المواجهة حتمية وحرب العيون ستشتعل. ويبقى سؤال يراود الجميع: من سينتصر بالنهاية؟ العيون الأقوى أم العيون الأصدق؟ أم هناك عيون أخرى ستحسم النتيجة لصالحها؟ كان الجميع في شركة شباب المستقبل يرفعون حالة الاستعداد القصوى حتى تخرج الحفلة كما خطط لها. قال إلياس وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة: فاطمة، اكتبي على الدعوة دي ممدوح الصاوي. لازم يعرف إننا هننجح رغم كيد الحاقدين. ابتسمت هي وقالت ببلاهة: طول عمرك كياد يا باشمهندس.
رفع حاجبه باستنكار وقال: انتي خليتي فيها باشمهندس بعد كياد دي؟ كان مهاب شاردًا، لم يعلق على أياً منهما. أشار إلياس أمام وجهه وقال: مالك يا ابني على غير عادتك؟ انت ضد الفرحة يلا، بومة في نفسك أوي. تنهد مهاب بحزن وقال: هاجر مش طبيعية. شكلها واقعة في مشكلة أو حاجة كده. عقد إلياس حاجبيه وقال: مش قلت إنكم اتصالحتم؟ أنت زعلتها تاني؟ لوت فاطمة فمها وهمست بصوت وصل لأذن إلياس: يا حنين. رمقها بدهشة وقال: بتقولي حاجة يا فاطمة؟
عادت لرشدها وقالت: لا يا باشمهندس، أنا فتحت بقى. ضيق عينيه وقال: بقتي بتهرتلي كتير في الكلام يا فاطمة. مطت شفتيها وقالت ببرأة: أنا اتكلمت يا ناس. هو بس مهاب صعبان عليا، من بين بنات مصر كلها ما اخترش إلا بنت ممدوح الصاوي. زفر مهاب بضيق وقال: أنا خايف يكون قالها تبعد عني. المشكلة إني كنت مخطط إني أتقدم لها لما الشركة بتاعتنا تقف على رجليها. رد إلياس:
طب ما تكلمها يا ابني بدل الحيرة اللي انت فيها دي. افهم منها أصل المشكلة. قالت فاطمة بحماس: واعزمها بالله عليك يا مهاب عشان أبوها ما يقدرش يبوظ لنا الحفلة. رد إلياس بدبلوماسية: ما يقدرش يبوظها. وضعه الاجتماعي ما يسمحلوش يلعب على المكشوف. هو يضرب في الضهر ماشي، لكن عيني عينك كده لا. استقام مهاب واقفاً وقال: أنا هاكلمها تاني وأعرف الحكاية كلها. إلياس: طب بسرعة عشان نلحق نسافر نرتب القصر. أكيد عايز شغل جامد.
وجه كلامه لفاطمة: وانتي يا فاطمة هتقدري تيجي معانا ولا هتيجي على ميعاد الحفلة؟ ردت فاطمة بحيرة وقالت: بصراحة ماعرفش بابا هيوافق إني أروح معاكم ولا لا. انت عارفه. هز إلياس رأسه بتفهم وقال: تمام. ويا ستي لو خايف عليكي خليه يجي معانا. واعتبريها رحلة مدفوعة التكاليف لمنطقة ريفية فائقة الروعة. هتفت بسعادة: احلف؟ رفع حاجبه باستنكار من أفعال تلك المجنونة وقال: واحلف ليه؟ أنا عمري كذبت عليكي.
هزت رأسها بـ "لا" وقد كان قلبها يتراقص بين ضلوعها وطبول الفرح تدق بداخله. كم تمنت أن ترى المنزل الذي ترعرع فيه ذلك الوسيم بخيل المشاعر.. سارق قلبها. *** صدح ممدوح باعتراض: قلت لا يعني لا. هتروحي تعملي إيه في حفلة زي دي؟ أبعدت دموعها وهي تقول:
مش عايزاه يزعل في الحفلة المميزة بالنسبة له. أنا عارفة قد إيه هو فرحان. يمكن الكلام ده مش مهم عندك، بس عشان خاطري لو كان ليا عندك خاطر يا بابا وافق إني أروح الحفلة. وبعدها أوعدك إني مش هاشوف مهاب تاني. أمسك يديها وقبلهما بحنان وقال: خاطرك كبير عندي أوي يا هاجر. أنا بس خايف إياد وأبوه يزعلوا. صمت قليلاً ثم لاحت إليه فكرة فقال:
بصي، أنا وصلتني دعوة من العيال دي. وماكنتش ناوي أروح، بس عشان تعرفي إن خاطرك كبير عندي أنا هاروح وهاخدك معايا. كده مش هيكون فيها أي شك. رفعت وجهها تطالعه وهي تفكر: هل تحبني أم تحب مصالحك؟ ماذا عليا أن أفعل؟ تعاملني بلطف جم وفجأة تلقي بي في قاع قسوتك. هل أنت الطيب أم الشرير؟ الحنون أم القاسي؟ أسئلة لا أجد لها أي إجابات.. قالت بعد عدة لحظات من الصمت: شكراً يا بابا. تنهد بارتياح وقبل جبهتها وقال:
مافيش شكر بين الأب وابنته حبيبته. تركها تغوص في دوامة أحزانها وغادر إلى عمله يلعن مهاب ذلك الوغد الذي تقرب من ابنته وأسر قلبها بطريقته البهلوانية تلك. ذلك الحقير جعلني أنا، ممدوح الصاوي، أتنازل وأحضر حفلاً حقيراً كهذا. انتظر أيها الوغد أنت وصديقك، فما خفي كان أخطر وأخطر. *** كانت فاطمة تركض خلف والدها كخياله: بالله عليك يا عبد الناصر، ايدك أبوسها. حسنة قليلة تمنع بلاوي كتيرة. وافق وحياة بنتك فاطمة.
كان يكتم ضحكاته وهو يقول: يا بنتي عيب. نروح بيت ناس لا إحنا نعرفهم ولا هم يعرفونا. الناس يقولوا عليكي إيه؟ بت إنتي؟ إنتي كرامتك دي لاقيتها على الرصيف من أبو الأربعة بخمسة جنيه؟ كشرت وقالت بحنق: هو فيه حاجة دلوقتي بخمسة جنيه؟ أنا كرامتي لقيتها على باب جامع. يلا بقى وافق. عبد الناصر: سيبيني أفكر. قالها بتسلية واضعاً قدم فوق الأخرى. فاطمة: يالهوي! مافيش وقت يا عبد الناصر. اتسعت عيناه قال: بت! عيب تصرخي كده. مطت شفتيها
ونظرت له كقطة بريئة تقول: ورحمة أمي وافق. تبدلت ملامحه للضيق وقال: أنا هوافق بس عشان دا شغلك وأخيراً بدأت الشركة تشوف النور مش أكتر. تهللت أساريرها وأطلقت زغرودة مما جعل عبد الناصر يهب واقفاً يكتم فمها بيده ويقول: آه يا مجنونة يا بنت المجانين. تمتمت بما لم يفهمه. أبعد يده عنها وقال: بتقولي إيه يا آخرة صبري؟ ركضت بعيداً عنه وهي تقول: ايدك على أربع خمس آلاف جنيه أجيب فستان والذي منه. اتسعت عيناه وقال:
خمس آلاف جنيه يا بت المفترية؟ هتفت من داخل المرحاض: أومال! أنا لحد ما أتجوّز هخليك تبيع هدومك يا عبد الناصر. ضحك على تلك المشاكسة وقال: أمري لله. *** بعد عدة ساعات بالسيارة، وصل إلياس ومهاب وفاطمة ووالدها إلى القصر. كان رازي كعادته ينتظر في شرفة منزله قلقاً على شقيقه. ينظر في ساعته من ماركة رولكس كل خمس دقائق. لم يهدأ حتى سمع صوت السيارة. هبط لاستقبالهم.
انكمشت تقاسيمه حينما رأى فاطمة ووالدها. "تباً لك يا إلياس الأحمق. أنا لا أحب الغرباء". كان هذا ما فكر به. اقترب من إلياس صافحه وهمس له بغضب: إنت كل مرة هتدخل عليا بواحدة كده؟ حمحم إلياس وقال بنفس الهمس: أبوس إيدك يا رازي، دول جايين عشان الحفلة. ودي فاطمة اللي كلمتك عنها فاكر. عقد حاجبيه ونظر لها ليقيمها. أقبلت هي بضيق وقد تذكرت أنها رأت قدر مع إلياس ذات مرة في السوق. وقالت بحنق: الآنسة تقرب لكم إيه؟
تبادلا النظرات. حاول رازي أن يخفي ابتسامته وحاول إلياس أن يخفي قلقه من تلك المعتوهة التي لا تستطيع إخفاء مشاعرها. رد رازي بسرعة: دي الآنسة قدر، الممرضة الخاصة بيا. ردت فاطمة ومازالت الغيرة تتملك منها: ممرضة بس ولا حاجة تاني يا إلياس؟ تدخل عبد الناصر مسرعاً لإصلاح ما أفسدته ابنته الخرقاء. وقال وهو يرمقها معاتباً: فاطمة شكلها تعبانة شوية من الطريق. فرصة سعيدة يا رازي بيه. صافحه رازي وقال بجمود: شكراً. خدوا راحتكم.
وجه كلامه لقدر وقال: قدر، قولي لسناء تجهز لهم الغرف. أنهى كلامه واتجه للخارج. بينما رحب إلياس بهما بحرارة: اتفضلوا البيت بيتكم يا أستاذ عبد الناصر. اتجه إلياس ناحية قدر وأعطى لها بعض الأكياس. وقال بابتسامة حانية: قدر، خدي دول عشانك. قالت بدهشة: إيه دول؟ فتحت أحدهم وجدت ثياباً لها وآخر به هاتف جوال. نظرت له بامتنان حقيقي وقالت: شكراً يا إلياس. انت بجد أحن أخ في الدنيا كلها. إلياس خلف رأسه بخجل وقال:
يارب يعجبوكي. والموبايل كمان فيه خط عشان تقدري تكلميني أنا ومهاب في أي وقت. تمام؟ هزت رأسها بامتنان وقالت: ربنا ما يحرمني منكم. كانت فاطمة شاردة. فلولا تلك الكلمة الأخيرة (أخ) لكانت سحبت قدر من خصلاتها مقتلعة إياهم في يدها. ضيقت عينيها وفكرت: أخ؟ وإيه الاهتمام ده كله ببحتة ممرضة؟ كان إلياس يراقب أفعال تلك المندفعة. ابتسم بداخله. كان يريد أن يتأكد من شيء ما والآن هو شبه متأكد. أنها تكن له مشاعر كما التي بداخله.
قال إلياس: قدر، خدي فاطمة والأستاذ عبد الناصر على غرفتهم. وأنا ومهاب هنشوف رازي عشان ترتيبات الحفلة. كان مهاب شاردًا يفكر هل ستأتي هاجر أم سيمنعها ذلك المستبد ممدوح. أشار إليه إلياس وقال: مالك يا ابني؟ لسة ما ظبطش أمورك مع هاجر؟ زفر بضيق وقال: أنا لو عليا أتقدم حالا. بس حظي بقى إن صباعي تحت ضرس ممدوح زفت الصاوي. ابتسم إلياس على ذكر الاسم وقال: تفتكر هيجي؟ رد مهاب بحزن: تفتكر هاجر هتيجي؟
يهمني أوي تكون موجودة النهاردة. ربت إلياس على كفه وقال: حتى لو ماجاتش أنا متأكد إنها هتكون فرحانة أكتر منك لنجاحك. خرجا هما الاثنان بحثاً عن رازي. وحينما وجدوه كان شارداً يفكر كيف سيواجه الناس وهل سيستطيع التفاعل معهم أم سيرحل بعيداً ويضرب بكل تلك الحفلة اللعينة عرض الحائط. قاطعه صوت إلياس: باشا مصر كلها، اللي واخد عقلك. ابتسم رازي بسخرية ولم يعلق. قال إلياس بحماس: رازي، إيه رأيك في فاطمة؟ رد بتريث:
مندفعة، وكثيرة الحركة. بس نقية من جوه. ويمكن أنا غلطان في كل ده. تبادل إلياس ومهاب النظرات. أردف مهاب: ياباشا محدش بيعرف يحلل الناس قدك. ودا برضو نفس رأيي من خلال شغل سنتين معاها. حدجهما إلياس بنظرات ضيق وقال: يا أستاذ محلل انت وهو، أنا عايز أطلب إيد البت. إيه المندفعة ومتهورة؟ هو أنا هحلل أبعاد شخصيتها؟ رفع رازي كتفيه وقال: المهم رأيك انت. أنت شايفها إزاي؟ رأينا مش مهم. أكد مهاب قول رازي وقال: الباشا بيقول الصح.
وكزه إلياس بخفة في كتفه وقال: إنت يلا الباشا دافعلك فلوس عشان كل حاجة يقولها تصدق عليها؟ ضحكوا ثلاثتهم. أما بالداخل، فقد كانت قدر بمثابة الماثلة أمام أكبر محكمة في التاريخ. فاطمة لم تكف عن الاستفسار عن كل كبيرة أو صغيرة في الموضوع. حكت لها قدر كل شيء عن حياتها. لم تكذب في أي كلمة. الآن أصبح لدى فاطمة تفسير منطقي لتواجد قدر مع إلياس يوم أن رأتهما في السوق يشترون الثياب. أتمت قدر كلامها:
بجد إلياس ومهاب والسيد رازي أكتر ناس محترمة قابلتها. ولما أقول كده لازم تصدقي لأني شفت كتير في حياتي. تقريباً شفت كل أنواع الرجالة. ما عدا النوع ده. يمكن عشان النوع ده مش بيروح أماكن زي اللي أنا كنت عايشة فيها.. وما أن أنهت كلامها حتى اندفعت فاطمة تحتضن قدر بفرحة مما جعل قدر تبتسم بتعجب من فعلتها. هتفت فاطمة: أنا مبسوطة أوي. عقدت قدر حاجبيها وحاولت التملص منها وقالت: فرحانة؟! أنا كل اللي أحكي له حكايتي يعيط إلا انتي.
تنهدت بسعادة. وبعدها ربتت على كف قدر وقالت: أنا فعلاً متأثرة والله بكلامك. بس بصراحة... عضت شفتها السفلى وقالت: كنت فاكراكِ حبيبة إلياس. ابتسمت قدر بتسلية وقالت: اممم، يبقى كده. يعني إلياس هو الكراش صح؟ هزت فاطمة رأسها بخجل بمعنى نعم. ثم هبت مندفعة وقالت: تعالى بقى أوريكي عبد الناصر اشترالي إيه للحفلة. دانا طلعت عينه حرفياً. وبالمرة توريني إلياس جابلك إيه. ابتسمت وهزت رأسها يميناً ويساراً من أفعال تلك المجنونة. ***
في الصباح، كان اليوم شاقاً على الجميع. حالة من الاستعداد التام للحفلة. الكل يقف على قدم وساق ما عداه هو. لقد تناول إفطاره وذهب إلى الإسطبل. اصطحب جوكي وجوليان في نزهة خلوية هادئة بعيداً عن كل تلك الضجة والأجواء الصاخبة. بحثت قدر عنه لم تجده في أي مكان حتى تسللت للجناح الغربي خلسة كالمعتاد. ترى أين ذهب؟ رباه! هل هو طفل صغير حتى أقلق عليه هكذا؟ ثم إنني غريبة الأطوار، لما أقلق من الأساس؟ ماذا يعني لي دراكولا هذا؟
عادت لتنهمك في الترتيبات مرة أخرى في محاولة منها للابتعاد عن التفكير في اختفائه المفاجئ. حل الليل سريعاً. بدأ المدعوون في الحضور واحداً تلو الآخر. كان إلياس ومهاب ورازي يقفون عند باب الحديقة لاستقبال الحضور.
خرجت فاطمة وقدر من القصر. كانتا كأميرتين من ديزني. لم يستطع إلياس أن يشيح بنظره عن فاطمة التي لأول مرة يراها تضع مساحيق التبرج مرتدية فستاناً من اللون الأسود اللامع مناسب لعمرها غير مبالغ فيه، وحجاب نبيتي هادئ. لقد كانت مميزة حقاً. أما عن قدر، فقد كانت سندريلا الحفل. لم ينقصها سوى أمير يأتي لاصطحابها معه في سهرة لا تُنسى. طالعها رازي بجمود قائلاً
في قرارة نفسه: تبدو بريئة أكثر إن لم تضع كل تلك البهرجة الكاذبة. لقد كانت أجمل قبل أن تضع هذا التبرج اللعين على وجهها. لكن كلهن يعشقن تلك المظاهر الخادعة. يجدن لعب الأدوار جيداً. لبس الأقنعة والتحول كالحرباء. كانت ترتدي فستاناً زهورياً مائلاً للون السماء الصافية وحجاب أبيض ناصع. لقد كانت جميلة حقاً. اقترب إلياس من فاطمة وهمس: الصلاة على النبي. رمقته بنظرة أجادت فيها تمثيل الضيق ولكن قلبها يقفز من الفرحة وقالت:
بتعاكس حضرتك؟ رفع كفيه ببرأة وقال: دانا بقول الصلاة على النبي. تظاهر بالجهل وقال: حضرتك كان فيه باشمهندسة مبتدئة كده أوزعة في نفسها اسمها فاطمة، ما تكعبلتيش فيها وانتي نازلة؟ اتسعت عيناها وقالت: أوزعة؟ أنا أوزعة يا طويل التيلة؟ ضحك هو ونظر إلى قدر التي كانت تتابعهم بابتسامة وقال: هو انهاردة ليلة ١٤ ولا إيه؟ أصل فيه قمر مكتمل في ليلة التمام قدامي. ابتسمت بخجل وقالت: شكراً يا إلياس. قالت فاطمة بغيظ:
حضرتك بتوزع حنية على الكل انهاردة ولا إيه؟ ولا شغلك مطيباتي الحفلة؟ ضحك على كلامها فهو يتعمد إثارة غيظها ليرى قطة شرسة أمامه. تحركوا ثلاثتهم ناحية الحفل. وأخيراً وصل الوفد الإيطالي الحفل. صافحهم إلياس بحرارة ورحب بهم رازي ومهاب وجلسوا في ركن هادئ بعيداً عن الصخب. مر وقت. كان مهاب موجهاً ناظره تجاه باب الحديقة يتساءل هل ستأتي أم لا. من الواضح أنها لن تأتي.
وفجأة خابت ظنونه. ظهرت متأبطة ذراع والدها. اتسعت ابتسامة مهاب ما إن وقع ناظره عليها. لفت هي نظرها عليه. همس هو بعدم تصديق: الكابتن لابسة فستان؟ هب واقفاً فتلك هي المرة الأولى التي يراها ترتدي فستاناً. اقترب منهما صافح والدها بترحيب قائلاً بتملق: شرف كبير لينا يا باشا إنك شرفت الحفلة. مال على أذن هاجر هامساً: الفستان قمر أوي عليكِ. سحبها ممدوح بضيق وحدجه بنظرة قاتلة مغزاها: ابتعد عنها. تركت هاجر يد والدها هامسة:
بابا أنا مش صغيرة عشان تكلبش في إيدي كده. ممكن تسيبني آخد راحتي؟ تصنع الابتسامة وهو يشاور لأحد الشخصيات المهمة وقال من بين أسنانه: بشرط تقعدي عاقلة ومش عايز مشاكل. أجابت على مضض: موافقة. تركها تتفتل هنا وهناك. كانت تهرب من ملاحقة مهاب لها. أما عن إلياس، ما إن رأى ممدوح حتى استأذن من الشركاء وذهب إليه وقال: فرصة سعيدة ممدوح باشا. رد ممدوح بتكبر: مبروك الصفقة. ابتسم إلياس وقال:
الله يبارك فيك. الحمد لله إن فيه ناس فهمت إنها مهما كانت جبروت، في الأقوى منها في ربنا اللي بيقسم الأرزاق. رد ممدوح: معلش أصل الإنسان لما بيشبع بيحب يرمي الفتات بتاعه للمحتاجين. كان متوقعاً من إلياس أن يثور عليه فيغضب ويأخذ ابنته ويرحل. ولكن رد إلياس أفسد مخططه: هي دي سنة الحياة يا ممدوح بيه. الغني لازم يساعد الفقير والقوي يساعد الضعيف. ولا إيه؟ تصنع ابتسامة صفراء وقال: أسيبك تستمتع بالحفلة.
أخيراً مهاب استطاع أن يمسك بهاجر. كانت تتوارى خلف القصر. جاء مهاب من خلف شجرة وقال: بتهربي مني ليه يا كابتن هاجر؟ شهقت بفزع وقالت: مهاب! أنا عملت المستحيل عشان أبقى هنا انهاردة مقابل كده وعدت بابا إني مش هاكلمك. خلي الليلة تعدي على خير. أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إنه وافق يخليني آجي. هز رأسه بحزن ثم أردف بغيظ: إن شاء الله تعدموه البعيد.
تركها ومشى خطوات سريعة. كان حقاً يغلي بداخله. ود لو أمسك والدها أطاح به من مبنى شاهق الارتفاع. كانت مصدومة من كلامه هذا لكنها حزينة على مهاب. ماذا سيفعل حينما يعلم أنها ستكون لغيره؟ في الحفلة، تحرك ممدوح بغرور وسط الحضور. كان بداخله بركان ثائر يفكر: من هؤلاء ليحضر حفلهم الوضيع هذا؟ وفجأة وجه ناظره ناحية اليمين ليتجمد مكانه حينما رآها. أجل هي. يا الله! كيف ترتدي ثياباً غالية كهذه؟
هل أصبحت بائعة هوى يشتري لها هذا الهدايا وذلك الثياب؟ أقسم لو سلمت نفسها لأحدهم سأفتك بها وبه. إنها لي وحدي. خلقت لتكون ملكي أنا. إنها فتاة ممدوح الصاوي. لن يمنعني عنها أحد بعد اليوم. سآخذها عنوة. نسي الجمع الهائل من حوله. خيل له أنها الآن في صحراء وحدها ضائعة منه وقد وجدها أخيراً. صدح بصوت جعل معظم الحضور ينتبه: قدر! رعشة مقيتة سرت بكامل جسدها حينما سمعت ذلك الصوت الذي لطالما كان الأكثر مقتاً بالنسبة لها.
لفت وجهها ببطء ناحية مصدر الصوت. وقعت الكأس من يدها. صمت تام احتل كيانها. تجمدت مكانها. وهو الآخر لم يتحرك انشاً واحداً. كانت الحرب قائمة فقط على النظرات. مرت دقيقة كاملة. كانت نظراته تشتعل تملكاً لها وبأنها له. ونظراتها تشتعل تحدياً له وبأنه لو آخر رجل في العالم فلن تكون له.
انتبه هو للساحة التي يقف فيها وذلك الحشد من حوله الذي بدأ الانتباه لهما. اقترب منها قبض على يدها وحاول جرها خلفه للخارج. انتبه رازي. ضيق عينيه وهب واقفاً. تحرك بحذر حتى لا ينتبه أحد. كان رازي يفكر: هل هناك علاقة تربطها بهذا الرجل؟ هل أرسلها لخطب ما؟ أقسم لو كانت تابعة له لن أتردد لحظة في سحب سلاحي وتفريغه في أم رأسها ورأسه. تسلل رازي خلفهم بهدوء حتى لا يلاحظه أحد. اختبأ خلف سيارة أحد الحضور. كان قريباً جداً منهما.
مازال ممدوح يقبض على معصمها بقوة. الغضب ينهشه كحيوان مفترس بلا رحمة. صدح: كده برضه يا قدري؟ تسيبني أنا ممدوح باشا الصاوي اللي أي بنت رهن إشارة مني وتجري ورا عقلك الصغير. قوليلي بقى مين ضحك عليكي ولبسك الحاجات الحلوة دي؟ ها؟ ضغط أكثر على يدها فأطلقت صرخة وهي تنتحب. وتابع هو: انطقي! بعتي نفسك لمين؟ وأنا المغفل اللي كنت مانع نفسي عنك وعايزك تبقي ليا بالمحبة. كنت غبي.
قال كلمته الأخيرة بقهر بصوت تردد صداه في الخلاء الذي يقفان فيه. صرخت هي محاولة التملص منه وهي تقول من وسط بكائها: اخرس! أنا مش حقيرة زيك. أنا طول عمري نضيفة. انت عشان زبالة فاكر الناس كلها زيك؟ رد هو بتحدي وقال: انتي بتاعتي أنا. إنتي ملك ممدوح الصاوي. فاهمة؟
بإرادتك أو غصب عنك هتكوني ليا. مهو مش معقول كل ليلة أدخل أشوفك وانتي نايمة وأطمن عليكي بكل حب وفي الآخر تهربي مني. مانا كنت قادر آخدك معايا في أي شقة وأكسرك وتبقي زي جارية عندي وتحت أمري. بس مع الأسف كنت عايز أعمل منك ملكة. طلعتي ما ينفعش تكوني إلا جارية. كور رازي يده بغضب من سماع كلام ذلك الوغد. ود لو لكمه في صف أسنانه أو أوقعه أرضاً. أو اقتلع لسانه هذا حتى يصمت. كانت ترتعد كلياً. نطقت من وسط شهقاتها:
أنا أشرف منك ومن عشر زيك. اللي زيك فاكر إنه يقدر يشتري أي حاجة أو أي حد بالفلوس. لكن أحب أقولك انت مريض ومجنون. حاول سحبها عنوة وهو يحاول إيصالها إلى السيارة خاصته. تعالت صراختها تستنجد: راااازي! إلياس! وهنا فكر رازي ثم تصرف سريعاً. صدح بصوت جوهري: قدر! تجمد الصاوي مكانه. ترك يدها سريعاً. وصل رازي عندهم وقال ما جمد قدر كلياً. كانت نبرته حنونة جداً مختلطة بقلقه المصطنع عليها. قال: كنتي فين يا حبيبتي؟
أنا قلبت الحفلة عليكي. لقد أجاد لعب الدور جيداً. فمن يستطيع أن يجيد لعب الأدوار مثله. احتدمت أعين ممدوح غضباً قال: حبيبتك؟ تظاهر رازي بالمفاجأة وقال: متهيألي أعرفك. انت ممدوح الصاوي مش كده؟ إيه موقفك مع المدام؟ إنتوا تعرفوا بعض؟ همس ممدوح بصدمة: المدام؟ أما عنها، وكأنها أصبحت جماداً من أثر المفاجأة من كلماته. فهناك كلمة ترفعك لتحلق في السماء وكلمة تهوي بك إلى سابع أرض. ودمتم بخير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!