الفصل 5 | من 28 فصل

رواية ندبات قدر الفصل الخامس 5 - بقلم الشيماء مسعد

المشاهدات
24
كلمة
3,684
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

استيقظت في منتصف الليل. الهدوء يخيم على القصر، لا أحد مستيقظ. لكنها استيقظت تتلوى من الجوع. معدتها تؤلمها كثيراً. ماذا تفعل؟ نهرت نفسها: "من الأفضل لها لو تناولت بعض الطعام." ارتدت حجابها وقررت تهبط للأسفل لتناول أي شيء من الثلاجة. حاولت ألا تحدث جلبة. مشت بحذر إلى أن وصلت إلى الدرج. نظرت يميناً ويساراً. كانت هناك عيون تراقبها، لم تلحظ هذا. دلفت إلى المطبخ وفجأة وجدت شخصاً ما خلفها.

صوّب السلاح على رأسها قائلاً: "بتعملي إيه هنا في وقت زي دا؟ شهقت وهي تطالع ذلك الواقف أمامها: "يا إلهي! من أين أتى؟ هل يراقبني؟ ماذا فعلت ليوجه سلاحه على أم رأسي؟ لم أرتكب أي حماقة." ابتعلت لعابها وقالت بنبرة مرعوبة: "أنا... نزلت عشان جعانة. كنت هاشوف أي حاجة آكلها." أنزل رازي سلاحه ببطء وقال بريبة: "مش غريبة على واحدة أول يوم ليها في البيت ده وتتحرك عادي كده وتكون عارفة كل تفاصيل البيت كده؟

تمكّنها الخوف وأيضاً الدهشة. كانت متوقعة أنه حاد الطباع، لكن لم تتوقع أنه فاقد عقله لهذه الدرجة. تابع وهو يلوح بالمسدس أمام عينيها ليستدعي خوفها: "حطي في دماغك فكرة إن عيني عليكي طول الوقت. وطالما إنتي هتبقي الممرضة الخاصة بيا، فلازم تعرفي المريض بتاعك عامل إزاي يا آنسة." هزت رأسها بالموافقة. أنهى جملته، فتح باب الثلاجة وأحضر لها طبق فاكهة وضعه على الطاولة وقال: "الأكل أهو." غادر وتركها. صعد الدرج.

أما عنها، فقد فقدت كل ذرة ثبات بها. سقطت جالسة على الأرضية، ضامة رجليها إلى صدرها. كانت أطرافها مجمدة، قلبها يخفق بشدة، ترتعد كلياً. سقطت دموعها من شدة الخوف. ظلت هكذا قرابة الساعة. كان يراقبها من أعلى الدرج. أخيراً، استعادت ثباتها، هبّت واقفة ولم تعد تشعر بالجوع. نظرت إلى طبق الفاكهة بتهكم: "هل استحق كل ما تعرضت له بسببك؟ لقد كنت على وشك فقد حياتي بسبب الطعام. لما العجب؟

فهناك من يفقد حياته منتظراً فتات الطعام. هناك إخواننا في غزة ينتظرون وينتظرون دورهم في جلب بعض مما يسد الجوع، وبالآخر يقصفون جائعين. يا لها من شدة وقد طالت." "الخوف، ذلك الإحساس اللعين الذي يحتل قلبك يجعلك لا تفكر في شيء سواه. قادر على طرد أي شعور آخر بداخلك. قادر على جعلك تفقد صوابك، تركيزك، حتى شهيتك." تحركت نحو الأعلى ببطء شديد وكأنها كانت تجبر قدميها على السير. رآها بهذا الوضع المثير للشفقة، لكنه لم يشفق عليها.

ولو كان شعر بالشفقة لكان نهر نفسه. دائماً كان يشعر بالشفقة حيال أولئك الملعونين الذين يتسببون في أذى الأبرياء. تراجع سريعاً حين طرأ على ذهنه: "لقد قالت جائعة، لكنها لم تتناول حبة واحدة." لكنه برر ذلك: "لقد اختفيتها بما يكفي، أجل هذا جيد. عليها أن تعلم بأنني أتربص لها دائماً."

"إنها تبدو كالملائكة، تمتلك ملامح بريئة كالطفال، لكن لن أنخدع هذه المرة. لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين. كل من تملك وجهاً بريئاً تخفي خلفه وجوهاً كثيرة شيطانية." ألقى بجسده على الفراش. داهمته الذكريات التي دائماً تخترق خلوته، تعذبه وتمزق قلبه أشلاء. سرح فيها. كم كانت تبدو بريئة. تذكر أول لقاء. كان عائداً بسيارته من عمله في منتصف الليل. وجد تلك الفتاة ملقاة بجانب الطريق. لمحها ممدة، رفعت يدها بالكاد، أشارت له بيدها.

انتبه لها. أسرع بإيقاف سيارته. هبط منها مسرعاً، وجد فتاة تنزف من رأسها أثر جرح. كزها بخفة قائلاً: "أنتي يا آنسة، أنتي كويسة؟ فتحت عينيها ببطء وقالت بصوت خافت: "انقذني، هيقتلوني." نظر حوله وأشهر سلاحه لف بكل الاتجاهات. لم يجد أحداً. لقد كان الطريق خالياً تماماً. تحدثت مرة أخرى قبل أن تفقد وعيها: "انقذني... حملها إلى السيارة، وضعها في الخلف. قاد السيارة متجهاً إلى المشفى.

بعد أن وصل بها واتخذ الإجراءات اللازمة لعلاجها، وقام الأطباء بتطبيبها. كان واقفاً خارج الغرفة يستند بظهره على الحائط. حينما خرج الطبيب ليخبره: "إحنا عملنا اللازم، بس هي هتبقى تحت الملاحظة لحد ما تفوق، ولازم يتعمل محضر عشان نعرف مين اللي عمل فيها كده." هز رأسه واتجه إلى غرفتها. طالعها بدقة. قبل أن يراها كان مقتنعاً أنه يقرأ الناس من أوجههم، لكن هل هذه حقيقة؟ دقق النظر إليها.

تبدو بريئة جداً في نومها، لكن لما تبدو حزينة حتى وهي نائمة؟ مر الوقت وهو واقف يتساءل ما قصتها. فضوله الذي اكتسبه من عمله دفعه لينتظر حتى يفك اللغز. فاقت أخيراً. كانت تتأوه. فتحت عينيها، نظرت حولها، تبين لها أنها في المشفى. كان مصوب نظره عليها. تحرك تجاهها مردفاً: "حمد الله على السلامة؟ "الله يسلمك، أنت مين؟ "أنا منقذك." قالها بغرور رافعاً حاجبه الأيسر. بدأت تنتحب، واضعة يديها على وجهها. عقد حاجبيه. سحب مقعداً

ليجلس بجوار السرير وسأل: "إيه اللي حصل معاكي، احكي؟ رفعت وجهها قائلة: "فيه ناس هاجموا علينا في الفيلا بتاعتنا، قتلوا بابا وأخويا، وكانوا عايزين... " صمتت قليلاً. ثم تابعت: "كانوا عايزين يعتدوا عليا، ولما جريت منهم كانوا هيقتلوني." حك ذقنه وقال: "عنوانك إيه، واسمك؟

ابتلعت ريقها وقالت: "اسمي فريدة هاشم الرفاعي. بابا رجل الأعمال المشهور هاشم الرفاعي. كنا عايشين في أمريكا أنا وبابا وأخويا. جينا نصيف هنا في إسكندرية السنة دي، ما كنتش فاكرة إن ممكن يحصل معانا كده." بكت أثر

ذكر والدها وشقيقها وتابعت: "بس فجأة هاجموا علينا وولعوا في الفيلا كلها. هما قاصدين بابي عشان كانوا منافسينه في الشغل، أنا متأكدة. بابي مالهوش أعداء. أنا خايفة أوي، هما مش هيسيبوني في حالي، عايزين يتخلصوا مني عشان ما يبقاش حد وريث لبابي وياخدوا كل حاجة." كان ينظر إلى وجهها مباشرة. لم تكن تمثل، حتماً تقول الصدق. داهمها بسؤاله: "قلتي والدك اسمه إيه؟ ردت مسرعة: "هاشم الرفاعي." هز رأسه وقال: "استني هنا، هارجعلك."

خرج مبتعداً عن غرفتها. أجرى اتصالاً هاتفياً. أتاه الرد. قال رازي بحزم: "هاشم الرفاعي، عايز كل التفاصيل عن الراجل ده وهل هو فعلاً اتقتل ولا لا." أغلق فوراً. ثم عاد إليها: "أنا كلمت الدكتور، تقدري تخرجي دلوقتي. فيه حتة معينة أوصلك ليها." وضعت يديها على وجهها كالاطفال وقالت: "أنا معنديش مكان أبات فيه. بيتنا اتحرق، واكيد هما بيدوروا عليا عشان يقتلوني." زفر بضيق وقد نال منه التعب والإرهاق. فقد كان عائداً من عمله.

قال: "هاضطر آخدك معايا البيت. وما تقلقيش، أنا عايش مع أمي وأخويا الصغير وفيه كمان خدامين." نظرت له بامتنان وقالت: "شكراً بجد، أنا عمري ما هنسى موقفك معايا. إنت فعلاً رجل نبيل." فاق من شروده. وكان صدره يعلو ويهبط بقوة، كأن حريقاً نشب للتو بين ضلوعه. كوّر يده حتى برزت عروقه. بعدها رفعها يتحسس بها ذراعه الذي لا يستطيع تحريكها.

أغمض عينيه بعنف، يتمنى لو يصاب بفقدان جزئي للذاكرة حتى ينسى كل تلك الذكريات التي تؤرقه وتغزو فكره، تسرق النوم من عينه. لكن هيهات. لقد أقسمت على أن تعيد نفسها كل يوم أمام خاطره كأنها مسلسل لا ينتهي من العذابات. استدار ناحية الحائط ليكف عن التفكير بأي شيء. بعد محاولات عديدة، استطاع أن يجد النوم سبيلاً لمقلتيه التي يجافيهم كل ليلة. سلاسل الشمس الذهبية احتلت كل إنش من القصر معلنة عن بداية يوم جديد.

ظلت قدر مستيقظة قرابة الشروق. لم تنم إلا السادسة صباحاً، لذا ظلت نائمة على عكس طبيعتها التي تحب الاستيقاظ مبكراً. أما عن رازي، فقد اعتاد أن يركض في المضمار مرات عديدة. نتج عن ذلك الركض هذا الجسد الرياضي الفارع الممشوق مفتول العضلات. يساعده أيضاً الركض على إبقاء أعصابه في حالة جيدة من الاسترخاء. اليوم شاركه إلياس ومهاب في هذا السباق. كانوا يركضون بحماس.

مهاب والياس يرشون بعضاً بمياه الزجاجة التي كان يحملها كل واحد منهما. ورازي ينظر إليهم ويضحك. نظرت من الشرفة، لمحتهم. ابتسمت بتلقائية على أفعالهما الصبيانية. لكنها تمنت حقاً لو تشاركهم الركض. تود تجربة أشياء كانت محرمة عليها في الماضي. ولكن... هناك من يتربص بها كما قال لها. هناك شخص لا يرغب بوجودها. زفرت بتعب وقررت أن تمكث في غرفتها. لقد أصدرت أمعاؤها أصواتاً معلنة أنها تريد الطعام. احتضنت معدتها.

كانت ستدخل، لكن إلياس انتبه لها. لوح لها بيده وقال بصوت مرتفع وصل لها: "قدر، انزلي، هنفطر برا في الجنينة." هزت رأسها ودلفت إلى الغرفة تستعد للنزول. في الحديقة، لاحظ إلياس عبوس رازي عندما لمح قدر. ربت على كفه وقال بنبرة هادئة: "رازي، لو سمحت، البت دي ظروفها صعبة، ممكن تتعامل معاها بطريقة أفضل من كده. هي كويسة والله." هتف رازي بانفعال. حاول تمالك أعصابه لكنه فشل: "كلهم بيكونوا كويسين في البداية. المظاهر خداعة."

أسرع مهاب لإنهاء الشجار قائلاً: "البت دي أنا مربيها على إيدي." رمقه إلياس بنظرات مندهشة، فهذه كذبة غير منطقية بالمرة. أسرع ليصحح كلامه: "قصدي يعني، هي معرفة قديمة وأنا عارفها كويس." أنهى إلياس الحديث قائلاً: "قفلوا على الموضوع، البت جاية أهي." تحدثت بنبرة هادئة منخفضة: "صباح الخير." ردوا جميعاً بصوت واضح، عدا رازي، الذي رد بصوت لم يظهر وكأنه حرك شفتيه فقط. أردف إلياس: "اسحبي كرسي وتعالي يا قدر، هنفطر هنا."

لقد مر شهر كامل على هروب قدر. الوضع أكثر تأزماً الآن. ممدوح الصاوي كالبركان الثائر، تأكله النار من الداخل. لم يترك نقرة إلا وقد نقب فيها عنها. أين اختفت؟ هل سافرت؟ لقد بحث حتى في المطارات على اسمها ولم يجد. على الرغم من أن هذا الاحتمال مستبعد، لأنها لا تملك نقوداً أو جواز سفر. لا تملك سوى بطاقتها الشخصية التي أخذتها معها. لم ولن يهدأ منذ اختفائها.

فهو يراقب هاتف دلال وكل فتياتها اللاتي يعملن عندها، ويراقب بالأخص عصفور وأخته عزة، فهو لم يرفع إصبع الاتهام عنهم بعد. خرج من عمله تاركاً إياه، اتجه إلى دلال للمرة التي لم يدري كم عددها. كان جالساً على الأريكة ودلال واقفة أمامه مثل الطفل المعاقب. زفر دخان لفافة تبغه وقال: "متأكدة إنها مالهاش قرايب تاني؟ أنا بعت ناس لقريبة والدتها في دمياط وقالت إنها عمرها ما شفتها، واتأكدنا إنها بتقول الصدق."

أسرعت هاتفه: "والله ما أعرف أي حد تاني من قرايبها، واللي عندي قلته يا ممدوح بيه. أوعى تفكر إني ممكن أقف في صف اللي متتسماش، ده أنا لو لقيتها وغلاوتك، لأمسك في زمارة رقبتها." أكملت بنبرة حنونة: "ده أنا صعبان عليا حالك، زعلانة عشانك وعلى تعبك وانت قالب الدنيا عليها، بنت محمود رشيد." لملم شتاته وعاد خائب الأمل. لكنه توعد أنه لم ولن يكف عن البحث عنها لو كلفه ذلك عمراً بأكمله، سيفعل. فهي في نظره تستحق كل هذا العناء.

سيقسو عليها حالما يراها، سيعاقبها إلى أن تنطفئ نيران صدره، وبعد ذلك سيعانقها عناقاً طويلاً. هكذا كان تفكيره المريض وخيالاته الجامحة. بعد تناول الإفطار في الحديقة، حيث الهواء الطلق والدفء المنبعث من الشمس، قررت قدر تتخلى عن جزء من خجلها وخوفها. استدارت لرازي وقالت: "سيد رازي، دلوقتي وقت تمارين إيدك." زفر بنزق وهز رأسه على مضض. وقف، سار إلى داخل المنزل. تبعته هي وقالت: "كان ممكن نعمل التمرين هنا في الجنينة، الجو جميل."

رمقها بطرف عينه وقال: "مش بحب الثرثرة، أنا أختار المكان اللي يريحني." زمّت شفتيها وهزت رأسها وقالت: "اكيد، أهم حاجة تكون مرتاح." وصلوا إلى صالة رياضية تحوي جميع أنواع الأجهزة الرياضية. جلس على مقعد كأنه مخصص لتدليك ذراعه. كان يحتوي على ذراع طويل ليمكنه من مد ذراعه كاملاً بأريحية. تحرر من سترته وبقي بسترته الداخلية. أشاحت بوجهها بعيداً من الخجل. لم تستطع أن تنظر إليه مباشرة.

لم يأبه بها أو أين تنظر، كان مركز نظره على اللاشيء. نظرت خلسة لتلك العضلات المفتولة، لكنها حولت نظرها بعيداً وأسرعت تستغفر الله. ترددت كثيراً قبل أن تلمس ذراعه. "يا الله، ماهذا المأزق الذي أنا به الآن؟ أتمنى أن يرفض مساعدتي، أن يصرخ وينهرني، لن أغضب، سأشعر بارتياح إن طردني حالاً." لكن هوت آمالها أرضاً حين زفر بحنق وقال: "إنتي متأكدة إنك دلكتي حد قبل كده؟ هزت رأسها نافية وقالت: "لا، أول... بترت كلماتها.

نهرت نفسها: "أيتها الحمقاء الخرقاء، ما هذه الترهات التي تفوهتي بها الآن؟ كان هذا ما دار برأسها. أسرعت لتصحح ما أفسدته قائلة: "آسفة، بس حضرتك بتخوفني بنظراتك دي وأنا بتوتر منها أوي." تباً لها، كم هي صريحة في وصف شعورها الآن. الآن فقط، طالعها بضجر وقال: "شوفي شغلك يا آنسة، الجو بارد." هزت رأسها، أغمضت عينيها، أخذت نفساً عميقاً، ثم بدأت تدلك ذراعه.

بمرور الدقائق، بدأت تعتاد الموقف، أصبحت أكثر قوة وهي تضغط على ذراعه، تمددها وتعيدها لوضعها. إلى أن هتف بكلماته التي حررته من قيود تلك اللحظة اللعينة فقال: "كفاية كده يا آنسة، ممكن تتفضلي." أرادت أن توصل له ملاحظة، ويا ليتها لم تتفوه: "سيد رازي، أنا ملاحظة إن أعصاب حضرتك مية مية، فين المشكلة إذا...

صمتت حين صدح ينهرها: "ما تتعديش حدودك معايا، إنتي ليكي شغلك وبس. أعصابي مشدودة مرتخية دي حاجة يقررها الدكتور، وإنتي مش دكتور، اتفضلي، وقتك معايا انتهى." حاولت تمثيل الثبات واللامبالاة أمامه. حكمت على عبراتها لم تسقط هذه المرة، لكنها ما إن خرجت من الصالة حتى أطلقت العنان لدموعها بالتحرر. لمحها إلياس تركض للأعلى. صعد خلفها وقبل أن تغلق غرفتها، أمسك بالباب ليعيق إغلاقه.

نظر إليها بشفقة: "آه منك يا أخي، لقد حذرتك ألا تقسو عليها، تلك الفتاة الرقيقة، ولكن ضربت بكلامي عرض الحائط كالمعتاد." لم يبرر لها شيئاً، فقط قال بهدوء: "أنا آسف لتصرفات رازي معاك، بس اللي مر بيه مش سهل، أتمنى إنك توسعي صدرك شوية. اعتبريه طفل صغير بتراوضيه." مسحت دموعها وقالت: "أنا اللي آسفة، اقتحمت حياتكم." قبل أن تكمل كلامها،

أوقفها ليكمل هو: "قدر، من اللحظة اللي وصلتي فيها هنا، إنتي خلاص بقيتي واحدة من العيلة، مش عايز أسمع الكلام ده تاني." ابتسمت بامتنان وقالت: "شكراً يا إلياس، إنت أكتر شخص محترم وعطوف قابلته في حياتي." بادلها الابتسام وقال لها: "أنا مضطر أرجع النهاردة على العصر كده القاهرة عشان الشغل بتاعنا. مش عايزك ضعيفة، عايزك تكوني قوية. ولو قدرتي تتحدي رازي، هتبقى مهمتك في شفائه سهلة جداً." هزت رأسها بحماس وقد شحنها

ذلك الكلام بالطاقة وقالت: "إن شاء الله، هاعمل كل اللي أقدر عليه." في المساء. كان يقف في بهو المنزل بعد أن ودع أخيه ورفيقه، وألقى تعليماته عليه بصرامة شديدة قائلاً: "سوق بالراحة، وأوعى تقف لأي حد في الطريق، أياً كان." ابتسم له إلياس وقال: "أنا حفظت النصايح دي أكتر من اسمي." همس مهاب لالياس: "شوفت، مش أمي بس اللي بتصدعنا بنصايحها." اتسعت أعين إلياس وقال بمكر: "تحب أقوله مهاب بيقول عليك إيه؟ وضحك،

وصدح يجذب انتباه رازي: "يا رازي! وما إن التفت له رازي حتى ضحك مهاب وقال: "هتوحشنا يا رازي باشا." ابتسم من جانب فمه وقال: "ما تتأخروش عليا." انصرفا وظل ناظرها معلقاً بأثرهما. تشعر أنها في غربة الآن. كانوا حقاً بمثابة أهلها، إخوة لها، لكن أجبروا على السفر. كيف ستدبر أمورها مع ذلك السادي القاسي، رازي؟ استدارت لتذهب إلى غرفتها، لكن سمعت صوته الذي أوقفها عن السير: "إنتي."

استدارت تطالعه على مضض: "لو عايزة تعيشي كويسة هنا، يبقى ما تدخليش في حياتي. إنتي ممرضة وبس، لحد ما آنسة رغد ترجع." هزت رأسها وقالت بجمود كآلة: "أي أوامر تانية سيد رازي." أشار بيده لتكمل سيرها. اتجه ناحية الخارج. كانت شمس الأصيل الهادئة بطبعها تداعب المكان بدفئها. تحرك إلى مكان جانبي في الحديقة الشاسعة. فتح المكان ودلف إليه. كانت تقف في شرفتها تتابع منظر الأشجار الخلاب من الأعلى. تشعر بالملل.

لقد افتقدت هاتفها النقال المتواضع. كان يشغل جم وقتها في مواقع التواصل الاجتماعي. جذب انتباهها خروج رازي من ذلك الحوش الكبير. لقد كان اسطبلاً للخيول. خرج معه حصان عربي أصيل. مسح على شعر الحصان وقبض على لجامه. وصارا يمشيان سوياً حتى ابتعدا معاً عن القصر. تنفست الصعداء وخرجت لقتل الملل. تجولت في الحديقة بأريحية، فهي الآن مطمئنة بأن رازي قد خرج للتجول في الحقول الفسيحة خارج القصر. "يالها من حديقة غامضة مثل صاحبها."

كان هذا تفكيرها. فتحت اسطبل الخيول. كانت هناك مهرة ناصعة البياض. اقتربت منها قدر بحذر، مسحت على شعرها الأبيض الناعم المنسدل على رقبتها. قربت إليها ثمرة تفاح أطعمتها. شعرت بالألفة. أحياناً رفقة الحيوانات تكون أفضل من مرافقة البشر. لم تلاحظ كم مر من الوقت، لكنها حقاً كانت سعيدة بتلك الرفيقة الجديدة. خرجت من الاسطبل سعيدة جداً، تتنفس الأمل. لطالما كانت تتمنى الحصول على فرصة تسمح لها لركوب خيل ولو مرة.

فاقت من نشوتها على شيء ما جعلها تصرخ من الرعب. تركض بكل قوتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...