الفصل 4 | من 28 فصل

رواية ندبات قدر الفصل الرابع 4 - بقلم الشيماء مسعد

المشاهدات
26
كلمة
3,882
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

استيقظ مهاب بفزع من صوت إلياس الذي بدا وكأنه كان يخطط وهو نائم. هتف إلياس وهو جالس بجوار مهاب يحثه على النهوض: لقيتها يا مهاب. فتح مهاب عينيه بضجر وكان بهما آثار النوم: إيه اللي كان ضايع منك ولقيته يا شملول. وكزه إلياس وهو يهتف بسعادة: أنا لقيت المكان اللي قدر هتروح فيه بعد ما تتعافى. انتبه مهاب وعدل من جلسته قائلاً باهتمام حقيقي، فهما الاثنان لم يجدا تفسيراً منطقياً لما يهمهما أمر تلك الفتاة لهذا الحد الكبير.

هتف مهاب بضجر: فين بقى؟ هتسفرها الكويت؟ ابتسم إلياس بمكر وهو يقول: لا الكويت ده خليه لخالك يسافر يجيب منه مروحة وهو جاي. قدر هتروح الفيلا عندنا عند "رازي". اتسعت عينا مهاب وهو يكرر: "رازي"؟ أنا سمعت صح؟ إنت تقصد أخوك؟ هز إلياس رأسه بمعنى نعم. مهاب وهو يطالع إلياس: يبقى لعبت في عداد عمرك. هتف مهاب بغير تصديق: إنت شكلك ناسي أخوك. تفتكر هيوافق؟ ده ممكن يمسكنا كلنا ويعمل مننا بطاطس محمرة.

تنهد إلياس بضيق، فهو يعرف أن رازي لن يوافق، ولكنه رد ببواذر أمل تلوح أمامه: أنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان يوافق. أنا عارف إنه رغم كل حاجة هو قلبه طيب. وكز مهاب وهو يتابع: وإنت طبعاً هتكون معايا نقنعه سوا. أسرع مهاب ينفي هذا: لا يا عم مش لاعب معاكو. إنتوا إخوات في بعض، أنا مالي يا لمبي. تأفف إلياس وهو يطالع مهاب قائلاً: مش هياكلك على فكرة.

أكمل بنبرة جدية: إحنا لازم نضغط عليه عشان يوافق. البت مالهاش حد، يرضيك نرميها كده؟ رفع مهاب حاجبه الأيسر وتصنع التأثر وقال: يا حنين. وكزه إلياس بغيظ وقال: طب قوم نجهز فطار عشان ننزل الشركة. *** هبط رجال ممدوح من سيارة ضخمة من نوع Jeep أمام مبنى مهترئ. نظروا إليه ثم سمعوا صوت هاتف أحدهم يصدح. أخرج هاتفه وأجاب: أيوا يا فندم، إحنا قدام المبنى. هنطلع بسكات.

اقتحم رجال ممدوح ذلك المبنى العتيق. صعدوا إلى الطابق الثالث، طرقوا الباب بهدوء. بعد العديد من الطرقات، فتحت سيدة عجوز ارتعبت من هيئتهم قبل أن تستوعب ما يحدث. كانوا قد اقتحموا الشقة. فتشوا كل ركن بها بعشوائية. أثاروا الفوضى بأرجاء الشقة، لكنهم لم يجدوا أثر للفتاة. بعدما يأسوا، أمسك أحدهم بالعجوز، هزها مرات عديدة وهو يقول: قدر بنت اختك جات هنا؟

لحظات تستوعب الاسم. لم تكن قدر ابنة اختها بالأساس، بل كانت والدة قدر ابنة عمها، لذا لم تتذكر حتى الاسم. لحظات وقالت: قدر مين؟ قدر بنت رقية؟ أنا عمري ما شفتها. مالها؟ استوعب الرجل أنها بالفعل لم تأتِ إلى هنا، فهي لم ترتبك أو تتلعثم، بل إنها لم تتذكرها من الأساس. لذا، فإنهم سريعا لملموا شتاتهم قبل أن تحدث المرأة جلبة في العمارة. ولم يكلفوا أنفسهم عناء الاعتذار ورحلوا في صمت. ***

توالت الأيام ومرت سريعاً. تعافت قدر كلياً، استطاعت أن تمشي على قدميها ثانية. اعتادت على حياتها الجديدة. تمنت لو لم تشفى أبداً حتى تمكث معهما. كانت متوجسة، فهي لا تعلم أي مصير ينتظرها. إنها الآن بصدد أن تصبح شريدة وحيدة. هل سيكون مصيرها الشارع بعدما نعمت بمأوى يحميها من التشرد، يعصمها من شرور البشر، يحفظها من الخطر الخارجي؟ كانت تجلس حزينة في غرفتها في شقة الشابين، غارقة في بحر أفكارها وما ينتظرها.

حاولت كتم دموعها حتى لا تبدو مثيرة للشفقة، لكن تمردت الدموع على عزيمتها وهبطت رغماً عنها. دقات متتالية على باب حجرتها. هتفت وهي تجفف دموعها: ادخل.

دلف إلياس بهدوء وترك باب الغرفة موارب. جلس على المقعد المقابل للسرير. أطلق تنهيدة قبل أن يتحدث قائلاً: قدر، أنا وعدتك إني هساعدك وكمان هاشوفلك شغل ومكان تعيشي فيه. وبما إنك قلتي إن الشخص اللي إنتي هربتي منه عايش هنا في القاهرة وعنده سلطة كبيرة، فأكيد مش هيتعب على ما يلاقي. عشان كده أنا لقيت إن أنسب مكان تكوني فيه بأمان هو في الفيلا بتاعتنا. الفيلا دي على طريق إسكندرية والقاهرة. المكان آمن هناك ومافيش حد ساكن جنبنا. المكان كله عبارة عن أرض خضرا كبيرة أوي وقصر كبير بس هادي وبعيد عن الناس.

انكمشت تقاسيمها وهي تقول بتوتر بدا في صوتها: أنا هفضل هناك لوحدي؟ أسرع بالرد: لا، أخويا الكبير عايش هناك وعنده خدامين وحراس، يعني الدنيا أمان، ما تقلقيش. وأنا ومهاب بنروح نقعد معاه أسبوع كل أول شهر. ها، إيه رأيك؟ لقد كان هذا الكلام بمثابة طوق النجاة بالنسبة لها، وكأن روحها ردت إليها بعد سلبها. ردت بامتنان حقيقي ومشاعر صادقة: مافيش كلام بعد اللي إنت قلته يتقال. أنا حقيقي هفضل ممتنة ليك طول عمري.

ابتسم لها ثم قرر أن يهيئها نفسياً لما قد تواجهه، فقال: اسمعي يا قدر، رازي أخويا أطيب خلق الله، بس... بس فيه حاجة حصلت معاه قاسية أوي، خلته عصبي ومنطوي وبيرفض أي حد غريب. عايزك تبقي حاطة الكلام ده قدام عينك عشان ما تزعليش لو اتصرف معاكي تصرف مش لطيف. كل اللي عايزك تعرفيه إنه أطيب خلق ربنا، ودي حقيقة مش عشان أخويا.

هزت رأسها بقلق بدا على ملامحها مما هو قادم. لا تعلم هل سيتسنى لها أن تحظى بالطمأنينة التي شهدتها في تلك الأيام القلائل، التي تقسم أنها لم تجد حناناً واهتماماً من قبل كما حظيت بهما في تلك الفترة من عمرها. تابع إلياس وهو يراقب الخوف والقلق اللذين

احتلا ملامحها البريئة: أنا مش هقدر أقول لرازي الحقيقة بتاعتك، لأنه قطعاً مش هيوافق. هو مش بيحب الغرباء. عشان كده أنا مشيت الممرضة اللي بتتابع علاجه الطبيعي من أسبوع، وهاقوله إنك إنتي الممرضة الجديدة، وإنتي أصلاً ممرضة، فأكيد هتعرفي تتصرفي. يكاد الفضول يقتلها، تريد معلومات أكثر عن ذلك الغامض الذي يبدو وأنه حاد الطباع. لكنها لم ترضِ فضولها وتسأل، فهي ليست في وضع يسمح لها بذلك. تابع إلياس

قبل أن ينهي الحديث معها: مش عايزك تقلقي. أنا هكون معاكي، أنا ومهاب هناك، وكله هيبقى تمام. هزت رأسها وحاولت رسم ابتسامة على شفتيها وقالت: إن شاء الله. استقام إلياس واقفا وقال: جهزي نفسك عشان ساعة كمان وهنطلع على هناك. أومأت: بنعم. تحرك هو وغادر الغرفة. وضعت يدها على قلبها داعية الله بأن تكون الأيام القادمة أكثر دفئاً وحناناً. نعم، فهي تفتقد لكلتيهما. تدعو أن حظها يكون أكثر توفيقاً من ذي قبل. تتمنى تعيش في سلام وسعادة.

وقفت تعد أشياءها تأهباً للرحيل. وكذلك إلياس ومهاب. *** كان يقف في شرفة قصر كبير نائي. لا يوجد منازل بالجوار، يقبع في مكان خالٍ من السكان، تكسوه حلة خضراء لا يصل ناظره إلى نهايتها. كان يتلفت في جهة معينة، وجهه ممتعض والقلق احتل ملامحه كلياً. نظر في ساعته مرات عديدة قبل أن يهتف بحنق: إيه التأخير ده كله يا إلياس؟ وكمان موبايلك مقفول. أما في السيارة، فكان إلياس يتولى عجلة القيادة، وكان بجواره مهاب وقدر في الخلف.

شرد إلياس وهو يفكر: هل اقتنع أخي برحيل الممرضة رغد فجأة هكذا؟ وهل سيقتنع بأن قدر هي الممرضة الجديدة؟ تذكر محادثة مع الآنسة رغد الممرضة: –آنسة رغد، رازي جنبك؟ أتاه الرد: لا يا إلياس بيه، رازي بيه بيجري في المضمار. زفر بارتياح وأكمل: اسمعي، أنا عايزك تقولي لرازي إن عندك ظروف، مثلاً الست الوالدة تعبانة، وهتضطري إنك تنزلي القاهرة. وتأكدي إن الراتب بتاعك هيوصلك كل أول شهر. ردت بحزن: ليه يا باشمهندس؟

أنا قصرت معاكو في حاجة؟ برر إلياس كلامه: لا، بالعكس، إنتي أصلاً الممرضة الوحيدة اللي رازي اتقبلها. بس فيه حاجة كده هعرفهالك بعدين. المهم دلوقتي تنفذي اللي بقولك عليه، وأنا في أقرب وقت هاخليكي ترجعي. هتفت محذرة: يا باشمهندس، بلاش بالله، عشان رازي بيه مش بيكره في حياته قد الكذب. رد إلياس مطمئناً إياها: لو اكتشف حاجة يا ستي، أنا اللي هاشيل الليلة. تمام كده؟ تمام. كان هذا ردها باختصار، وهي لا تعلم ما الذي يخطط له.

فاق من شروده وهو يوقف السيارة أمام القصر. كان هناك من ينتظرهم على أحر من الجمر، إنه الأخ الأكبر رازي. ابتسم بارتياح لرؤيته شقيقه الذي لطالما أحبه أكثر من نفسه. ولكن ما هذا؟ إنها فتاة. يا ترى من تكون؟ هكذا كان يفكر رازي. وما إن رأى حقيبة بيدها حتى عقد حاجبيه وبهت وجهه، وترك الغرفة وتوجه للأسفل بسرعة.

نظرت قدر إلى ذلك القصر الكبير النائي، وتلك الحديقة الشاسعة التي تحيطه من كل اتجاه. نظرت لأبعد من ذلك، تلك الحقول الخضراء والأشجار التي تتراقص من الرياح التي تداعب فروعها. ياله من منظر خلاب! لابد وأن الحياة هنا كالجنة، بعيداً عن أذى الإنسان لأخيه الإنسان. نظر إليها إلياس يطمئنها بهدوء: كل حاجة هتبقى تمام، بس اهدي. ألقى مهاب ما لم يعجبها من دعابة قائلاً: لا، امسكي نفسك كده ياشابة، إحنا لسه بنسخن. ليفل الوحش كمان شوية.

رعشة سرت في جسدها متوجسة مما هي مقدمة عليه. دلفوا ثلاثتهم إلى الداخل، فوجدوا رازي ينتظرهم في الردهة ووجهه مجهم عابس. نظر إلياس لمهاب ثم أسرع ليحتضن أخيه. أوقفه رازي بإشارة من يده وقال بحزم: مين دي؟ كان يشعر بثقل في لسانه، لم يعتد الكذب أبداً: دي... دي الممرضة الجديدة. هتقعد مؤقتاً معاك لحد الآنسة رغد ما تخلص إجازتها وترجع. إنت عارف إنك بتتقدم، فمش هينفع نوقف العلاج الطبيعي واللي بنيناه يتهدر. ردف رازي وما زال

عابس الملامح بنبرة غاضبة: مش عايز ممرضة جديدة. خليها ترجع للمكان اللي جات منه. هتف إلياس مسرعاً: دي شاطرة أوي على فكرة و... بتر كلماته وهو يصدح بغضب: إنت مش بتسمع الكلام ليه؟ أنا قلت تمشي، يعني تمشي. مش عايز حد غريب هنا. كان جسده يرتعش وصوته عالي، مما جعلها تنتفض من قوة انفعاله. أسرع مهاب يلطف الجو: يا رازي، إحنا عارفينها كويس. هي مش غريبة. هي اللي كانت بتراعي والدتي لما تعبت الفترة اللي فاتت. نظر رازي لهما

وقال بنبرة لا تقبل النقاش: وأنا قلت تمشي. أدار ظهره وتحرك ناحية مكتبه وأغلق الباب. تبادلا الشابان النظرات، ثم نظرا إلى تلك التي تقف جامدة لا تتحرك. ذم إلياس شفتيه وقال: أنا هاتكلم معاه لوحدنا في المكتب، وإنت يا مهاب خد قدر واقعدوا في الصالون. في المكتب، كان يغمض عينيه بألم، واضعاً يده اليمنى يتحسس يده اليسرى التي يضمها إلى صدره طوال الوقت ولا تتحرك.

سمع طرق خفيف على باب المكتب. تنهد بصوت عالٍ وعرف من الطارق. آه من ذلك الصبي. لقد دللته كثيراً أيها العنيد. إلياس، ألا تزال تجهل طباع أخيك؟ هتف من الداخل: ادخل يا إلياس. تحرك إلياس ببطء إلى أن وقف أمام رازي. نظر في عينيه يحاول كسب استعطافه وقال: أنا خايف عليك. نفسي ترجع زي زمان رازي باشا اللي كان الكل يهابه. نفسي ما أشوفش كسرة النفس اللي في عينيك دي يا رازي. فاكر... فاكر يا رازي لما

كنت كل ما تضرب حد تقوله: "إنت عارف أنا سموني رازي ليه؟ يقولك: "ليه؟ ترد إنت تقوله: "عشان أفضل أرازي فيك يالا! اغرورقت عيناه بالدموع وابتلع غصة مريرة وتابع: ارجوك يا رازي، أنا عايز أخويا الشجاع القوي. كانت كل كلمة نابعة من صميم قلبه، حتى فرت الدموع من عينيه. صمت قليلاً ثم رد عليه بما فاجأه. رسم ابتسامة جانبية على شفتيه وأردف: كل المسلسل ده عامله عشان أقبل الممرضة؟ تمثيل بخمس قروش بصراحة. صفعه بخفة على خده. ابتسم

إلياس واحتضن رازي وقال: عايز كمان تحرمني من الحضن الجامد ده؟ ربت رازي على ظهره وقال: روح قول للست أمينة تخلي سناء تجهز غرفة للممرضة بتاعتك. لما نشوف آخرك فين يا ابن عمران الرازي. أسرع إلياس راكداً بفرحة ليزف تلك الأخبار السعيدة لهما. وهو يهتف: دادا أمينة، يا دادا! أتت له السيدة أمينة وقالت: يا حبيبي يا إلياس، حمدلله على سلامتك. قبل يدها وقال: الله يسلمك يا قمر. إيه يا ست إنتِ الحلاوة دي؟

إنتي كل مرة بتبقي قمر كده إزاي؟ دنا منها قليلاً وهمس: بتحطي ميك أب يا أمينة من ورايا؟ تصنعت الخوف وهي تقول: أبداً والله يا سي السيد. ضحكا سوياً ثم قال لها بجدية: عندنا ضيفة، قصدي... فيه ممرضة جديدة جات، جهزي لها غرفة. غرفة الآنسة رغد جاهزة. هذا كان ردها الذي أسرع إلياس يقول: لا، جهزي غرفة تانية. أومأت بالموافقة وانصرفت. وعاد هو لقدر ومهاب. جلس بجوارهم يلتقط أنفاسه بسعادة وقال: رازي وافق.

هتف مهاب: هيييح، عدينا ليفل الوحش. ابتسمت بارتياح، فقد كانت تخشى أن يرفض هذا الرجل الذي يبدو أنه ليس سهلاً أبداً، فهو غامض جداً من هيئته، لكنه بلا شك وسيم حد اللعنة. لقد استرقت النظر إليه لوهلة. نظر إلياس لقدر التي كانت شاردة وقال: قدر، تعالي معايا. هعرفك أكتر عن حالة رازي وكمان ارتاحي شوية لحد ما العشا يجهز. أومأت برأسها ثم وقفت استعداداً للذهاب معه.

صعدا السلم، وصلا غرفة بالطابق العلوي كانت رائعة، غرفة واسعة بها شرفة ومرحاض خاص بها. دي هتبقى أوضتك. هكذا أفاقها إلياس من شرودها، فقد كانت تتأمل الغرفة بإعجاب. احتلت المفاجأة ملامحها فتساءلت بدهشة: أوضتي أنا؟ عقد حاجبيه: مش عاجباكي؟ أسرعت تنفي كلامه: لا، بالعكس، دي... دي أجمل حتى من أحلامي. ابتسم برضى وقال: الحمد لله، طمنتيني. تعالي بقى عشان نحكي في المهم. جلست على أريكة في الغرفة وجلس هو في مقعد مقابل لها.

وأردف: بصي يا قدر، رازي اتعرض لحادث من خمس سنين. الحادث ده كان حاجة بشعة جداً. من ورا الحادث ده رازي أصابه شلل في إيده الشمال، وبسببه برضه خسر شغله اللي هو كان أحب حاجة ليه. وقلبه انكسر برضو في نفس الحادث. ومن وقتها ورازي اتحول لشخص تاني، شخص ما أعرفهوش. شخص بيفضل العزلة، بيكره إن أي شخص غريب يدخل حياته. من خمس سنين رازي مش بيخرج من القصر ده.

الفضول سيقتلها، تريد أن تعرف المزيد، ولكن خجلها يمنعها. لا تريد أن تبدو فضولية ثرثارة تتدخل فيما لا يعنيها. تنهد هو وتابع: الدكاترة قالوا إنه حالة الشلل اللي أصابت إيده دي سببها نفسي أكتر من إنه عضوي. يعني بسبب الصدمة النفسية اللي اتعرض لها. ومن وقتها فيه ممرضة عايشة هنا متابعة علاجه والتمارين المطلوبة لإيده، لكن مع الأسف... صمت قليلاً وبدا الحزن جلياً على وجهه وتابع: مافيش أي تقدم.

تحمست قدر وقالت: أنا بحب أوي التحديات يا باشمهندس، عشان كده هعمل كل اللي أقدر عليه عشان رازي بيه يخف. رفع حاجبه وتابع: إيه باشمهندس وبيه دي؟ قولي إلياس عادي. طأطأت رأسها خجلاً وقالت بابتسامة خجلة: هحاول. وقف إلياس وقال: هاسيبك ترتاحي، ولما الأكل يجهز هبعت سناء تنده لك. تحرك نحو الباب، ولكن استدار حين سمع صوتها الرقيق الهادئ: إلياس. تابعت: شكراً على كل حاجة. إنت أكيد الملاك اللي ربنا بعته ليا. رد عليها

إلياس بابتسامة لطيفة: لو عايزة تشكريني بجد، ساعدي رازي يتحسن. أنهى جملته وابتسم لها وأغلق الباب. وهبط الدرج ليجد مهاب ممسكاً بطبق فاكهة يأكل بشراهة وهو يقول: ياخي، الأكل هنا له طعم تاني. أزاحه إلياس ليجلس بجواره وقال: تصدق صح، الواحد بيجي هنا يجوع. صدح بصوت عالٍ: انجزي يا سناء، إحنا على لحم بطننا. جهزي أي حاجة ناكلها. مر وقت ليس بكثير، وها هما ثلاثتهم على طاولة الطعام.

نظر إلياس إلى الدرج ثم إلى سناء سائلاً: رازي فين؟ هو مواعيده مظبوطة، مش متعود يتأخر. سناء: البيه طلب الأكل في أوضته يا باشمهندس. تجهم وجه إلياس واحتل الحزن وجه قدر، فهي تشعر بأنها السبب في هذا. تعلم أنه غير مرحب بها من قبله. أتت السيدة أمينة، وما إن رآها إلياس حتى وقف وهمس لها: كنتي أقنعتي رازي ينزل يأكل معانا؟ بادلته الهمس وقالت: اعمل إيه؟ حاولت معاه كتير، لكن إنت عارفه عنيد ومافيش حد بيقدر يقنعه. سيبه على راحته.

لاحظ إلياس أن قدر تولي انتباهاً لهم، فأردف حول الموضوع سريعاً: بذمتكم، فيه حد بالجمال ده يا جدعان؟ أنا مش عارف بقدر أبعد عنها إزاي. ضحكت وضربته بخفة على صدره وقالت: يا بكاش، لو بتحبني أوي كده بتغيب ليه دا كله عليا؟ رد هو: غصب عني يا حبيبي، مهو إنتِ عارفة أشغال بقى. ضحكت وقالت: إنت كده ماحدش بيقدر يغلبك. جلست على المقعد المجاور له وبدأوا في تناول الطعام.

لكن قدر ما زالت حزينة، لا تحب أن تكون ضيفاً ثقيلاً. لم تدس حتى لقمة واحدة في فمها. تصنعت أنها تأكل، ولكنها رغم جوعها فقدت شهيتها. قامت من مكانها وقالت: الحمد لله، شبعت. إلياس: إنتي لحقتي؟ ردت قدر: صدقني، مش قادرة خلاص. أنا هاطلع أنام. وبالفعل توجهت نحو غرفتها، أخذت تفكر في كل ما تعرضت له. يالهي، كل لقد حدثت أشياء كثيرة، ولكن أعلم أنك تخبئ لي الأفضل دائماً، تلك هي ثقتي بربي.

وضعت رأسها بين وسادتين لتجنب التفكير حتى تحظى بقسط من الراحة، فهي حقاً منهكة. بعد معاناة عرف النوم طريقاً لها وراحت في سبات عميق. ها قد انتصف الليل، الهدوء يخيم على القصر، لا أحد مستيقظ. لكنها استيقظت تتلوى من الجوع، معدتها تؤلمها كثيراً. ماذا تفعل؟ نهرت نفسها. من الأفضل لها لو تناولت بعض الطعام. ارتدت حجابها وقررت تهبط للأسفل لتناول أي شيء من الثلاجة. حاولت ألا تحدث جلبة. مشت بحذر إلى أن وصلت إلى الدرج.

نظرت يميناً ويساراً، كانت هناك عيون تراقبها. لم تلحظ هذا. دَلفت إلى المطبخ وفجأة وجدت شخصاً ما يصوب السلاح على رأسها قائلاً: بتعملي هنا إيه في الوقت ده؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...