في مقهى عام، كان يجلس مهاب بضجر. كانت تجلس معه فتاة رائعة. الفتاة: ممكن أفهم أنت مضايق كده ليه؟ طالعها مهاب بغير تصديق قائلاً: مضايق ليه؟ انتي بجد بتسألي، يعني مش عارفة اللي حصل؟! ردت بصدق: وهاعرف منين يا مهاب؟ أردف مهاب وقد زفر بزنق: أبوكي يا هاجر مش راضي يجيها لبر ولا راضي يكبر دماغه من ناحيتنا. بهت وجهها وقالت: بابا؟ عمل إيه يا مهاب؟
صدح مهاب بضيق: ممدوح الصاوي مش مفوت فرصة إلا ومخسرنا فيها. أبوكي مش مكفيه كل اللي عنده، عايز يكوش على كل حاجة. أنا مش عارف هو ليه حاططنا في دماغه. ترقرق الدموع في عينيها: وأنا إيه ذنبي يا مهاب؟ ليه كل مرة بابا بيعمل معاكم حاجة بتحسسني إني متفقة معاه؟ ماشي يا سيدي، لو دا هيخليك مرتاح عادي زعق براحتك وطلع كل الشحنات السلبية عليا. زفر بحنق، وهبت هي واقفة وانصرفت. هتف بصوت مرتفع: هاجر استني!
مسح على وجهه، دفع الحساب وانصرف. لكنه حينما خرج وجدها قد غادرت. *** كان إلياس في مكتبه ينهي بعض الأعمال ومعه فاطمة. كانت مرتبكة كأنها تريد قول شيء ما. أنهى إلياس كلامه قائلاً: زي ما اتفقنا، هنبدأ بمشروع قرية الفيروز عشان هو أكبر مشروع معانا دلوقتي. كانت شاردة. أشار بيده أمام وجهها فانتبهت له. فقال: فهمتي؟ كانت فاطمة لا تعلم بما ختم كلامه، ولكنها قالت: أيوا فهمت، حتى لا يغضب.
تابع إلياس: طب قومي هاتي الملف عشان ندرس أبعاد المشروع. فاطمة ببلاهة: مشروع إيه؟ وأي ملف عايز؟ إلياس بحنق: انتي إيه حكايتك يا فاطمة النهاردة؟ مش مركزة ليه؟ زفرت بضيق وقالت: كنت شاردة شوية، معلش. ممكن تقولي عايز أي ملف؟ كرر إلياس كلامه بآلية: ملف أرض الفيروز يا فاطمة. تحركت تجاه الأرفف، ولكنها بعد خطوات استدارت قائلة: باشمهندس إلياس، أتمنى إنك تكون عرفت تختار هدوم حلوة في الشوبينج الأسبوع اللي فات. نظر إليها رافعاً
حاجبه الأيسر وقال: هدوم إيه؟ حاولت أن تبدو ثابتة وردت: هدوم للبنت اللي كانت معاك. يارب يكون ذوقك عجبها. ابتسم إلياس وهز رأسه بمعنى لا فائدة منكِ وتمتم: مابتعرفيش تخبي حاجة أبداً. وجه ناظره إليها وقال: هو انتي تشكي برضه في ذوقي يا فاطمة؟ طبعاً عجبوها أوي. يلا هاتي الملف بدل ما أقوم أهد الأرفف كلها على دماغك، لإني دا مش وقت دردشة. تأففت بحنق وضربت رجلها في الأرض كالاطفال وهمست: منحرف. كنت مخدوعة فيك.
_بتقولي حاجة يا فاطمة؟ _مابقولش يا باشمهندس. _بحسب. ***
كانت قدر جالسة في الرواق تطالع الجرائد منذ مدة ليست بقصيرة وهي لم تشبع رغبتها في القراءة. كانت مترقبة وعينيها تطالع الدرج. هبط رازي بهيئته المهندمة. تحرك تجاه المكتب متجاهلاً إياها تماماً. ابتسمت هي، تريد أن ترى رد فعله عندما يقرأ ما كتبت. لكنها انتظرت كثيراً، لم يحدث جلبة، لم يصدر منه أي شيء. ربما لم يقرأ الأبيات الشعرية بعد. فضولها دفعها لاستراق النظر، تسللت بخفة كالفراشة إلى أن وصلت لباب المكتب. لقد كان نصف مغلق. ألقت نظرة، لكن الدهشة احتلت وجهها حينما لم تجده بالداخل. ترى أين هو الآن؟
لقد دلف أمامي منذ برهة. وأربت باب المكتب كلياً. لفت بنظرها على كل ركن بالمكتب. دفعتها قدماها للدخول، كانت في حالة من الذهول. يا الله، أين اختفى هذا الرجل غريب الأطوار؟ لم أكذب حينما قلت إنه ليس بشري. إنه يظهر من العدم ويختفي فجأة. المكتب فارغ. شعرت بالخوف يدب في أوصالها. خرجت مهرولة ناحية سناء تلهث من الخوف. _سناء! سناء! استدارت سناء تطالعها بفزع: خير يا ست قدر؟ خضتيني.
قدر برعب: السيد رازي دخل المكتب قدام عيني، ولما دخلت وراه ملقيتهوش. فص ملح وداب. ضحكت سناء وقالت: يا لهوي عليكي يا ست قدر. إنتي طيبة أوي. البيه أصله عامل باب سري في المكتب. لما بيحب ينفصل عن العالم، بيقعد هناك يفضل يقرأ من غير ما حد يزعجه. إنتي بس ماخدتيش بالك من الخوف. اللوحة اللي كانت معلقة على الباب لو بصيتي كويس كنتي هاتلاقيها جنب الباب. جربي كده روحي عشان تصدقي كلامي. تنفست الصعداء وهزت رأسها موافقة. اتجهت
ناحية المكتب وهي تتمتم: ينفصل عن العالم؟ حوش حوش من الدوشة اللي في القصر. دانا من كتر الهدوء قربت أفقد النطق. شكلي كده هانسى الكلام. دلفت المكتب وبالفعل وجدت ذلك الباب. فتحته بدون تردد ودلفت بحذر. تحركت عدة خطوات مترددة إلى أن وقعت عيناها على ذلك المكان المبهر. جحظت عيناها، فتحت فمها. لفت ناظرها تحاول أن تستوعب هذا الكم من الكتب. ابتعلت ريقها وقالت: وااو، كل دي كتب!
انتبه لها. ترك الكتاب من يده. كان يقرأ كتاباً لشارلوك هولمز. فهو يعشق كتب الجريمة والروايات البوليسية وكتب الألغاز المتشابكة. نزع نظارت القراءة الخاصة به، وقف وهو يشعر أنه سيفتك بتلك الفضولية اللعينة. تحرك ناحيتها إلى أن وقف أمامها مباشرةً. انكمشت على نفسها. ابتعدت خطوتين للخلف إلى أن صدمت بالحائط خلفها. رفع كفه اليمين. أغمضت عينيها بقوة خوفاً من الصفعة. لكن لحظة، صوت خبطة قوية على الحائط كانت قبضته.
وقال صوت غاضب: عايزة مني إيه؟ بتلفي ورايا ليه؟ أنا مش بحب الفضوليين. فتحت عينيها ببطء وقالت: أنا كنت... ابتعلت لعابها بخوف وأكملت: كنت... لم تجد ما تقوله حقاً. تحدث وما زال الغضب يتملكه: كنتي إيه؟! شعرت أنها أنفاسها تسحب منها، الكلام يقف في جوفها كأنها ماثلة أمام محكمة. أكملت: كنت عايزة أقولك على حقيقتي. رمقه بغير استيعاب. ضيق عينيه وقال هامساً: حقيقتك؟ خيم الصمت عدة ثوانٍ بعد ذلك. أشار لها بهدوء: اقعدي هنا.
جلست على مقعد وهو على الآخر أمام طاولة كبيرة مخصصة للقراءة. كانت تفرك يديها بعضهم ببعض، تتنفس بسرعة. احكي، سامعك. كان هذا ما تفوه به مستدعياً كل ذرة ثبات به قبل أن يفتك بها. يريد أن يعطي لها الأمان، لذا أراد أن يمثل الهدوء والثبات، ونجح في ذلك حقاً. فعمله أكسبه ذلك التحكم بالنفس. أردف بكلمة جعلتها تطمئن: قولي يا قدر، سامعك. لأول مرة ينطق اسمها. هل تحول لشخص آخر؟ ما كل هذا الهدوء الذي يتحلى به الآن؟
دراكولا هذا غريب الأطوار ولا شك في ذلك. أطلقت زفير وبدأت تقص عليه حكايتها كلها. كان حسن الاستماع، لكنه لم يكف أن يسأل عن أدق التفاصيل حتى يربكها. فإن كانت كاذبة ستتلعثم. بدأت حديثها بجملة واحدة: أنا مش الممرضة البديلة، أنا أصلاً لسه طالبة في كلية التمريض.
قصت كل شيء. كانت تبكي بحرقة وهي تحكي له تفاصيل حياتها المأسوية التي عاشتها، وكم جاهدت وحاربت لتحافظ على عرضها وكرامتها وإنسانيتها. كم مرة وقفت في وجه الشر حتى لا تدنس ثوبها النقي. كم صدت من ضربات كانت كفيلة بسحقها في دوامة الحياة وإلقائها في مكب نفايات بائعات الهوى. أنهت حديثها، لكنها لم تكف عن البكاء والنحيب.
يلتمس الصدق في كلامها. هذه النبرة لا تكذب. تلك الحرقة التي تتحدث بها لا يمكن لها أن تكون تمثيل، حتى لو محترفة بذلك. أكملت حديثها لتقص عليه كيف وقعت في طريق إلياس، ذلك الشاب النبيل هو وصديقه اللذان كانا بمثابة يوسف الصديق في استعفافهم عن فتاة لا حول لها ولا قوة راقدة في فراشهم. أنهت كل ما في جعبتها من كلام. بقي الصمت.. فقط الصمت. استقام رازي يطالع المكتبة شاهقة الارتفاع
ولم يطرح سوى سؤال واحد: إيه اللي خلاكي تحكي لي دلوقتي؟ كان ممكن تفضلي محتفظة بسرك إنتي والياس. قال اسم أخيه بتهكم. فهو لا يصدق أن أخاه قد كذب عليه. آخر شيء كان يتوقعه هذا. أجابت بكل صدق وبراءة: أنا الصبح دخلت المكتب هنا بس والله مش عشان أراقبك ولا أتجسس عليك. كان بس عندي فضول أعرف الحادثة اللي أنت عملتها، حصلت إزاي. فجأة فتحت دفتر لقيته على المكتب. قرأت فيه جملة أرعبتني.
ابتسم بتهكم وقال: يقولون إن حبل الكذب قصير، وأنا أقول إنه مهما كان قصيراً سأجعله يلتف حول رقبتك ليشنقك إن كذبت عليا يوماً. هزت رأسها بنعم وقالت: أيوا هي الجملة دي. حسيت إني لازم أحكيلك حكايتي. بس دا ما يمنعش إني هفضل برضه الممرضة لحضرتك. زفر بنزق وقد كان حقاً مصدوماً من تصرف أخيه. أشار إليها بيده: أي اذهبي.
تحركت مسرعة للخارج وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة أثر الخوف والضغط الذي تعرضت له وهي تقص عليه تفاصيل حياتها. كانت تضع يدها على قلبها في محاولة منها لتنظيم أنفاسها المتسارعة. *** كان عصفور ماثلاً أمام ممدوح الصاوي في مكتبه. أشار له ممدوح بالجلوس. جلس عصفور على مضض. _مليون جنيه؟ كان هذا ما تفوه به ممدوح. عقد عصفور حاجبيه وقال: مش فاهم؟ أكمل ممدوح: مقابل إنك تدلني على مكان قدر.
تنهد عصفور بملل وقال: يا ممدوح باشا، أنا اللي عندي قلته والله ما أعرف قدر فين دلوقتي. ولو إنت قلقان عليها قيراط، أنا قلقان ٢٤. رمقه ممدوح بنظرات واثقة وهو يقول: متأكد إنك متورط في هروب قدر. ولو بس اتأكدت إنك كان ليك يد في الموضوع أو حتى خطيبتك ليها يد، مش هرحمك. هضربك في أكتر حاجة بتوجع. حافظ عصفور على ثباته النفسي قدر المستطاع. لقد أربكه كلامه حقاً.
استقام واقفا وهو يقول: لو لقيت قدر، ما تنساش تطمني عليها يا ممدوح بيه. شعر بالإهانة والتهكم في نبرته، فقال ما يدب الخوف في أوصاله: هتفضل بالنسبة لي موضع شك لحد ما أتأكد إنك فعلاً كان ليك يد، وساعتها بقى أبقى أطمن على نفسك وعلى... عزة. أشاح بوجهه وتوجه ناحية الباب. وما إن خرج حتى أخرج منديلًا يجفف به عرقه. فقد تعرق كما لو كان يركض تحت شمس أغسطس الحارقة. تنهد طويلًا ورحل وهو لا يفكر سوى في قدر. هل هي بخير؟
هل استطاعت أن تدبر أمور حياتها؟ هوى قلبه أرضًا حينما خطر له: هل أصابها مكروه؟ هل تعرضت لخطر؟ يا إلهي، لديها رقم هاتفي لكنها لم تتصل. لا أعرف ما حل بها، لكن أتمنى أن تكون تلك الصغيرة البريئة بخير. أتمنى لو يدعها العالم القاسي أن تمارس براءتها دون أن يدنس الشر ثوب تلك الفتاة الأبيض الناصع. أثناء شروده كان سيصطدم بفتاة. اعتذر، لكنها لم تعره أي اهتمام. فتحت الباب ودخلت بغضب.
_بابا، ممكن أفهم ليه مش شايف قدامك إلا شركة مهاب وإلياس؟ ليه عايز تحطمهم؟ استقام واقفا وقد اقترب منها وقال: عشان أنا مايتلويش دراعي. بترفض إياد أمجد نصار ابن الوزير عشان تتجوزي حتة جربوع زي سي زفت دا؟ مش هسمح لك. هابعد عنهم لو بعدتي إنتي عنهم. غير كده ماتحلميش. رمقته بحزن وكسرة في نفسها: هل أنت حقاً أب ولديك مشاعر أبوية؟ لما لم أرى منها أي شيء من قبل. استدارت لترحل. هتف هو: ابقي قولي لحبيب القلب هارد لاك.
عادت إليه وقالت: يعني مصالحك أهم من سعادة بنتك؟ ممدوح يتصنع الحنان: مش مصالحي لوحدي، يا هاجر، ومصالحك إنتي كمان. إنتي بنتي الوحيدة ولازم تتجوزي جوازة من مستواكي الاجتماعي. هاجر: ومهاب بقى مش من مستوايا الاجتماعي، صح؟ صح؟ رد باستفزاز. لا يا بابا، أنا مصلحتي إني أتجوز الإنسان اللي اختاره قلبي. غير كده بقى، ابقى اتجوزه إنت. صدح بغضب: هاجر، الزمي حدودك. أنا ربيتك تكلمي بابا كده؟
لم ترد، بل رمقته بحزن وأكملت طريقها للخارج وهي يائسة كلياً من تصرفات والدها غير القانونية وإصراره على حرمانها ممن تحب. *** منذ أن اعترفت له بحقيقتها، لم يلتقيا. ظلت هي قابعة في غرفتها، وهو أيضاً كان شاردًا حزينًا. كيف لأخيه أن يفعل هذا به؟ رغم أنه أعلم الناس بأنه يمقت الكذب، لما تصرف هكذا؟ هذا الوغد الصغير المدلل إلياس، سأعاقبه بما يستحقه. التقط هاتفه وهاتف إلياس. أتاه الرد: _الو، باشا مصر الأول، أخبارك إيه؟
يارب الممرضة الجديدة تكون نالت الرضا. قال كلماته بدعابة. زفر رازي ثم رد بجمود وجدية: طردتها. هب إلياس واقفا وقال بلهفة: إيه؟ طردتها؟ ليه؟ وراحت فين؟ رازي بتسلية: ليه؟ عشان ماعجبنيش شغلها. وراحت فين؟ أكيد راحت بيتهم. رد بصدمة: بيتهم؟ رازي، ارجوك الحقها. أنا هافهمك كل حاجة لو سمحت يا رازي. رازي كان يمثل الدهشة: الحقها إزاي؟ دي مشيت من امبارح بالليل.
تجمد إلياس مكانه. لعن نفسه عدة مرات. كان يجب علي أن أقول الحقيقة، مهما كلفني الأمر. ترى أين ذهبت؟ لا مأوى لها، كما أنها بريئة جدًا، لا تعرف كيف تدبر أمورها. رازي سأل: إلياس، إنت سامعني؟ تعالى عايزك ضروري. مسح إلياس على وجهه بحزن وقال: ماشي. أغلق رازي ثم ابتسم بمكر وقال: لازم يتعلم الدرس يا إلياس. هبط من غرفته. طلب من سناء تعد له فنجان القهوة المفضل لديه وقال: الآنسة الممرضة فين يا سناء؟ في أوضتها يا رازي بيه.
رازي: استدعيها عشان عايزها. خليها تحصلني على صالة الألعاب. وجهزي إنتي الفطار. حاضر يا رازي بيه. كان هذا جواب سناء. مر وقت ليس بكثير. هبطت قدر بعد أن صعدت لها سناء مخبرة إياها بأن رب عملها يريدها. توجهت قدر إلى الصالة الرياضية. كان رازي يحمل أثقال بيد واحدة. هتفت: صباح الخير. استدار لها وقال بتهكم: صباح الخير آنسة مش ممرضة. ابتسمت بخجل وقالت: أنا فعلاً ممرضة بس بدرس لسه.
هز رأسه بدون تعليق. وكان قد تحرر من سترته كالمعتاد وجلس على المقعد المخصص لتمارينه اليومية. بدأت في عمل التمارين له. صمت تام خيم على الجميع. حتى هتف هو: كانت إيه خطتك لما قررتي تهربي من بيتك؟ _ماكنش عندي أي خطة. كان كل همي إني أنفد بجلدي من الجوازة السودة دي. = ما فكرتيش لحظة إن الشارع هيكون أكتر قسوة عليكي من دلال والبرتيتا بتاعتها.
كنت واثقة إن ربنا مش هيسيبني وهيوقف لي ولاد الحلال. وفعلاً قابلت أكتر ناس ممكن يكونوا ولاد حلال. (ابتسمت بصدق) وقالت: إلياس ومهاب. عقد حاجبيه. لما لم تذكره معهم؟ هل هو وغد أم ماذا؟ لكنه لم يعلق. زفر الهواء من فمه. بدا مستاءً، لكنه قال: وايه خطتك للي جاي؟ شكل حضرتك زهقت مني وأنا عالة عليكم صح؟
بس أنا مستعدة أشتغل مقابل إني أفضل هنا. أنا لأول مرة لما أنام ما أحسش إنه حد بيتعدى على خصوصيتي، ويفتح باب أوضتي وأصحى مخضوضة من حلاوة النوم. ورفع حاجبه وقال: بتعرفي إزاي تقلبي الترابيزة لصالحك. عموماً، أنا ما قصدتش إنك تقيلة علينا. إنتي بتشتغلي فعلياً. لأني كلمت رغد وقالت إن والدتها محتاجاها فعلاً الفترة دي، وأنا اتأكدت باتصالاتي إنها فعلاً تعبانة ومحجوزة في المستشفى. عشان كده إنتي موظفة رسمية هنا يا آنسة ممرضة.
ابتسمت بامتنان وقالت: شكراً سيد رازي. إن شاء الله أكون عند حسن ظنك. _هتتعبي عشان تكوني عند حسن ظني. (أيها المتعجرف، أنت حقاً وغد) . هذا ما أرادت قوله. لكن رسمت ابتسامة صفراء وهي تقول: شوية مجهود مش هيجرى حاجة. المهم الواحد يبقى مخلص وصادق في اللي بيعمله. وضع ساقاً فوق أخرى وقال: صادق؟ حطي مية شرطة تحت صادق. ربعت يديها أمام صدرها وقالت: شايفة إنك فاقد الثقة في كل اللي حواليك. ناقص تشك في نفسك. هب واقفاً
وصدح بصوت جوهري: مالكيش دعوة. ما تدخليش في ما يخصكيش. تعبت من تحوله المفاجئ. لم تتوقع التحول بهذه السرعة. لقد كان في كامل هدوئه. انكمشت وقد ضمت قبضتيها إلى صدرها ولم تتفوه. نظر إلى هيئتها الخائفة. سحب سترته القطنية السوداء وخرج وهو يرتديها. لحظات ظلت ساكنة بها. فكرت: (إنه بالتأكيد لديه سر كبير يجعله لا يثق في أحد. عليا أن أكتشف هذا. يبدو غامضاً حد اللعنة) خرجت لتجد سناء تغني في المطبخ لكسر الملل.
سناء: رازي بيه راح فين؟ سناء أشارت بيدها: راح الجناح الغربي. دا ست قدر. ونصيحة مني ما تروحيش وراه عشان منبه على الكل لما يروح هناك ماحدش يروح وراه إلا اللي مستغني عن رقبته أو اللي عنده رقبة استبن. ضحكت وتابعت: عسل أنا عسل. ربنا يحفظني. دمي شربات. رفعت وجهها تطالع قدر. كانت قد اختفت من أمامها. تساءلت سناء: ياختي راحت فين دي؟ وإنتي مالك يا سناء؟ نكمل بقى "البحر بيضحك ليه وأنا نازلة أدلع أملا القلل".
كانت قد تسللت للجناح الغربي. سمعت صوت طلقات مكتومة. دب الرعب في أوصالها، لا بل في كامل جسدها. قررت التقهقر والعودة. فالهروب في تلك المواقف نصف الجدعنة. كمان يقال. لكن آه من فضولها الذي يدفعها نحو الجحيم. اقتربت رويداً رويداً من صوت طلقات نارية من مسدس كاتم للصوت. كان صوت رازي وهو يصرخ أكثر وضوحاً. نظرت خلسة. توقفت مكانها بصدمة. لم تستطع التقاط أنفاسها. لم يجول ببالها إلا سؤال وحيد: ما هي هوية هذا الشخص؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!