وقفت حياة أمام نافذة غرفتها تتابع بعينين شاردتين الطريق أمامها. مدينة جديدة لم تعهدها من قبل. شتاء قارص لم تعتاد عليه. أخرجها من شرودها لمسة رقيقة من فارس فوق ذراعها وهو يناولها كوبًا من الشاي. تطلعت إليه بابتسامة وأخذت الكوب تحتضنه بين كفيها. وقف إلي جوارها وهمس: ندمانة؟ دون أن تنظر إليه حركت رأسها بالنفي. هتف فارس من جديد: مالك؟ ترقرقت دمعة في عينيها وهمست بصوت ضعيف: أهلي وحشوني أوي.
لف فارس ذراعه حول ظهرها يحاوطها، وضمها إلي حضنه وهمس بنبرة ضعيفة: وأنا كمان... أوعي تفتكري أني جامد أو مش بحس... بس الوجع أقل وأنتي جنبي. حياة: أنا بس مش واخدة على العيشة هنا... كل حاجة جديدة عليا. ربت فارس على كتفها بحنان وقال: معلش حبيبتي... هتتعودي. نظرت إليه بطفولة وقالت: فارس أنا مش عارفة أشغل الغسالة... بتدلع عليك أخليك تشغلها أنت علشان أنا مش عارفة؟ ضحك فارس بخفة: طيب ما تقوليلي وأعلمك بتشتغل إزاي. أطرقت حياة
برأسها وقالت بنبرة ضعيفة: فارس أنا بخاف أوي لما بتسيبني وتبات في الشغل. فارس: حبيبتي... حتى لو كنا في مصر كنت هاسيبك وأبات في الشغل... غصب عني دي طبيعة شغلي وأنتي عارفاها كويس. رفعت حياة عينيها لتواجهه وهتفت: بس أنا زهقت من القاعدة لوحدي وأنت مش موجود. ابتسم فارس: عايزة إيه يا حياة؟ رفعت حياة عينيها لتواجهه وهمست بنبرة منخفضة: عاوزة أشتغل. نظر لها فارس وعقد ذراعيه
أمام صدره ولم يعقب فأردفت: أنا دورت وعرفت أني ممكن أعمل معادلة للشهادة بتاعتي هنا وأشتغل بيها. ابتسم فارس وقال بنبرة دافئة: واضح أنك دورتي كويس قبل ما تقوليلي. حياة: أنا مش متعودة أقعد في البيت كده. فارس: موافق بس بشرط. انفرجت أسارير حياة: اللي تؤمر بيه. ابتسم فارس وهو يحاوط خصرها بذراعه: أن شغلك ميشغلكيش عني. تعلقت حياة في عنقه وهمست بالقرب من أذنه: مفيش حاجة تشغلني عنك أبداً. مال ليضع قبلة
رقيقة على وجنتها وهمس: أنا لازم أنزل دلوقتي علشان متأخرش على المحاضرة... بس لما أرجع نكمل كلامنا إن شاء الله. انصرف فارس ووقفت حياة تشاهده من النافذة وهو يختفي بالتدريج. ارتشفت من كوب الشاي في يدها وتنهدت ببطء. في المساء. عاد فارس إلي المنزل. مجرد أن فتح الباب اشتم رائحة الشياط. دخل إلي المطبخ وجد حياة تقف في منتصف المطبخ، ترتدي مريول المطبخ فوق قميص قطني قصير. المطبخ من حولها في حالة يرثي لها. أقترب منها فارس وهو
يضحك وضمها إلي صدره وقال: واضح أن في كارثة حصلت في المطبخ. اخفضت حياة رأسها وقالت بدلال: كنت بحاول أعملك المسقعة اللي أنت بتحبها. ضحك فارس: طيب وأيه؟ البتنجان انفجر في المطبخ؟ اخفضت عينيها بخزي وهمست: اتحرق مني. ضحك فارس ووضع قبلة فوق رأسها: ولا يهمك. رفعت عينيها لتتلاقي مع عينيه وقالت: يعني مش زعلان. اماء برأسه بالنفي مع ابتسامة واسعة ارتسمت فوق شفتيه، فأردفت: طيب وهناكل إيه؟ ابتعد عنها
فارس وهو يخلع معطفه وهتف: زي أي راجل متحضر هاطلب دليفري. ضحكت حياة بخفة ولحقت به وهمست: أنا آسفة يا حبيبي... كان نفسي أعملك المسقعة اللي بتحبها. ابتسم فارس وهمس بنبرة دافئة: ولا يهمك يا حبيبتي... بكرة تتعلمي. وقفت حياة تشاهده يصعد الدرج بعينين لامعتين، وخفقات ملأت قلبها. ابتسمت وهي تشعر بالامتنان لوجودها بجانبه. بعد حفل زفاف ضخم. دخل أنس مع ليلي جناحهم في أحد أفخم فنادق القاهرة.
وما إن أغلق الباب ارتسمت على وجه أنس ابتسامة شريرة، ونظرة في عينيه لم تلحظها ليلي من قبل. مد يده إلي حزام بنطلونه الجلدي وفكه، وفي حركة سريعة سحبه من البنطلون ولف طرفه المعدني حول كفه. نظرت له ليلي برعب وهي تبتعد عنه ببطء، لكنه أقترب منها وهمس لها: النهاردة هاخد حق كل كلمة مستفزة قولتيها لي ومعرفتش أرد عليها، كل نظرة بصيتيها لي ومعجبتنيش وكان نفسي أكسر عضمك فيها. ابتعدت عنه أكثر وهي تصيح: هتعمل إيه يا أنس؟
أقترب منها بخطوات ثابتة ونظرة في عينيه لم تعهدها من قبل. ابتعدت عنه وهي تصيح: اعقل يا أنس هتعمل إيه. لحق بها بخفة. استطاع أخيرًا أن يمسك بها قبل أن تبتعد. أحكم قبضته حولها. سرت قشعريرة في جسدها من قربه وإحساسها بدفء جسده. بدأت أنفاسها تتصارع. أقترب منها أكثر حتى أصبحت لا توجد مسافة بينه وبينها، تكاد أنفه تلامس أنفها. نظر في عينيها وهمس لها بصوت واثق هادئ: من النهاردة فيه أدب، مفهوم؟
أغمضت عينيها تحاول أن تسيطر على نفسها ولم تعقب. جذبها أكثر بيديه الحديدتين الملفوفتين حول خصرها وهتف: مفهوم؟ أخفضت رأسها وأرخت جفونها في استسلام. مد يديه وأمسك بذقنها، رفع وجهها ليصبح في مواجهته. أقترب منها أكثر حتى لامست شفتيه شفتيها في قبلة ناعمة رقيقة. ثم نزل إلي عنقها الناعم وضع قبلة رقيقة عليه. فقدت ليلي رباط نفسها. لفت يديها حول خصره وهمست بصوت بالكاد مسموع: مفهوم. ابتسم نصف ابتسامة وزاد ضغطه على خصرها
وأقترب من أذنها وهمس: بحبك وأنتي هادية وبتسمعي الكلام. لم تنظر إليه، بل دفنت وجهها الأحمر في صدره وهمست: بحبك يا أنس. رفعت رأسها والتقت أعينهما مرة أخرى. همس لها أنس بصوت واثق: من النهاردة مفيش قط وفار تاني، فاهمة؟ هزت رأسها بإيجاب. همس مرة أخرى: من النهاردة فيه حب ودلع وبس... أدلعك وتدلعيني وبس... مش هنقف لبعض زي الديوك تاني. ابتسمت ليلي وهتفت في مرح: طيب بذمتك كل ده وتبقي ديك إزاي... قول تور. أحكم أنس قبضته عليها
أكثر وصاح بصوت ذكوري: وبعدين معاكي بقي شاكلك عاوزة تتأدبي. قالها وهو يضع يديه تحت ركبتيها ويحملها بين ذراعيه في خفة وكأنها لا وزن لها. صاحت وهي تتعلق بعنقه وتدفن رأسها فيه: خلاص يا أنس أنا آسفة نزلني... نزلني. لم يستمع إليها. توجه بها نحو الغرفة. أغلق الباب خلفه بدفعة من رجله. ألقاها على السرير. خلع عنه جاكيت بدلته وأقترب منها مرة أخرى وهو يهمس: واضح أن مفيش فايدة فيكي. ضحكت وهي تبتعد عنه بظهرها
حتى ارتطمت بظهر السرير: دي أكتر حاجة بتحبها فيا. انقض عليها، أنفاسه الساخنة تلفح وجهها. ضمها إلى صدره ودفن وجهه في شعرها وهمس: أنا بحب كل حاجة فيكي يا ليلي. رفع رأسه ببطء وظل يتأمل ملامحها بنظرة مليئة بالحب. وأخيرًا ترك شفتيه تهمسان لها بكل مشاعر لم تُقال. فأخذ يقبلها حتى استسلمت ليلي بين ذراعيه بهدوء. في الصباح. فتحت ليلي عينيها بكسل. ذراعا أنس تحاوط خصرها بقوة، رأسها مسند إلى ظهره، تشعر بحرارة أنفاسه على عنقها.
حاولت أن تبعد ذراعه ببطء وتقوم من السرير، لكنه أحكم قبضة ذراعه حول خصرها وهمس بصوت ناعس في أذنها: عايزة تهربي؟ التفت إليه وجهها يواجه وجهه وقالت: الناس بتقول صباح الخير! بعينين مغمضة وصوت ناعس قال: لما يصحوا بيقولوا صباح الخير. ليلي: بس أنا صحيت. أنس وهو لا يزال مغمض العينين: وأنا معنديش استعداد أصحى دلوقتي، ومينفعش تقومي من السرير غير لما جوزي يقوم. قالت بصوت متوتر: بس أنا عايزة أقوم يا أنس.
فتح عينيه ببطء وقال: من أول يوم هتعكنني عليا وتصحيني بدري، ده بدل ما تصحيني على بوسة. أقتربت منه ووضعت قبلة رقيقة على خده وقالت: أحلى بوسة بس خلينا نصحى. نظر إليها بابتسامة وكأنه يقرأ أفكارها وقال: عايزة تقومي ليه يا ليلي؟ همست بصوت متردد: بصراحة... أنا جعانة أوي، وأنت أكلت الأكل كله امبارح لوحدك. رفع حاجبه وقال باستنكار: اتحايلت عليكي تاكلي، وحطتلك الأكل في بوقي وعملتيلي فيها مكسوفة، أعملك إيه بقى؟
وكزته في كتفه: يعني افرض كنت بدلع عليك، تقوم تاكل الأكل كله. اعتدل في جلسته على السرير وهو يقول: الله... كنت جعان... عمتا شوفي عايزة إيه... اتصلي بالريسبشن واطلبي اللي انتي عايزاه. عبثت بطرف قميصها الحريري وهمست: عايزة أكل بفتيك. نظر لها أنس بتعجب وقال: بفتيك!!! رفعت نظرها إليه وقالت بدلال: نفسي فيه. ضحك أنس: لولا، إحنا اتجوزنا امبارح، أكيد ملحقتيش تتوحمي. صاحت ليلي: جعانة بقولك يا أنس.
أنس: من أولها كده داخلة على طمع، عشان عرفتي إن أنا اللي هدفع عايزة تفطري بفتيك. تدللت عليه وقالت وهي تقترب منه: أنت مستخسر فيا من أولها. أنس باستسلام وهو يضرب كف بكف: خلاص اطلبي اللي انتي عايزاه، مش عارف أنا إيه اللي عملته في نفسي، بتصحي تفطر لحمة. ضحكت بدلال وهي تمسك الهاتف وقالت: أطلبلك إيه؟ هتف متهكمًا وهو يتجه للحمام: أومليت بالمشروم... معلش حاجة غريبة شوية إن حد يفطر بيها، بس هنعمل إيه بقى استحمليني.
ضحكت ليلي: قدري بقى استحملك هاعمل إيه. بينما كانت ليلي تطلب الإفطار، خرج أنس من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة، يراقبها من طرف عينه وقال بنبرة متهكمة: خلاص؟ طلبتي البفتيك؟ ولا لسه بتختاري نوع اللحمة؟ نظرت له بطرف عينها وقالت وهي تضحك: لا طلبته خلاص، وقولتلهم يستعجلوا عشان في حد هيموت من الجوع. بعد دقائق كان هناك طرقات خفيفة على باب الغرفة. دفع أنس عربة الطعام ناحية السرير وهو يهتف في ليلي: يلا يا لولا الفطار جه.
أردف بنبرة بالكاد مسموعة: رغم إني مكسوف أقول على اللحمة فطار. خرجت ليلي من الحمام، تتساقط قطرات الماء من شعرها، حين وقعت عيناها على طاولة الطعام صاحت بسعادة وهي تجلس أمام الطعام: الحمد لله الأكل جه بسرعة. جلس أمامها أنس يشاهدها باستمتاع وهي تتناول الطعام بنهم. رفعت عيناها إليه وهتفت: الأكل حلو أوي. ضحك أنس وهو يشاهدها تتلذذ بأكل اللحم وهتف: بألف هنا يا حبيبتي.
بعد أن انتهيا من تناول الإفطار، أسند أنس رأسه إلى قائم السرير يشاهدها تتحرك بخفة في الغرفة من حوله وارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيه. هتف وهو ينظر إليها: جهزي حاجتك يلا عشان هنتحرك... شهر العسل بدأ. أقتربت منه ليلي وجلست على طرف السرير بجواره وقالت بنبرة هادئة عكس شخصيتها: هنروح فين؟ همس أنس وهو يضع قبلة رقيقة على وجنتها: خليها مفاجأة. بالفعل ارتدت ليلي ملابسها واتجهت مع أنس نحو سيارته.
قاد أنس السيارة حتى رأت ليلي لافتة تدل على أنهم في طريق الغردقة. صاحت ليلي وهي تنظر إليه بحدة: هي مفاجأتك إننا هنروح الغردقة؟ نظر إليها ولم يعقب فأردفت: أنا قولت هتوديني باريس، لندن... يعني يوم ما تحب تبقى رومانسي هنروح بالي... الغردقة يا أنس. ضحك أنس وهو يشعل سيجارته وقال: أوعدك إن المكان اللي هنروحه هيبقى أحلى من كل دول... مكان عمرك ما شفتي زيه قبل كده. ضحكت ليلي وهي تميل ناحيته بدلال: لما نشوف.
صف أنس سيارته بجوار مرسى منعزل للقوارب قرب مدينة الجونة. أقترب أحد العمال منه يحمل عنه حقيبة السفر الكبيرة وصاح: حمد الله على السلامة يا باشا... نورت الدنيا. ابتسم أنس وربت على كتفه وصاح: الله يسلمك... القارب جاهز يا سالم؟ سالم: جاهز ومستني حضرتك يا باشا. صعد أنس إلى القارب وأمسك بيد ليلي التي كانت تقف مشدوهة وساعدها تصعد إلى القارب. جلست ليلي إلى جوار أنس وبدأ القارب يتحرك في الماء.
كانت ليلي تشاهد القارب وهو يضرب مياه البحر بقوة مخترقًا موجاته بعينين لامعتين. حتى اقترب القارب بهم من جزيرة منعزلة. بدأ القارب يقلل من سرعته تدريجيًا، حتى توقف تمامًا عند شط الجزيرة. وقفت ليلي تتأمل ما حولها بتعجب بينما يخرج أنس الحقيبة من القارب. مياه شفافة متلألئة لدرجة أنك ترى قاع البحر من فوق القارب. رمال بيضاء ناعمة جدًا مفروشة بطول البحر. هدوء يحيط المكان إلا من أصوات تلاطم الأمواج وزقزقة العصافير.
كانت الجزيرة أشبه بقطعة من الفردوس وسط مياه البحر الأحمر، رمال بيضاء كالؤلؤ تحتضن المياه الفيروزية التي تتلألأ تحت أشعة الشمس الدافئة. دارت ليلي حول نفسها تشاهد ما حولها بإعجاب حتى وقعت عيناها على أنس الواقف خلفها عيناه معلقتين عليها. أقتربت منه وهتفت: إيه المكان ده؟ إحنا في الجنة؟ أنس يده حول خصرها وابتسم: مش قولتلك... مكان مشوفتيش زيه قبل كده... جنة لينا إحنا الاتنين.
جذبها أنس من يدها واتجه بها نحو كوخ صغير أمام البحر وهمس لها وهو يفتح بابه الخشبي: هنا مفيش غير هدوء وحب وبس... مفيش موبايلات ولا شبكة ولا إنترنت... مفيش حضارة... هنعيش حياة بدائية هنا. ضحكت ليلي وهي تبتعد عنه وقالت بمشاكسة: وأنت من امتى كنت متحضر؟ نظر لها أنس بوجه متجهم، أقترب منها وهو يصيح: أنا بقى هاوريكي الهمجية. ضحكت ليلي ضحكة رنانة وفتحت الباب وركضت مسرعة في الخارج. أسرع أنس في أثرها وهو يضحك ويهتف باسمها.
وبين الموج والرمال وصوت ضحكاتهما، أدرك أنس أن ليلي كانت نصفه الآخر الذي كان يبحث عنه منذ البداية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!