الفصل 21 | من 28 فصل

رواية ندبات قدر الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم الشيماء مسعد

المشاهدات
18
كلمة
4,179
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

ما أجمل السماء حينما تصبح صافية بعد ليلة شتوية ممطرة، بعدما كانت ملبدة بالغيوم. ما أجمل أن تتصافى القلوب وتعود المياه لمجاريها. فالقلوب العاشقة لا تعرف للكره سبيل، ولا يدوم غضبها طويلاً. لفتت مريم غرفة ابنتها نورين، لأنها لم تعتد النهوض في وقت متأخر. اقتربت لتوقظها، هتفت باسمها مرات متتالية بضجر وهي تقول: "في حد ينام فوق الكتاب كده يا بنتي؟ أمسكت مريم بالكتاب، كان كتاب الفيزياء.

وقعت عيناها على ما كتبته مريم. كان إجابة عن سؤال تعريف الجاذبية. كتبت نورين: "تعريف الجاذبية: هي أن يكون أحدهم بمثابة مغناطيس يجذب قلبك وعقلك وروحك دون إرادة، ثم يأتي مغناطيس آخر أكبر في الحجم والقوة فينجذب مغناطيسك تجاهه، تاركاً إياك تسقط بلا رحمة ولا شفقة." اتسعت عيناها بصدمة وهي تقول: "هو ده تعريف الجاذبية يا نورين؟ هي دي المذاكرة؟ فكرت بداخلها: ياترى مين المغناطيس اللي جذبك وسابك تقعي يا نورين؟

توجهت مريم إلى مكتب نورين، أخرجت منه دفتر اعتادت نورين أن تسجل فيه خواطر تكتبها. قلبت مريم بعجلة وهي تنظر تارة إلى الصفحات، وتارة إلى ابنتها التي تخشى أن تستيقظ فتجدها تفتش خلفها. وجدت آخر خاطرة كتبتها نورين منذ أيام. كانت كالآتي:

"ترعرت يتيمة الأب، لم أرتشف من ذلك الحنان الذي يتحدث عنه الناس، لكني اعتدت ذلك بفضل الله ثم أمي الحبيبة. لكني ظهرت لي من العدم، أحببتك خارج إرادتي. كنت لي بمثابة العوض عن أب لم أراه. قدمت لي ليس فقط حب الحبيب، لكن دفء وحنان وأمان الأب. لقد كنت تدعوني ابنتي المدللة. وفجأة، ألقيت بي من حافة الهاوية. انفطر قلب ابنتك، قلب ابنتك يقطر دماً. هل أنت سعيد الآن... وقع الدفتر من يد مريم. كانت في حالة ذهول، عقلها لا يستوعب

الفكرة التي طرأت عليه: هل ابنتها نورين تحب أستاذ الفيزياء؟ لو كان حقاً، سأضع أصابعي في عينيه، ذلك الوغد الحقير يخدع طفلة صغيرة ويوهمها بالحب. أقسم أنني سأقتلع رأسه لو كان تفكيري حقيقياً. غادرت الغرفة. التقطت هاتفها، كانت يدها ترتعش والدم يغلي في رأسها، تشعر بحرب نشبت للتو بداخل رأسها. هاتفت الأستاذ عبد الناصر لأول مرة منذ أن أعطاها رقم هاتفه وطلب منها أن تهاتفه بأمر يخص نورين. جاءها الرد فقالت وهي تمثل الهدوء:

"أستاذ عبد الناصر، أنا والدة نورين. عايزة أقابلك ضروري برا البيت، ممكن؟ أتاها رده: "أهلاً يا مدام. نتقابل النهارده بعد المغرب في كافيه (أيام السعادة) وافقت قائلة: "تمام، هاكون على الوقت إن شاء الله." أغلقت الهاتف وهي تشعر بحزن عميق وغضب أيضاً ينهش قلبها. فكرت: لقد كبرت تلك الطفلة الصغيرة سريعاً. كيف لي أن أتغافل عن كونها أصبحت شابة؟

إنه خطأي وحدي، كان يجب أن أكون أكثر قرباً من طفلتي، أعلمها عن مشاعرها وعن وحوش العالم الذين يستغلون تلك المشاعر البريئة لإشباع غرائز مريضة لديهم. مسحت مريم دموعها وتوجهت ناحية نورين. وكزتها بقوة كنوع من المعاتبة. فتحت نورين عيناها بهلع. قالت بكسل: "ماما، خضتيني." جلست مريم بجوارها وقالت: "فيه حاجة حابة تقوليها يا نورين؟ ابتلعت لعابها بقلق. حمحمت وقالت: "حاجة زي إيه يا ماما؟ هزت رأسها مريم ورسمت ابتسامة

على وجهها بالإجبار: "أقصد صباح الخير، مش هتقولي لماما صباح الخير؟ استقامت واقفة وقالت: "جهز الفطار، حصليني على برا." نظرات ريبة أطلقتها نورين. شعرت وكأن والدتها تخفي شيئاً ما... *** كانت قدر تدور ذهاباً وإياباً قلقة على رازي. تساؤلات كثيرة بداخلها: أين ذهب؟ ولما لم يوقظها؟ لمَ لم يخبرها؟ حسمت أمرها أخيراً بعد تردد. قررت أن تتصل به. ولما لا، هو زوجي... ماذا قلت؟ زوجي. حتى لو لم يكن كذلك، فهو يستحق مني كل هذا القلق.

التقطت هاتفها، طلبت رقمه. لكن صوت نغمة هاتفه صدحت في الشقة. ذهبت قدر تجاه الصوت. وجدت هاتفه في الغرفة. بدأ القلق جلياً على ملامحها. فكرت: تباً له، كيف له أن يترك هاتفه هكذا؟ لماذا صنعت الهواتف المحمولة إذاً؟ تذكرت كلامه: "لست طفلاً لتقلقي عليّ هكذا؟ قالت: "هو فعلاً مش طفل عشان أقلق عليه، بس غصب عني. ياترى راح فين؟

تنهدت بحيرة ثم دلفت إلى المرحاض، توضأت لتخرج وتلتقط مصحفاً كان في الرواق. فهي اعتادت أن تقرأ القرآن حينما تشعر بالقلق يداهمها. لا تجد راحة سوى في قراءة كلمات من نور. ظلت وحيدة حتى ارتفع أذان المغرب. مر الوقت بطيئاً كالسحلفاة. وهي تارة تتصفح مواقع التواصل، وتارة أخرى تشاهد التلفاز... حتى طرقت السيدة مريم باب الشقة. ركضت قدر بسرعة، حتى أنها تعثرت في كرسي أمامها كادت تسقط. لكن ظنونها هوت أرضاً حينما وجدت السيدة مريم.

قالت مريم برجاء: "قدر يا حبيبتي، ممكن تبقي تخلي بالك على نورين؟ أنا خارجة مشوار ومش هتأخر إن شاء الله." قالت قدر بود: "أكيد يا طنط، نورين في عينينا. روحي مشوارك وانتي مطمنة." ذهبت السيدة مريم. ولم يمر الكثير من الوقت حتى عاد إلياس ومهاب الشقة. لقد أصاب الإحباط قدر لدرجة أنها جالسة لا تشعر بمن وصلا. قال إلياس بقلق: "قدر، فيه حاجة؟ حد زعلك؟ عادت إلى الواقع تقول: "ها، انتو جيتوا إمتى؟ تبادلا النظرات وقال مهاب:

"فيه يا قدر؟ قالت بصدق نابع من قلبها: "رازي، صحيت الصبح مالقيتهوش ولحد دلوقتي مارجعش البيت. أنا قلقانة أوي عليه وسايب موبايله هنا." ضيق إلياس عينيه يفكر: تلك الأشياء كان يفعلها رازي حينما كان يعمل في المخابرات. يخرج سراً دون أن يعلم أحد خط سيره. يترك هاتفه في المنزل. نفض إلياس تلك الأفكار وقال بداخله: رازي مستحيل يرجع المخابرات. وحتى لو عايز، أنا همنعه. قال مهاب بمشاكسة:

"سيدي يا سيدي، على الناس اللي بتقلق وتحب ومقضياها. وأنا خليني جمب أمي، نقمع بامية." أنهى كلمته حينما صدح جرس الباب. توجه مهاب ناحية الباب ليفتحه. وكانت الصاعقة بالنسبة له حينما رأى هاجر ومعها إياد يقف بجوارها!! *** وصلت السيدة مريم مقهى أيام السعادة. وجدت الأستاذ عبد الناصر في انتظارها. توجهت ناحيته بملامح متجهمة. ألقت السلام بنوع من الكبر والجمود. قابلها هو بابتسامة رقيقة قائلاً: "أهلاً يا مدام، يارب تكونوا بخير."

قالت هي بغضب: "وهيجي منين الخير وفيه حد زي حضرتك في حياتنا؟ اتسعت عيناه من الصدمة وهو يشير إلى نفسه: "زيي أنا؟ قالت بحزن وقد اغرورقت عيناها بالدموع: "أستاذ عبد الناصر، أنا بنتي دي هي اللي طلعت بيها من الدنيا. والدها اتوفى وهي عندها سنتين، ربيتها لوحدي. رفضت كل العرسان اللي اتقدموا لي عشانها. ومش مستعدة أشوف بنتي بتنطفي قدامي واقفة أتفرج. اللي يتعرض لبنتي هاكله بأسناني."

كان يستمع بكل صدر رحب وهدوء، متأثراً بتلك الدموع التي تمردت على وجنتيها. قال بعدما تأكد من أنها لن تضيف شيئاً آخر: "أنا عارف ومقدر كل كلمة انتي قلتيها، لأني ظروفي ما تختلفش كتير عن ظروفك. أنا كمان ربيت بنتي لوحدي ولو حد داس لها على طرف مستعد برضو أكله بأسناني." كلامه أشعل حماسها ودفعها تقول بغضب: "أومال علقت بنتي ليه بيك؟ انت راجل قد أبوها ومربي فاضل وعندك بنت تعمل كده في بنات الناس ليييه؟

أنهت كلامها وهي تلقي دفتر خواطر ابنتها في وجهه وكتاب الفيزياء الخاص بمادته. فتح فمه من أثر الصدمة. هرب الكلام من فمه: "هل تتهمني الآن باستغلال طفلة صغيرة... *** مهاب الذي تجمد من الصدمة قال: "كابتن هاجر وعريسها، أهلاً أهلاً... خير جايين ليه؟ قالت هاجر بتلعثم: "أنا جاية أقولك كل حاجة أنا وإياد." صدح قبل أن تتكلم: "مش عايز أعرف أي حاجة عنك، غوري بقى وسيبيني في حالي، عايز أنسى."

كورت كفها في وضع استعداد لأن تلكمه في أسنانه، ذلك العنيد الأحمق. قالت بغضب: "لو ما سكتش وسمعت كلامي للآخر، هاضربك بوكس أوقع صف أسنانك." قال هو بغضب وعناد: "لمي نفسك لاجيبك من شعرك يا بنت الصاوي." وقف إياد في المنتصف وقال: "باااس، إيه العلاقة المتخلفة دي؟ طب ما تدخلوا مصارعة حرة احسن." دفع مهاب لداخل الشقة وهو يقول: "وانت مش تقول اتفضلوا؟ دانت مافيش دم خالص يا أخي."

خرج إلياس من المرحاض. اتسعت عيناه حينما رأى إياد ومهاب وهاجر. ضيق عينيه وقال: "هو فيه حاجة غلط، بس أنا مش عارف إيه هي." بعد جهد كبير، استطاع إلياس وإياد عقد هدنة بين مهاب وهاجر، اللذين لو تركوهما لكانا قتل أحدهم الآخر. حك إياد خلف رأسه وقال لقدر بحرج: "ممكن يا آنسة تندهي نورين تيجي تقعد معانا هنا؟ تبادل مهاب والياس النظرات وقال إلياس: "وإنت تعرف نورين منين؟ قال إياد بحنق:

"انتوا بس هاتوا نورين هنا وكل حاجة هتبقى واضحة." قال إلياس لقدر: "روحي يا قدر اندهي نورين، لما نشوف آخرتها معاهم إيه؟ *** بعدما قرأ الأستاذ عبد الناصر ما كتبته نورين وكيف أن والدتها فهمت أنه السبب في تحطيم قلب ابنته. قال لها بهدوء:

"أنا دلوقتي فهمت انتي ليه كنتي عصبية من البداية معايا. بس لازم تعرفي أن نورين بنتي وفيه شاب بيحبها وتقريباً كده الشاب ده جرحها. مش عارف إزاي، بس أنا شوفته يوم ما وصلتها كان مستني تحت البيت، عشان كده طلبت منك ترني عليا عشان أعرفك." شعرت بالخجل كثيراً من سوء ظنها به. أنه حقاً رجل بأخلاق عالية. قالت وعيناها تنظر في الأرض: "أنا آسفة يا أستاذ." قطع كلامها وهو يقول: "ما تتأسفيش يا مدام، أنا لو مكانك كنت عملت أكتر من كده."

أخرج هاتفه. كانت صورة شاشته هي صورة لفاطمة ابنته. قال لها وهو يبتسم: "البنت الشقية دي تبقى فاطمة بنتي الوحيدة، هي كل حاجة حلوة في حياتي. رغم إني رجل وصعب إني أدير حياتي لوحدي، وشغل البيت وشغلي واهتمامي ببنتي، كل الأمور دي صعبة. لكن قصاد سعادة فاطمة أنا رفضت إتجوز وأجيب لها مرات أب." هزت رأسها ولم تعلق. أكمل هو:

"قربي من نورين، عاتبيها بهدوء. مش عشان حبت، الحب مش بإيدينا. بس عاتبيها لأنها خبت عليكي. واعرفي لو عاقبتيها هتخسريها للأبد... هزت رأسها واستقامت لتقف، مكررة أسفها للمرة الثانية. لكنه قال بإصرار: "مش هتمشي إلا لما تشربي القهوة. ولا انتي كمان عايزة تهزقيني وتشكي فيا وتمشي من غير ما تشربي حاجة؟ ابتسمت وقالت: "مش هزعل حضرتك، أنا محقوقة لك، وهاشرب القهوة معاك..... ***

دَلفت نورين مع قدر. وما إن رأت إياد حتى ارتجف جسدها كلياً واتسعت عيناها من الصدمة. كادت تفر هاربة إلى الخارج، لكن قدر أمسكت بيدها وقالت مطمئنة إياها: "متخافيش، أنا معاكي." اقترب هو، ضارباً بكل الجمع عرض الحائط. وقف أمامها وقال بنبرة جمعت حنان العالم أجمع: "نورين حبيبي، عاملة إيه؟ ليه يا بابا وشك اصفر؟ مش بتاكلي صح؟ ولا بتذاكري؟ ضيعي مستقبلك بقى عشان تقهريني وتموتيني بحسرة." رفع مهاب حاجبه وقال:

"إيه العلاقة اللي مش باين لها ملامح دي؟ بابا وحبيبي. ومستقبلك. دي علاقة متعددة الأطراف، أب وأم وكراش في نفس الوقت." نظر إلى هاجر وقال: "وانتي يا قطة، إيه وضعك من الإعراب في الليلة دي؟ دا بيحب على نفسه قدام عينك." رفعت شفتها بتكشيرة وقالت: "هو البعيد مش بيفهم صح؟ اقترب إلياس بغضب نوعاً ما وقال: "ما تحترم نفسك يا ابني، محدش مالي عينك ولا إيه؟ عايز إيه من نورين؟ نظر إليها وعسليتاه تشتعلان غضباً وقال:

"نورين دي بنتي حبيبتي. أنا أقولها كل الكلام اللي أنا عايزه وأحبها بالطريقة اللي أنا شايفها في مصلحتها، ومحدش يقدر يمنعني." تشبثت قدر أكثر، دافنة وجهها في أحضانها لتخفي دموعها. شعر بأن دموعها تنزل كالجمر على قلبه. قال بحنان بالغ: "بس يا بابا، بس يا حبيبي. دموعك غالية أوي يا نوري. أنا ما أستاهلش دموعك دي أبداً يا حبيبي." مسح إلياس على وجهه بحنق وقال: "يا جدع، انت ما عندكش دم! إيه حبيبي حبيبي؟ ماتلم نفسك."

وجه كلامه لقدر وقال: "خدي نورين يا قدر وروحي شقتهم." نظر إياد لمهاب والياس وقال: "لا استني يا نورين. أنا بحب نورين وهاتجوزها لو الدنيا كلها قالت لأ، هاقف قصاد الدنيا. أنا وهاجر اتغصبنا على الخطوبة دي. مصالح أبويا أجبرتني على إني أوافق. وهاجر أبوها هددها أنها لو رفضت هايقفل لكم الشركة بتاعتكم." وجه كلامه لمهاب قائلاً: "انت ما تستاهلش هاجر. مش عارف بكت يوم الخطوبة عليك قد إيه."

نظر مهاب إلى هاجر. كانت مطأطأة رأسها تمسح عبراتها. اقترب منها وقال: "انتي بنت ستين كـ... حدقته بعينين متسعتين أثر الصدمة. مما دفعه أن يقول: "آسف والله، بس ده اللي جه في بالي. أنا زعلان منك يا هاجر، ليه خبيتي عليا وما قلتيش؟ تنهدت وقالت بصدق حقيقي:

"كنت خايفة تركب دماغك وترفض الفكرة. أنا قولت هتخطب لإياد لحد ما شركتكم تقف على رجلها، وبعدين هاتحجج وأسيبه. لكن إياد طلع جدع واتفقنا إننا نساير أهلنا لحد ما كل واحد يوصل للي هو عايزه، وبعدها نسيب بعض." وقفت واقتربت من نورين تقول بنبرة حنونة:

"له حق إياد يوقع على بوزه، انتي قمر وبريئة أوي. وهو كمان بيحبك حب كبير أوي، حبه ليكي وصل لمرحلة إنه شايفك بنته وبيتصرف على الأساس ده. ده كان هيتجنن يوم ما شافك بتعطي ودايخة، ضغطه نزل وحالته بقت حالة واتعلق له محاليل من قلة الأكل. أوعي تفرطي في إياد، مش كل يوم بنصادف حد يحبنا كده." أكملت بابتسامة:

"تعرفي إني في كل المواقف اللي شوفته فيها كان واحد عنده برود أعصاب وردّه مش أحسن حاجة، إلا لما يتكلم عنك. تحسيه حد لطيف وهش ورفيق أوي." ابتسمت من بين دموعها، وهو كان يغمرها بنظراته الحانية. أشار إلى قلبه وقال: "ده كان واجعني أوي عليكي، ما كنتش بنام الليل. صورتك وانتي بتعيطي يا حبيبة بابا مش قادر أنساها." همس مهاب لهاجر: "بت، هو أنا لو قلتلك يا حبيبة بابا شعورك هيكون عامل إزاي؟ رمقته بطرف عينها وقالت:

"هاقولك العب بعيد يا بابا." ضحك الجميع وجلسوا يشربون العصير الذي أعدته لهم قدر، التي لم تنضم لعالمهم. كانت في عالم ملئ بالقلق والاستفهام... ولا يوجد أي جواب يهدئ من حريق القلق الناشب بداخلها. إلى أن صدح جرس الباب. ركدت كالمغيبة، فتحت باب الشقة وما إن رأته قامت باحتضانه بحركة عفوية جداً منها، مما جعل عينيه تتسعان من أثر المفاجأة. حاوطها بذراعيه، ضمها أكثر وهو يهمس ما أثر به فؤادها:

"أنا كنت محتاج الحضن ده أوي بصراحة، بس أنا شايف عندنا ضيوف." ابتلعت لعابها وهي تنهَر نفسها على اندفاعها. ابتعدت عنه بحرج. نظرت له ثم للجميع وركضت خجلة إلى داخل غرفتها. ألقى نظرة استفهامية على الجميع، يتساءل: من هؤلاء ولما هنا؟ هل انحرف أخي ويحضر فتيات هوى في شقته؟ سأفصل رأسه عن عنقه إذا كان الأمر كذلك. ألقى السلام ثم حدج

إلياس بنظرة حادة مضمونها: أريد توضيحاً لهذا لاحقاً. اتجه إلى غرفة قدر وكان منهكاً جداً. فيومه حقاً كان طويلاً. كانت تجلس على فراشها تفرك يديها بعضهما ببعض. دلف وأغلق الباب خلفه بهدوء حتى لا يزيد توترها. اقترب منها. كانت تنظر للاسفل. جلس جوارها وقد قرر أن يتلاعب بها. قال بجدية: "إيه اللي حصل برا ده؟ تعالت نبضاتها وهي تبرر:

"أنا آسفة. أنا كنت قلقانة بجد عليك، ماعرفش إزاي عملت كده. عارفة إنه مش من حقي إني أتصرف كده، بس غصب عن... بتر كلماتها وهو يحتضنها وقال: "هش. اهدى. أنا سألتك عشان كنت عايز تكرري اللي عملتيه برا. محتاج أوي الحضن ده." استكانت وبادلته العناق. همس هو: "من يوم اللي حصل، بحس إني تايه مني. مش بلاقي نفسي إلا في الحضن ده." ابتعد عنها يقول: "انتي ليكي كل الحق تسألي وتقلقي عليا، أنا بحب ده." اتسعت ابتسامتها

وهي تفكر بداخلها: هل سيقول هذا الكلام أيضاً إذا علمت أنني أحببتك حقاً؟ هل سيعطيني تصريحاً بحبك؟ لا أفهم لماذا تعاملني بكل هذا اللطف. أخشى أن يكون هذا نوعاً من الشفقة. فاقت من شردها على يده التي التقطت يدها واضعاً بها جواز سفر. تساءلت: "إيه ده؟ قال هو: "ده جواز سفر ليكي. أنا اتأخرت النهارده برا عشان خلصته. هاسافر إيطاليا مع إلياس ومهاب عشان الشغل، وأكيد مش هقدر أسيبك هنا لوحدك، مش هكون مطمن."

لم يعلم كيف وقعت تلك الكلمات القلائل على قلبها. لقد ذاب عشقاً لتلك الحروف القليلة التي خرجت بعفوية بحتة. ظلت تطالعه بابتسامتها البريئة ولم تتفوه. لم يرد أن يحرجها. تركها تطالعه حتى قال: "مين اللي برا دول؟ قصت له قدر ما رأت وكيف أنها كانت تشعر أنها تشاهد فيلماً هندياً من بطولة هؤلاء المجانين. هز رأسه يميناً ويساراً بمعني أنه لا فائدة من مهاب وهو يقول: "مهاب طول عمره كده، حتى قصة حبه مخالفة لقوانين الطبيعة."

فتح حقيبته يخرج منها بعض الثياب وقال لقدر: "أنا هاخد دش، اعملي أي حاجة آكلها، أنا واقع من الجوع." أومأت رأسها وقالت بحنان ودفء: "من عينيا." نظر هو إليها يستوعب ما قالت، وعلى جانب فمه ابتسامة ساحرة قال: "لو من عينيكي مش هقدر آكل، هفضل أتفرج بس." احمرت وجنتاها خجلاً وخرجت من الغرفة لتفادي تلك النظرات التي تبعثرها كلياً... *** مر يومان استعدوا فيهما للسفر إلى إيطاليا. وها هما الآن يهبطون من الطائرة على أرض إيطاليا.

قال مهاب بحماس: "هنروح بيت الجبل." قال رازي باختصار وبدون أي يبدي سبباً لهذا: "لا، هنروح على فندق. أنا حجزت فندق قريب من مقر الشركة." استقلوا سيارة وانطلقوا إلى حيث الفندق. وحينما وصلوا. وقف رازي وقال لهم: "ادخلوا، انتوا هتلاقوا حجز بأسمائكم. وفيه غرفة بإسم قدر." تعجب الجميع من كلامه هذا. وجه هو كلامه لقدر وقال: "خليكي في أوضتك يا قدر. ولو احتجتي حاجة. أوضة إلياس جمبك، كلميه." قالت بقلق: "وانت هتروح فين؟ رد باختصار:

"مشوار مهم أخلصه وهرجعلك." هزت رأسها بتفهم. بينما بدأ الشك يساور إلياس: عن أي مشوار يتحدث؟ لذا قال إلياس محاولاً إضمار فضوله: "فين المشوار ده يا رازي؟ وضع يديه في جيوب المعطف الذي يرتديه ونظر للفراغ قائلاً: "صديق قديم، هاروح أسلم عليه." الآن هدأ الشك بداخل إلياس. تحركوا جميعهم إلى الفندق. أما هو كان ما زال يقف ينظر إليهم حتى استدارت قدر لترى هل غادر أم لا. وما إن دلفوا داخل الفندق حتى أخرج نظارة شمسية وارتداها وغادر.

*** وصل رازي إلى ملهى ليلي ضخم جداً كان كمدينة متكاملة. وقف أمامه ينظر إليه وقد أخرج هاتفه. كلم أحداً ما من داخل الفندق قال باللغة الإيطالية: "أنا بالخارج الآن، سأدخل حالاً." أقفل الخط وتوغل داخل الملهى. رمقته إحدى النادلات بتفحص. اقتربت نحوه وأعطت له زجاجة كبيرة من الجعة. وكانت أثقل الأنواع حيث تجعلك تثمل من أول كأس.

أخذها منها فتحها وهو يطالع المكان بنظرات تفحص. يتذكر آخر مرة كان بها هنا من حوالي ست سنوات. حينما نفذ عملية من أخطر العمليات في تاريخه. تحمس كثيراً يريد أن يضيف انتصاراً جديداً لنفسه. أخذ يرتشف من زجاجة الجعة تلك حتى أوشك على إنهائها. فجأة وقف يتمايل يميناً ويساراً وهو يقول بدون وعي بالإيطالية: "أين المرحاض؟ أريد أن أتقيأ.........

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...