الفصل 9 | من 28 فصل

رواية ندبات قدر الفصل التاسع 9 - بقلم الشيماء مسعد

المشاهدات
17
كلمة
3,525
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 32%
حجم الخط: 18

يقولون إن الطبع يغلب التطبع. مهما بدوت حاد الطباع، متزمر من كل شيء، ستقتحم طيبة قلبك ساحة المعركة معلنة أنها الفائز الوحيد أمام تصنع الغلظة والجمود. أخذت قدر القهوة لتوصلها للسيد رازي. دلفت إلى المكتبة، استأذنت لتدخل. وضعت القهوة بجواره. رمقها بدهشة وقال: "شكراً." لاحظ أنها تفرك في يدها فتابع: "خير يا آنسة ممرضة؟ قالت بتلعثم: "كنت عايزة من حضرتك بس إنك تسمح لي أقعد أقرأ معاك هنا في المكتبة."

نظر إليها، كانت تتصبب عرقاً، وقال: "مبحبش حد يزعجني وأنا بقرأ، والمكان ده بالذات مبحبش حد معايا فيه." قالت بحرج: "آسفة." كانت تتوقع رفضه، لكنها رغم ذلك شعرت كأن دلو ماء بارد سُكب عليها في ليلة شتوية قارصة البرودة. استدارت لترحل، لكنه أوقفها بقوله: "بس ممكن تاخدي كل الكتب اللي بتفضليها معاكي في غرفتك." عادت الابتسامة لمحياها، وقد استردت جزءاً من كرامتها، وقالت: "شكراً سيد رازي."

بدأت تبحث في أرفف المكتبة شاهقة الارتفاع، لكنها كانت حقاً في حيرة، فهي لا تدري ماذا تأخذ. كان صوت عبثها في الكتب وتنقلها يزعج رازي كثيراً، لذا ترك ما بيده وذهب تجاهها. وقف خلفها وهمس: "المكتبة موجودة في أي وقت يا آنسة ممرضة." شهقت من الفزع، وتابع هو: "خدي أي كتاب دلوقتي وتعالي اقريه براحتك بعدين، إنتي بتزعجيني." هزت رأسها وهي مصوبة نظرها عليه. التقطت كتاباً لم تعلم حتى اسمه، وخرجت مسرعة.

وصلت غرفتها وبدأت تقرأ الكتاب. كان كتاباً عن رواية رعب. لم ترد أن تقرأها، لكنها أقنعت نفسها بأنها في النهاية رواية لا أكثر، لا تمت للواقع بصلة. لكنها بمرور الوقت كانت حقاً تشعر بالزعر، فالرواية كانت أكثر رعباً مما توقعت. كانت منكمشة على نفسها، لكن فضولها يأبى التوقف.

مر الكثير من الوقت. كانت سناء والسيدة أمينة قد نامتا. أما رازي، فقد قرر النوم، لذا ترك المكتبة وتوجه إلى غرفته. أثناء صعوده الدرج، قد انقطع التيار الكهربائي. خيم الظلام الدامس على القصر. صرخة مدوية سرت من غرفة قدر. كانت حقاً في حالة زعر، إذ اعتقدت أن الأرواح هي من قطعت التيار الكهربائي، بحسب ما جاء في الرواية. توجه رازي مسرعاً نحو مصدر الصوت. طرق الباب. صرخت صرخة مكتومة، فقد كانت تضع يدها على فمها.

أتاها صوته مطمئناً: "آنسة قدر، إنتي كويسة؟ افتحي الباب." بحثت بيدها عن حجابها، وضعته بعشوائية على رأسها، واقتربت تتحسس الأشياء أمامها، فهي لا ترى شيئاً. حينما فتحت، سألها بجمود: "بتصرخي ليه؟ قدر كانت فاقدة السيطرة على نفسها. قالت بنبرة غاضبة عما وضعها به: "كله بسببك، بسبب الرواية المرعبة اللي أخدتها من مكتبتك، وأنا أصلاً بكره الضلمة وبكره الروايات المرعبة." بادلها الصراخ وهو يقول: "بتزعقي ليه؟! صرخت ببرأة وصدق:

"عشان خايفة." شعر حقاً بصدق كلامها، فأخرج هاتفه وضغط على زر الكشاف وأعطاها إياه قائلاً: "خلي ده معاكي لو بتخافي." استدار ليرحل، لكنها تخلت عن خجلها بسبب خوفها، وقالت بجرأة غير معهودة: "سيد رازي، المفروض تصلح غلطتك وتفضل معايا لحد ما الكهربا ترجع." رفع حاجبه باستنكار وقال: "أصلح غلطتي؟ عن أي غلطة بتتكلمي؟ قدر بخوف بدأ في صوتها: "الرواية، أنت اربكتني وخلتني آخدها من غير ما أقرأ اسمها حتى." زفر الهواء بضيق وقال:

"تعالى ننزل تحت لحد ما الكهربا توصل." هبطا سوياً وجلسا في الرواق على ضوء كشاف الهاتف. وأشعل هو المدفأة، فقد كان المطر يتساقط بالخارج. كان مرهقاً حقاً، يريد النوم، لكنه شعر بخوفها فأراد المساعدة. هو حقاً رجل نبيل. ازداد المكان ضوءاً من المدفأة. عرضت عليه: "تشرب شاي؟ هز رأسه بملل وقال: "أشرب." قدر مطت شفتيها وقالت: "طب تعالى أقف معايا في المطبخ لحد ما أعمله." عض شفيته السفلى بغيظ وقال هامساً:

"إيه مصبرني عليها مش عارف." تجرأت وقالت: "إحساسك بالذنب تجاهي. لو سبتني أختار لوحدي ما كانش ده حالنا دلوقتي." طالعها بغيظ قائلاً: "أكيد الفلسفة دي اكتسبتيها من الكتب." ردت قدر بفلسفة: "الكتب هي معلم قوي الشخصية، مرهف المشاعر، حكيم القرارات. هي عالم جميل مجرد من المكان والزمان، تقدر تعيش فيه أكتر من حياة يا سيد رازي."

هز رأسه موافقاً هذه المرة، لأن رأيه مشابه لهذا. فلولا القراءة ما استطاع التغلب على وحدته داخل قوقعة صنعها لنفسه. اتجها إلى المطبخ. وقفت تعد الشاي على الموقد، وهو يحمل لها الهاتف ليضيء لها. قررت أن تفتح معه حديثاً، لعله يتخلى لحظة عن غموضه هذا. قالت: "مش غريبة إنه شخص غني زيك ووسيم زي نجوم السينما يعيش وحيد في قصر كبير زي ده؟ ليه ما فكرتش إنك تتجوز يا سيد رازي؟ _مش عايز. كان هذا رده باختصار.

لوت فمها بغيظ من رده، فإنه لا يرضي فضولها. كانت تنظر له بغيظ، إنه كتلة من الجمود والبرود. بينما تفكر في جموده، هتف هو: "فار." كانت تلك الكلمة التي تفوه بها كفيلة بدب الذعر بقلبها. صرخت وهي ترفع قدميها بطريقة بهلوانية: "هو فين الفار ده؟ هو فين؟ زم شفتيه بضيق من تلك الفتاة الحمقاء. اقترب منها، أغلق الموقد وقال بملل: "الشاي فار. إنتي مستوى الـ IQ بتاعك كام؟ شعرت بخجل وإهانة، فهو يتهمها بالحمقاء. دافعت بسرعة عن نفسها:

"مش ذنبي إنك ما اتعلمتش تكون جملة مفيدة لحد دلوقتي." قال بغرور: "بعامل الناس بمستوى الـ IQ بتاعي يمكن." ردت بصدمة من غروره: "متواضع أوي ما شاء الله عليك يا سيد رازي." رد بكبر: "مش خطأ إن الشخص اللي فيه مزايا، يذكرها قدام الناس." فكرت في نفسها: أيها الوغد المتعرجف، كم أنت مغرور حد اللعنة. أخذت كوبين شاي على حامل معدني وعادا إلى الردهة. وفجأة انتهى المطر وعاد التيار الكهربائي. تنهد براحة وقال: "رجع. أنا هطلع أنام."

"مش هتشرب الشاي؟ " كان هذا سؤالها. رد بصدق: "مش قادر أفتح عيني." قالها واستقام واقفاً، توجه للأعلى. أسرعت هي الأخرى تركض خلفه من الخوف وتقول: "شكراً لأنك فضلت معايا. ده تصرف نبيل." ابتسم ابتسامة جانبية وقال: "عدي الجمايل." تمتمت: "مغرور! وصله همسها وقال: "سامعك." *** وقت الظهيرة. كانت فاطمة منهكة في العمل. دلف إليها إلياس. _فاطمة، وراكي حاجة بالليل بعد الشغل؟ _كان هذا سؤاله." ردت بابتسامة حاولت كبحها لكنها فشلت:

"لا، أنا مش بخرج بعد الشغل في العادي، بس بتسأل ليه؟ _فيه عشاء عمل النهارده ولازم تكوني معايا فيه. ردت بحيرة: "هو تمام، بس أنا لازم أستأذن بابا الأول وهارد عليك يا باشمهندس." _ماشي، بس بسرعة عشان ده وفد إيطالي حابب يستثمر في مجال المقاولات، وإنتي الوحيدة اللي بتعرفي إيطالي. هما معاهم مترجم، بس أنا مش حابب أقعد كده زي الأطرش في الزفة. ردت: "تمام، أنا هقول لبابا." فجلس أمام مكتبها وقال: "اتصلي دلوقتي."

هاتفت والدها وسألته عن رأيه، لكنه أردف بنبرة لا تقبل النقاش: "لا يا فاطمة، إنتي عارفة رأيي في حوار إنك تخرجي بالليل ده." نظرت فاطمة ل إلياس بإحباط وهزت رأسها بلا، مما دفع إلياس لأخذ الهاتف منها وقال: "استاذ عبد الناصر، يا ريت توافق. أنا فعلاً محتاج إن فاطمة تكون معايا النهارده. ووعد مني أنا هاجي آخدها من قدام العمارة وهارجعها لحد باب الشقة، ومش هتتأخر. لو الموضوع مش مهم، أنا ما كنتش هاطلب منها إنها تيجي معايا."

أمام إصراره وكلامه هذا، لم يجد كلاماً إلا أن قال: "بنتي مش متعودة تخرج بالليل، عشان كده هي مسؤولة منك لحد ما ترجع." "=أكيد يا استاذ عبد الناصر.=" كان هذا رده باختصار. وبعدها أقفل الهاتف. استقام واقفاً وقال: "واضح إن بابا بيخاف عليكي أوي يا فاطمة." "بابا ده الحتة الحلوة اللي في حياتي كلها." ردت بابتسامة وحب حقيقي بدأ جلياً في عينيها. رد بابتسامة وقال: "ربنا يخليكم لبعض. هاسيبك تكملي شغل." وما إن خرج،

حتى قالت بصوت هامس: "وانت الحاجة التانية يا إلياس." *** استيقظ رازي بكسل بسبب نومه متأخراً الليلة الماضية. دلف إلى المرحاض وبعدها، هبط بهدوء للأسفل. مر بجانب المطبخ، كانت قدر تتحدث مع سناء قائلة: "أنا ملاحظة يا سناء إنك مش بتصلي." سناء: "والله يا ست قدر، أنا واقفة على رجلي طول النهار، يدوبك بلاقي وقت لخدمة القصر الكبير ده." وقف يسترق السمع. تابعت سناء بحزن: "ادعيلي يا ست قدر ربنا يهديني." تنهدت قدر.

صمتت لحظة ثم قالت لسناء: "عندي ليكي عرض." ردت باندهاش: "عرض إيه يا ست قدر؟ _لو صليتي كل يوم الفروض كاملة، هساعدك في شغل البيت. موافقة؟ _" كان هذا عرض قدر. ردت سناء بخجل: "يا خبر يا ست قدر، وده برضه ينفع؟ قدر: "وما ينفعش ليه يا سناء؟

إنتي بس وافقي. بصي، هو الإنسان ممكن يكون بيقصر في حق ربنا، ومش مثالي في أداء العبادات، بس أهم حاجة يحاول. حتى لو هيقع ويبعد، بس ربنا هيقربك تاني للعبادة. هاقولك حديث عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه. قال: إذا تقرب العبد إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب إليّ ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة." وضعت سناء يدها على وجنتها وقالت وهي تطلق تنهيدة راحة: "كلامك حلو أوي يا ست قدر." قدر:

"يعني موافقة يا سناء إنك هتبدأي تصلّي؟ هزت سناء رأسها وقالت: "أكيد يا ست قدر، هحاول وربنا يقدرنا." كان مازال يسترق السمع بالخارج. ارتسمت على وجهه ابتسامة وحك خلف رأسه بسعادة. تلك الصغيرة الوديعة، قلبها نقي رغم ظروفها. حمحم وقال: "سناء." ردت مسرعة: "نعم يا رازي بيه." _القهوة بتاعتي. _" كان هذا طلبه وهو يتوجه إلى الصالة الرياضية. وتابع: "قولي للآنسة قدر تحصلني على الجيم."

استقامت قدر واقفة ولحقت به. جلس وهو يطالعها بنظرات راضية لأول مرة. بدأت تدلك يده بلطف، فهي مازالت تخجل من قربها هذا. فهو ليس كأي مريض، إنما هو غريب أجبرت على العيش معه تحت سقف واحد. صمت تام حتى قطعه هو بقوله: "مش عارف إيه الحنية اللي بتدلكي بيها دي." أردفت مسرعة: "لا، أنا بدلك حسب الإرشادات يا سيد رازي." _لا، إنتي ممرضة فاشلة وخجولة. كان هذا رده الذي أثار غيظها وغضبها معاً. ردت بشراسة: "أنا فاشلة؟

طب أنا هوريك الفاشلة دي هتعمل إيه." أمسكت يده بقوة، قطة شرسة تهاجم للمدافعة عن نفسها. وبدون أن تقصد، غرّزت أظافرها في يده فجرحتها. عقد حاجبيه من فعلتها وقال غير مبالٍ لجرح يده البسيط جداً: "إنتي بتدلكي ولا بتنتقمي مني؟ إنتي بتخربشي زي القطط." لاحظت بعض الدماء القليلة على يده. سحبت يدها بسرعة وعضت شفتها السفلى بحرج. قالت بلهفة: "أنا آسفة والله مش قصدي. أنا حبيت أثبتلك... بترت باقي كلماتها من إشارة بيده بأن تصمت.

نظرت للأسفل بحرج وخرجت مسرعة. كان يعتقد أنها خجلت مما فعلت، لكنها سرعان ما عادت حاملة معها حقيبة الإسعافات الأولية. قال بجمود: "مش مستاهلة." أشارت إليه هي بيدها بأن يصمت. رفع حاجبه الأيسر متعجباً، لكنه لم يعلق. بدأت في تطبيب جرحه البسيط الذي كان يرى أنه لا داعي لكل ما تفعله، فهو حقاً سطحي. وما إن انتهت حتى قالت مرة أخرى: "آسفة كمان مرة." _مش مستاهلة يا آنسة. _" رد ببساطة.

استقام واقفاً. ارتدى سترته الشتوية الثقيلة، شد السحاب. كان على وشك الخروج. كان سيطلب منها أن ترافقه إلى الاصطبل، لكنه نفض تلك الفكرة، فهو لا يريد أن تتلاشى الخطوط التي بينهم. قبل أن يخرج، سألته: "سيد رازي، ممكن الموبايل بتاعك؟ سأل بريبة: "ليه؟ "هاكلم حد أعرفه عايزة أطمّنه إنّي بخير." مد هاتفه لها. التقطته وخرج حتى تكون براحتها.

حاولت تذكر رقم هاتف عصفور مراراً، لكن مُسِحَ من ذاكرتها تماماً. بعد عدة محاولات باءت بالفشل، عادت محبطة للسيد رازي. كان في الاصطبل، أعد حصانه جوكي للخروج في نزهة. كانت ملامحها حزينة. أراد أن يسألها عن سبب حزنها، لكن لأمر برمته لا يعنيه. لكنه أخيراً تشجع وقال: "جوليان حزينة، عايزة حد يخرجها في نزهة." نظرت إليه بابتسامة وقالت: "ما عنديش مانع آخدها في نزهة مع جوكي." ابتسم قليلاً وأشار إليها تتحرك بها إلى الخارج. ***

ممدوح كان قد كلّف أحدهم بمراقبة إلياس ومهاب حتى يأتيه بكل المعلومات عن خطواتهم الجديدة في عملهم. كان يخطط لشيء ما ليوقعهم ويفسد عليهم عملهم كالعادة. أما عن إلياس، فقد ذهب إلى عشاء العمل هو وفاطمة مع الشركة الإيطالية التي يحتاجها لتمول لهم مشروعاً ضخماً هم بصدد البدء فيه. جلست فاطمة في المقعد المجاور لإلياس. كان الوفد عبارة عن رجلين وسيدة أربعينية. بدأ في الحديث أحد أعضاء الوفد:

"لقد درسنا تقدم شركتكم على مدار الثلاث أعوام منذ أن أقيمت. لاحظنا التقدم الملحوظ في خطواتكم. وبما إننا نشجع المواهب الشابة، فقد نتطلع للشراكة معكم." كانت فاطمة تترجم له ما قيل، وكان هناك مترجم آخر خاص بهم. كان ينظر لفاطمة بنظرات إعجاب، وقد مدحها بالإيطالية على الرغم من أنه مصري. قال لها: "إنتي سريعة في الترجمة، كما أنك رائعة بهذا الرداء." ابتسمت وقد احمرت وجنتيها وقالت: "أشكرك على ذوقك." رمقها إلياس بنظرات كالسهام

وكزها من كتفها وهمس بغضب: _بيقولك إيه ده؟ ردت: "ولا حاجة، بعدين لما نخرج." _وحياة أمك؟ بقولك بيقولك إيه؟ ردت بنزق: "يوووه يا باشمهندس، ما قولنا لما نخرج." رد بتوعد: "ماشي يا فاطمة." تابعوا الحديث حتى انتهى عشاء العمل بالاتفاق على أن الوفد سيدرس أبعاد الشراكة ويرد عليهم بفاكس في الحالتين إن وافق أو لا. قال المترجم لفاطمة بالإيطالي: "هل إنتي مرتبطة؟ ردت وهي تطالع إلياس: "هو يكون خطيبي." تفهم المترجم وقال لها:

"معذرة، لقد فهمت لماذا هو ساخط الآن." ابتسمت له وقالت بمشاكسة: "يغير عليا كثيراً." لم يتحمل إلياس تلك النظرات المتبادلة والحديث الهادئ بدون فهم. صدح بصوت جوهري: "وحياة أمك، احجز لكم ترابيزة واتنين لمون على ضي الشموع." انتبه الوفد الإيطالي لهم، وقد كان استعد للمغادرة. وكزته فاطمة قائلة بهمسات حانقة: "إلياس، ميصحش كده، إنت مش فاهم حاجة." هتف بغضب:

"طب فهميني يا هانم، الأستاذ بياخد ويدي معاكي في الكلام على أساس إن سوسن قاعدة جمبك." ضحكت هي بتسلية وقالت: "بقولك إنت فاهم غلط يا باش... بتر كلماته بقوله: "إششش." وقفا ودعا الوفد بحرارة وتوجها نحو باب الخروج. استوقفتهم فتاة قائلة: "إلياس عمران الرازي." نظر إليها برهة ثم أردف بابتسامة: "ميار الجندي، أخبارك إيه؟ وإيه الجمال ده؟ "والله ليك وحشة يا إلياس." كان هذا ردها مما دفع فاطمة للغيرة التي بدت جلية على ملامحها.

رد إلياس: "ياااه، أيام الجامعة كلها وحشاني والله. إنتي بتشتغلي فين دلوقتي؟ ردت ميار: "مهندسة في شركة روفيدا العقارية. أنا سمعت إن عندك your own business (شغلك الخاص) رد هو: "ما انتي عارفاني بحب أكون مدير نفسي، عشان كده فتحت شركة أنا ومهاب صاحبي. فكراه؟ ضحكت وقالت: "وحد ينسى مهاب." تابعت ميار وهي تطالع فاطمة: "إيه ارتبطتي ولا لسة سنجل زيي كده؟ ردت فاطمة بما صدم إلياس والواقفة معه: "أيوا ارتبطت، أنا خطيبته."

قالت كلمتها واندفعت تركض نحو الخارج كالاعصار. بينما وقف هو لحظات يستوعب ما قالت تلك المجنونة. *** في صباح اليوم التالي وبعد قضاء الروتين اليومي بين رازي وقدر، قررا أن يتسكعا سوياً مع جوكي وجوليان، فقد كانت تلك أحب الأوقات لقدر. كان رازي يبدو ودوداً جداً بالقرب من جوكي وجوليان. كان يتخلى عن كل تلك القسوة، يضعها جانباً. ظلت تتحدث قدر طوال الطريق. رمقها بنظرة جانبية وقال: "مش كفاية كلام؟

واستمتعي بالشمس والخضرة والمنظر الخلاب ده." مطت شفتيها وقالت: "سكتت أهو، بس إنت اللي محتاج إنك تتكلم أكتر. إنت بتدفع ضرايب على الكلام؟ ابتسم وقال: "بكره الثرثرة." تنهدت ورفعت أكتافها وقالت: "زي ما تحب." وما إن وصلا المنزل حتى تفاجأ رازي بضيوف أتوا لزيارته. كانت المفاجأة تحتل ملامحه وابتسامة عريضة ظهرت على محياه وقال: "أهلاً أهلاً بامرأة هزت عرش إسرائيل. حضرة الظابط سيف العميد وحرمه ملك السقا عندنا. مش مصدق نفسي...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...