. شعرت بالألفة تجاه كل الأشياء في الحقيبة، بينما ذلك الدفتر بالذات شعرت وكأنه جزء من روحها. أول صفحة فيه مكتوب في المنتصف كلمة "حياتي" وبجانبها رسمة لقلب صغير. قلبت الصفحة، وجدت كتابة بخط يديها: " شفت يوسف النهاردة تاني...
حاسة إني بدأت أحبه.." تنهدت لارا وقلبت الصفحة. " يوسف جابلي القهوة النهاردة زي ما بحبها من غير ما أطلب.... هو دايما بيلاحظ وياخد باله من حاجات صغيرة محدش غيره بيشوفها." بدأت دموعها تتجمع في عينيها وهي تقلب الصفحة. " مش عارفة هو بيعمل كده إزاي؟ بس أول ما بيكلمني بحس إن ضربات قلبي بقت أهدى... يمكن هو مش عارف هو بيأثر عليا إزاي..... أنا نفسي مش فاهمة تأثيره عليا." بدأت دموعها تسيل على خديها وهي تقرأ:
" كنت ماشية جنبه النهاردة وحاسة بالأمان.... إحساس غريب... بس لما بيبصلي بحس إني موجودة فعلاً." فرت في الصفحات وعيناها تفيض بالدموع والمشاعر تتأرجح بداخلها. " النهاردة يوسف زعقلي... علشان خرجت من غير ما أقوله... أنا عارفة إنه خايف عليا... بس أنا زعلت ... علشان هو أكتر واحد بيفهمني من غير ما أتكلم كان المفروض يفهمني.. بس لما سيبته ومشيت سمعت صوته بينادي عليا وبيقولي" استني...
متروحيش وإنتي زعلانة" ساعتها حسيت إن قلبي خرج مني وجري راحله، حسيت إني عاوزة ارجعله وأترمي في حضنه" " أنا بحبه.. أنا فعلاً بحبه.... إحساس غريب بس مش عايزة أكون مع أي حد في الدنيا غيره... حتى أهلي.... بحس إني قوية وضعيفة في نفس اللحظة وأنا جنبه." فرت في مذكراتها حتى وصلت إلى الصفحة الأخيرة. " يوسف وعدني إننا هنكون مع بعض... أنا متأكدة إنه هيقدر.. بس خايفة... خايفة بكرة ييجي ومكنش معاه"
جلست لارا طوال الليل تقرأ في مذكراتها، وفي الصباح عزمت أن تواجه مشاعرها. في الثامنة صباحًا، كانت تقف لارا أمام منزل يوسف، وقفت أمام سيارته تنتظره وهو في طريقه إلى العمل. خرج يوسف من البناية، يعدل من ساعته، بينما هو يرتدي نظارته الشمسية. لمحها تقف بجوار سيارته، توجه إليها بسرعة وصاح بقلق واضح على نبرته: لارا؟ إنتي واقفة هنا من إمتى؟ التفتت إليه، وجهها مرهق من السهر، لكن عينيها تشع بمشاعر متضاربة. قالت بصوت مرتبك:
معرفش... بس حبيت أجيلك الصبح... قبل ما تروح الشغل، مكنتش هقدر أستنى. ارتفع حاجباه في صمت، ينتظر منها أن تكمل. همست والدموع تتجمع في مقلتيها: كنت كاتبة كل حاجة... عنك.... عننا.... عن اللحظة اللي بدأت أحبك فيها من غير ما أحس.... عن خوفك عليا، وعن كل مرة كنت بتحارب فيها علشاني، كل حاجة كنت فاكرة إني نسيتها وضاعت ... لقيتها.... عرفت إن اللي كنت حاسة بيه الأيام اللي فاتت هو إني بحبك يا يوسف...
ولما قريت اللي كتبته عنك، عرفت إني كنت بحبك و لسة بحبك.... واعتقد هفضل أحبك. نظر لها مطولاً بعينين لامعتين ثم قال بنبرة حانية: امشي يا لارا. رفعت حاجبها باستنكار، فهتف: علشان نفسي أحضنك دلوقتي ومش هينفع. ضحكت بطفولة، همت أن تنصرف لكنه أمسك يديها بقوة وقال: استني...... عارفة؟ كنت ناوي أروح الشغل، عندي ميعاد مهم الساعة تسعة... بس بعد اللي سمعته، مفيش حاجة أهم منك. ابتسمت بخجل وقالت: يعني هتهرب من شغلك عشاني؟ ضحك وقال:
ماهو أنا بقالي شهور بحارب عشانك، مش كتير عليا يوم نحتفل إنك رجعتيلي.... تعالي نتمشى على النيل، نجيب فطار ونقعد نحكي... عايز أعرف كل اللي افتكرتيه، وكل اللي كنتي كتباه وأنا مش عارف. ضحكت وقالت: هحكيلك... بس بشرط. رفع حاجباه: شرط؟ وضعت كفها على عينها وقالت: ما تضحكش عليا. هز رأسه وقال بجدية وهو يفتح لها باب السيارة: أنا عمري ما ضحكت على حبك، ولا هضحك عليك. صمتت لحظة وقالت:
كنت كاتبة إنك شبه الأبطال اللي في الأفلام والروايات. ابتسم يوسف ابتسامة كلها دفء وقال: وإنتي أحلى من أي بطلة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!