الفصل 22 | من 28 فصل

رواية ندبات قدر الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم الشيماء مسعد

المشاهدات
19
كلمة
4,322
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

وصل رازي إلى ملهى ليلي ضخم جداً، كان كمدينة متكاملة. وقف أمامه ينظر إليه، وقد أخرج هاتفه. كلم أحد ما من داخل الفندق، قال باللغة الإيطالية: "أنا بالخارج الآن، سأدخل حالاً." أقفل الخط وتوغل داخل الملهى. رمقته إحدى النادلات بتفحص. اقتربت نحوه وأعطته زجاجة كبيرة من الجعة، وكانت أثقل الأنواع حيث تجعلك تثمل من أول كأس.

أخذها منها، فتحها وهو يطالع المكان بنظرات تفحص. يتذكر آخر مرة كان بها هنا من حوالي ست سنوات، حينما نفذ عملية من أخطر العمليات في تاريخه. تحمس كثيراً، يريد أن يضيف انتصاراً جديداً لنفسه. أخذ يرتشف من زجاجة الجعة تلك حتى أوشك على إنهائها. فجأة، وقف يتمايل يميناً ويساراً وهو يقول بدون وعي بالإيطالية: "أين المرحاض؟ أريد أن أتقيأ."

اقتربت منه الفتاة لتساعده. ارتشف قليلاً من القنينة، ثم مال عليها ليفرغ ما في فمه على ثياب الفتاة، مما لفت انتباه العالمين بالملهى. صدحت بتذمر بالإيطالية: "أيها المقزز." أشارت إليه على سلم وقالت: "اذهب، المرحاض في تلك الجهة. لا أعلم لماذا يشربون ماداموا لا يتحملون." ثم تركته وأخذت توبخ ذلك المعتوه،

حتى قال لها مديرها بتهديد: "سوزانا، يجب عليك تلبية احتياجات الزبائن، حتى اصطحابهم إلى المرحاض من مهامك. إنتي عاملة حديثة هنا، هل تريدين أن ترفدي قبل أن تكملي شهراً هنا؟ رمقته بضيق وقالت: "إني غاضبة من ذلك المعتوه، لقد أفسد ثيابي. سأذهب وأبدلها." أشار لها بأن تذهب. أما عن رازي، فقد وصل إلى غرفة مغلقة. دفع الباب، فوقف أربعة رجال وأشهر أحدهم سلاحه عليه. قال رازي بنبرة ثملة وكان يتطوح: "هل هنا المرحاض؟ أريد أن أتقيأ."

حنّي نفسه وبدأ يتقيأ رغماً عنها. اعتدل عندما أنهى ما يفعله قائلاً بثمالة: "تلعبون الورق؟ يالحظي، أريد أن ألعب أيضاً. لدي الكثير من الأموال." أخرج رزمة دولارات من جيب معطفه وهو يقول: "لدي الكثير أيضاً، هلا انضممت إليكم." تبادلوا النظرات وقال أحدهم بغلظة: "أجل." بدأوا يلعبون وهو يخسر حتى خسر كل ما معهم. ط شفتيه بحزن وقال: "سأسحب أموالاً أخرى من الماكينة وأرجع." تحرك

خطوات ثم استدار وقال لهم: "هلا دللتموني على أقرب ماكينة لسحب المال؟ تحرك أحدهم وقال: "أنا سآخذك إلى هناك." ثم حدث نفسه بأنه سينهب من ذلك الغبي قدر ما يستطيع، فهو ثمل ولا يعي ما يفعله. هبطا للأسف وكاد رازي أن يسقط، فسنده الرجل. فباغته رازي مخرجاً سلاحاً كاتم للصوت وهمس له: "إذا فتحت فمك، ستكون في خبر كان. أخرج معي في صمت."

بالفعل، استطاع رازي أن يخرج مصطحباً الرجل بالإجبار. وما إن خرجا، حتى استطاع الرجل الإفلات من قبضته وركض سريعاً. ركض رازي خلفه بسرعة البرق حتى ابتعدا عن زحام المدينة. تعرج الرجل في طريق جانبي خالٍ من السكان. كان رازي يعرف كل شبر في تلك المدينة الصاخبة، لذا سلك طريقاً آخر استطاع من خلاله أن يظهر أمام الرجل. ابتسم له وقال باللغة الإيطالية: "Benvenuto" (مرحباً) ثم أشهر سلاحه وأصابه في قدمه، فسقط الرجل صارخاً.

رفعه رازي عن الأرض بالإجبار واتصل على شخص ما، وقد كان في انتظارهم في سيارة قريبة منهم. أركبه رازي وركب السيارة، وانطلقت سوزانا، نادلة الملهى، بسرعة فائقة حتى توقفت السيارة في مكان على أطراف المدينة. أخرجه رازي رغماً عنه، كان يتوجع من الألم. دلفوا إلى ذلك المنزل العتيق. قال الرجل بنبرة متألمة: "من أنت؟ وماذا تريد مني؟ لف رازي حوله وقال: "أريد صديقك المقرب (نزار كايا)

. ولا تقلق، سأدفع لك أكثر مما تتخيل نظير تلك المساعدة." رمقه الرجل بتوتر وقال: "هذه لعبة خطيرة، لما عليّ أن أوافق؟ هذا صديقي، كيف لي أن أخونه؟ "لأنك جشع، تحب المال كعينيك. ألم تأتِ معي لتنهب أموالي؟ " كان هذا رد رازي. والذي رد الرجل عليه وقال: "هذه مسألة شرف، هذا صديقي، يجب أن أتقاضى الكثير من أجل ضميري، فربما علم صديقي وقتلني. هو ليس سهلاً."

رد رازي ببرود وهدوء: "لو رفضت طلبي أيضاً، سأقتلك. ولو غدرت، سأقتلك. موتك حتمي، عزيزي. ليس أمامك سوى أن تنجز المهمة بنجاح، حينها ستحصل على الكثير من الأموال وتسافر بعيداً. ولا تقلق، سوزانا ستساعدك إذا احتجت ذلك، وأيضاً ستكون لك بالمرصاد إذا ما حاولت الغدر بنا." ناح الرجل أنفه وقال: "حسناً، نتفق أولاً على المبلغ الذي سأتقاضاه." جلس رازي أمامه وقال: "موافق." بعدما اتفقا على المبلغ الذي سيتقاضاه الرجل. ضيّق

عينيه وقال: "صديقي لديه طفل صغير. سأساعدك أن تصل للطفل لكي تساومه، وبعدها تأخذ منه ما تريد." زفر رازي بضيق وقال: "هذا ليس أسلوبي، لا أريد أن أدخل الأطفال في مخططاتي." قال الرجل: "أنت لن تؤذيه، ستساوم عليه فقط. اعتبر أنك أخذته في نزهة خلوية رائعة." رازي أنفه وبعدها قال له: "دعني أفكر." كلم رازي شخصاً ما حضر، كان طبيباً يعمل لحسابهم. طلب منه تضميد جراح الرجل. قال

رازي للرجل قبل أن يغادر: "اسمع مارسيلو، مهمتك أن تدخل منزل نزار وتحضر لي نسخة عن مفتاح مكتبه فقط." وافق مارسيلو على مضض، وبعدها غادر رازي وسوزانا تاركين ومارسيلو. أوشكت الشمس على الغروب ورازي لم يعد. كان إلياس ومهاب لا يزالان نائمين منذ أن وصلا الفندق. لكن قدر ماكثة في غرفتها تنتظر رازي، والقلق ينهش قلبها. كانت تنظر إلى الساعة اللعينة، تباً لها، وكأنها لا تتحرك. مرت الساعات ثقيلة جداً. هكذا نحن البشر نمقت الانتظار.

حينما شعرت بالملل، قررت ألا تنظر إلى ساعة الحائط حتى يهدأ قلبها. عليها أن تشغل نفسها بشيء ما. ظلت تنظر من شرفة الفندق المطلة على شوارع المدينة الصاخبة. وفجأة، هبط رازي من سيارة وهبطت أيضاً فتاة معه. توجهت ناحيته تحدثت معه قائلة: "كنت بارعاً في تمثيل الثمالة، لقد صدقتك حقاً. نسيت أن زجاجة الجعة كانت مليئة بمياه غازية وأنا من وضعها بها."

أنهت كلامها بضحكة جذابة، وبادلها هو الضحك قائلاً: "إذا أردتي درساً في فن التمثيل، فعليكي الالتحاق بمدرسة رازي للفنون." ضحكت بمفاجأة وقالت: "أنت حقاً مغرور، لكن الغرور يليق بك." ظهرت ابتسامة جانبية على ثغره وحك خلف رأسه وقال: "أجل، أعلم." قالت ومعالم الصدمة احتلت ملامحها: "أنت مغرور حد اللعنة، تباً لغرورك سيد رازي." وضع يديه في جيوب معطفه وقال: "استقلي سيارة أجرة، فهذه السيارة تلزمني."

يومأت برأسها بالموافقة وانصرفت هي. لكن هناك من احترق قلبها بداخلها وهي تراقب من الشرفة. لم تستطع منع دمعة هبطت على وجنتها معلنة عن شعور دفين بداخلها بأن هذا الشاب هو ملك لها فقط، وليس من حقه أن يقف يمازح فتاة أخرى ويحادثها بكل تلك البهجة. دلف إلى الداخل حزينة، ولكنها لم تنهر نفسها هذه المرة على غيرتها الواضحة، فهذا حبها الذي ستقاتل من أجله. لقد اعترفت بذلك أمام نفسها.

توجه هو إلى الفندق ولم يدخل. دق على هاتف إلياس حتى رد، وصوته يبدو عليه آثار النوم. قال رازي بحنق: "كل هذا عشان ترد؟ قال إلياس: "يا ابني، كنت نائماً." اعتدل من نومه وفرك آثار النوم من عينيه وقال: "إنت مش حاجز غرفة بإسمك ليه؟ أنا لقيت حجز بإسم قدر." سرد رازي: "أنا هاخد قدر على بيت الجبل." رد إلياس ممازحاً: "سيدي يا سيدي، قدر تروح على بيت الجبل وأخوك يقضيها في الفنادق." ضحك رازي وقال: "الناس مقامات." قال إلياس: "مثل

إلياس الصدمة وهو يقول: ما توقعتهاش منك دي، أنا اللي جبته لنفسي، عرفتك عليها عشان تاخدك مني." رد رازي قليلاً يفكر: "هل حقاً استطاعت أن تحتل مكانة خاصة داخل قلبي؟ لأكن صريحاً مع نفسي لمرة واحدة فقط. أشعر معها كأنني الشاب المراهق الذي يحب لأول مرة." قطع صوت أفكاره إلياس بقوله: "روحت فين يا عم؟ قال رازي باختصار: "أنا قدام الفندق، هات قدر وشنطنا وانزل، أنا مستنيك."

قال إلياس بمشاكسة: "لا، طالما فضلتها عليا وهتاخدها على بيت الجبل، يبقى اللي عايز حاجة يجي ياخدها." قال رازي ممازحاً: "مش هقدر أدخل الفندق، ليهم عندي فلوس." ضحك إلياس وقال: "طالما كده، ربع ساعة وجايلك." لكن حقاً، كان هناك فضول داخل إلياس يتساءل لماذا لم يدخل رازي الفندق. أقفل رازي الهاتف وهو يفكر في عدم دخوله الفندق، وكان السبب أنه لا يريد لكاميرات المراقبة أن تلتقطه، فقد نفذ عملية خطيرة في هذا الفندق من قبل.

بعد مرور وقت، هبط إلياس حاملاً الحقائب ومعه قدر، قائلاً بمزاح: "على آخر الزمن أنا الباشمهندس إلياس أبقى شيال شنط." ابتسمت رغماً عنها، فقد كانت حقاً تشعر بالحزن والخوف من خسارة السيد رازي المتعجرف الوسيم. وصلوا إلى رازي، كان ساندًا على سيارته عاقدًا يديه أمام صدره العريض. لم تنظر هي إليه، تجاهلته تماماً. عقد حاجبيه بدهشة. كان يعتقد أنها ستنهال عليه بأسئلتها التي لا تنتهي (أين كان، ومع من، ولما تأخر، فهي الآنسة فضولية)

أو ربما ستركد إليه وتحتضنه كما فعلت في السابق، وكم تمنى لو فعلت هذا، لكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه. قال في نفسه: "حقاً، لا أحد يستطيع فهم المرأة، فهي كائن غريب الأطوار." أخذ الحقائب من إلياس، وضعها في شنطة السيارة، ثم فتح الباب لقدر. ركبت بدون أن تنظر إليه أيضاً، مما زاد من حيرته. فكر ربما هي منزعجة لأنه تركها بمفردها مدة طويلة. ودع إلياس قائلاً: "خلي بالك على نفسك وابقى كلمني، وبلغني مواعيد الاجتماعات."

أومأ له إلياس ثم صافحه وانصرف. ركب هو السيارة بجوار قدر. رمقها بطرف عينه وهو يدور محرك السيارة قائلاً: "ساكتة يعني إيه؟ فضولك سبتيه في مصر ولا إيه؟ لم تبتسم على مزحته تلك، لذا تابع هو: "فيه حاجة حصلت ضايقتك؟ أومأت برأسها بمعنى لا، ثم قالت: "إحنا رايحين بيت الجبل دا ليه؟ رد هو باختصار: "بحبه." ظل الصمت سائداً بينهما، وداخلها بركان يتقد. أما هو، فكان الفضول يتملكه، يريد أن يعرف لماذا تبدو متزمرة وحزينة.

وصلوا بيت الجبل. كان نظيفاً، فقد طلب رازي من السيدة التي أعطى لها المفتاح أن تنظفه وتشتري الأشياء التي يحتاجها للطهي. كان المنزل مبهراً حقاً، صغير جداً لكنه رائع ومريح للنفس. حوله منظر خلاب من الأشجار والزروع الخضراء والورود الملونة الرائعة. إن نظرت إليه، ستقع في حبه من النظرة الأولى. كانت قدر منبهرة وهي تطالعه بدقة. حثها رازي على أن تتبعه قائلاً: "تعالى دلوقتي ارتاحي، وبكرة إن شاء الله هفرجك على المكان كله."

تحركت وصعدا درجات السلم. دلفوا للداخل. وبعدها أفرغت هي الحقائب، ودلف هو لينعم بحمام دافئ. حينما أنهى حمامه وخرج، اقترب منها قائلاً بهدوء: "قدر، مش بحب أكرر كلامي أكتر من مرة، فيه حاجة حصلت زعلتك؟ نظرت له بتحدي وقالت: "إنت ليه حاسس إني زعلانة؟ إنت عملت حاجة تزعل؟ زفر بحنق وقال: "يعني عشان سبتك اليوم كله، مانا قولتلك رحت أزور واحد صاحبي." لوى فمها وقالت: "صاحبك دا حلو بقى؟

ضيق عينيه وبحركة منه حاصرها بين ذراعيه والحائط، كان مستنداً بذراعيه على الحائط وهي أسيرة في المنتصف. قال بهمس: "ما تقولي اللي في قلبك من غير لف ودوران." تعالت ضربات قلبها اضطراباً. رفعت وجهها لأعلى لتنظر في عينيه، لكنها لم تستطع أن تطيل النظر إليهما، تشعر بتشتت حينما تنظر إليهما. تمالكت أعصابها وأغمضت عينيها. قالت بغضب: "إنت كداب، كنت مع صاحبتك مش صاحبك. أنا شوفتك من الفراندا وانت واقف معاها وبتضحكوا."

فتحت عينيها ببطء لتجد ابتسامة خفيفة على ثغره. قال بهدوء: "إحنا كنا واقفين في الشارع وسط الناس، إيه اللي يزعل في كده؟ قالت بغضب حقيقي: "اللي يزعل إنك ما قدرتش تصبر أول ما وصلنا جريت عليها." زفر الهواء من فمه وقال: "أنا ماكنتش معاها على فكرة، ماليش أي علاقة بيها. هي بس معرفة قديمة، لكن مش هي الصديق المقرب اللي كنت عنده. ولو حابة تكلميها دلوقتي، أنا معنديش مانع." تابع وهو يضيق عينيه: "بس أنا عايز أسأل، إنتي غيرانة ليه؟

توترت كثيراً من سؤاله المفاجئ. تلعثمت وقالت بحروف متقطعة: "أنا، مش، غيرانة." ابتسم وهمس بجانب أذنها: "هافكرك تاني، من حقك إنك تقلقي عليا، وتزعلي مني، وضيفي ليهم إنك تغيري عليا." ابتعد عنها ليجدها مجمدة من كلماته التي أسرت قلبها. كانت تفكر بسعادة: "لقد أعطاني تصريحاً بالغيرة عليه." قال وهو يتجه إلى المطبخ: "عشان تعرفي إنّي جنتل مان، أنا هاتبرع وأجهزلك العشا تعبيراً عن أسفي لأنك سببتلك الغيرة والزعل دا كله." جاهدت

في كبح ابتسامتها وهي تقول: "ماشي، لما نشوف بتعرف تطبخ ولا هنقضيها تلبك معوي." عاد إليها ليقترب مرة أخرى وهو يهمس لها: "أنا كنج في كل حاجة." قالت بتأثر مصطنع: "أوه، متواضع بطريقة مستفزة." ضحك هو وأمسك يدها متجهاً إلى المطبخ الصغير وقال: "أنا بس بحب أفكرك." جلست على المقعد وبدأ هو في إعداد وجبته الإيطالية المفضلة باحترافية شديدة. كان يرفع المكونات داخل الطاسة بطريقة الشيف المحترف، وهي تنظر بانبهار شديد.

كان قد أوشك على إنهاء العشاء. وقفت بجواره وقالت: "اسمح لي أدوق بقى." تناولت ملعقة من الحساء الذي أعده. قالت بتلذذ: "اممم جامد، لا انت بجد شيف." ابتسم هو بغرور وقال: "مانا قلتلك أنا... أكملت هي محاولة تقليد نبرته: "كنج في كل حاجة." ركز جيدا على وجهها. شعرت بالخوف تفكر، هل غضب؟ هل سيضربني؟ أغمضت عينيها.

وكان هو يركز على شفتيها التي لطختهما بالحساء. ولم تشعر، كانت تبدو جذابة له حد اللعنة. لم يستطع تمالك نفسه ولأول مرة مال عليها ليطبع قبلته الأولى على ثغرها. كانت مغمضة عينيها، لكنها شعرت بأنفاسه. ارتجف جسدها كلياً، وما إن شعرت به يلمس شفتيها حتى ابتعدت بزعر. وقالت بنبرة مرتجفة وكأنها ليست قدر التي يعرفها: "ابعد عني، ماتلمسنيش." كانت تهز سائر جسدها من التوتر. عقد حاجبيه بدهشة، هل ضايقها لهذه الدرجة أم هناك خطب آخر؟

حاول أن يمسك يدها، لكنها نفضت يده وهي تقول: "ما تلمسنيش." تسلل القلق داخل قلبه، لم تكن طبيعية بالمرة، ليست هي من كانت تمزح منذ برهة. قال: "طب اهدي، أنا آسف لو ضايقتك." أمسك يدها رغم محاولاتها الفاشلة في سحب يدها مرة أخرى، لكنه أغلق الغاز وأخذها من يدها. أجلسها على أريكة وأعطاها كوب ماء. ارتشفت منه وقال لها: "ليه الخوف دا كله؟ هبطت دموعها وهي تقول: "أنا آسفة، بس مش بحب حد يقرب لي أبداً."

فهم قصدها، وأن ذلك حتماً نتيجة طبيعية لما تعرضت له في صغرها على يد هؤلاء الأوغاد في منزل دلال. لكنه رغم ذلك بدا حزيناً. هل تعتبره مثلهم؟ هل تضعه في القائمة ذاتها مع هؤلاء؟ ربت على كفها وقال: "هو أنا حد يا قدر؟ أنا بالنسبة لك حد غريب؟ كانت تحني رأسها لأسفل ولم ترد. وهو أيضاً لم ينتظر منها أي رد. استقام متجهاً إلى المطبخ لينهي إعداد الطعام.

بعد دقائق، حسمت أمرها واتجهت ناحية المطبخ. وعلى حين غرة، التقطت يده بكفها الصغير وقبلت باطن كفه، مما جعل ملامح المفاجأة تظهر على وجهه. قالت بصدق نابع من صميم قلبها ومازالت متشبثة بيده: "أنت بالنسبة لي الحلم اللي طول عمري كنت بحلمه، أنت عوض ربنا عن سنين خوف وذل. انت لو دخلت قلبي دلوقتي وشوفت مكانتك فيه، ماكنتش هتقول إنك حد غريب. أنا آسفة يا رازي، آسفة، بس... وقبل أن تكمل حديثها،

وضع يده على فمها وقال: "أظن بعد الكلام الحلو دا، مافيش آسفة ولا بس. أنا عمري ما هقربلك لو انتي مش حابة دا، أنا اللي آسف." أكمل بنبرة مشاكسة: "تعالي بقى يا آنسة فضولية عشان تقوليلي رأيك في الأكل." ابتسمت له، لكنها كانت تشعر بالحزن بداخلها. هي من يجب عليها أن تعتذر، ليس هو. بعدما تناولا العشاء في صمت تام، دلفا إلى الغرفة. لم يكن بها سوى سرير واحد، لذا أخذ رازي وسادة من السرير وقال لها: "هنام برا عشان تكوني براحتك."

قبل أن تتفوه بكلمة واحدة، وضع يده أمام فمها وقال: "أنا مش زعلان ومش بضغط عليكي، أنا بجد عايزك تكوني مرتاحة، هابقى مرتاح أنا كمان." هزت رأسها ولم تتفوه، فقد عجز لسانها أمام كل ذلك اللطف والحنان الذي لم تراه قبل أن تقابله.

في منتصف الليل، لم تستطع النوم بسبب الأصوات التي تسمعها بالخارج، لذا نهضت عن فراشها واتجهت إليه توقظه. كانت تشعر بالحرج، لكن صوت خوفها أعلى، فهي حقاً تخاف من الليل والظلام والأصوات الغريبة وروايات الرعب وكذلك المسلسلات والأفلام المرعبة. فتح عيناه بالكاد. قالت وهي تطأطأ رأسها وكانت على وشك البكاء من الحرج: "أنا خايفة، ممكن تيجي تنام في الأوضة؟ مسح على وجهه بضجر وقال: "خايفة من إيه؟

قالت: "في أصوات برا، طيرت النوم من عيني." اعتدل هو ثم استقام واقفاً وقال: "أمري لله، تعالي." التقط كفها، وأخذت هي الوسادة وتحركا تجاه الغرفة. استلقى على الفراش، وقبل أن يغمض عينيه قالت قدر: "رازي، ممكن سؤال؟ قال باهتمام: "اتفضلي." "إنت حبيت كام مرة في حياتك؟ رد هو دون تفكير: "مرة واحدة." مطت شفتيها بحزن فأكمل هو: "مش عايزة تعرفي اسمها؟ قالت بحزن: "فريدة؟

تنهد بهدوء على عكس ما الغضب الذي تملكه ما إن سمع ذلك الاسم المقيت. وقال: "والله لو اللي أنا حاسس بيه دلوقتي دا حب، يبقى أنا ماحبتش فريدة." أغمض عينيه وتركها تستوعب ما قال للتو. وكزته بخفة لتحثه على فك ابهام حديثه، لكنه تعمد إثارة غضبها وقال: "اششش، عايز أنام." ***

في الصباح، استيقظت نورين بسعادة، على غير حالتها منذ يومين. عقدت مريم حاجبيها وهي تفكر ماذا حل بها، لقد عادت لسابق عهدها. هل الأستاذ عبد الناصر هذا كان يكذب؟ هل هو من تحبه ابنتها؟ وعندما واجهته، كذب عليها وعاد يعامل نورين بلطف لتعود لحالتها الطبيعية؟ إذا كان الأمر كذلك، سأقتلع روحه من جسده. تحركت ناحية نورين وقالت: "نورين، شايفاك فرحانة يعني، خير. أقدر أعرف اللي مفرحك كده؟ ردت هي

بسعادة لا تستطيع إخفائها: "يووووه يا ماما، يعني لما أكون حزينة تزعلي، ولما أكون مبسوطة كمان تزعلي؟ نفت كلام ابنتها قائلة: "بالعكس، أنا أتمنى تكوني مبسوطة على طول، بس انتي ماحكتيش اللي زعلك، ولا اللي غير مودك فجأة كده وبقيتي مبسوطة. مش أنا أمك ومن حقي أعرف." قبلت خد والدتها وقالت: "انتي حبيبتي والله، واكيد لازم تعرفي كل حاجة، بس لما يكون فيه حاجة أصل."

تركتها ودلفت إلى المرحاض، مما دفع مريم تخرج هاتفها وتهاتف عبد الناصر بنبرة حادة. "ممكن نتقابل في نفس الكافيه؟ رد هو بترحيب: "أكيد يا مدام." أغلقت الخط دون أن تسمع منه أي كلمة إضافية، مما دفعه يتساءل ما بها الآن. ***

استيقظ رازي من نومه مبكراً قبل قدر. لبس ثيابه، كانت عبارة عن بنطال جينز أسود وجاكت جلد أسود طويل ونظارة سوداء. وضع لحية وشارب. وضع مسدسه الكاتم للصوت في خصره وخرج من المنزل. توقف عند الملهى الليلي الضخم. خرج منه مارسيلو وركب جواره في السيارة. توجها إلى نادي رياضي. درس رازي مداخل ومخارج النادي جيداً. انتظر حتى وصل نزار ومعه آدم. كانت مايا ستأتي معهم، لكنها طلبت منهما الذهاب قبلها لأنها لديها موعد في مركز التجميل، وقالت إنها ستلحق بهما عندما تنتهي.

بعد أن ساعد مارسيلو رازي في التعرف على نزار وآدم، طلب منه رازي أن ينتظره بجوار سوزانا في السيارة، فربما احتاج إليه. كان هذا يوم تدريب آدم على السباحة، لذا دلف إلى غرفة تبديل الملابس ومعه المدربة. وجدت رازي منتظره داخل الغرفة. وما إن دخلا، حتى أشهر سلاحه عليها، مما جعلها تصرخ. وضع يده على فمها وقال لها بالإيطالية: "الزمي الصمت، وإلا سأصمتك للأبد."

هزت رأسها بنعم. أخرج إبرة مخدرة غرزها في رقبتها. كان آدم يراقبه برعب. لم يستطع تجاهل ما يحدث. انقض على رازي يضربه بقبضته الصغيرة في ساقه، فهي الوحيدة التي كان يطولها. كتف رازي وأخرج إبرة أخرى صغيرة وضعها في رقبة آدم وحمله وخرج من باب غرفة تبديل الملابس، لكنها كانت بعيدة عن المكان الذي يجلس به نزار، لذا لم يراهما.

استطاع رازي أن يخرج من الباب الخلفي للنادي دون أن يراه أحد. وضع آدم في السيارة وأعطى أوامر لسوزانا بأن تنطلق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...