الفصل 12 | من 28 فصل

رواية ندبات قدر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم الشيماء مسعد

المشاهدات
19
كلمة
4,200
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

قال رازي وهو يصوب سلاحه على رأس مايا: هعد لحد ٣ لو مانزلوش السلاح ووقفولي صف واحد هارازي فيكم كلكم لحد ما يبانلكم صاحب، وخلي أبوكي يقولك مين هو رازي صاحب القبضة الحديدية اللي مش عاجبك. بدأ رازي في العد: ١، ٢، ٢ ونص. وقبل أن ينطق ثلاثة سمع ما هزه من الداخل. صرخت: أنا حامل يا رازي. نجحت في تشتيت انتباهه وبحركة سريعة على حين غرة، لكمه أحد الرجال بقوة فسقط السلاح.

رد عليه رازي بصفعة أوقعت به أرضًا، من يده الشمال، تلك اليد الحديدية التي لكمة واحدة منها كفيلة بإسقاط صف أسنان أحدهم. نظرت له مايا بغل وأطلقت طلقة نارية على يده الشمال فتأوه بشدة. وقالت: دي مخصوص عشان القبضة الحديدية اللي قارفنا بيها. صرخ من الألم، أمسك بيده، وفي تلك اللحظة اقترب منه العشرة رجال كتفوه، وأمسكت هي عصا حديدية. وقالت: مد إيده الشمال.

أحكم اثنان منهم على يده الشمال، أخذت تضرب بكل قوة لديها حتى كسرت كل عظمة بها تقريبًا. كان يصرخ في سكون الظلام والفراغ الشاسع، لم يكن هناك سوى صوت صراخه وصدى صوته الذي يتردد حزنًا وألمًا على ما حل بخير ما أنجت المخابرات المصرية. كانت تلك القمر والنجوم اللامعة في السماء الصافية هي الشاهد الوحيد على انكسار كبرياء الأسد، تحطيم قلب وثق في من لا يستحق.

ضحكت مايا باستمتاع وقالت: خلاص مافيش قبضة حديدية تاني، هي كده شلت تمامًا. بمناسبة أنك مغرور وشايف نفسك وحاسس إن مافيش حد يقدر يقف في طريقك، كل العمليات اللي فشلت كنت أنا السبب، كنت بتصنت عليك وأعرف أنت هتعمل إيه وأبوظ لك خططك، كنت ديما سبقك بخطوة يا حضرة الفاشل. آه نسيت أقولك، عارفة مين اللي قتل هاشم الرفاعي وابنه؟ تعالت ضحكاتها الجنونية وهي تتابع: أنا اللي قتلت هاشم الرفاعي وابنه وحرقت البيت بيهم.

همست في أذنه كأنها لا تريد أحدًا أن يسمعها: وأقولك الأدهى من كده، أنا حابسة فريدة هاشم الرفاعي عشان ماتعمليش قلق. كان صوت ضحكاتها يتعالى ويرد عليه صداها في الأرجاء، كأنها ضحكات للشيطان، وكأن الشر كله تجمع تلك الليلة في جسد مايا. بصق رازي على وجهها وقال: زي أبوكي برضه تربية و*** بتطعنوا في الضهر، ماتقدروش تواجهوا، أنتوا أجبر من كده بكتير، أنتوا حثالة.

لو فرحانة بالكلاب اللي حواليكي وواخدة وضعك حبتين أحب أقولك إني هاسحقك زي ذبابة مالهاش أي قيمة. لو فاكرة إني خايف فتبقي بتحلمي أحلام اليقظة، أنا رازي، الاسم لوحده كفيل يخوف أمثالك أنتِ وأبوكي. غلى الدم في عروقها، نجح رازي في إثارة غضبها مما دفعها تقول: اسمع بقى الخبر اللي هيخلي دا يشل زي ما إيدك شلت. أشارت إلى قلبه: أنا سيبتلك هديتين عشان تفضل فاكرني بيهم.

جبت لك لوحتك المفضلة ليلة النجوم لفان جوخ عشان كل ما تشوفها تفتكرني. تابعت ببرأة أحسنت إتقانها: مش أنت قولتلي إنك بتحب اللوحة دي أوي، بتفكرك بهدوء الليل والنجوم اللامعة في سكون الليل والرومانسية المتخلفة بتاعتك دي. تابعت بضحكة شريرة: والهدية التانية، ما بقاش فيه سنيوريتا خلاص. هوى قلبه أرضًا قبل تلك الكلمة، لم يكن يهمه ما أصابه من عجز في يده، كل ما همه ألا يسمع ما جاء بباله وقت سمع سيرة والدته.

لطالما كانت هي عشقه الأول، حبيبته، رفيقته، ووالدته الحازمة حينما يتطلب الأمر. تمنى لو يتوقف الزمن عند تلك اللحظة ولا يسمع بأي مكروه يصيبها. شعر وكأن أنفاسه تسلب منه. تابعت بضحكة مجنونة وكأنها فقدت صوابها: أنا خلصت على السنيوريتا والخدامة اللي معاها، ومع الأسف الياس ما جاش النهاردة زي ما قال، بس مش مهم، أنا موجودة. وما إن سمع رازي تلك الكلمة حتى خارت قواه، سقط أرضًا يصرخ وقلبه يقطر دمًا. همس: أمي.

نظر إلى مايا بقهر، وجه لها نظرة أقسمت أنها لن تنساها. لقد خافت، رغم أنه كان مكتفًا من قبل عشر رجال. قالت وهي تتراجع أدراجها للخلف: يلا بينا. رد أحد الرجال: مش هنقتله يا هانم. مسحت على خد رازي، فأبعد وجهه عنها بمقت شديد لها. قالت هي: رازي ده غالي عليا أوي، عشان كده مش هقدر أشوفه بيتقتل قدامي، وكمان لازم يستمتع بالهدايا والمفاجأة اللي عملتها له، لو مات هيرتاح ومش هيستمتع.

ألقت له قبلة في الهواء، وقبل أن تغادر قال هو بمرارة وغِل: حق أمي هاخده، هاحرق الدنيا كلها عشانها، هخليكي تتمني الموت يا فريدة. حضر في ذهنه تلك المقولة: "اتحرق العالم لأجلها". قال: وهل يوجد عالم بدونها؟ غادروا جميعهم تاركين خلفهم أشلاء قلب، الخذلان تجسد في صورة روح معذبة. منذ قليل كان مستعدًا أن يدفع روحه دفاعًا عنها، لقد خبأها خلف ظهره خوفًا من أن يصيبها مكروه. ماذا فعلت هي؟

لقد سلبت روحه، قتلته ألف مرة، سلبته أغلى شخص على قلبه. أخذوا سيارته معهم، وما إن رحلوا أخرج هاتفه، حاول كثيرًا الاتصال على هاتف المنزل لكن أحدًا لم يجب. بكى كثيرًا، انتحب، صرخ باسمها، لم يقل سنيوريتا كما اعتاد، كان يردد: أمي. مسح دموعه، لم يكن يشعر حقًا بألم يده. كلم صديقه (سيف العميد) الذي أتى إليه بعد عدة ساعات نظرًا لبعد المسافة. ظل يبكي كالطفل حتى سكن تمامًا، تحجرت الدموع، لم تعد تسقط.

نزف كثيرًا، ضعفت قواه، شعر بأنه يفقد روحه شيئًا فشيئًا. لم يكن يعنيه الأمر برمته لولا السنيوريتا. وصل سيف وهبط كالإعصار، وجد صديقه في حالة يرثى لها. سانده إلى أن وصلا إلى السيارة، كان ساكنًا، لم يتفوه، كأنه في عالم آخر. نظر سيف له ومعالم الدهشة على وجهه: إيه اللي حصل؟ أنا ما عنديش أي معلومات عن إنك في مهمة. لم يرد رازي. أكمل سيف: هاخدك على أقرب مستشفى. حينها رد رازي: خدني على البيت.

سيف بدهشة: بيت إيه، أنت دمك هيتصفى. سقطت دموعه وقال: عايز أشوف أمي. ازدادت دهشة سيف وقال: ما تريحني يا رازي، إيه اللي حصل يا خي؟ فريدة قتلت أمي. كان هذا رده باختصار، ولم يتفوه بعدها. أما الآخر فقد ألجمته الصدمة وهرب الكلام من فمه، رغم أن الفضول كان سيقتله. تابعت أمينة وقد فتحت عليها تلك الذكريات سيلاً من الألم، قالت وهي

تنتحب وعباراتها تتسابق: رجعت تاني يوم من البلد لقيت الياس ومهاب بيعيطوا زي الأطفال ورازي نايم طريح على السرير مش دريان بحاجة ومتعلق له محاليل، وأصحابه كلهم في البيت. ولما عرفت الخبر صرخت ووقعت أنا كمان من طولي، كانت فترة صعبة علينا كلنا يابنتي. الست زهرة الله يرحمها، أصلها كانت زهرة البيت، حبيبة الكل، اسم على مسمى، زهرة.

من وقتها وزي ما انتي شايفة رازي اللي ما كانش يبطل هزار ومشاكسة وكان فرحان بنفسه أوي وبقوته وذكائه، بقى بيطلع الكلمة بالعافية، بقى بيحب العزلة زي عينيه، ممكن يعدي يوم كامل ما يكلمش حد. والياس يا حبيبي اللي كان دلوعة البيت ومش بيحمل هم أي حاجة وعايش حياته زي أي شاب، شال الهم وبقى هو الكبير وهو اللي يشتغل ويدير شركة والده. ومُهاب ربنا يحفظه لشبابه مش سايبه أبدًا، الست زهرة كانت بتعتبر مهاب ابنها التالت.

تابعت برجاء: عشان كده أنا أرجوكي يا بنتي لو اتصرف معاكي رازي أي تصرف بعصبية لازم تعذريه، هو اللي حصله مش قليل يا حبيبي. تخيلي الست اللي يأمنها على اسمه وعرضه ويفتح لها بيته وقلبه تطعنه وتضربه في مقتل. حرمته من أكتر إنسانة بيحبها، ما كانش يناديها إلا السنيوريتا، كان بيدللها كأنها أميرة، وهي تستحق إنها تتعامل زي الأميرات.

بكت أمينة أكثر، وكانت قدر لا تقل عنها في النحيب، فقد تقطعت أنياط قلبها بعدما عرفت الأحداث التي مر بها ذلك الشاب الذي يتصرف كهل عجوز شبع من الدنيا. منذ أن رأته اقتربت قدر من السيدة أمينة، أحاطتها بذراعها وربتت على فخذها باليد الأخرى وقالت: كفاية عياط يا ست أمينة، العياط مش هيرجع اللي فات. لو كل حد اتعرض لموقف صعب في حياته انعزل زي رازي، ما كانش حد كلم حد.

لازم نساعد رازي يرجع زي الأول قوي وفرحان بنفسه ومرح زي ما إنتي قولتي. هتسأليني إزاي؟ هأقولك ما أعرفش، بس هنحاول مع بعض، أنا هرجع لك تاني وندردش في كل حاجة كان بيحبها رازي، هنعملها وهنتحمل رفضه وغضبه وثورته، كله هيعدي بإذن الله. ابتسمت أمينة من وسط دموعها وقالت: اسمك قدر، ويمكن تكوني القدر اللطيف اللي ربنا بعته لرازي عشان يرجع لحياته القديمة ويتابع حياته زي أي شاب في سنه.

رازي، موقفه حياته من خمس سنين، عنده ٣٥ سنة بس عايش كأنه عنده ٧٠ سنة، رازي كبر ضعف سنه بسببها، ربنا ينتقم منك يا بنت المنشاوي، قادر يا كريم. بينما في مكان ما في إيطاليا، كان هناك طفل صغير عمره حوالي ٤ أعوام يلعب كرة القدم. ركل الكرة بقوة، اقتربت من حوض مياه كبير شاسع. ركض خلفها، لمحته السيدة التي كانت تستجم تحت أشعة الشمس، هبت واقفة تركض خلفه. وهي تقول: Adam, don't play near the pool, It's dangerous.

(آدم، لا تلعب بالقرب من حمام السباحة، هذا خطر) رد الطفل بطاعة: OK mom. حملته من الأرض وقبلت وجنته وقالت: good son. حملته وعادت إلى ذلك الذي المستلقي على أريكة بجوار خاصتها، فتح ذراعيه وهو يقول: My dear son, come to your dad. (ابني الغالي، تعال إلى والدك) ارتمى الطفل بين أحضان الرجل وقال: love you dad. شردت قليلًا تفكر: آدم يذكرني بوالده كثيرًا. لقد نفذت انتقامي من رازي، لكن...

لكن لم أكن أعلم أني تركت قلبي هناك، وهو ترك قطعة منه هنا. ليتني أستطيع أن أعيد المياه لمجاريها. قطع تفكيرها صوت نزار: مايا، عم فكر نضل هون بإيطاليا بقصد نستقر هون، الحياة جدا جميلة، شو رأيك حبيبتي؟ أطلقت تنهيدة حنين وشوق وقالت: حتى أنا مرتاحة هنا يا نذار، سيبني أفكر وهارد عليك. شردت مرة أخرى تفكر في تلك الليلة التي نفذت انتقامي من رازي.

قلت له أنني أحمل في أحشائي طفله، لكن الحقيقة أنني كنت أكذب، أردت فقط تشتيت انتباهه. لكن حينما مر شهر بدأت تظهر لديها أعراض الحمل، أسرعت لعمل اختبار لتتأكد من ذلك. عندما تأكدت، ذهبت إلى نزار. قالت مايا: نزار، إيه اللي ممكن يحصل لو كنت بقيت حامل من رازي؟ رد نزار بحزم: أكيد كنا رح ننزل ابن هاد الشيطان، ما بدنا ولا شي يذكرنا فيه. ابتلعت غصة مريرة، فهي حقًا تشتاق لتلك الأيام التي كان يدللها بها وكأنها ملكة.

تشعر بالحنين، وكيف لها أن تفكر أنه قد يغفر أو يسامح؟ تعلم أنه لو رآها لفصل رأسها عن جسدها. أطلقت تنهيدة وقررت أن تخدع نزار بأن الطفل له، ورتبت لذلك حتى يبدو الأمر طبيعيًا. فبعدما كانت ترفض اقترابه منها، سمحت له تلك الليلة بتخطي حصونها وأهدته ليلة كان يقاتل حتى يحصل عليها، حتى تحتفظ بقطعة من رازي في أحشائها.

تندم حقًا لأنها سمعت كلام نزار وأكملت انتقامها، على الرغم من أنها كانت تنوي التراجع، لكن نزار لم يسمح لها بذلك وكانت له أهداف أخرى. تركت قدر السيدة أمينة وذهبت إلى مكتب رازي. فتحت الباب بهدوء ودلفت لتقف أمام لوحة فان جوخ (ليلة النجوم) فكرت: إذا كانت تلك اللوحة تحمل ذكرى سيئة، فلما مازال محتفظًا بها؟ لم تجد إجابة ترضي فضولها، قد يكون محتفظًا بها حتى يظل يتذكر تلك الليلة بتفاصيلها، ياله من مسكين، يعذب نفسه كثيرًا.

تركت المكتب، توجهت إلى الأعلى. هي الآن واقفة أمام باب غرفته، ترددت كثيرًا قبل أن تطرق الباب. طرقت عدة طرقات متتالية حتى فتح لها. كانت هيئته كفيلة لمعرفة ما عاناه وحيدًا في غرفته. منذ قليل كان شعره مبعثرًا على غير العادة، يقطر ماء يهبط على جبهته، ملابسه مبتلة أيضًا في هذا الجو قارص البرودة ولم يبالي بذلك. قال بهدوء: عايزة إيه؟ قبل أن ترد، سعل مرات متتالية، تملكها القلق. قالت: إنت أخدت برد، ممكن تغير هدومك دي.

= وإنتي مالك؟ = أنا الممرضة المسؤولة. بتَر كلماتها بغضب وهو يقول: غوري من هنا. انتفضت كليًا، لكنها ظلت ثابتة وقالت بتحدي: ولو ما غرتش هتعمل إيه يعني؟ تملكه الغضب من تلك لتتحداني، قال بغضب: إنتي جريئة أوي عشان تقفي قصادي وتتحديني؟ ابتلعت لعابها وبدا عليها التوتر، لكنها تابعت بنبرة مهتزة: وإيه يعني لو اتحديتك؟ صاحب الحق قوي، وأنا هنا الممرضة وصاحبة حق.

كور يده بغضب وركل المقعد الذي أمامه، وقبل أن يتحدث بدأ يسعل مرة أخرى. انكمشت حول نفسها خوفًا، فقالت بنبرة لينة: سيد رازي، لازم تغير عشان هتمرض بجد، إحنا خايفين عليك. أتت أمينة من خلفها وقالت بحنان: ابني رازي، هي عندها حق، لازم تغير، إنت وشك أزرق من شدة البرد. ظل صامتًا ولم يبدِ اعتراضًا، لذا دلفت قدر إلى غرفته أخرجت له ملابس أخرى. وقالت: اتفضل البس، إحنا مستنينك برا عشان العشا. نظر إلى الملابس

التي اختارتها وقال بعناد: ذوقك وحش. رفعت حاجبها وتمتمت: مغرور، شايف نفسه. بتقولي حاجة يا آنسة؟ كان هذا رده. = ما بقولش، يلا يا ست أمينة. انتظرت قدر وأمينة بالخارج بينما بدل ثيابه، كان يسعل بصوت عالٍ يسمعانه جيدًا. قالت قدر بنبرة بدا فيها القلق جليًا: شكله خد دور برد يا ست أمينة، عايزة أنزل صيدلية قريبة من هنا نجيب له علاج، وشه أحمر، باين حرارته مرتفعة. خرج هو مرتديا نفس الثياب التي أحضرتها قدر. ابتسمت

ابتسامة جانبية وهمست: ما كان ذوقي وحش. رمقها بنظرة جانبية وقال: مش في مزاج يسمح لي أختار، عشان كده لبستها. اتسعت عيناها بحرج، كيف سمعها؟ يبدو وأنه يملك حاسة سمع قوية. بدأ يسعل مرة أخرى. جلس على طاولة الطعام، لم يأكل، لقد فقد شهيته، ويشعر أيضًا بألم لعَيْن في معدته، يريد أن يتقيأ. دس ملعقة شوربة عدس في فمه وبعدها قام مسرعًا إلى المرحاض. تبادلت قدر نظرات القلق مع السيدة أمينة، قامتا خلفه مهرولتين.

عاد بعدما تقيأ وقال: أنا تمام، هاطلع ارتاح شوية. خرج صوته وكأنه يرتعش. قالت أمينة بعدما وضعت يدها على جبهته: رازي، إنت سخن، اطلع ارتاح وأنا هاعملك حاجة سخنة تشربها. أومأ برأسه وقال: ماشي. خرجت السيدة أمينة مع قدر لإحضار الدواء بعدما طلبت من سناء أن تعد له مشروب الأعشاب. حينما عادت قدر مع أمينة ذهبتا إلى غرفة رازي، كان قد غط في نوم عميق، وجهه ملتهب كقطعة جمر مشتعلة.

قالت قدر بقلق: ست أمينة، حرارته مرتفعة أوي، حاولي تصحيه عشان ياخد العلاج. حاولت أمينة إيقاظه لكنه لم يستطع أن يفتح عينيه حتى. قالت أمينة: وبعدين يا بنتي، دا سخن أوي ومش قادر يقوم. قدر: أنا هاتصرف. هبطت مسرعة أحضرت إناء به ماء فاتر ومناديل قطنية. عادت بسرعة قالت: ما فيش حل غير الكمادات لحد ما يقدر يفوق. جلست أمينة بجواره وبدأت في عمل كمادات له، كانت قدر تجلس بجوارها.

قالت أمينة: روحي إنتي ارتاحي يا بنتي، أنا هفضل جنبه. ردت قدر: لا طبعًا يا ست أمينة، مش هقدر أسيبه. ارتاحي إنتي، أكيد تعبتي وكمان إنتي مش متعودة تساهري كده. ردت أمينة بحزن: مش هيجي لي نوم يا بنتي إلا لما أطمن عليه. قدر ربتت على كفها وقالت: طب ريحي هنا على الكنبة دي وأنا هاعمله كمادات. وافقت أمينة وأراحت جسدها على الصوفا، وما هي إلا دقائق معدودة حتى غطت في النوم.

أما عن قدر فبقيت مستيقظة طوال الليل لرعاية رازي، هي ممرضة وتلك مهنتها، كانت تشعر بالمسؤولية تجاه مريضها. ارتفع أذان الفجر في الأرجاء، كانت قد انخفضت حرارة رازي. توضأت قدر وصّلت الفجر وعادت تتحسس جبهته، وجدت حرارته طبيعية أخيرًا. تنهدت براحة، جلست على مقعدها وعرف النوم طريقه لخضرواتيها، أغلقت عينيها استجابة لنداء الراحة.

استيقظ رازي مبكرًا لأنه نام مبكرًا، وجد قدر نائمة بطريقة عشوائية، رأسها مائل للخلف على المقعد والسيدة أمينة مستلقية على الأريكة. نظر إلى قدر لبرهة، فكر: لما عليها أن تكون بكل هذا اللطف؟ لا أريد أن تصنع لي أي معروف. تذكر تلك اللعينة فريدة، لم تسهر بجواره قط في تعبه، لقد كانت السنيوريتا دائمًا هي من ترعاه في مرضه، حتى بعد زواجه من تلك الشيطانة لم تسهر لرعايته عندما يكون مريضًا أبدًا.

نفض تلك الأفكار والذكريات المتعبة، عاد تفكيره إلى تلك القابعة بجواره، لما فعلت هذا؟ برر ذلك بأنها ممرضة وهذا واجبها. حاول أن ينهض، أحدث جلبة جعلتها تستيقظ، أول شيء فكرت به ترتيب حجابها، فركت عينيها بتعب. وقالت: إنت كويس دلوقتي؟ حاسس إن فيه حرارة. رد بهدوء: أنا كويس، ما كانش فيه داعي تسهري جمبي. لوت فمها وقالت: سيد رازي، دا واجبي على فكرة، إنت ديما بتنسى إني الممرضة هنا. اتجهت ناحية خزانة الثياب، أحضرت له ثيابًا

وقالت: خد دش عشان تفوق. ويارب ذوقي يطلع حلو المرة دي. أنهت كلامها وغادرت الغرفة. هبطت لأسفل، طلبت من سناء أن تعد له طعام الإفطار. جلست تطالع الجريدة، رأت صورته في الصفحة الثانية، هو بعينه، ممدوح الصاوي. حالة من الذعر انتابتها، التقطت الجريدة أرضًا. كان يهبط رازي من الدرج، لمحها، تعجب من فعلتها، لذا اقترب عندها.

التقط الجريدة من الأرض، طالع الجريدة ولم يجد بها شيئًا يخيفها بهذا الحد، فقط صور لبعض السياسيين في البلد وأخبار لعينة عنهم. هذا ما فكر به، وقال: شوفتي شبح في الجريدة؟ خايفة كده ليه؟ ارتبكت وقالت: وقعت من إيدي بالغلط، آسفة. رمقها بشك، لكنه لم يعلق، بقي سؤال عالق في ذهنه: لما تصرفت هكذا؟ ماذا تخفي تلك الصغيرة الفضولية... البريئة؟ نهر نفسه لقوله بريئة، واللعنة، قلت بريئة؟ ماذا بك يا رجل؟ لا توجد أنثى بريئة.

اصمت أيها الأحمق. كانت هاجر تجلس في غرفتها تعبث في هاتفها. دلف والدها إليها بعدما طرق باب الغرفة. ممدوح: صباح الفل يا جوجو. اعتدلت على الفراش وقالت: صباح الخير يا بابا. جلس على طرف السرير وقال: سمعتي آخر الأخبار؟ انتبهت أكثر لحديثه وقالت: أخبار إيه؟ يارب يكون خير. ممدوح: هو خير، بس إنتي الوحيدة في إيدك تخليه يكمل. عقدت حاجبيها بعدم فهم وقالت: مش فاهمة يا بابا.

رد ممدوح بتلاعب: الواد مهاب وصاحبه الياس لقوا شركة أجنبية تمول المشاريع بتاعتهم. ابتسمت بسعادة وقالت: بجد يا بابا. اختفت ابتسامتها حينما تذكرت قوله (بإيدك تخليه يكمل) قالت: بس أنا إيه علاقتي بدا؟ ليه أنا اللي أخليه يكمل؟ كان ممدوح يترقب رد فعلها وهو يقول: ابعدي عن مهاب، وافقي إنك تتخطبي لأياد أمجد نصار، وإلا هقدم عرض للشريك الأجنبي وأخليهم يخلعوا من العيال دي، وساعتها بقى اقري الفاتحة على شركتهم. طالعته هاجر بعدم

تصديق ولسان حالها يقول: هل أنت حقًا أبي؟ أشك في ذلك. هبطت فاطمة من سيارة أجرة أمام مقر الشركة التي تعمل بها في نفس اللحظة التي هبط فيها الياس. وما إن تحركت نحو الشركة حتى توقفت سيارة في طريقها وهبط رجلان يريدانها أن تركب معهم عنوة. انتبه لهما الياس وأسرع إليهم يركض، وما إن وصل حتى لكم أحدهم في وجهه، فردها له الرجل حتى كاد أن يسقط.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...