وما إن وصل رازي وقدر المنزل حتى تفاجأ رازي بضيوف أتوا لزيارته. كانت المفاجأة تحتل ملامحه وابتسامة عريضة ظهرت على محياه وقال: "أهلاً أهلاً بامرأة هزت عرش إسرائيل، حضرة الظابط سيف، العميد وحرمه حضرة الظابط ملك السقا عندنا، مش مصدق نفسي! ردت ملك بحماقتها المعهودة: "لا ظابط إيه بقى يا رازي، المرازي محنا بقينا عواطلية زي بعض." حدجها سيف بنظرات قاتلة أسكتتها وأسرع في إصلاح ما أفسدته: "إيه اللي بتقوليه دا يا ملك؟
رازي باشا مكانه محفوظ والقيادة مستنية رجوعه بفارغ الصبر." لوت فمها هاتفة: "والله القيادة خسرت أكفأ ضباطها، طبعاً رزاريزو وبلا فخر ملك السقا." رفع رازي حاجبه الأيسر وقال: "رزاريزو؟ حاولت قدر كتم ضحكاتها على هذا اللقب لكنها فشلت، مما دفع رازي لينظر إليها قائلاً: "وإنتي بتضحكي؟ لفت وجهها الناحية الأخرى بخجل. تابع رازي: "أولاً اتفضلوا، ثانياً يا ست ملك خلي دلعك لجوزك، ابعدي عني عشان عقدتيني في الاسم." تحركوا للجلوس
في الردهة وقالت ملك: "طب بذمتك حد بيدلعك غيري؟ سيف أمسكها من ذراعها وهمس: "إنتي ما تدلعيش حد غيري، فاهمة؟ ولا أعملك قضية وأجيبك تشرفي عندي كام يوم." اتسعت عيناها من الصدمة قائلة: "أهون عليك يا سيفو؟ سيف رد بنفس نبرتها: "وأنا أهون عليكي تخليني غيران كده وأنا شايفك بتدلعي رازي شوية وعدنان شوية، هاقتلك يا ملك." ارتسمت على ثغرها ابتسامة واسعة وقالت: "لا ما يرضنيش يا سيفو يا قلبي." نظرت ملك لتلك الواقفة ولم تجلس وهمست:
"مين البت القمر دي يا كبير؟ أوعى تكون اتجوزت من ورانا." ضحك رازي وقال: "لا ما اتجوزتش، قولتلك هاستنى مليكة بنتك، دي الآنسة قدر الممرضة الجديدة." تنهدت ملك طويلاً وقالت: "يارب تكون من نصيبك يا رازي يا بن أم رازي." حك خلف عنقه بحرج وهو يطالع الواقفة وقد احتلت الصدمة ملامحها. بينما وكز سيف ملك وقال بنبرة تحذيرية: "ملك؟ أردفت ملك بغضب: "يوووه الواحد مايعرفش يقعد بطبيعته، أنا هاسيب لكم القاعدة كلها وأقوم أتمشى."
نظرت إلى رازي بعينين قطة وديعة وقالت: "رورو." طالعها رازي وقد ضيق عينيه وقال: "بعيداً عن ألقابك اللعينة دي، لكن اللي بتفكري فيه مش هيحصل يا ملك." تشبثت ملك في ذراع سيف وقالت: "سيفو حبيبي بالله عليك خليه يوافق." سيف بغضب مصطنع: "مانتي غلطانة يا ملك، كل مرة بتروحي فيها الأسطبل بتعملي كارثة، أما تخرجي الخيول ويجروا منك ونفضل ندور عليهم، أما تركبي الخيل وتقعي، مش بتقعدي عاقلة ليه؟ ردت ملك بتوسل:
"عشان خاطري يا رازي باشا، هاتفرج على الخيول من بعيد، مش خرجهم." زفر الهواء بملل وهز رأسه على مضض وقال: "لو عملتي حاجة غبية المرة دي هاكسر دماغك." سيف ضحك وقال: "على أساس إنها جاية مع سوسن يعني." رازي عض شفته السفلى وهو يقول: "ماليش فيه، شيلتك تشيلها لوحدك."
أسرعت ملك راكدة كطفل صغير، فهي تحب كثيراً أن تطالع مقتنيات رازي كتلك الخيول الذكية الفريدة من نوعها، وأحياناً تتسلل للجناح الغربي الذي يمنع رازي أي شخص أن يذهب إليه، بينما بدأ سيف يتحدث عن عمليات جديدة يتناقش مع رازي بها، لطالما كان رازي الأدهى والأذكى بينهم جميعاً. ***
كانت فاطمة متوجهة ناحية المقهى المقابل للشركة لتحتسي قهوتها المفضلة، وإذا بسيارة تقف أمامها، خرجت منها منال عشيقة ممدوح، كانت ترتدي ثياباً سوداء وقبعة رأس ونظارة أيضاً سوداء. نظرت مطولاً لفاطمة تتأملها، وقبل أن تنصرف فاطمة، نطقت منال بعد لحظات: "ممكن نتكلم شوية؟ طالعتها فاطمة بجهل فهي لا تعرفها قائلة: "نتكلم في إيه وحضرتك مين؟ "تعالي بس ندخل نقعد جوا." جلستا سوياً، مرت دقيقة كان الصمت هو سيد الموقف،
حتى اردفت منال بحنو شديد: "أنا صاحبة مامتك الله يرحمها، كنت مسافرة برا مصر ودلوقتي رجعت، محتاجة حاجة يا حبيبتي؟ هزت فاطمة رأسها بريبة ثم قالت: "حضرتك عرفتي مكان شغلي إزاي؟ وعرفتي إزاي إني أنا فاطمة؟ وأنا تقريباً ما شفتكيش أبداً ولا أعرفك قبل كده." تجمعت الدموع في عينيها وقالت بنبرة حانية: "بس أنا أعرفك عز المعرفة يا فاطمة، واللي يسأل ما يتوهش يا حبيبتي، إيه رأيك لو تيجي تقضي معايا كام يوم قبل ما أسافر تاني؟
أنا عايشة برا مصر." طالعتها بشك بدا جلياً على ملامحها وقالت: "أنا آسفة بس أنا ما اتعودتش إني أروح مع حد ما أعرفهوش، وكمان أنا عارفة إن بابا مستحيل يوافق على حاجة زي دي، وغير كده هاكون صريحة معاكي، أنا مش مقتنعة بكلامك بالمرة." ابتلعت غصة مريرة وتجمعت الدموع في عينيها، جاهدت بألا تظهر، لكنها دست يدها في حقيبتها، أخرجت منها رزمة نقود وقالت:
"أتمنى ما تكسفيش إيدي، خلي الفلوس دي معاكي واعتبريها بديل للهدية، كان المفروض أجيبلك هدية معايا بس ما كنتش متوقعة إني هاشوفك انهاردة بالذات." شردت قليلاً تفكر كيف كانت تراقبها كل يوم منذ شهر تقريباً، لكنها لم تستطع مواجهتها. فاقت على صوت فاطمة المعترض:
"شكراً بجد بس أنا مش هاقدر آخد الفلوس دي منك لأني زي ما قولتلك أنا مش مقتنعة بكلامك، وكمان الحمد لله معايا فلوس وبشتغل وبابا مش مخليني محتاجة أي حاجة، بالمناسبة لو عايزاني أصدقك ممكن تشرفينا في شقتنا المتواضعة، أكيد تعرفي بابا." همست منال بندم شديد: "عز المعرفة، عبد الناصر كان شخص خلوق أوي." استقامت فاطمة تستأذن بأدب بعد أن نظرت في ساعة يدها قائلة: "أنا مضطرة إني أمشي عشان البريك بتاعي انتهى." هبت منال واقفة وقالت:
"ممكن تسمحيلي إني أحضنك؟ تعجبت فاطمة وعقدت حاجبيها وقالت بدهشة: "ممكن." اقتربت منها لمست وجنتيها، أدخلتها في حضنها وداهمتها الدموع وهي تقول: "سامحيني لأني بعدت عنك." ظلت معلقة بها مما دفع فاطمة للتملص منها قائلة: "أنا لازم أمشي، اتأخرت بجد." قبل أن تخرج تواجهت عيناها مع خاصة إلياس وقال بتعجب: "مين الست دي؟ رفعت كتفيها وقالت: "ما أعرفش، بتقول صاحبة ماما الله يرحمها." هز رأسه وقال:
"غريبة، اللي يشوفها كده يقول إنها مش مجرد صاحبة والدتك بس." فاطمة: "تقصد إيه؟ إلياس: "ما قصدتش حاجة، بس فيها حاجة غريبة." كان يقصد تصرفات تلك السيدة المريبة، لأنهما كانتا تبدوان كأم وابنتها. ***
دلفت ملك إلى الأسطبل تتطلع لكل ما فيه بإعجاب، وكأنه متحف لأشياء ثمينة أو معرض لفنان مرهف الحس، لكنها كانت تفكر في شيء ما يعجبها أكثر من الأسطبل، ألا وهو الجناح الغربي، فهي تنبهر بكل ما فيه من أشياء تخص رازي وحده، وهي تعلم أنه لن يوافق إذا عرضت عليه الذهاب إلى هناك، لكنها تسللت دون أن يراها أحد.
كانت قدر تتبعها، تعجبت ماذا تريد هذه السيدة من الجناح الغربي، لكن جالت في خاطرها فكرة، إذا كانت تلك السيدة المريبة تعرف الجناح الغربي، فمؤكد أنها تعلم الكثير عن السيد رازي. حمحت قدر مما دفع أنظار ملك تتوجه إليها برعب، ظنت أن أمرها قد كشف. عقدت حاجبيها بدهشة وقالت: "إنتي بتراقبيني؟ ولا رازي بعتك؟ أنا عارفاه سهون." أسرعت قدر ترد تلك الاتهامات عنها قائلة:
"أبداً والله، أنا بس كنت حابة أقعد معاكي لأني مش عارفة آخد راحتي معاهم، هما بيتكلموا في الشغل." رحبت ملك: "طيب تعالي، المهم ما يكونش حد شافك لأن المكان دا ممنوع حد يدخله إلا رازي، إنتي اسمك قدر مش كده؟ إنتي شكلك مزة قمر." ابتسمت لها قدر بخجل وأردفت: "كنت عايزة أسألك عن حاجة هتساعدني في العلاج، السيد رازي، الحادثة اللي حصلت للسيد رازي هي السبب، فإن إيده مش بتتحرك، ممكن أعرف إيه اللي حصل عشان يعني أقدر أساعده."
ردت عليها ملك بتفهم وكأنها ستقدم خدمة جلية للمجتمع وقالت: "الحكاية يا ستي بدأت لما كنا في مهمة اسمها (السكر المفقود) ، المهمة دي كنت أنا ورازي المكلفين بيها عشان سيف وعدنان كانوا في مهمة في شرم الشيخ، وكمان عشان رازي دا هو بابا المجال بتاعنا، يعني أذكى واحد فينا كلنا." هزت رأسها قدر بحماس، فأخيراً ستعرف اللغز. تابعت ملك وهي تسرد الأحداث عندما علم رازي من القائد حازم أن ملك ستكون معه في المهمة. رازي بتذمر:
"يا فندم أنا أقدر أخلص المهمة لوحدي، ملك لا، ما بعرفش أشتغل معاها." أجابت ملك وهي تختبئ خلف حازم: "آه عشان خايف تظهر قدراتك ضعيفة قدامي يا رازي باشا، صح؟ أنا أصلي بخطف الأنظار منك." _سامع يا فندم،" رد رازي متزمراً. ضحك حازم وقال: "لازم تكون معاك ملك عشان انتوا هتروحوا متنكرين في زي طباخين وملك هتساعدك، صدقني." أطلق تنهيدة بائسة، وافق على مضض: "تمام يا فندم."
ذهبا إلى حيث وجهتهم صعيد مصر، حيث أكبر عصابة لتهريب المخدرات بأمر من جهة أجنبية دخيلة، كان زعيم العصابة رجلاً مخضرماً تابعاً لجهات أخرى تريد الفساد يعم أرجاء المحروسة. دلفا وسط مجموعة الطباخين، حيث أتوا لإقامة حفل ضخم كتمويه لتوزيع شحنة المخدرات الضخمة. ملك أمسكت بطنها وقالت هامسة: "دا وقته الحمام في أي جهة بس ياربي."
ابتعدت عن رازي الذي لم يلحظ غيابها، وبعد وقت وجدت المرحاض، وبعد قضاء حاجتها عادت تبحث عن رازي أو المطبخ فلم تعثر على أي منهم. وصلت غرفة كان يجلس بها رجل أربعيني، نظر لها بإعجاب وقال: "إنتي اللي بعتك فتحي؟ هزت رأسها بنعم، وقد فهمت أن فتحي هو من أرسل الطباخين. اقترب منها الرجل ولاعب حاجبيه وقال: "إيه الحلاوة دي، إنتي على كده بتعرفي تهزيها، تشقلبيها يعني؟ عقدت حاجبيها بعدم فهم وقالت:
"أنا بإذن الله هدوقك اللي عمرك ما دققته." رد الرجل بعينين لامعتين من فرط الأمل وقال: "ما إحنا فيها، دوقيني دلوقتي." "لا يا باشا، إنت مفجوع كده ليه؟ أنا لسة واصلة." وهمست: "إيه الرجل المريب دا؟ رد عليها: "خدي راحتك يا قمر." دلف إليه رجل آخر وقال: "الغازية وصلت تحت يا عتمان بيه." نظر إليها بشك وقال: "الغازية؟ أومال إنتي تطلعي إيه؟ ابتسمت بسماجة وقالت: "أنا الطباخة الجديدة يا عتمان."
"عتمان حاف يا قليلة الرباية،" كان هذا رد الرجل الثاني. قال عتمان بنظرات لعوب: "وماله عتمان عتمان، ما يضرش، بس ابقى لما تخلصي الأكل تعالي دوقيني طبخك." ردت ملك بتهكم: "أه هدوقك، دانا هاوريك اللي عمرك ما شفته." أسرعت للخروج من غرفته، وأخيراً وصلت إلى رازي الذي كان يستشيط غضباً منها وقال: "أقتلك ولا أعمل فيكي إيه؟ مش لابسة السماعة ليه يا هانم؟ "أنا لحقت،" ردت ببرأة، ثم اردفت بما هو ثمين لديها: "أنا شفت عتمان الأسيوطي."
رازي: "شوفتيه فين؟ قصت عليه ما حدث، وبعد أن انتهت قال رازي: "خدي أي طبق من المطبخ واطلعي، خلي يدوق وحطي السماعة دي من غير ما يحس في الهدوم اللي هيلبسها بالليل." تحركت خطوة، لكن رازي قال: "ملك خليكي حذرة، أنا معاكي." هزت رأسها بتوتر، وبالفعل ذهبت إلى غرفة عتمان الأسيوطي وتصنعت الدلال حتى استطاعت أن تضع جهاز التنصت في جلبابه.
توجهوا إلى حيث دلهم الرجل التابع لهم من رجال عتمان على مكان البضاعة التي ستوزع على جميع نوادي مصر. فتح رازي الباب، وجدوا أطنان من الأفيون الأبيض معبأ في أكياس. نظرت ملك بزهول قائلة: "ياااه يا باشا، وأنا أقول السكر شاحح ليه اليومين دول في السوق وغلى ومحدش لاقي، بقى المجرمين دول مخبين السكر هنا." كان رازي ينظر إليها مذهولاً، لقد شرح لها المهمة بالفعل، لقد كان اسم المهمة (السكر المفقود) كتمويه.
وفجأة وقبل أن يتحركا أنش واحد، هجم عليهم رجال عتمان. أخذ رازي يسدد لهم الضربات ويطلق عليهم الأعيرة النارية، وملك أيضاً لم تقصر، لقد قامت بواجبها تماماً. تسلل رازي إلى الخارج وتبعته ملك، لكن أوقفها صوت عتمان ومعه رياض المنشاوي، الممول الأكبر للمشروع والتابع لمنظمة إرهابية تحاول النيل من مصر. قال عتمان: "إيه يا باشا، باعتلي بت غبية تحط السماعة في جلابيتي، لقيتها حاطاها عند رقبة الجلابية ليه؟ هاغني في ستار ميكر إياك."
وقبل أن يأخذ أي إجراء كانت ملك مصوبة سلاحها تجاه عتمان وأصابته بالفعل، فوقع أرضاً. نظر لها رازي بصدمة، لقد تصرفت خطأ، لكنه يجب أن يدافع عنها. أشهر سلاحه على ابن رياض المنشاوي الذي كان مصوب سلاحه على ملك. قال رازي بشر: "هتضربها؟ هاخلص عليه."
على حين غرة، أمسك رازي بيد ملك، كانا على حافة الشرفة، وقبل أن يهبطا، أطلق المنشاوي على ملك فأصابها في ذراعها، مما دفع رازي أن يطلق على رأس ابن المنشاوي، لكن دون قصد، لم يرد أن يقتله، كان يدافع عن ملك. صرخت ملك، وقفز بها رازي، كانت قد أتت شرطة مكافحة المخدرات وداهمت المكان. حمل رازي ملك التي كادت تفقد الوعي. قال رازي بأعين تشتعل من الغضب: "اخلص بس اللي في إيدي وهرازيك فيكي لحد ما يبانلك صاحب."
وضع رازي ملك في السيارة وتوجه إلى المنشاوي، كاد أن يهرب لكن لحقه رازي وقال: "Surprise، أنا جيت." توقف المنشاوي وكانت الدموع تغزو عينيه على فقيده الوحيد. اقترب منه رازي وقال: "بخ، معاك الرزاي اللي هرازيك فيكم كلكم." رد المنشاوي وقال: "اللي حصل النهارده دا هخليه أسود ذكرى ممكن تفتكرها." ضحك رازي بتهكم وقال: "سودة عليك وعلى أمثالك."
استسلم له المنشاوي وتم القبض عليه كرجل إرهابي، أما الباقي فقد أخذتهم شرطة مكافحة المخدرات. عادت ملك للحاضر وهي تسرد ببساطة شديدة: "والحمد لله أنا بقيت زي الفل أهو." ردت ملك بملل من كل تلك القصص التي لا دخل لها بها: "أنا ما عرفتش أي حاجة عن الحادثة برضو يا مدام، ولا عرفت اللي في الصورة دي تطلع مين وليه رازي بيكرهها." وقبل أن تكمل حديثها، صدح صوت من الخارج: "أنا قلت مية مرة ماحدش يدخل هنا." قبض على ذراع
قدر وقال من بين أسنانه: "إنتي ما بتفهميش الكلام ليه؟ أنا مش قلتلك ما تدخليش في اللي مالكيش فيه." تجمدت مكانها ولم تستطع أن تنطق بحرف واحد، كان ذراعها يؤلمها كثيراً. تدخلت ملك مسرعة: "هي مالهاش ذنب، أنا اللي طلبت منها تيجي معايا." أكملت بخجل: "إنت عارف أنا بحب أتفرج على المكان قد إيه." رمقها سيف بنظرات معاتبة وقال: "المفروض إنك تسمعي الكلام يا ملك، صح؟ هزت رأسها بحزن وقالت: "أنا آسفة يا رازي إني دخلت بدون إذن."
تركهم رازي جميعاً وخرج إلى حيث لا يعلمون أين ذهب. *** دقات متتالية على باب شقة الأستاذ عبد الناصر. فتح الباب لتتبدل ملامحه إلى الصدمة والغضب معاً، ضيق عينيه وقال: "منال؟ تابع بجمود: "العنوان غلط يا مدام." منال بدموع انكسار: "إزيك يا عبد الناصر." لم يرد، لكنه سألها: "جاية ليه؟ منال: "مش هتقولي اتفضلي؟ أنا عارفة إن فاطمة مش جوا." رد هو: "إنتي مالكيش مكان في البيت دا ووجودك غير مرحب بيه يا منال."
هم ليغلق الباب في وجهها، لكنها قبضت على الباب وسقطت دموعها وقالت: "ممكن أدخل؟ شكلي كده وحش، الناس طالعة ونازلة، أنا محتاجة أتكلم معاك قبل فاطمة ما تيجي." أشار بيده ليسمح لها بالدخول، فليس هناك خيار آخر أمامه. دلفت الشقة، أخذت تنظر يميناً ويساراً وفي كل الاتجاهات، داهمها شعور الحنين، فكرت: كم كنت غبية حين خلعت عباءتي وركضت خلف السراب، تاركة حياتي الهادئة بين جدران تلك الشقة المتواضعة. قال: "اتفضلي." جلست بهدوء
تزيح غبار حقيبتها وقالت: "أنا شفت فاطمة انهاردة، من شهر تقريباً وأنا بقف أراقبها من بعيد، لكني ما تحملتش أكتر من كده وقابلتها واتكلمنا." عبد الناصر رد مسرعاً بغضب: "أوعي تكوني قلتي لها إنك أمها." هزت رأسها نافية أن تكون قالت هذا. تابع هو بارتياح:
"أظن دا كان اختيارك لوحدك يا منال وإنتي اللي لازم تتحملي عواقبه، وأظن فاكرة كويس لما قررتي تنفصلي غصب عني عشان ابن المدير، عشمك إنه بيحبك وعايزك، فقررتي من نفسك ترمي بنتك وتتخلي عن جوزك، وإديكي شوفتي النتيجة، ممدوح الصاوي بعد ما هدم حياتك اتجوز الجوازة اللي تليق باسم عيلته، مبسوطة دلوقتي وإنتي... قاطعته لأنها جارحة لها: "عشيقة ممدوح، صح؟ صاحت بشدة البكاء وقالت:
"ندمت، يا ريتك كنت رفضت، ياريت كنت ضربتني، حبستني، وما كنتش وافقت إنك تطلقني، أنا كنت صغيرة ومش فاهمة حاجة." عبدالناصر بانفعال: "مستحيل أخليكي على ذمتي بعد ما بصيتي برا وفضلتِ حد تاني عليا، أنا راجل وعندي كرامتي، نهايته بقى دي مواضيع قديمة، عايزة مني إيه؟ ابعدي عن بنتي يا منال، فاطمة أنقى من إنها تعرف إن واحدة زيك تبقى والدتها." مسحت دموعها وأمسكت يد عبد الناصر، طأطأت لتقبلها وهي تقول:
"أبوس إيدك يا عبد الناصر، سامحني، نفسي أرجع أعيش معاكم تاني، أنا عايزة أعيش مع بنتي، مش قادرة أبعد عنها خلاص، من وقت ما رجعت مصر وأنا مش قادرة أتخيل إن بنتي قريبة مني وما أشوفهاش، هابقى خدامة عندك يا عبد الناصر." بالكاد استطاع أن يحرر يده من قبضتها، استقام واقفاً لينهي ذلك الحوار البغيض بالنسبة له وقال:
"من غير أسف يا منال، اللي انكسر عمره ما بيتصلح، واللي بيبيع مرة بيبيع ألف مرة، قدرتي تبعدي السنين دي كلها، وإحنا كمان قدرنا على البعد دا، أظن ماحدش محتاج للتاني، اتفضلي ارجعي المكان اللي جيتي منه." أسرع ليفتح لها الباب، تحركت تجاه الباب ولكنها قالت: "اسمع يا عبد الناصر، بنتي من حقها تعرف إن أمها لسه عايشة." رد عبد الناصر بتهديد:
"من مصلحتك إنك تبعدي عن بنتي ومن مصلحة فاطمة إنها تفضل معتقدة إن أمها ميتة، ابعدي عن حياتنا." أنهى كلامه وأغلق الباب في وجهها. *** بعد أن خيم الليل على القصر، كانت تنتظر في الشرفة بقلق، فهو لم يعد حتى الآن، حتى لم يودع ضيوفه. فجأة لمحته عائداً وهو يمتطي حصانه. هبطت مسرعة تعتذر. وقفت في الردهة وقبل أن تنطق بكلمة واحدة اقترب منها بهدوء وقال: "كنتي بتقولي عايزة تعرفي إيه؟ مين اللي في الصورة مش كده؟
هزت رأسها ببراءة بنعم. وفجأة تحول لكتلة من الغضب، ركل المقعد المجاور لها، فصرخت ووضعت يدها على فمها من الصدمة حينما نطق هو: "دي تبقى مراتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!