في الظهيرة جمعت جميلة ملابسها في حقيبة سفر كبيرة. وقفت تنظر حولها وتتذكر ذكرياتها الجميلة مع مالك في كل ركن من المنزل. ذرفت الدمع وهي تغلق الباب خلفها. نزلت السلالم بصعوبة وهي تحمل حقيبتها في يدها. وقرب شقة أنس وجدت مالك أمامها. قال بحدة حين رآها: رايحة فين؟ تفادت النظر إلى عينيه وقالت بصوت ضعيف: هامشي. بعينين يخرج منهما الشرار صاح: مين أذن لك تمشي؟ سقطت دمعة من عينيها وقالت: من فضلك يا مالك سيبني امشي. امسك
ذراعها وقال بنبرة أهدأ: طيب اطلعي يا جميلة نتكلم فوق. صاحت جميلة بنبرة عالية: لأ يا مالك، لو لسة مصمم على اللي في دماغك أنا مش هاطلع. بدأت أنفاسه تعلو وصاح بحدة: من امتي مبتسمعيش كلامي، قولت اطلعي فوق يا جميلة. فتح أنس باب شقته حين سمع صوتهما العالي وهتف بقلق: في ايه يا جماعة صوتكوا عالي كده ليه، وايه الشنطة دي؟ نظرت جميلة بعينين دامعتين إلى أنس ثم مالك الذي كان يقف صامتا وقالت بحدة: هامشي دلوقتي حالا.
أنس: طيب ادخلوا عندي نتكلم جوه مش هنقف نتكلم على السلم كده. دخلت جميلة مندفعة وتبعها مالك وأنس. أول وقعت عينيها على ليلي ارتمت بين أحضانها تبكي بحرقة. ربتت ليلي عليها بحنان وهمست في أذنها بصوت منخفض: اللي بتعلميه ده غلط على اللي في بطنك، كفاية عياط. دخل أنس وقال بحدة: ممكن تقعدوا انتوا الاتنين وتفهموني في ايه؟ نظرت جميلة إلى مالك تنتظر منه أن يتحدث لكنه ظل صامتا. أخيرا صاحت
جميلة بحدة ودموعها تغلبها: مالك عاوزني أقتل ابني يا أنس. نظر لها أنس بعدم فهم. فهمست ليلي في أذنه: جميلة حامل. اتسعت حدقة أنس، لا يصدق ما يسمعه من تصرفات مالك. لكنه نظر إلى أخيه وهتف بحدة: صحيح الكلام ده؟ أشاح مالك بوجهه بعيد وقال بصوت مكسور: أنا مش عاوز أطفال دلوقتي. نظر له أنس باستنكار وقال بحدة: من امتي بتكفر بنعمة ربنا؟ انتوا متجوزين بقالكوا كتير وأخيرا ربنا رزقكوا بأطفال يبقى ده تصرفك؟
صاح مالك بحدة: دي حياتي وأنا حر فيها. تكلمت ليلي بهدوء: بس يا مالك حاجة زي دي فيها خطر على صحة جميلة. صاح أنس بعصبية: مفيش الكلام ده، جميلة مش هتنزل الطفل، مش هتعمل حاجة تغضب ربنا. بكت جميلة بحرقة وهمست من بين دموعها: أنا باستني الطفل ده بقالي سنين، ارجوك يا مالك متحرمنيش منه. اخفض مالك نظره وقال بصوت ضعيف: جميلة مش هتعرف تربي طفل لوحدها.
صاحت جميلة بحدة: ليه مش هاعرف أربي طفل، هو انت مش شايفني أمينة أني أكون أم لأولادك؟ صمت مالك ولم يجب. فأردفت: انت متغير بقالك فترة وأنا ساكتة، ودلوقتي بتقولي مش هاعرف أربي طفل لوحدي، وانت هتروح فين؟ ربيه انت، ولا انت في حاجة تانية بتفكر فيها؟ رفع مالك عينيه وتلاقت مع عين جميلة. عيناه تحمل ألم وغضب كبير لكنه هتف: حاجة تانية زي إيه؟ جميلة: مالك انت في حياتك واحدة تانية؟ مالك: انتي اتجننتي يا جميلة تقريبا.
صرخت جميلة: متقوليش اتجننتي، انت اللي تصرفاتك غريبة، ممكن تقول قدامهم كده مين تبقي شيماء اللي بتكلمها في التليفون بصوت واطي علشان مسمعكش. هتف أنس: اهدي يا جميلة. ثم نظر إلى مالك وقال بحدة: قول يا مالك في إيه؟ ليلي: ازاي تهون عليك جميلة تعمل فيها كده، ازاي تعرضها لخطر زي ده ومتبقاش خايف عليها. قام مالك من مكانه وصاح بحدة: أنا تعبان. صاحت جميلة من بين دموعها وهي تدفن رأسها بين راحتيها: وأنا كمان تعبانة.
هتف مالك بصوت ضعيف: بعد الشر عليكي يا حبيبتي. قامت جميلة من مكانها، امسكت بقميص مالك وهي تهزه بقوة: حبيبتك؟ لو لسة حبيبتك ليه مش عايز طفل يربطك بيا؟ ليه بتعمل فيا كده؟ ليه؟ صرخ مالك بحدة وصوت عالي: علشان المرض رجع تاني، أنا بموت يا جميلة، وشيماء اللي كنت باكلمها دي السكرتيرة بتاعت الدكتور. تجمدت جميلة في مكانها، فكت أصابعها من قميصه ببطء وضعف. وقفت تنظر إليه لا تصدق ما تسمعه أذانها.
بينما وضعت ليلي كفها على فمها تداري شهقة كادت أن تخرج منها وانسالت دموعها رغما عنها. أما أنس اتسعت حدقتيه ولم يعقب. أردفت جميلة بضعف: ومقولتليش ليه؟ تنهد مالك وقال بألم: كنت هاقولك لقيتك بتقولي أنك حامل، خفت عليكي. لم تبك جميلة، بل مسحت دموعها بكفها. اقترب من مالك أكثر،
ضمته إلى صدرها وقالت بقوة: عادي، انت حاربت للمرض قبل كده وكنت لوحدك، دلوقتي عندك بيت وزوجة بتحبك وابن جاي في الطريق، كلنا في ضهرك وعندك سبب أقوى تعيش علشانه. ربت مالك على ظهرها بحنان وهو يبعدها عن صدره: مش دايما هاكسب، بكرة مش مضمون، المرة دي واضح إن المرض أقوى، الدكتور طلب مني أشعة وتحاليل تانية، شكلها مش خير المرة دي يا جميلة. نزلت دموع جميلة تأثرا بكلماته، لكنه جذبها بقوة
إلى حضنه وقال بصوت مبحوح: اوعي تعيطي، أنا هنا، لسة عايش وواقف على رجلي، متعيطيش علشاني أبدا، بس لو بتحبيني بجد نزلي الطفل، مش عاوز أبوظلك حياتك بعد ما أموت، لما تبقي لوحدك سهل تعيشي وتحبي تاني، لكن لو معاكي طفل هتفضلي عايشة دايما في الماضي. قالت جميلة من بين دموعها وهي تدفن رأسها في صدره: انت مفكر إن حتى لو ده حصل أنا هيملي عيني راجل غيرك؟ أخيرا تكلم أنس بصوت متهدج: تاني يا مالك؟ بتخبي علينا تاني وتشيل ده كله لوحدك.
ابتسم مالك بألم وهو يربت على كتف أنس: مكنش ينفع أشوف النظرة اللي في عينك دي تاني، بتموتني ١٠٠ مرة. رفعت جميلة عينيها، تتلاقي مع عين مالك أخيرا دون أن يهرب منها. همست بنبرة ضعيفة: خلي الطفل يا مالك، علشان يبقي دافع ليك تقاوم المرض، وعلشان لو زي ما انت بتقول يبقي سايبلي حتة منك معايا. ليلي: كلنا معاك يا مالك وان شاء الله تخف وتبقي كويس وانت اللي تربي ابنك وتجوزه كمان.
أنس: البنات عندهم حق يا مالك، كلنا مع بعض وكلنا هنواجه المرض معاك، خلي دايما عندك ثقة في ربنا. تنهد مالك بألم واستسلام. كان مالك في الماضي لا يخشى الموت أو المرض، واجهه بكل شجاعة، لكنه الآن لديه من يخشى فقدهم. *** جلست يارا أمام يوسف، تتطلع إلى عينيه المرتبكتين بقلب وجل. كسرت الصمت السائد بينهم حين هتفت: يوسف، في إيه؟ نظر لها يوسف بعين
ممتلئة بالألم وقال بخزي: أنا آسف يا يارا، أنا مش هاقدر أكمل معاكي، لو كملت هاكون باظلمك. تنهد بألم وأردف: أنا لسة بحب لارا. نظرت إليه مليا ثم قالت: بكرة تنساها، عادي، أنت أكيد طلقتها علشان مش عايز تعيش معاها. يوسف بصوت ضعيف: بس أنا مش عارف أعيش من غيرها. يارا: يوسف، أنا بحبك. ابتسم يوسف بمرارة وكأنه أدرك للتو
ما أقحم نفسه فيه وقال: أنا آسف مكنتش قاصد أنك تحبيني، كنت فاكر أننا أصحاب، بس حتى صحوبيتنا أنا مكنتش هاقدر أستمر فيها. بدأت تتجمع الدموع
في مقلتي يارا وقالت: أنا كنت معجبة بيك من وقت ما كنت أنت في الجامعة، بس أنت مكنتش شايف غيرها، بتروح في كل مكان معاها، ولما عرفت من السوشيال ميديا أنك اتجوزتها حسيت أن خلاص انت روحت مني للأبد، بس لما لقيتك فجأة مسحت كل الصور اللي كانت معاها، وبعدها شوفتك في الجامعة حسيت أنها فرصتي وأنا مش هاسيبها تضيع مني، ولما عرفتك أكتر حبيتك يا يوسف.
قال يوسف بألم: أنا كنت غلطان فعلا لما قربت منك، بس أنا كنت تايه ووحيد، بس أنا خلاص أخدت قراري، أنا هارجع لمراتي. هم أن ينصرف لكنها أستوقفته. أمسكت بيده وهمست: يوسف متسيبنيش. نظر إليها بألم وتذكر توسلات لارا له، كل ما فيها كان يذكره بحبه ل لارا. أنصرف وهو يأسف على أخطائه التي أوقعته في هذا المأزق. *** عاد عمر إلى المنزل بسعادة لما يحمله من خبر سعيد سيفرح به حنين.
حين دخل من الباب وجد حنين في انتظاره كعادتها في الأشهر الأخيرة، لكن كان هناك شيء ما مختلف فيها لم يستطع عمر أن يحدده على الفور. أثار بكاء حول عينيها بالرغم من ابتسامتها الواسعة. ضمهما عمر إلى صدره وهتف بقلق: في إيه يا حبيبتي؟ كنتي بتعيطي؟ ابتسمت حنين ولم تكد تفتح فمها لتجيبه حتى هتف عمر: أنا عندي ليكي خبر حلو هيفرحك، مفاجأة. اتسعت ابتسامتها وقالت بحنان: إيه هو؟ نظر إلى عينيها وقال بابتسامة: أهلك موحشوكيش؟
أنا أهلي وحشوني أوي، وبصراحة مكنتش عايز إننا نسافر الفترة اللي فاتت دي غير لما تبقي كويسة وتنسي أي حاجة وجعاكي. ثم أردف بمناكفة: وبصراحة أنا أهلي وحشوني جداً وعايز أنزل أشوفهم، فا أنا حجزت ننزل مصر الشهر الجاي. ابتسمت حنين بسعادة وقالت بمكر: بس أحنا ممكن منعرفش نسافر الشهر الجاي يا أستاذ. رفع عمر حاجبه وقال: ليه مش هنعرف نسافر؟ بدأت تترقرق دموع سعادة في عين حنين وقالت: محتاجين نشوف الدكتور هيسمح بالسفر ولا لأ.
بدأت تلمع عين عمر، لكنه لم يصدق حدسه فحرك رأسه بعدم فهم. اتسعت ضحكة حنين بعينين يترقرق فيهما الدمع وهمست: عمر، محتاجين نكلم طنط علشان تزغرط. حرك عمر رأسه بعدم فهم فسالت الدموع من عينيها وفلتت منها ضحكة طفولية وهمست: هتبقي بابا يا عمر. تجمد عمر مكانه للحظة. عيناه مفتوحتين يحاول أن يستوعب كلماتها. ظل صامتا لدقيقة يحاول أن يجد الكلمات في حلقه، ثم همس أخيرا بنبرة مشحونة بالمشاعر: حنين انتي حامل؟
أومأت حنين رأسها بالإيجاب. ضمهما عمر إلى صدره بسعادة. رفعها عن الأرض بخفة وأخذ يدور حول نفسه وهو يحملها بين ذراعيه ويهتف: انتي مش متخيلة أنا مبسوط قد إيه. ضحكت حنين وهي متعلقة بعنقه وصاحت: بالراحة بالراحة. أنزلها عمر ببطء على الأرض. امسك بوجهها بين راحتيه وهتف بقلق: أنا آسف، انتي كويسة. ضحكة حنين: متخافش أنا كويسة الحمد لله بس لازم ناخد بالنا. لا يزال عمر ممسكاً بوجهها بين كفيه. نظر إلى
عينيها بعمق وهمس بارتباك: انتي متأكده؟ ابتسمت حنين ببراءة وقالت من بين دموعها: أنا عملت الاختبار ٣ مرات، مكنتش مصدقة زيك كده. ضمهما عمر إلى صدره وهمس بالقرب من أذنها: انتي من النهاردة ترتاحي خالص، متعمليش أي حاجة أنا هاعمل كل حاجة. حنين: مش للدرجة دي يا عمر. عمر: طيب بلا البسي وتعالي نروح للدكتور. ضحكت حنين: انت متحمس أوي. نظر لها عمر بعينين حالمتين وقال: انتي مش عارفة أنا مستني اليوم ده بقالي قد إيه.
ابتسمت حنين وقالت: أنا مبسوطة أني أخيرا هاقدر أسعدك يا حبيبي. ضمها إلى صدره ووضع قبلة حانية فوق جبينها وقال: وجودك جنبي في حد ذاته سعادة. عند الطبيبة، استلقت حنين على السرير الطبي، وضعت الطبيبة جهاز السونار فوق بطنها، وبعد لحظات انطلق من الجهاز صوت نبضات قلب. ابتسمت حنين حين سمعت صوت دقات قلب صغيرها داخل أحشائها، بينما انسابت دموعها حين وقعت عينيها على عمر الواقف خلف الطبيبة وتترقرق الدموع داخل عينيه وتتراقص بسعادة.
نظر إليها من خلف ستائر دموعه بابتسامة لن تنساها ما حييت. بعد أن انتهت الطبيبة من الكشف على حنين واعطتها التعليمات والأدوية المطلوبة، وفي طريق العودة إلى المنزل، مالت حنين تسند رأسها فوق كتف عمر وقالت: نفسك في ولد ولا بنت؟ ابتسم عمر وعيناه على الطريق وقال: بنت طبعاً، وتبقي شبهك يا حبيبتي. ضحكت حنين بخفة وقالت: وأنا كمان نفسي في بنت. ربت عمر على كفها وقال: إن شاء الله تيجي بنت. حنين: طيب لو بنت تفتكر هنسميها إيه؟
قال عمر بلا تردد: حورية. حنين: اشمعني حورية؟ عمر: علشان الحور بيعيشوا في الجنة، وعيشتي معاكي كلها جنة. ضحكت حنين وقالت: طيب ولو جه ولد؟ نظر لها عمر بابتسامة ثقة وقال: إن شاء الله حورية. حين عادا إلى المنزل، هتفت حنين بحماس: نكلم بقي طنط نقولها؟ ضحك عمر: والله أنا خايف عليها من الفرحة. أمسك بالهاتف واتصل بوالدته مكالمة فيديو، بعد لحظات ظهرت صورتها أمامه على الشاشة وصاحت بسعادة: وحشتوني يا ولاد.
ضحك عمر وقال: وانتي كمان يا ماما. حنين: وحضرتك يا طنط أوي. والدة عمر: إيه يا ولاد مش ناويين تنزلوا بقي، بقالكوا كام سنة، من ساعة ما اتجوزتوا منزلتوش حتى زيارة. ضحك عمر ونظر إلى حنين، ثم نظر إلى الهاتف وقال: والله يا ماما احنا كنا نازلين وحجزت التذاكر على الشهر الجاي، بس عرفنا أن حنين حامل فا هنضطر نأجل السفر شوية، بس إن شاء الله ننزل تولد في مصر. ظهرت الصدمة على وجه والدة عمر ولم تعقب للحظات،
ثم صاحت: قولت إيه يا عمر؟ حنين حامل؟ لم تعط الفرصة لعمر ليجيبها، فأخذت تطلق الزغاريد المدوية. نظر عمر وحنين إلى بعضهما البعض وغرقا في نوبة ضحك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!