خرجت من الاسطبل سعيدة جداً، تتنفس الأمل. لطالما كانت تتمنى الحصول على فرصة تسمح لها بركوب خيل ولو مرة واحدة. فاقت من نشوتها على شيء ما جعلها تصرخ من الرعب. كان نباح كلب. كان كلباً أسود ضخماً جداً من نوعية (كين كورسو) . تعد هذه النوعية من أخطر الكلاب فتكاً. وما إن سمعها تصرخ حتى ركض خلفها.
صرخت برعب، هرولت وهرولت، تعثرت عدة مرات حتى كادت أن تسقط، وهو خلفها. ركضت بكل ما أوتيت من قوة. لطالما كانت الكلاب تمثل لها شبحاً مرعباً. خرجت من الحديقة كلياً، كانت تهرول بأقصى سرعة. لمحها رازي الذي كان يمتطي جواده عائداً إلى المنزل. صرخ رازي: "بلاك جان" come here. انتبه إليه الكلب وهرول ناحيته. سقطت على الأرض تلهث أنفاسها بصعوبة، واضعة يدها على صدرها الذي يعلو ويهبط.
هبط رازي من الحصان، مسد على ظهر "بلاك جان"، هكذا كان يطلق عليه رازي. قال له بصوت منخفض: عارف إنها مثيرة للريبة، بس الاندفاع مش دايماً بيبقى الحل الأمثل. قربه منه كأنه يحتضنه. فمنذ عزلته هذه، لا يصاحب سوى الأوفياء الذين لا يترددون بتقديم حياتهم فداءً له. وكان "بلاك جان" واحداً منهم. لعق بلاك جان خد رازي. استقام رازي واقفاً بعد ربت على فرو بلاك جان.
تحرك ناحيتها، نظر يطالعها. لقد كان وجهها باهتاً، ما زال الخوف يغزو ملامحها البريئة. ألقى كلماته: انتي بتحبي المتاعب آنسة ممرضة، أكيد عملتي حاجة لبلاك جان عشان يثور عليكي كده. هو في العادي هادي، لكن لما بيشوف حد مثير للريبة بيحصله كده. استدار ليرحل، لكنها رمقته بنظرات كالسهام. لو كانت تقتل لكان وقع طريحاً. وقالت: هو شكله شكاك، بيشك في كل اللي حواليه زي صاحبه. رمقها بغضب وقال بحدة: التزمي حدودك معايا.
انكمشت على نفسها خوفاً من سخطه. فكرت في نفسها: كيف له أن يكون بكل تلك القسوة؟ إنه حتى لم يكلف نفسه عناء الاعتذار عما بدر من حيوانه المتوحش. استقامت تنفض الغبار عن ثوبها الوردي. نظرت حولها للفراغ الشاسع والحقول الخضراء. قررت أن تذهب في جولة عبر الحقول، لكنها خشيت من مقابلة حيوان مثل بلاك جان، لذا عادت إلى القصر. *** في مكان آخر.
هناك فتاة تجلس شاردة الذهن في غرفتها في منزلها المتواضع. لم تنتبه حتى لمن دلف إلى غرفتها وجلس بهدوء يطالعها بحنان. كانت غارقة كلياً في بحر أفكارها. استفاقت حينما سمعت ذلك الصوت المحبب لها كثيراً. وهو يقول بتعجب: الله... ياترى البشمهندسة سرحانة في إيه، اللي واخد عقلك. ابتسمت بهدوء وقالت: مفيش يا بابا، هما بس شوية مشاكل في الشغل. انتقل من مقعده وجلس جوارها، وكزها بخفة بكتفه وقال: في الشغل برضو؟
عليا أنا الكلام دا. مشاكل الشغل كلها بتيجي جري تحكيها لي. الموضوع شكله أكبر من كده بكتير. قال جملته الأخيرة بهمس كأنه لا يريد لأحد أن يسمعهم. ابتسمت وقالت: قولي يا عبد الناصر. أردف هو بضحكة: عبد الناصر حاف كده يا بت يا شقية. ضحكت بتسلية وقالت: لا بجد، انت ليه ما اتجوزتش بعد ما... ابتعلعت غصة مريرة وأكملت: بعد ماما ما توفت. تنهد بضيق على ذكرى تلك السيدة، لكن سرعان ما أظهر ابتسامة
جميلة وقال بمشاكسة: مش يمكن عشان عندي كتكوتة صغيرة، خفت عليها من أي ست جديدة تدخل حياتنا. احتضنت ذراعه وتشبثت به بقوة. قالت وهي مغمضة عينيها: طب أنا بعد الكلام الحلو دا كله أقول إيه. تابعت هي: تعرف يا عبد الناصر، أنا نفسي أوي أفرح بيك. آه والله. رفع حاجبه وقال بمكر: انتي برضو اللي نفسك تفرحي بيا؟ لا ياختي، شكراً. شطبنا. أشار إلى رأسها وتابع: أنا اللي نفسي أعرف هنا بيدور إيه. من كام يوم وانتي مش على بعضك وديماً شاردة.
أجبرت نفسها على الابتسام وقالت: مافيش يا بابا. استدار لها كلياً لتنتبه، ويدرس حركات عينيها جيداً. وقال: بصي يا فاطمة يا حبيبتي، انتي عارفة إنّي عملت كل اللي أقدر عليه عشان أخليكي ماتحسيش بأي نقص عشان والدتك مش في حياتنا. أنا عمري كنت قاسي معاكي يا فاطمة؟ هزت رأسها بلا، وهي مثبتة ناظرها عليه. تابع هو: مش المفروض لما تقابلنا أي مشكلة من أي نوع نيجي نحكي لعبد الناصر؟ هزت رأسها بنعم.
أكمل كلامه بقوله: طب يلا بقى احكي، أنا كلي آذان صاغية. مين دا اللي شاغل تفكير بنتي الجميلة؟ اتسعت عينيها من الدهشة. كيف علم أن هناك شخصاً يؤرق تفكيرها. طأطأت رأسها بخجل من والدها، ذلك الرجل الذي يغدقها بكل مشاعر الحنان والأبوة. أمسك ذقنها ورفع وجهها إليه وقال: أنا واثق في تربيتي. فاطمة ما عندهاش حاجة تخجل منها، صح؟ قال هذا ليحثها على التحدث. وبالفعل نجح في ذلك. وقالت هي: انت طبعاً عارف البشمهندس إلياس، مديري.
هز رأسه بنعم. حولت نظرها بعيداً عن أعين والدها وقالت بارتباك: أنا يعني معجبة بيه أوي يا بابا، لكن هو غامض معايا. يعني بيعاملني باحترام جداً، ولو احتجت أي حاجة أول واحد هو بيجيبها لي. بس طبعاً دا مش كافي إن أعرف إنه بيحبني. زفرت الهواء لتهدئة قلبها الذي تدافعت به المشاعر على أثر ذكر من دق له القلب لأول مرة. تابعت: من حوالي خمس أيام لقيته معاه بنت زي القمر. حسيت إنها قريبة أوي منه، كان بيشتري لها هدوم.
فرت دمعة من عينيها. أسرعت في مسحها وقالت: أنا من وقتها مش قادرة أنسى. أشارت على قلبها وقالت: دا بيوجعني أوي يا بابا. ارتمت في ذلك الحضن الذي تعلم جيداً أنه يستوعب كل مشاعرها، وقادر على إخفائها عن العالم أجمع. شرد عبد الناصر يفكر كيف يجعل هذا الوجه الجميل يضحك مرة أخرى، وبأي طريقة يتصرف مع أول مشكلة عاطفية تواجه ابنته الوحيدة مذ كانت طفلة. ***
تناولت قدر طعامها مع المربية أمينة وسناء في المطبخ، بينما كان رازي قابعاً في غرفته التي ظل بها منذ أن عاد من جولته مع "جوكي" الحصان خاصته. دلف بعدها إلى المرحاض لينعم بحمام ساخن يسترخي به، ومنذ ذلك الحين لم يغادر غرفته.
شعر بالملل، توجه بعد ذلك إلى غرفة مكتبه في الطابق السفلي. حجرة المكتب تلك كانت تحتوي على صورة ضخمة من أعمال الرسام الهولندي "فان جوخ". كانت هناك لوحة تسمى "ليلة النجوم" قابعة على الحائط، كانت تذكره دائماً بتلك الليلة التي لا تُنسى. كلما نظر رازي للوحة "ليلة النجوم" تذكر شعورين متناقضين تماماً. يود لو حطمها ودهسها كما يدهس بقايا لفافة التبغ خاصته، لكنه يبقيها معلقة حتى لا ينسى ذلك الدرس القاسي الذي تلقنه.
تلك اللوحة كان خلفها باب سري. حملها برفق ثم فتح الباب ودلف إلى الداخل. بقي هناك إلى أن انتصف الليل. لم يشعر بمرور الوقت هناك. أصبح متيماً بالعزلة التي تجعل الأمر يزداد سوءً. حل الصباح عليه سريعاً، لم ينل كفايته من النوم. هبط سريعاً، كان متكاسلاً ذلك اليوم، لذا لم يكن بمزاج يسمح له بالركض في المضمار. لذا بعد تناوله لقهوته المحببة، تناول إفطاراً خفيفاً وأمر قدر أن تتبعه إلى حيث الصالة الرياضية.
كما العادة، فك أزرار قميصه القطني الأبيض وتحرر منه، تاركاً إياه على أحد المقاعد. جلس بهدوء على مقعده. بدأت بتحريك يدها، تمدها تارة وتحنيها تارة أخرى. كانت شاردة في تلك الندبة التي هيأتها، توحي بأنها كانت جرحاً عميقاً. قطع شرودها صوته الذي صدح: إيه عاجبك؟ رمقته بغضب وعقدت حاجبيها وقالت بدون ذرة خوف، وقد تركت يده وابتعدت خطوات: قالت: نعم، قصدك إيه؟ تفاجأ من ردها الهجومي عليه وقال: الجرح... عاجبك؟
عندك فضول تعرفي حصل إزاي، ولا انتي فعلاً عارفة كل حاجة؟ تأففت بضجر وقالت: إنت ليه مش قادر تصدق إني دي أول مرة أشوفك سيد رازي؟ أول مرة أعرفكم. صمتت قليلاً بعد تلك الجملة التي أشعلت الشك في قلبه أكثر وأكثر. أشار إليها بجمود: قربي. "يا الله، ماذا سيفعل ذلك المعتوه؟ هل سيلكمني فيكسر أنفي؟ " كان هذا تفكيرها. ولكن تشجعت واقتربت منه. أشار بعينيه على يده وقال: كملي شغلك، ولا انتي كل يوم تتحججي وما تكمليش التمرين.
لكن بداخله كان يفكر: لقد قالت إنها لا تعرفنا، في حين قال مهاب أنها كانت تتولى رعاية والدته عندما كانت مريضة. حسناً، لا تقلقي، فأنا لكي بالمرصاد أيتها الشيطانة الصغيرة. قالت هي بغضب حقيقي وإرهاق من معاملته: سيد رازي، أنا متفهمة إنك شخص غامض وبتفضل العزلة، لكن ممكن تلاقي طريقة أفضل من كده نتعامل بها مع بعض. الوضع كده بيزداد سوء.
رد ببرود شديد وهو يقول: الأفضل إننا ما نتعاملش مع بعض أصلاً. قال كلمته وازاح يدها واستقام واقفاً وقال: التمرين انتهى. أمسك سترته يحاول لبسها، لكن يده عاجزة عن الحركة. لم يستطع ارتداءها، لذا اقتربت منه قدر وأمسكت بيده العاجزة لتضع بها كم القميص. حاول يبتعد لكنها تشبثت بيده وقالت: دي المفروض من مهامي سيد رازي. رد بجمود: قلتلك خليكي بعيدة عني. ردت: قربي ليك أمر حتمي مش باختياري، دا واجبي.
بعد ذلك، أغلقت له الأزرار. كانت خجلة حقاً، تنظر للأسفل. أما عنه، فقد كان ينظر للفراغ. ***
كان إلياس في الشرفة يهاتف واحداً من الذين يعملون معه، يتحدث في أمور العمل. لمح إلياس مهاب قد وصل بسيارته، وكانت تنزل منها فتاة تبين أنها غزل، ابنة السيدة مريم، تلك الفتاة التي تقطن في الشقة التي أمامهم مع والدتها فقط. إنها فتاة في المرحلة الثانوية. ابتسمت لمهاب وقالت بعض الكلمات التي بالطبع لم تصل لأذن إلياس. زفر بضيق. توعد لذلك الوغد وانتظره في الرواق. لم ينتظر كثيراً، وصل مهاب بسرعة. رمقه
إلياس بنظرات حادة وقال: غزل كانت معاك في العربية ليه يا مهاب؟ غزل دي بنت جارتنا والست مريم ست كويسة، إحنا ماشفناش منها إلا كل خير. صاح مهاب ليوقف هذا الكم من التهم: يا عم اهدى عليا شوية، مش كده. ضحك بتسلية وقال: حابب أتسلى. فقد إلياس كل ذرة صبر لديه، أمسكه من تلابيب قميصه، صائحاً: إنت اتجننت يلا تتسلى مع مين؟
ضحك مهاب وأبعد يد إلياس قائلاً: يا ابني، غزل دي زي أختي. أنا بس كنت راجع لقيتها جاية لوحدها من الدرس وفيه عيال ماشيين وراها وهي بتسرع في مشيتها عشان خايفة، فتحت لها الباب وقولت لها هوصلك عشان الوقت اتأخر. بس دي كل الحكاية. بس انت اتحمقت كده ليه؟ توكنش انت اللي... ها. قال كلمته الأخيرة غامزاً له. رفع إلياس حاجبه باستنكار وقال: ليه مريض بيدوفيليا أنا عشان أحب طفلة عندها 17 سنة؟ وكزه مهاب وقال: اومال مين اللي في القلب؟
ما تصارحني، دانا زي صاحبك يعني. ضحك إلياس وقال: هو فيه واحدة بس مش متأكد من مشاعري ولا مشاعرها. لما أتأكد هاقولك. مهاب وكزه بقوة وقال: احلف. إلياس ضحك أكثر وتراجع للخلف أثر الوكزة هذه وقال: صدقني، لما أتأكد، إنت أول واحد هتعرف. اومال مين اللي هيزغرط في الفرح؟ قال جملته وركض هرباً من مهاب الذي كان يركض خلفه يضحك ويقول: أزغرط لك ليه؟ فاكرني أمك يا ابني عمران الرازي. ***
في الصباح، كان مهاب وإلياس قد وصلا مقر العمل، الشركة الخاصة بهما. حالة من الذعر انتابت الجميع. كان إلياس يسير وكأنه يركض وخلفه مهاب، وبدا على وجههما الاستياء. إلياس: فاطمة فين؟ مهاب: في مكتبها. بلغتها إنها تحصلنا على المكتب. دلفا إلى المكتب وخلفهم فاطمة التي قالت: باشمهندس. قاطعها إلياس: بلا باشمهندس بلا زفت. أنا مش مصدق الصفقة تضيع مننا بالسهولة دي. حاولت
تدافع عن نفسها وقالت: والله يا فندم، إحنا عملنا اللي علينا، لكن... صاح مهاب: لكن إيه يا فاطمة؟ إحنا اعتمدنا عليكي وعلى سيف. تابعت هي بحزن وخيبة أمل: اللي أخد الصفقة شركة تابعة لممدوح الصاوي، والكل بيتكلم إنه دفع رشوة كبيرة عشان ياخد الصفقة بعد ما كانت خلاص لينا. أنا آسفة إني ماكنتش قد الثقة. استدارت واتجهت ناحية الباب والدموع في عينيها. توقفت حين سمعته ينادي: فاطمة.
استدارت له، كانت تتمنى أن تسمع كلمة "لا تحزني، أنت لم تقصري"، ولكن هوت ظنونها حينما قال: بلغي الكل في اجتماع طارئ دلوقتي، نص ساعة والكل يكون في غرفة الاجتماعات. هزت رأسها وانصرفت خائبة الأمل. *** بعد انتهاء التمرين اليومي لرازي، أسرعت قدر إلى الخارج. كان رازي مثبتاً ناظره عليها بترقب. ترى إلى أين مهرولة تلك الشيطانة الصغيرة؟ هل ستلتقي بشخص ما بالخارج أم ستهاتف أحدهم؟ لكن لا، لن تنجح، أنا خلفها. كان هذا تفكيره.
أمر سناء بصنع فنجان قهوة سادة له وتحضره للخارج. دلف إلى مكتبه، أحضر سلاحه ووضعه في حزام خصره. وقف بعيداً يراقب. لمحها تدخل الأسطبل، عقد حاجبيه وتحرك حذراً خلفها. وقف على باب الأسطبل بالخارج ليسترق السمع. ابتسمت قدر وقالت محدثة الخيول بحماس: صباح الفل على أجمل أجمل فرسة شفتها. يارب تكوني نمتي كويس. نظرت إلى جوكي وقالت: إنت الحصان بتاع السيد دراكولا. كان الله في عونك عشان متحمل شخص غامض قاسي زي دا. أعادت نظرها
إلى جوليان الفرسة وقالت: لكن انتي رقيقة أوي. ما تستاهليش إنك تعيشي هنا وسط القسوة دي. تنهدت طويلاً ثم تابعت: بتفكريني بنفسي أوي، كنت عايشة في عالم مش بتاعي، كنت بعاني مرارة العالم المختلف عني اللي كنت محبوسة فيه. لكن حتى دلوقتي برضو مكتوب عليا أعيش مع شخص قاسي. يا... انتي صحيح اسمك إيه؟ أتاها الرد من الخارج: اسمها جوليان. شهقت بفزع وقالت: مين هنا؟ رد بتهكم: دراكولا. نظرت بحرج من هذا اللقب الذي سمعه،
لكنها قالت بضيق: هو متأكد إن حضرتك بني آدم زينا؟ أنا بدأت أشك إنك بسم الله الرحمن الرحيم. ابتسم ابتسامة جانبية خفيفة، لكنها جعلته يبدو رائعاً. فكرت: "لو هتبتسم مرة واحدة في اليوم كده، القصر دا زهوره هتفتح يا أخي". ابتعدت عن جوليان، كانت ستذهب، لكنها وقفت حين سمعته يقول: جوليان وجوكي بيحبوا الناس الواضحة الصريحة، آنسة ممرضة. لو حابة تصاحبيهم، خليكي واضحة معاهم.
أربكها بكلامه، تشعر الآن أنه يقرأ عيون الناس. حتماً سيكشفها. إنها تكذب عليه. يا إلهي، ماذا أفعل؟ كانت هذا تفكيرها. أكملت سيرها وهي تقول: لما يكون عندي حاجة مخبياها، أوعدك هاجي أحكيها لجوليان أول واحدة. تحركت إلى المنزل. كان لديها فضول تعرف ما به، لما انعدمت عنده الثقة في كل البشر. وصلت المطبخ، قررت أن ترضي فضولها. سألت سناء قائلة: سناء، ممكن تحكيلي الحادثة اللي اتعرض لها رازي بيه؟
ردت سناء بصدق وقالت: أنا ما أعرفش حاجة يا ست قدر. أنا لما جيت هنا كان رازي بيه طريح الفراش، مش بيقوم من مكانه. خالتي أمينة هي اللي جابتني، أصل أنا من الأرياف يا ست قدر. نال منها الإحباط بعض الشيء، لكن قررت أن تتوجه إلى السيدة أمينة، فهي المربية الخاصة برازي وإلياس، حتماً لديها ما تقوله. اقتربت منها، كانت تصلي الظهر. وما إن انتهت حتى جلست بجوارها. قالت قدر: تقبل الله يا ست أمينة.
ابتسمت أمينة بوقار وقالت: منا ومنكم إن شاء الله. ترددت كثيراً قبل أن تتفوه بكلمة، لكنه الفضول وحش ينهش بداخلك حتى ترضيه. حمحمت ثم قالت: ست أمينة، ممكن أعرف تفاصيل الحادثة اللي اتعرض لها السيد رازي؟ رمقتها بغضب، عقدت حاجبيها، تلقى سهام كلامتها عليها: من تدخل فيما لا يعنيه نال مالاً لا يرضيه. انتي هتستفيدي إيه من النبش في الماضي؟
التفكير في الماضي بيفتح جروح كبيرة. الزمن وحده كفيل بتضميدها. اسمعي، انتي شكلك طيبة وعايزة تاكلي عيش هنا، أنصحك ما تفكريش في حاجة هتجيبلك وجع راس. هزت رأسها بالطاعة، شعرت كثيراً بالخجل. استقامت واقفة وهي تقول: أنا آسفة. هبطت لأسفل، ولكنها قررت أنها ستعرف كل شيء بنفسها، لا داعي للمساعدة من أحد. إنه فضولها هي، وآه من فضولها الذي يدفعها إلى الجحيم. قالت: سناء، السيد رازي فين؟ سناء: أخد جوكي وجوليان وخرج يفسحهم.
تمام، كان هذا ردها باختصار. وجدت غرفة مكتبه مفتوحة. تسللت ببطء دون أن تراها سناء. كان كل شيء منظم وراقي بالداخل. اقتربت من أدراج المكتب، لم يكن هناك شيء مهم، كانت أوراق خاصة بالعمل. لكن لحظة ما، هذا أنه دفتر ملاحظات. ترى ماذا كتب ذلك المتعرج الشكاك؟ فتحت الدفتر لتجده يدون أبيات شعرية كان يحفظها: أيا نجمةً سطعت في الظلام أنيري طريقَ فتىً لا ينام فتىً عذّبتهُ النوى والهُمومُ فتىً أيقظتهُ أُمورٌ جِسام
أنيِري طَريقي خِلالَ الرؤى خِلالَ الشُكوكِ خِلالَ السآم لقد طالَ لَيلي فهل من صَباحٍ وطالَ اضطرابي فهل من سَلام أيا نجمةً في أعالي السَماءِ أَطَلتِ السُكوتَ فهل من كلام؟ أعجبت جداً بالأبيات الشعرية، فهي إلى حد ما تصف حالته حقاً. قلبت ورقة أخرى لتجده يدون ملاحظة كتب فيها: "يقولون إن حبل الكذب قصير، وأنا أقول إنه مهما كان قصيراً، فإني سأجعله يلتف حول رقبتك ليشنقك إذا فكرت أن تكذب علي".
ابتلعت ريقها، واضعة يدها على رقبتها. "أنا لم أكن خاطئة وقتما أطلقت عليه دراكولا، هو حقاً جدير بالاسم". لكن لحظة، لقد وعدت أخيه سأبذل ما بوسعي لأجعله يتخطى ما حدث معه، حتى لو لم أعلم ما حدث معه، لكني سأحاول. وفي المرة القادمة سأجعل إلياس يقص لي تفاصيل ما حدث معه، لكن لا مانع من المراوغة الآن. أمسكت بقلم وجلست تدون شيئاً ما في دفتر الملاحظات. كتبت بيت شعر كانت تحفظه: وكم أمرٍ بدا لي مُستحيلاً جرى دمعي لهُ وبكى جَناني
بذلتُ لأجلِه أيامَ عُمري فأرهقني وأرّقني زماني فقُمت وقد نَفضْتُ غُبار رأسي أجَبْتُ تفائلي لمّا دعاني ليَ الصبرُ الجميلُ وحُسنُ ظنّي وعِند اللهِ تحقيقُ الأماني وما إن انتهت من الكتابة حتى خرجت متسللة كما دخلت. استدارت تلقي نظرة على ما كتبت، وعلى وجهها ابتسامة ماكرة. *** في مقهى عام. كان يجلس مهاب بضجر. كانت تجلس معه فتاة رائعة تبدو قوية الشخصية. الفتاة: ممكن أفهم انت مضايق كده ليه؟
طالعها مهاب بغير تصديق قائلاً: مضايق ليه؟ انتي بجد بتسألي؟ يعني مش عارفة اللي حصل؟ ردت بصدق: وهاعرف منين يا مهاب؟ أردف مهاب وقد زفر بضيق: أبوكي يا هاجر. مش راضي يجيبها لبر ولا راضي يكبر دماغه من ناحيتنا. بهت وجهها وقالت: بابا؟ عمل إيه يا مهاب؟ صدح مهاب بضيق: ممدوح الصاوي مش مفوت فرصة إلا ومخسرنا فيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!