ذكرى الميلاد هو اليوم الأجمل الأروع الأكثر تميزا عند أي شخص، إلى أن يأتي أحدهم فينجح في تحويله إلى اليوم الأبشع والأسوأ. بدلا من أن تحتفل بميلادك، تحتفل بميلاد حزن، انكسار، خذلان يتجدد كل عام في تلك الليلة. بعد أن خيم الليل على القصر، كانت تنتظر في الشرفة بقلق، فهو لم يعد حتى الآن، حتى لم يودع ضيوفه. فجأة لمحته عائدًا وهو يمتطي حصانه. هبطت مسرعة، اعتذرت. وقفت في الردهة، وقبل أن تنطق بكلمة واحدة، اقترب منها بهدوء.
وقال: كنتي بتقولي عايزة تعرفي إيه؟ مين اللي في الصورة؟ هزت رأسها ببراءة بنعم. وفجأة تحول لكتلة من الغضب. ركل المقعد المجاور لها، فصرخت ووضعت يدها على فمها من الصدمة. حينما صدح بغضب: دي تبقى مراتي. اتسعت عيناها من المفاجأة. لم تتفوه بكلمة. كان يركل كل شيء أمامه وهو يقول: مراتي اللي أمنتها على حياتي وقلبي، وهي... لم يكمل حديثه.
مسح على وجهه وجلس أرضًا وهو ينظر إلى السيدة أمينة التي تتابع المشهد من البداية. كان كطفل ضائع. قال: دادا أمينة، عايز أمي. هبطت دموعه. هب واقفا يركض تجاه الجناح الغربي. ركدت خلفه قدر بدون تفكير. يجب أن تساعده. كان حقاً يبدو مثيرًا للشفقة. حينما وصلت، كان ممسكًا بسلاحه يصوبه على صورة تلك اللعينة. صدحت من خلفه بدموع: أنا آسفة لو أدخلت في حاجة مش من حقي، أنا آسفة لو أنا سبب الحالة اللي أنت فيها.
تحركت تجاهه بحذر. كانت خائفة. وقفت أمامه وقالت بصدق حقيقي: أنا آسفة يا رازي، مش هعمل كده تاني. تلاقت عيناهما. كانت عيناه تحمل حزنًا عميقًا، أما خاصتها فكانت تحمل ألمًا وشفقة على حالته تلك. لم يشعر بنفسه إلا وهو يبعد سلاحه. لم يطلق هذه المرة. جسّ على ركبتيه. وقال: دي فريدة هاشم الرفاعي، أو مايا رياض المنشاوي. الاتنين كانوا شخص واحد. فريدة حبتني ومايا طعنتني في قلبي.
صمت. لم يكمل الحديث. ازداد فضولها وصل لزروته. ربتت على كتفه. ولكن فجأة نفض يدها بقوة. وقبل أن تتفوه، هب واقفا وقال: حقي هاخده منها، هاخليها تتمنى الموت، بس أتخلص من عجزي، عجزي اللي مانعني أطفي ناري.
وضعت يدها على فمها لكتم شهقاتها. لأول مرة تراه بهذا الانكسار. تركها وغادر الجناح الغربي. اتجه إلى غرفته. ثم منها إلى المرحاض. فتح الصنبور وبدأت المياه تتساقط عليه وهو يفكر بها، تلك التي تلقى منها أكبر صفعة في حياته كلها. بدأت تداهمه مواقف مر بها معها. "بحبك يا رازي." "أنت كل حياتي." "نفسي أفضّل طول عمري جنبك." بدأ صدره يعلو ويهبط وهو يتذكر. "أنا اللي قتلت والدتك. تحب أقولك إزاي؟
في تلك اللحظة، صرخ. صرخ بكل ما أوتي من قوة. فكر: لو كنت أستطيع وقتها أن أنتزع روحها منها، ما كنت ترددت لحظة. أما عن قدر، فقد ذهبت وهي تنتحب. وما إن رأت السيدة أمينة حتى ألقت بنفسها في أحضانها وهي تصرخ وتقول: أنا السبب في كل ده. ربتت على ظهرها السيدة أمينة بحنان وقالت: لا يا بنتي مش انتي السبب. الله يجازيها اللي كانت السبب. الله يجازي مايا بنت رياض المنشاوي. طالعتها قدر بدهشة وقالت: هي مين فريدة ومين مايا؟
أنا مش فاهمة حاجة. أمسكت أمينة بيد قدر واتجهت بها إلى غرفتها وقالت: أنا هاحكي لك كل حاجة. جففت قدر دموعها واستعدت لترضي فضولها. بدأت أمينة في سرد ما حدث منذ أن التقى رازي بفريدة مصابة في طريق عام وأتى بها إلى المنزل حاملها بين يديه.
قالت أمينة: كنا قاعدين قلقانين، أنا والست زهرة والدة رازي والياس. الله يرحمها ويحسن إليها. كانت ست زي القمر وطيبة الدنيا كلها فيها. واللي يشوفها يقول اختهم مش أمهم. قلقنا عشان رازي في الليلة دي اتأخر في المهمة اللي كان فيها، مجاش إلا وش الفجر. أول ما سمعنا صوت عربيته طلعنا جري، بس اتفاجئنا لما لقيناه شايل بنت على إيديه وهي نايمة أو مغمى عليها. قربت الست زهرة وقالت بلهفة وقلق: إنت كويس يا حبيبي؟ اتأخرت ليه ومين دي؟
قال رازي مطمئنا والدته: أنا الحمد لله كويس يا سنيوريتا. إنتي تشكي برضه إن رازي باشا حد يقدر يقف قصاده. تنهدت بتعب، فهو دائمًا ينجح في تلف أعصابها: لو تسمع كلامي وتسيب شغل المخابرات ده وتمسك شركة باباك، أنا هارتاح. وضع الفتاة على الأريكة. تابعت زهرة: ومين دي كمان؟ واحدة قابض عليها وجاي تحقق معاها هنا؟ ابتسم وقال: لا يا لماحة يا سنيوريتا، تعالي جمبي، أنا هاحكيلك. جلست بجواره. قص عليها منذ أن وجدها
ملقاة على الطريق تتمتم: "أنقذني... ". إلى أن أتى بها إلى هنا. وتابع: أنا اتأكدت من كلامها، فعلاً بيتهم كانت النار شاعلة فيه، ووالدها وأخوها محروقين. تأثرت زهرة كثيرًا، بل وسقطت دموعها حزنًا على تلك الفتاة. وقالت: يعني هي دلوقتي مالهاش حد يا رازي؟ هز رأسه بنعم وقال:
لا. وكمان كل أوراقها الرسمية اتحرقت في الفيلا، يعني مش هتقدر تسافر أمريكا تاني. وكمان مهددة بالخطر عشان اللي قتل والدها وأخوها عايز يقتلها. أنا القضية دي بقت بتاعتي خلاص ولازم أجيب لها حقها. ربتت زهرة على كف ابنها وقالت: ربنا يحفظك يا حبيبي وتنصر المظلومين. خلاص البنت دي هتبقى معانا هنا عشان تكون في أمان لحد ما تقبض على المجرمين اللي قتلوا أهلها وعايزين يأذوها. قبل يدها وقال: أومال أنا بحبك من شوية يا سنيوريتا.
مسحت على خصلاته وهي تبتسم. تابعت أمينة وهي تقول لقدر: من يومها رازي فضل جنبها لحد ما اتحسنت ونسيت أبوها وأخوها، قصدي اللي كانت وهمانا إنهم أبوها وأخوها. وبعد ما اتحسنت، بقت مرافقة رازي زي خياله. تطلع معاه التخييم اللي بيحبه زي عيونه، وتروح معاه يتمشوا بالخيل. كانت بتفرض نفسها عليه في كل لحظة. يدخلوا أحيانًا يقرؤوا في المكتبة بالساعات. ما كنتش تسيبه إلا وقت الشغل ووقت النوم.
الموضوع ده ضايق الست زهرة، هي مش بتحب الحال المايل أبدًا. وفي يوم كان ليلة رأس السنة واللي ما تتسمى دي، طلبت من رازي يخرجها بالليل تتفسح. الوقت اتأخر وهما لسه ما رجعوش. الست زهرة بقت بتغلي، واقفة في البلكونة مستنية لحد ما سمعت صوت العربية. نزل رازي والحرباية من العربية. وقفت قدامه وفضلت تتكلم. كانت الست زينب متابعاهم من فوق. فريدة اقتربت من رازي وقالت: أنا مبسوطة أوي، بجد يا رازي، أنت ما فيش منك اتنين.
ابتسم وقال بمشاكسة: عدّي الجمايل بقى، علمتك ركوب الخيل، والرماية، واللعب مع بلاك جاك و... بتر كلمته حينما قبلت وجنته على حين غرة. تفاجأ كثيرًا. وقالت هي بخجل: فريدة: إنت أحسن حد في الدنيا كلها، أنا بحبك. قالتها وركدت إلى داخل المنزل مهرولة تتصنع الخجل. ظل جامدًا مكانه واضعًا يده على وجنته مكان القبلة، وكان ينظر إلى أثرها. ابتسم على رعونتها واندفاعها وهمس: مجنونة.
ركد خلفها. كانت البسمة لم تفارقه. بعد أن دلف إلى الداخل، وجدها واقفة بخجل. اقترب منها أكثر. وقال: لما نسأل حد سؤال، يبقى نستنى نسمع الإجابة، صح؟ كانت مخفضة رأسها وقالت بخجل: صح. اندفع أكثر، اقترب منها وقال: متهيأ لي لازم أرد لك هديتك. وقبل أن يقبلها، صدحت زهرة بجمود: رازي. ابتعد رازي عن فريدة، ونظرت هي بخجل وركدت تختبئ في غرفتها. بينما تابعت زهرة: آخر حاجة كنت أتوقعها منك يا رازي. حك عنقه خجلًا عما كان سيفعله.
تابعت هي: انت تجاوزت حدودك، بتقرب لواحدة بطريقة مقززة، إزاي تسمح لنفسك تقرب لبنت مش من حقك تقربلها. نظر للأسفل وقال بحرج: أنا... ما كنتش أقصد بس اندفعت، أنا آسف يا ماما. تابعت زهرة بجمود: لو بتحبها، خد خطوة جدية، اتجوزها يا رازي. أنا مش أم متسلطة عشان أمنعك، طالما أنك عايزها. بس مش هسمح لحاجة دنيئة تحصل في بيتي، أو تستغل بنت لمجرد إنها مالهاش حد. مسح على خصلاته وقال: أنا معجب بيها بس. بترت كلمته قائلة:
ما فيش "بس"، يبقى خلاص، تتجوزها. رفع كتفيه وقال بابتسامة: اللي تشوفيه يا سنيوريتا. رمقته بنظرة جانبية وابتسامة متهكمة وقالت: اللي أشوفه أنا برضه. ما خلاص بقى، آسف والله. قال جملته هذه وانحنى يقبل يدها وقال: وغلاوة عمران الرازي عندك، تسامحيني. مسحت على خصلاته وقالت: الله يرحمه، ما شافنيش إلا ليلة الزفاف. ضغطت على كلمتها الأخيرة كنوع من العتاب. أراد أن يهرب من عتابها فقال:
ياااه، أنا تعبان قوي، هطلع أنام بقى يا سنيوريتا. كانت فريدة تتابع وقالت بغضب: آه يا زهرة يا حرباية، اتصرف إزاي دلوقتي؟ بتدبّسني في الجواز، بنت الـ****. حسابك معايا بعدين. أسرعت فريدة راكضة لغرفتها وأجرت اتصالًا هاتفيًا. فريدة: الو، نذار، أنا في ورطة، والدة رازي طلبت منه يتجوزني. أتاها الرد ببرود شديد: وماله، ما يضرش. ردت بصدمة: يعني إيه يا نذار؟ عايزني أتزوج الد أعدائي؟ نذار: لو عايزة تكملي انتقامك، يبقى لازم توافقي.
تابعت أمينة لقدر: وبعدها يا بنتي، اتجوزها فعلاً. كان بيعمل أي حاجة عشان يسعدها والست زهرة كانت تتمنالها الرضا. مرت سنة كاملة على جوازهم، وخلال السنة دي كل عملية دخل فيها رازي تبع شغله كانت تفشل، وماحدش عارف السبب، مين بيسرب المعلومات. وبرضو، كل ما الست زهرة تطلب منها تجيبلها حتة عيل، تتحجج بأي حجة. لحد ما في يوم عيد ميلاد رازي، كانت فريدة تهبط الدرج بمرح وهي تقول بصوت جوهري: رازي، رااازي.
خرج من مكتبه وقال بضجر، فقد كانت حالته النفسية سيئة، لأنه لم يعتد على فشل عملياته الخاصة التي يقوم بها، لطالما كان الأذكى والأدهى. رد رازي: نعم يا فريدة. فريدة بدلال علقت ذراعيها في رقبته وقالت: أنا عازماك النهاردة على حفلة. فك يديها وقال: مش عايز، أنا مش في أحسن حالاتي يا فريدة، يا ريت تأجيلها. ردت متصنعة الحزن: ولو قلتلك عشان خاطري، هترفض؟ زم شفتيه ولم يرد. تابعت هي: أوعدك إن السهرة دي عمرك ما هتنساها يا رازي.
كانت نبرتها متوعدة نوعًا ما. عقد حاجبيه ولم يفهم تلك النبرة. وافق على مضض وقال: حاضر يا فريدة. قبضت على يده وهي تجره خلفها. كان منساق خلفها بضيق. قالت هي بسعادة: تعالى عشان نظبط لبس مناسب للسهره دي. في المساء، قررت فريدة أنها هي من ستقود السيارة. مر وقت طويل. هتف رازي بضجر: احنا رايحين فين يا فريدة؟ ردت بتسلية: قولتلك سيب لي نفسك خالص النهاردة.
وصلوا مكان شبه صحراء. أوقفت السيارة. وبمجرد هبوطهم، اشتعلت الإضاءة تنير المكان أجمع. عقد حاجبيه وقال بتأفف: فيه إيه يا فريدة؟ وإيه المكان ده؟ اقتربت منه، قبلت وجنته. وهي تقول: كل سنة وأنت طيب يا رازي. ولا أقولك الوداع يا حبيبي. لم يفهم. لذا قال: فريدة، انتي عارفة إن أموري مش تمام اليومين دول في الشغل، فهميني، إحنا هنا ليه؟ ردت بنبرة شريرة وقد تحولت نظرتها البريئة تمامًا: عيد ميلادك يا شيطان.
عقد حاجبيه وهزها وهو يقول: انتي شاربة حاجة؟ فيكي إيه؟ كلامك غريب ولهجتك أغرب. وفجأة خرج عشر رجال كلهم مسلحين مصوبين أسلحتهم عليه. أرجع فريدة خلفه ومد ذراعه ليحميها وقال: انتوا مين؟ ثم تابع: أوك، خليها تمشي، وبعدها نشوف عايزين مني إيه. رد أحدهم بما جمد رازي: مايا هانم، الحفلة بدأت. خرجت فريدة من خلفه. وأعطاها أحدهم سلاحه. صوبته على رأس رازي من الخلف. التفت إليها بذهول كأن الصدمة جمته. ظل صامتًا لبرهة ثم قال:
فريدة، لو ده مقلب مش هرحمك. تعالت ضحكاتها وهي تقول: ده كابوسك يا رازي يا شيطان. أحب أعرفك بنفسي، مايا رياض المنشاوي. فاكر الاسم ده كويس ولا نسيت؟ عقد حاجبيه وضيق عينيه يحاول أن يستوعب ما تقول. همس: رياض المنشاوي؟ ردت بغضب: أيوه رياض المنشاوي اللي قتلت ابنه واعتقلته بتهمة الفساد. انت فاكر إنك شاطر أوي وصاحب القبضة الحديدية زي ما بيسموك، وإنك أحسن حد في الكون كله؟ لم ينطق بكلمة. كان مغيبًا تمامًا من أثر الصدمة.
فريدة التي أعطاها كل شيء: حب، دفء، بيت، حنان، عائلة. وأكيد قلبه. تطعنه في ظهره. لكن فليضع مشاعره جانبًا. إنه وقت الحرب. إما أن يخرج من تلك الحرب منتصرًا أو منتصرًا. لا يوجد خيار آخر لديه. حاول استرجاع جزء من تركيزه. باغتها على حين غرة، مثل أنه فقد توازنه. طاح حتى كاد يسقط. شتت انتباهها وسحب منها السلاح على حين غرة. وجهه على جبهتها. وقال: إنت جريئة بجد. أحيكي يا بنت المنشاوي على الجرأة دي. تدخلي بيت السبع برجليكي؟
تقعدي أكتر من سنة كمان؟ دانتي عديتي ليفل الوحش. لا وبتنتقمي كمان. بس انتي شكلك ما بتتعلميش. ما عرفتيش في الفترة دي مين رازي؟ أنا لا يهمني انتي ولا العشر حريم بتوعك دول. أشار إليهم وقال: خليهم ينزلوا سلاحهم، وإلا هفجر دماغك. هعد لحد 3. لو ما نزلوش السلاح ووقفولي صف واحد، هارازي فيكم كلكم لحد ما يبانلكم صاحب. وخلي أبوكي يقولك مين هو رازي صاحب القبضة الحديدية اللي مش عاجبك يا بنت الـ****. بدأ رازي في العد: 1، 2، 2 ونص.
وقبل أن ينطق ثلاثة، سمع ما شتت انتباهه. صرخت: أنا حامل يا رازي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!