تحميل رواية ندوب الهوى بقلم ندا حسن pdf
بقلم ندا حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خرج من منزله في الطابق الأول علوي، ثم هبط الدرج بهدوء وبطء. قصد أن يفعله لعله يرى شخصًا لم يره منذ يومين، وكل تفكيره يصب نحوه فقط، والذي ازداد بعدما وقع على عاتقه شيء لن يستطيع أن يتحمله بعد ما حدث بينه وبين والده من نقاش خرج منه هو الوحيد الخاسر. مر من أمام باب شقة في الطابق الأرضي، بعد أن زفر بحنق لعدم تحقيق ما تمنى، وكأنه كان يعلم أن ذلك سيحدث وقد خلف الوعد معه. ولحسن حظه، بينما يمر بهدوء، تفاجأ بصوت قوي ميزه بأنه صوت باب. ثم شعر بشيء يرتطم بظهره، وبعدها استمع إلى أشياء أخرى اصطدمت بالأرضية....
رواية ندوب الهوى الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندا حسن
ليلة العُرس، كانت من أطول الليالي التي مرت عليهما معًا، ومن أجمل الليالي وأسعدها بفضل وكرم من الله.
ليلة طويلة عاشت بها كثير من اللحظات السعيدة بجواره متناسيه أنه إلى الآن لم ينطق بحبها، بل استمعت بقلبها هذه الكلمات في تصرفاته وأفعاله ونظراته لها.
ارتوى “جاد” أخيرًا بوجودها جواره، أربع سنوات يعشقها في الخفاء منتظرًا أن يأتي الوقت المناسب للبوح بما داخله ناحيتها.
وها هو قد أتى ليروي اشتياقه وحنينه وليظهر شغفه وحبه لها عبر أفعاله ونظراته التي تتحدث بالنيابة عنه وترسل إليها كلمات الغرام دون مجهود، وتتلقاها بفرحة عارمة.
ليلة عاشوا بها معًا ينعمون بحلال الله ويستمتعون به أكثر من أي شيء آخر، ينعمون بأفضل اللحظات بينهم بفضل من الله الذي سهل لهم طريق الحلال لأنهم أرادوا السير به.
“قبل اذان العصر في صباح اليوم التالي”
وقفت “نعمة” وابنتها “مريم” أمام باب شقة “هدير” و “جاد” في المنزل المقابل لهم، ومعهم والدته صاحبة الوجه الضاحك البشوش.
ابتسمت والدتها وهي تضع إصبعها السبابة على الجرس بجوار الباب وتحدثت لوالدته بحرج:
- والنبي زمانهم نايمين يا أم جاد.. كنا جينا بالليل ياختي.
تقدمت والدته منها ثم وضعت إصبعها مرة أخرى على جرس الباب وهي تتحدث هاكمة:
- نايمين دا ايه لأ يصحوا بقى.
أردفت “مريم” بسخرية وهي تبتسم تبادل والدته “فهمية” بتهكم:
- إحنا في العصر يا ماما هيفضلوا نايمين لـ بالليل يعني.
ضغطت والدتها بأسنانها على شفتيها بحركة شعبية وهتفت بحدة وضجر مستنكرة حديث ابنتها:
- ايش فهمك أنتِ اسكتي.
أجابتها والدته “فهيمة” مرة أخرى بجدية وهي تضع الاكياس التي بيدها على الأرضية أمام الباب:
- عندهم ياختي وقت قدامهم طويل يناموا براحتهم.
عادت “نعمة” إلى الخلف بظهرها لتستند إلى الحائط وقالت باستنكار وداخلها تود العودة حتى لا تقلقهم:
- وإحنا يعني هنناهم على نومه.. بالله الاسطى جاد هيقوم يكروشنا.
استنكرت والدته الحديث وهتفت بحدة مكرره كلمتها ثم تساءلت بجدية:
- يكروشنا!.. يكروشنا ده ايه يا أم جمال ما أنا عايزه اطمن على هدير بنتي مش بنتي ولا ايه.
تقدمت منها بجدية وهي تنفي سريعًا مقدرة ذلك الحب الذي بداخلها لابنتها:
- لأ ياختي بنتك ونص وتلت تربع كمان.
ضغطت مرة أخرى بحدة على الجرس لوقت طويل وهي تهتف بحنق وضيق من تأخره:
- الله ما تقوم بقى يا واد كل ده نوم.
بينما في الداخل كان “جاد” في غرفة النوم متعمق في نومه ولا يشعر بأي شيء يحدث بالخارج.
منذ يومان وهو ينام بتقطع ولم يستطيع أن يحصل على الكفاية من نومه، وبالأمس ليلته كانت طويلة ولم ينم إلا في الصباح فاستغل ذلك الوقت لينعم ببعض الراحة والهدوء في فراشه.
جواره زوجته التي كان يحتضنها بيده يضعها أسفل رأسها، والأخرى ممده جواره على الفراش، وقابلته هي بيدها التي كانت على صدره.
تنام وكأنها لم تنم من قبل في منزلهم، ومن يراها يشعر وكأنها معتادة على مثل ذلك الوضع منذ زمن.
تململ “جاد” بانزعاج وداخل أذنيه يستمع إلى صفير حاد يقلقه وهو نائم.
ابتلع ما وقف بحلقه لتتحرك تفاحة آدم بعنقه وهو مغمض العينين، وقارب على أن يفتحهما ويستفيق.
ولكن صوت الصفير اختفى من أذنه فرفع يده الممده جواره وأحاط بها زوجته ليكمل نومه.
مرةً واحدة انتفض من مكانه جالسًا بعدما استمع إلى الصوت بقوة دائمة.
ميزه سريعًا!.. إنه صوت جرس الباب وهناك من يضع يده عليه ولا يريد تركه حتى أنه أزعج أذنيه ورأسه.
نظر جواره ليرى “هدير” تحاول الجلوس على الفراش وهي تفتح عينيها بصعوبة بعدما ازعجها ذلك الصوت البغيض.
وقف على قدميه سريعًا وهو يمسح على وجهه متمتمًا بالاستغفار بصوتٍ عالٍ أثناء توجهه إلى الخزانة ليأخذ منها ملابس يرتديها على هذه الملابس الداخلية التي من المؤكد لا تليق بأن يفتح بها الباب.
ليس من طباعه التعصب بهذه السرعة أو أن يتحدث عن أحد بالسوء، ولكن حقًا من يقف على الباب لا يعرف للاحترام طريق.
أنهم الآن يريدون أن ينعموا ببعض الهدوء والراحة ولم يفتحوا من المرة الأولى إذًا ارحلوا!
نظر إليها وهتف بضجر بعد أن ارتدى بطال أسود بيتي وقميص أبيض يعلوه من القطن:
- هشوف مين الرزل ده وارجعلك.
أومأت إليه ومازالت لم تستيقظ من نومها بالأصل، أنها تجلس على الفراش وتستند بظهرها إلى ظهره في محاولة منها بأن تفتح عينيها وتستوعب ما يحدث، ولكن وكأنها لم تنم من قبل.
فتح “جاد” الباب حتى قبل أن يغسل وجهه وعليه علامات الانزعاج ليرى من ذلك البغيض الذي يأتي إليه الآن.
وعندما رأى المزعج صمت ولم يتحدث غير بالترحاب والابتسامة العريضة لهم ليدلفوا إلى الداخل، وهتفت والدته بخبث وهي تعبث معه:
- صباحية مباركة يا حبيبي، بس ايه يسطا جاد أنتَ منمتش قبل كده ولا ايه.. ولا تكونش العروسة حطيتلك واحدة منوم.
أغلق “جاد” الباب وحك مؤخرة رأسه، وكرمش ملامح وجهه بحنق وخجل وهو لا يدري ما الذي يقوله لوالدته الآن:
- لأ بس أصل… أصل كنت جوا في الاوضه ياما والباب مقفول مسمعتش.
رفعت حاجبها إلى الأعلى واخفضته مرة أخرى وهي تنظر إلى والدة “هدير” ضاحكة وتعلم أنه يكذب ولكنها لا تريد أن تخجله أكثر من ذلك:
- آه قول كده.
أردفت والدتها “نعمة” وهم يدلفون إلى داخل الشقة باتجاه الصالون قائلة بابتسامة وحب:
- صباحية مباركة يا ابن الأصول.
- الله يبارك فيكي.
ابتسمت “مريم” بوجهه هي الأخرى وهتفت بابتسامة عريضة:
- ألف مبروك يسطا جاد.
بادلها الابتسامة والمودة قائلًا:
- الله يبارك فيكي، عقبال يا مريم.
مرة أخرى تحدثت والدته متسائلة بعدما جلس الجميع في غرفة الصالون:
- اومال فين العروسة مش هنشوفها ولا ايه… اوعى تكون عملت فيها حاجه!
استند “جاد” بيده على الحائط أمامها وتحدث بجدية وانزعاج وهو يدري أن والدته تريد أن تعبث معه ولكن لا يجوز أن يكون بهذه الطريقة المُخجلة:
- هعمل فيها ايه بس يا حجه.. وبعدين خفي عليا شوية ها خفي.
استدار وتركهم يجلسون ثم سار ليذهب إلى غرفة النوم وهتف بهدوء أثناء ذهابه:
- هروح أشوفها واجي.
أبتعد عنهم إلى الداخل وتركهم يضحكون عليه بعد أن احرجته والدته بحديثها هذا.
فتح باب الغرفة ودلف إليها ثم أغلقه خلفه مرة أخرى بهدوء.
نظر ناحية الفراش ليراها، وجدها مثلما تركها عندما خرج بل أنها الآن نائمة على جانبها الأيسر، خصلاتها خلف ظهرها وهناك بعض منهم تمردوا ليستقروا أمام وجهها، وعينيها مغمضة، فوقها غطاء خفيف تخطي به جسدها.
ابتسم “جاد” بحنان وتقدم منها وجلس جوارها على الفراش ثم وضع يده عليها برفق وأخذ يحرك جسدها بخفه لتستفيق:
- هدير!.. يا وَحش اصحى ومتفضحناش بقى.
فتحت عينيها ببطء لتظهر من خلفها تلك العسلية القابعة داخلهما ونظرت إليه وهي تعتدل في نومتها على ظهرها وتمسح بيدها على وجهها ثم تعيد خصلاتها للخلف.
لتراه ينظر إليها بهيام وشغف قائلًا بصوتٍ حنون خافت:
- دا يا محلا الجواز بقى لو هقوم كل يوم الصبح وأشوف الوش القمر ده.
نظرت إليه مُبتسمة بسعادة غامرة بعد كلماته المغازله لها، وكادت أن تتحدث لتجده يتساءل بحنان يترقب إياها:
- في حاجه بتوجعك أو تعبانة؟
أومأت إليه بالنفي على استحياء واخفضت وجهها بخجل متذكرة أنه أصبح زوجها حقًا بعد ليلة أمس، ثم حاولت الاستفاقة من غيبوبة النوم هذه وهي تبعد هذه الأفكار عنها الآن.
هتفت بنعاس قائلة:
- مين كان بيخبط؟
ابتسم بسخرية وهو يتقدم منها في جلسته يلتقط كف يدها بيده ويضغط عليه ليشعر بوجودها جواره ويثبت داخل عقله أن هذا حقيقة:
- قولى مين بره.
تنهدت بهدوء وهي تطالعه بغرابة بعد سخريته هذه وتساءلت من جديد باستغراب:
- مين بره طيب.
أردف مُبتسمًا بجدية:
- أمك ومريم والحجه فهيمة.
زفرت بحنق عندما علمت بحضورهم وأردفت بطريقة فظة تتسائل مرة أخرى:
- يعني مش هنام!
مرة أخرى هو الآخر يتهكم عليها، أفتعل صوتًا بفمه يدل على عدم نومها الآن ومؤكد لم يكن يخلوا من سخريته:
- تنامي ايه بقى مخلاص قُضيت كده.. يلا قومي بسرعة غيري واطلعيلهم.
زفرت مجددًا بحنق وضيق أكبر وهي تسحب يدها منه وتقف على قدميها لتظهر منامتها ذات اللون الأزرق الغامق الذي تفاعل مع بياض بشرتها ليظهر مدى جمالها المُحلل له هو وحده، حيث كان بنطال المنامة يصل إلى منتصف قدميها وقميصها بحملات رفيعة للغاية.
تقدمت بخطوات هادئة إلى الخزانة لتخرج عباءة منها لكي ترتديها وتخرج لهم وهتفت وهي تقف أمام الخزانة بعد أن فتحتها قائلة:
- طيب حاضر.
وقف على قدميه وعاد إلى الخلف ناحية الباب ثم أردف مرة أخرى بجدية وهو يفتحه:
- هطلع أقعد معاهم.. متتأخريش ها.
استندت بيدها وجسدها على باب الخزانة بعد أن استدارت إليه وأجابته بطريقة فظة وهي تتهكم بضيق:
- حاضر.
تنفس “جاد” بقوة وعمق وهو يهتف بحرارة داخل جسده تطالبة باشياء غير الخروج، غامزًا لها بعينه:
- عليا النعمة وَحش.
ظهرت أسنانها بعد تلك الابتسامة المشرقة بفعل كلماته وحركت رأسها يمينًا ويسارًا بخفة وهي تنظر إليه بحب وسعادة لتراه يضغط بيده على الباب وهو يهتف بقوة:
- آه… آه ياحج رشوان.
خرج من الغرفة وتركها لتعيد تركيزها على ملابسها ومازلت تبتسم بسعادة.
نظرت إلى الباب ثم خرجت منه بهدوء دون أن تفعل صوت لتصل إلى المرحاض القريب من غرفة النوم هو والمطبخ لتغتسل ثم بعد ذلك تتجهز وتخرج لهم.
بعد أن دلفت مرة أخرى وقفت أمام الخزانة ثم أخذت عباءة معلقة أمامها لاستقبال الضيوف في مثل هذه الأوقات، لونها أبيض مزينة برقة.
ارتدتها ثم تقدمت من المرأة بالغرفة، مشطت خصلاتها ثم رفعتها للأعلى بدبوس كبير من المنتصف ليتدلى الباقي خلفه على عنقها.
أبتعدت عن المرأة ونظرت إلى هيئتها من بعيد ثم ابتسمت وخرجت بهدوء إليهم.
سارت في الممر بهدوء ثم إلى صالة الشقة ومنها إلى غرفة الصالون التي يأتي منها الأصوات، هي إلى الآن لم تلقي نظرة على الشقة.
دلفت غرفة الصالون ليراها الجميع تدلف بطلتها البهية الرائعة، وجمالها البراق المعهود منها، ورقتها الواضحة على وجهها وملابسها.
وقفت والدته “فهيمة” على قدميها بسعادة وهي تبصرها وتبصر جمالها الغير معقول، تقدمت منها وأخذتها تعانقها بقوة وهي تتمتم داخلها بآيات صورة الفلق من عين الجميع وهي أولهم.
- ياختي ايه الحلاوة دي، بسم الله ما شاء الله قمر اربعتاشر… صباحية مباركة يا عروسة.
ابتسمت “هدير” بخجل ورقة وهي تنظر إليها بسعادة وهتفت قائلة:
- الله يبارك فيكي دا عيونك بس هي اللي حلوة.
استنكرت والدته حديثها وتحدثت بطريقة شعبية أصيلة وهي تفتعل صوت يدل على الاستنكار بفمها:
- عيوني!.. عيوني ده ايه دا أنتِ اللي مفيش منك يا جميل.
ابتسمت إليها بود وهي تبادلها تلك السعادة، وداخلها شعور يكاد يجعلها تطير من الفرح لأجل طيبة والدته وحبها لها واهتمامها بها، كم هي محظوظة بوجودها.
إن الله أنعم عليها بكثير من النعم التي لا تستطيع أن تقوم بعدِها حتى، تقدمت من والدتها وشقيقتها وسلمت عليهم بحب كبير وترحاب ثم جلست معهم جميعًا.
وبعد قليل دق الباب مرة أخرى فذهب “جاد” ليرى من الطارق، وجد أنه “سمير” ووالده “رشوان”، رحب بهم كثيرًا وسلم على والده مقبلًا يده ثم دعاهم للدخول إلى الصالون مع الباقيين وذهب هو إلى المطبخ حيث تكون زوجته.
نظرت إليه بعد أن دلف إليها وهي تضع العصير في الكؤوس على رخامة المطبخ وأردفت متسائلة وهي تعقد حاجبيها:
- مين جه.
أقترب منها وأخذ ما بيدها ثم تحدث بجدية وهو يشير إلى الخارج:
- الحج وسمير روحي البسي طرحة وأنا هكمل عنك.
أومأت إليه برأسها ثم خرجت وتركته يكمل مهمتها بدلًا عنها بهدوء.
ارتدت حجاب فوق العباءة واخفت خصلاتها ثم ذهبت للداخل عندهم وقامت بالترحاب بوالده بشدة وقابلها بالحب الشديد الذي ظهر أمام الجميع كوالدته، وهذا جعل “جاد” يرفرف من فرط السعادة.
ألقت التحية على “سمير” بابتسامة وأكملوا الجلسة بسعادة وهم يتحدثون عن ما حدث في الزفاف وكم من شخص حضر وأشياء من هذا القبيل.
❈-❈-❈
نظرت “هدير” إليه بتذمر وضيق ثم هتفت بصوتٍ عالٍ ليستمع إليها:
- لأ أنا هاخد لفه في الشقة علشان مش معقولة شقتي ومشوفتهاش.
أتى “جاد” سريعًا من الداخل ووقف أمامها بقميصه الداخلي بعد أن أزال ملابسه عنه بسبب الجو الحار، وفعلت هي المثل مرتدية قميص قطني طويل مفتوح من الناحيتين أسفل الركبة وصدره مفتوح أيضًا بحمالات رفيعه أسود اللون:
- بالله ما يحصل هنلف فيها سوا.
تذمرت أكتر لأنه لا يريدها أن ترى الشقة إلا معه وبنفس الوقت لا يريد رؤيتها! هل جُن هذا.
- طب ما تيجي الله.
أقترب منها بخبثٍ ثم وضع يده الاثنين على كتفيها وغمز بعينيه الرمادية الخلابة ونظرته تقُل لها أن هناك أمرًا ما ليتحدث بمكر:
- لأ مهو مش ده اللف اللي أقصده.
ضيقت ما بين حاجبيها وهي لا تستطيع فهم حديثه الذي يرمي إليه بكلمات غير مباشرة وتساءلت باستغراب:
- اومال تقصد ايه؟
غمز إليها مرة أخرى بوقاحة لم يعهد فعلها ولكنها لزوجته إذًا فليتقنها، تحدث بصوتٍ ماكر خبيث:
- كلك مفهوميه.
نفضت يده عنها بحدة وداخلها تود الابتسامة بقوة ولكن خجلها الذي لم تتغلب عليه كليًا يسيطر عليها إلى الآن، هتفت بحدة مضحكة وهي تتراجع للخلف:
- لأ خلينا نتفق من دلوقتي أنا مش بحب قلة الأدب.. آه.
أقترب منها مرة أخرى ووضع يده كما كانت وتحدث بلين ورقة وعينيه الرمادية تقابل عسليتها في نظرة حانية:
- لأ خلينا إحنا نتفق من دلوقتي دي مش قلة أدب ده حلال الله.
اخفضت نظرات عينيها إلى صدره مبتعدة عن حدقتيه بخجل ثم رفعت وجهها مرة أخرى إليه تتسائل برفق وصوتٍ خافت:
- هتفضل تغلبني بكلامك لامتى؟
أبعد إحدى يداه عن كتفيها ووضعها فوق موضع قلبها مُتحدثًا ولوعة الحب داخلة تشتعل أكثر:
- لحد ما أخد قلبك منك ويبقى ملكي.
استنكرت حديثه الأبلة وأجابته بسخرية واضحة والابتسامة على محياها:
- فكرك لسه ماخدتوش!
تنهد بعمق وهو يعلم أن اعترافها هو الوحيد الذي سيثبت له أنها تحبه وغير ذلك لن يأخذ بأي أفعال، ربما أفعالها ونظراتها ووقوعها بين يديه بالأمس طيلة الليلة يثبت به أنها تحبه، ولكنه لن يأخذ إلا بالاعتراف، إذًا لما لا يطبق الوضع عليه هو الآخر.
- حاجه واحدة هتثبتلي إني اخدته.
سألته باستفهام حتى تفعل ما يريده وتثبت له أنها تحبه ولا تريد غيره، ربما في السابق لم ولن تكن تفعل ذلك ولكنه الآن زوجها فحلال أن تقول ما يهواه وربما هو الآخر يقول ما تريد الاستماع إليه:
- ايه هي؟
أبعد يده وابتسم بهدوء ليبتعد عن الحديث هذا حتى لا يلفت نظرها لشيء يريده فتفعله فقط لأنه يريده:
- كده ابقى بغششك… لازم تيجي منك.
أبتعد عن هذا الحديث نهائيًا وهو يشير إليها بيده لتنظر إلى الشقة ويلهي عقلها عن كلماته:
- تعالي ياستي نلف الشقة من أول الباب.
نظرت إليه وهو يسحب يدها ويتجه إلى الباب، إنها تعلم أنه يريد الإبتعاد عن هذا الحديث ويلهي عقلها حتى لا تفكر فيما يريد وتفعل دون تفكير.
لا يعرفها! هي لن تفعل أي شيء إلا أن كانت مقتنعة به وتريد فعله عن حق، لو هي لم تحبه إلى الآن فلن تقول أي شيء ولن تفعل أي شيء يدل على ذلك من الأساس، عليه أن يفكر قليلًا ويبدأ من نقطة البداية خاصته لتستكمل هي الطريق.
تحدث بهدوء وهو يمسك بيدها يدلف من عند الباب وصولًا إلى الصالون:
- هنا الدخلة بتاعت الشقة فيها الكرسي الكبير ده، ودي الصالة الكبيرة فيها ركنه والعفش اللي بينهم أهو قدامك.
نظرت إلى كل ما يتحدث عنه وهي تقول داخلها كلمات الذكر بسبب جمال الشقة التي الآن لفتت نظرها إليها، ألوان الحوائط هادئة وجميلة والمفروشات بالأرضية راقية تتماشى مع الألوان والأثاث.
بداية الشقة صالة واسعة بها مقعد كبير وثير مظهره رائع تدلف على صالة أخرى غيرها بها ركنة ملتفة حول حوائط الصالة الثلاثة لونها أزرق غامق يتداخل معه اللون الأبيض لتظهر بشكل جميل يلفت النظر إليها وفي المنتصف طاولة صغيرة الحجم ليكتمل المظهر مع شاشة تلفاز كبيرة على الحائط.
تقدم إلى الجهة اليمنى من الشقة ودلف إلى ممر صغير أمام الغرف والأبواب المغلقة:
- هنا بقى المطبخ وأنتِ دخلتيه والحمام بردو واوضه النوم.
لم يدلف أي منهما لأنها بالفعل ولجت إليهم ورأت ما بهم، كان ممر على الناحية اليمنى منعزل عن باقي الشقة مختفي ما بداخله عن الأعين بالخارج به المطبخ والمرحاض جوار بعضهم وعلى مسافة صغيرة غرفة النوم.
عاد مرة أخرى إلى الصالة ومازال يتمسك بيدها وهي تسير جواره ودلف إلى الجهة اليسرى للشقة وأول غرفة دلف إليها كانت غرفة الأطفال الصغيرة:
- والناحية التانية دي اوضه الأطفال أهي.
ولج إليها معها بعد أن فتح الباب وأشعل الأضواء لتنظر إلى الأثاث باللون الأبيض الجميل الذي يظهر وكأنه لأول مرة يوجد.
الغرفة بها فراشين صغيرين وخزانة صغيرة أيضًا ومرآة وعلى الحائط رفٍ صغير في الخلف يحمل بعض التحف وكم كانت جميلة ورائعة تشعرها باللطف الشديد ناحية وجود أطفال هنا.
خرج منها ليدلف إلى الغرفة المجاورة:
- وهنا الصالون شوفتيه.
خرج منها سريعًا لأنها رأته قبلًا ليدلف إلى الغرفة المجاورة لغرفة الصالون:
- ودي آخر حاجه السفرة… آه نسيت أن فيه بلكونه في الصالة بره وفي بردو في الصالون أهي.
نظرت إلى غرفة السفرة التي كانت تحتوي على سفرة لونها بني غامق مائل للاسود كباقي الأثاث ويحاوطها ستة من المقاعد متقابلين وخزانة النيش موجودة بها أيضًا.
نظرت إليه وتحدثت بسعادة والانبهار داخلها يزداد بهذه الشقة التي أصبحت هي سيدتها بعد شقة صغيرة ملك لوالده يمن على أهلها بها:
- مكنتش متخيلة أصلًا إن العفش هيبقى حلو أوي فيها كده.. ده تحفه ما شاء الله.
تقدم منها ليقبل أعلى رأسها قائلًا بحنان هائل وعشق يتضاخم داخله كلما نظر إلى عينيها العسلية:
- تتهني فيها وأنتِ معايا يا وَحش.
ابتسمت بوجهه بحب تود لو يراه دون حديث بينهم، لتوضح الرؤية لكليهما، سار إلى غرفة الصالون مرة أخرى وهي خلفة ثم رفع صينية الأطباق الفارغة من على الطاولة وهتف بسخرية ضاحكًا وهو يتذكر عبثه مع ابن عمه:
- الولا سمير أكل الجاتوه.
زفرت بهدوء وهي تُجيبه بابتسامة هادئة:
- يا جاد حرام عليك بجد أنتَ ليه بتحب تحرجه كده.
نظر إليها وهو يضع الأطباق في حوض الغسيل بعد أن دلف للمطبخ وأردف بتهكم صريح وكلماته تدل على أن هناك بينهم شيء خفي:
- هو ده بيتحرج اسكتي أنتِ متعرفيش حاجه.
نظرت إليه باستغراب متناسية حديثهم عن ابن عمه عندما رأته يغسل الأطباق أمامها دون وجود أدنى مشكلة منه:
- أنتَ بتعمل ايه سيب وأنا هعملهم وهحضر الغدا.
نظر إليها ومازال يقوم بعمله مع الأطباق أسفل المياة وأردف بمرح ومزاح معها وهو يخبرها كيف سيكون في الأيام المقبلة عليهم:
- طول ما أنا فايق ورايق كده هساعدك في المطبخ وطول ما أنتِ في حياتي هبقى فايق ورايق يعني هساعدك على طول… ولا عندك اعتراض.
استندت بظهرها على حائط المطبخ أمامه ورفعت إحدى قدميها تستند بها لتظهر القدم الأخرى بسخاء ووضعت يدها الاثنين خلف ظهرها ليضيق القميص عليها أكثر وتصبح مغرية أمامه بشكل لا يُصدق:
- لأ يا سيدي براحتك.
ابتلع ما وقف بجوفه لتتحرك تفاحة آدم خاصته المغرية بالنسبة إليها وأخذ يمرر بصره على كامل جسدها بدقة وأردف بخبث:
- ما تيجي أقولك حاجة.
أقتربت منه ووضعت يدها على كتفه منتظرة منه أن يتحدث:
- قول.
ترك ما بيده وغسلها أسفل المياة ثم أغلقها وفي لمح البصر أمامها كان ينحني إلى الأسفل ليرفعها على ذراعيه بقوة وهو يبتسم بمكر والخبث يظهر في نظراته لها:
- لأ مش هنا… دي حاجه سر مش هينفع الحلل والكوبيات تسمعها.
أطلقت ضحكة رنانة بجانب أذنه ليبتلع ريقه مجددًا ويزفر بعنف أمامها وهي تضع يدها حول عنقه ولا تدري أين ذهب حيائها وذلك الخجل الذي كان يلازمها منذ قليل فقط!
يبدو أنه حل مكانه السعادة والراحة طلما كان هو جوارها وتخلى عنها الخجل ليترك مساحة لتلك الأنثى القابعة داخلها وتجعلها تخرج ليراها ذلك الزوج الحنون العاشق لها دون علم أحد حتى هي.
❈-❈-❈
لقد وضعت نفسها في مأزق عندما تزوجت ذلك الفقير الوضيع.
حذرتها صديقتها وكل من حولها بأن لا تتزوجه، ليس له أصل ولا تعرف له أحد، عرفته وحيد وهو إلى الآن كذلك.
لم يكن جيبه يحتوي على مئة جنيهًا ولكن الآن أصبح ممتلئ بالمال بفضلها.
أصبح يملك قناة شهيرة على التلفاز يعمل بها كل من لديه شأن من ممثلين ومقدمي البرامج وغير ذلك، أصبح رجل مهم وسط زملائها ووسط الجميع أينما يذهب يجد من يعرفه ويرحب به وكأنه رئيس يحكم دولة.
أغراها مظهره الوسيم وعنفوانه منذ خمسة سنوات وأحبت أن يكون ملك لها تتباهى به أمام الجميع وتتحدث بحصولها على رجل مثل هذا في شبابه وحيويته.
قدمت له القناة على طبق من ذهب، نعم لم تكن كـ الآن نهائيًا وهو من عمل عليها وأسس كل شيء بها لتكن بهذه الشعبية الكبيرة في البلدة بأكملها.
الآن هي ملت منه ومن وجوده معها، تريد التحرر والابتعاد عنه، حدثت فجوة كبيرة بينهم منذ سنة تقريبًا عندما بدأ يظهر للجميع أكثر وأكثر وأصبح النجاح يحاوطه من كل جانب، غارت منه وبشدة ورأته، يزدهر وهي ينطفئ بريقها.
ظلت تتحدث دائمًا بأنه لا يملك شيء ولم يكن هذا الذي عليه الآن بل كان فقير ضائع، كبيره في القناة أن يكون عامل تنظيف وهو كان لديه كرامة واحترام لذاته ولم يكن يعلم أنها كذلك إلا بمرور السنوات عليهم.
لم يقابلها منه إلا البرود التام! الذي أغاظها كثيرًا وجعلها تود أن تقتله.
وضعت السيجارة بالمنفضة أمامها على الطاولة وأخذت الهاتف من عليه ثم أجرت إتصال به ووضعته على أذنها تنتظر رده عليها.
خاب أملها ككل مرة لا يُجيب عليها، زفرت بضيق واستهجان ثم أجرت الإتصال مرة أخرى مقررة داخلها أنها لن تتوقف إلا عندما يُجيب عليها.
على الناحية الأخرى كان هو ممد على الفراش في منزله الآخر مع زوجته الثانية “شهيرة” صديقتها!
التي وجد الدفء بين أحضانها، وعوضته عن حرمانه الذي وجده عند “كاميليا”.
لقد قدمت له الحب والاحترام والحنان في كل حديثها وأفعالها معه غير منتظرة أي مقابل مادي منه بل كل ما كانت تريده هو حبه فقط وأن لا يعكر صفوه بسبب ما تفعله به “كاميليا”.
أعتدلت زوجته في جلستها وهي تستند على مرفقها فوق الفراش لتتحدث بقلق وهي تنظر إليه:
- رد عليها يا عادل ليكون حصلها حاجة.
أستهزأ حديثها عن زوجته الأخرى وما الذي سيجري لها فهي هذه القوية بلسانها قبل أي شيء:
- هيحصلها ايه يعني!.. دي زي القطط بسبع أرواح.
وضعت كف يدها على مقدمة صدرها حتى تستعطف إياه بلهفة ليُجيب عليها الهاتف:
- طب معلش علشان خاطري شوف مالها.
ابتسم بحنان وهو ينظر إليها واعتدل في جلسته على الفراش يستند بظهره إلى الخلف ومد يده إلى الكومود يأخذ الهاتف من عليه متحدثًا بنبرة رقيقة تليق بها:
- علشان خاطرك بس.
فتح الخط عليها ووضع الهاتف على أذنه ببرود ليردف بتهكم وسخرية يملؤها البرود:
- أيوه.. مالك.. مش صابره ليها.
استمع إلى صوتها على الناحية الأخرى يأتي بحدة:
- أنتَ فين؟
- وأنتِ مالك.
استشعر ضيقها من حديثه الفظ وزفرتها العالية قبل أن تردف بحدة وعصبية:
- يعني ايه وأنا مالي.. لأ مالي ونص، تعالى دلوقتي حالًا على البيت عايزاك.
ابتسم بسخرية واضحة حتى أن زوجته “شهيرة” استغربت ذلك ولكنها فهمت سخريته عندما أكمل حديثه معها:
- اوه بجد.. لأ لو كده مسافة الطريق وجاي.
صرخت به عبر الهاتف بقوة ليبعد الهاتف عن أذنه وهو يستمع إليها:
- أنتَ بتستهبل بقولك عايزاك دلوقتي حالا.
مرة أخرى يُجيب ببرود قاتل ليفعل بها ما أراد رؤيتها به:
- معلش خلي الخناقة لبكره.. بالسلامة.
أغلق الخط بوجهها ثم أغلق الهاتف كليًا ووضعه على الكومود جواره كما كان ليستمع إلى صوت زوجته التي تحدثت بجدية:
- أنتَ ليه بتعمل معاها كده يا عادل مش قولت هطلقها.. هي طالبه الطلاق طلقها بقى وكفايه لحد كده أنتَ جننتها أهون.
نظر أمامه إلى الحائط وغاب في ذكرياته البشعة معها ليتحدث بقهر وخذلان قد رآه على يداها:
- ولسه… ولسه هجننها أكتر، أنتِ متعرفيش حاجه، دي بنت ***، مش هيعرفها غير اللي يعيش معاها.
أعتدلت لتجلس جواره ووضعت يدها على كف يده عندما شعرت أنه يتذكر ما فعلته به ولأنه لديه احترام لذاته ولكرامته يعبث ذلك به دائمًا:
- طب ما تخلصها وتخلص نفسك.
نظر إليها وأردف بقوة وتصميم على ما في رأسه بعدما واجهه معها:
- لأ أنا عن نفسي مرتاح كفاية وجودك جنبي يا شهيرة لكن هي لازم تدوق من نفس الكاس اللي دوقته ليا، لازم تشوف المُر بسببي.. أنا شوفت منها تهزيق وشتيمه وقلة قيمة من لسانها الزفر ده عمرك ما تتوقعيها، بتعايرني إني مكنش حيلتي حاجه! وأنا كنت هعوز ايه من الدنيا غير ستر ربنا ورضاه عليا وأهو جعلها سبب علشان أكون في النعمة اللي أنا فيها.. بس دي واحدة لا تعرف ربنا ولا غيره لازم اعذبها زي ما عملت معايا لما كانت بتقل من قيمتي قدام الحوش بتوعها علشان تخليني أتنازل عن القناة اللي شقيت فيها ليل ونهار.
ابتلعت ما وقف بحلقها بعد أن رأت تصميمه على الانتقام منها بعدم طلاقه لها وبروده معها الذي سيجعلها تذهب للجنون بقدميها، أنها إلى الآن تخاف أن تكون تلك الصديقة الخبيثة التي سرقت منها زوجها:
- عادل أنتَ دلوقتي مش محتاج منها حاجه هي اللي هتتجن علشان تخليك تتنازل ليها عن القناة أنتَ أكيد مش هتعمل كده بس طلقها وسيبها تروح لحال سبيلها… أنا لحد دلوقتي كل ما بشوفها بحس إني خاينة بردو مهما حصل انتوا كنتوا واحد ومراته وهي ماذتنيش علشان أعمل كده واتجوزك… ريحها وأعمل اللي هي عايزاه وريحني أنا كمان.
أمسك بكف يدها وتحدث بجدية وقوة لتفهم ما الذي يريد أن يقوله لها وليجعلها تعلم أيضًا أنها ليست شخص بشع بل هي كانت من أفضل الأشخاص الذي قابلهم من ناحية زوجته الحقيرة:
- أنا عمري ما هتنازل عن القناة، دا على جثتي ومحدش هيتهنى بخيري غيرك أنتِ وولادي وبس وبعدين أنتِ تحسي بالخيانة ليه؟. تحسي بكده لما تبقي اخدتيني منها لكن أنا اللي جتلك من عمايلها السودة وكرشتها ليا.. أنا اللي اخدتك، أنتِ عمرك ما كنتي خاينة ولا هتكوني أبدًا.
سألته باستفهام وهي تعقد ما بين حاجبيها:
- هطلقها؟
أومأ إليها برأسه مؤكدًا حديثها وأكمل:
- صدقيني هعمل كده بس مش دلوقتي.. فاضل شوية صغيرين.
- زي ما تحب.. بس بلاش تؤذيها.
ابتسم إليها وقربها منه يقبل أعلى جبينها، أنها توصيه بأن لا يؤذيها وتشعر بأنها خائنة لصديقتها وتقول أنها لم تؤذيها يومًا!
مسكينة لا تعلم ما الذي فعلته صديقتها “كاميليا” عندما تقدم لها ذلك الممثل المشهور الوسيم الذي أعجب بها عندما رآها معها، لا تدري أنها منعته عنها قائلة بأنها لا تناسب أحد من هذا الوسط لأنها ليست على ثقافة مثلهم وليست تحمل الجمال الكافي لتكون نصفه الآخر وغير ذلك كثير على الرغم من أنها بيضاء بشدة وجسدها ليس نحيف بل يمتلئ قليلًا ومع ذلك مضبوط تمامًا، جسدها ملتف ويحمل البشرة البيضاء ووجهها مستدير ملامحه رقيقة مثلها وخصلاتها شقراء طبيعية.
❈-❈-❈
“بعد مرور أسبوع”
كانت تسير “مريم” خارج الحارة في منتصف النهار وهي عائدة من إحدى جلساتها مع اصدقائها.
نظرت إلى الطريق الذي كانت تريد أن تعبره ثم تذهب سيرًا لتدلف إلى الحارة وتعود إلى منزلها.
وجدت أن السيارات بعيدة عنها فأسرعت في خطاها إلى الناحية الأخرى حتى لا تتأخر.
استمعت إلى هاتفها يصدر صوت مكالمة هاتفية فوقفت لتخرجه من الحقيبة الصغيرة التي تتماشى مع حجابها وحذائها الأبيض على فستان أزرق اللون أظهر جمالها وبياض بشرتها الجميلة.
- أيوه يا هدى أنا خلاص روحت أهوه.
صمتت لتستمع إلى الطرف الآخر والتي كانت صديقتها تطمئن على وصولها لأنهم تركوها في التاكسي بعد أن غادروا.
أجابتها مرة أخرى بجدية وهي تبتسم:
- لأ ياستي متقلقيش أنا خلاص هدخل الحارة لما أروح البيت هكلمك.
أبعدت الهاتف عن أذنها وأغلقتة ثم وضعته مرة أخرى في الحقيبة وسارت لتذهب إلى البيت.
عندما بدأت في السير استمعت إلى صوت تعرفه جيدًا أوقف الدماء بعروقها وجعل جسدها يرتجف خشية منه:
- رجعنالك يا جميل.
وقفت مكانها من هول الصدمة ثم بعد لحظات تحاول فيهم أن تتحكم باعصابها استدارت لتنظر إليه وداخلها تدعو الله أن يكن غير الذي أتى بخلدها ليمر اليوم بسلام وحتى لا تعود تلك الأيام التي كانت ترتعش بها من الرعب.
ولكن خاب أملها عندما نظرت إليه ووجدته هو عن حق، لقد عاد بعد عام مرة أخرى لينفذ ما أراده منها!
استجمعت شجاعتها مثلما قالت لها شقيقتها في السابق وحاولت أن تظهر أنها لا تخشاه وليس هناك خوف من الأساس وصاحت بقوة:
- أنتَ عايز ايه مش كنا خلصنا بقى.
ابتسم بسخرية لتظهر أسنانه الصفراء ناظرًا إليها بخبث ومكر يظهر على وجهه مع هذه الندبة الكبيرة التي تحتل وجنته اليمنى بالكامل بداية من فوق عينيه إلى جانب شفتيه:
- لأ يا مريومة مخلصناش.. دا اللي شغلني عنك إني سافرت السنة اللي فاتت واديني رجعت أهو يا جميل.
رفعت سبابة يدها اليمنى أمام وجهه وهي تتحدث بشراسة حاولت أن تكون حقيقية قدر الإمكان وداخلها ترتعش خوفًا:
- أبعد عني أحسن قسمًا بالله اجيبك نصين.
ضحك بصوتٍ عالٍ وهو يراها هكذا تتحدث بهذه القوة والشراسة وهي في السابق لم تكن تستطيع أن تنظر إليه حتى ولكن شقيقتها كانت عكسها تمامًا:
- يابت!.. لأ عجبتيني الظاهر أختك علمتك إزاي تخربشي.
تهكمت بسخرية عليه وهي ترفع أحد حاجبيها بقوة:
- لأ علمتني إزاي أفتح دماغ اللي قدامي مش اخربشه.
أستضايق كثيرًا منها ومن ذلك الدلال الزائد عليه وبدأ في الملل منها:
- متسوقيش علينا العوج يا حلوة أنتِ مش قدي وأنتِ عارفه كده كويس.
أجابته مرة أخرى بجدية وضيق شديد احتل كامل ملامحها وجسدها وودت الهرب منه الآن ولكنها خائفة من داخلها بشدة فآخر مرة عارضته كان سيسكب عليها مياة كاوية:
- أنا قدك ونص يا حيلتها.
استند إلى الحائط جواره ورفع حاجبه وهو يتذكر عندما ذهبت شقيقتها إلى والده وقالت له إن لم يبعد إبنه عن شقيقتها ستأتي به إليه مُحمل:
- يابت اتلمي أنتِ اللي رحمك مني المرة اللي فاتت أبويا المرة دي مفيش.. أبويا الله يرحمه.
هتفت بحرقة والنيران تنهش داخلها خوفًا ورعبًا منه ولكنها تتحلى بغير ذلك:
- شلا كنت أنتَ مكانه يا بعيد.
ابتسم ببلاهة قائلًا بسماجة ونظرة كريهة من عينيه لها:
- وأهون عليك.
نظرت إليه بحدة ثم بصقت على الأرضية وهي تستدير لترحل من وجهه سريعًا قبل أن يأخذها في حديث أخر.
عندما وجدها تستدير لتذهب أبتعد سريعًا عن الحائط وأخذ خطوة واسعة ليمسك بذراعها بقوة وهو يديرها إليه بحدة:
- تعالي هنا رايحه فين.
صرخت بوجهه وهي تجذب ذراعها منه وجسدها يرتعش لأجل فعلته المباغتة التي اشعرتها بالاشمئزاز، وتفكيرها يحدثها بأنه يفعل غير ذلك كثير:
- نزل إيدك يا حيوان عني.
ما كاد أن يتحدث إلا أنه وجد من يقف في المنتصف بينهم ينظر إليها بحدة وعصبية وكأن وجهه يخرج شرارات الغضب متحدثًا بنبرة رجولية حادة:
- مريم!.. مين ده.
نظرت إليه بخوف ووضعت يدها على فمها وتكونت الدموع داخل حدقتيها، فنظر إليها باستغراب واستشعر أنها تعرفه دون علم أهلها ولكن أبعد ذلك التفكير عن رأسه عندما قالت بخفوت وخوف:
- معرفوش.
استمع إلى الآخر يقول بعصبية وانزعاج وكان على استعداد للعراك معه:
- أنتَ اللي مين ياعم القمور.
نظر إليه “سمير” بدقة يحدد من ذلك الذي يظهر على وجهه الإجرام ولم يتحدث بعد ليراه يحاول أن يمد يده ناحيتها مرة أخرى فوقف حائل بينهم ثم دون أي حديث أعطى له لكمة قوية أسفل عينيه جعلته يعود للخلف مترنحًا ووقف “سمير” ينظر إليه بتشفي وراحة:
- بتمد إيدك عليها ليه يا ابن الـ***.
رفعت كفي يدها على فمها مخرجة شهقة عالية من بين شفتيها عندما وجدته يلكمة، هكذا هو يفتح على نفسه أبواب الجحيم أمام ذلك المجرم.
رأته وهو يعتدل في وقفته أمام “سمير” ثم ابتسم عليه بسخرية وأخرج من جيبه الخلفي مدية حادة ليفتحها أمام وجهه يحاول أن يصيبه بها.
لوح بها أمام وجهه عدة مرات و “سمير” يحاول أن يتفادها في كل مرة حتى لا تُصيبه، بينما هي عندما رأته أخرجها من جيبه أخذت الدموع تخرج من عينيها بخوفٍ شديد عليه وسارت بعيد عنهم لتأتي بأحد من على الطريق ويوقفهم.
وهو يحاول إصابته بها بإصرار شديد، أمسك “سمير” يده الحاملة المدية بمهارة وضرب عليها عدة مرات لتقع منه المدية على الرصيف فأمسك به من ياقة قميصه جاعله ينحني على نفسه وضربه بركبته في فمه ووجهه عدة مرات متتالية جاعلة يفقد توازنه.
دفعه على الأرضية وجلس فوقه يسدد له اللكمات القوية التي أخرجت الدماء بغزارة من وجهه.
فدفعه بقوة من فوقه ليقع عنه “سمير” واستغل هو ذلك ووقف سريعًا على قدميه هاربًا من أمامه ونظر إليها بعدما عادت بشخصين إليهم وأردف بقوة وتصميم:
- مش هسيبك.
نظرت إلى “سمير” بخوف شديد ثم ذهبت سريعًا لتذهب إلى داخل الحارة فوقف على قدميه سريعًا يتقدم خلفها وهو ينادي باسمها بحدة:
- مريم… مريم استني عندك.
أسرعت في خطاها وهو خلفها لا تريد الوقوف معه أو التحدث إليه أو أي شخص غيره، فقط تريد الوصول إلى شقيقتها لتخبرها بعودته مرة أخرى وشعورها بأن النهاية تقترب عليها بسبب ذلك المجرم، وهو على الناحية الأخرى يريد أن يعلم ما الذي يحدث معها ومن ذلك
رواية ندوب الهوى الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندا حسن
ولجت إلى داخل المنزل وسارت في الرواق بسرعة شديدة لتصل إلى الدرج ثم صعدت عليه ركضًا وهي تلهث بعنف والخوف يزداد داخلها وقلبها يخفق بقوة من أثر هذه المفاجأة التي واجهتها بشراسة غير معقولة، دقت الباب بقوة ثلاث مرات متتالية لتستمع إلى صوت "جاد" الصارخ من خلف الباب بعنف معلنًا أنه قادم.
فُتح الباب أمامها ولم تنتظر أن يتحدث هو بل أسرعت تتساءل عن شقيقتها والعرق يتصبب من وجهها بالكامل.
- هدير فين؟
استغرب هيئتها الغير مرتبة وتوترها الذي يظهر بوضوح غير لهثها بعنف أمامه وسؤالها الملهوف على شقيقتها.
- جوه ادخل.
دَلَفَت إلى الداخل ووقفت جوار الباب تزيل عن قدميها حذائها ثم تقدمت للداخل خطوات قليلة فأغلق الباب مُستديرًا ينظر إليها باستغراب شديد ليراها تستدير تنظر إليه تتسائل بعينيها عن مكان شقيقتها فأردف قائلًا.
- في اوضت النوم.
سارت إلى الداخل واختفت في الممر المؤدي إليها، تقدم بخطواته إلى الداخل ليذهب إلى غرف الصالون ولكن أعاق ذلك صوت الباب الذي ارتفع دقه بقوة مرة أخرى.
عاد أدراجه إلى الباب مرة أخرى وداخله مدهوشًا مما يحدث ولا يدري ما هو، فتح الباب ليرى ابن عمه أمامه بمظهر غير مرتب هو الآخر والعرق يتصبب منه مثلما أتت "مريم" قبله، بل ويبدو أنه كان في شجار ما، أفسح له الطريق ليدلف وتسائل باستغراب.
- ايه اللي عمل فيك كده.
ألغى سؤاله الذي وقع على مسامعه أو تجاهله أيهما أقرب، وتسائل بحدة وثقة وهو يدلف إلى الداخل يبحث بعينيه عنها.
- فين مريم؟
استغرب "جاد" سؤاله عنها بهذه الطريقة وربط مظهرها بمظهره ودخولها بهذه الطريقة ثم هو خلفها يبحث عنها.
- وأنتَ بتسأل عليها ليه وبعدين رد عليا ايه اللي عمل فيك كده؟
تقشعرت ملامح "سمير" بالضيق والرفض لأسئلة "جاد" وهو يريد أن يعلم أين هي ثم مَن ذلك البغيض ثم كثير من الأشياء في رأسه.
- جاد أنا مش فايقلك هي فين.
أبصره بتمعن وتحدث إليه بقوة وحدة وهو يدفعه للإمام ليدلف إلى صالون الشقة.
- هو ايه ده اللي مش فايقلي هو أنا بقولك تعالى نلعب ما تظبط ياض.. مين عمل فيك كده وعايز مريم ليه؟
زفر "سمير" بغضب وهو يدري أن ابن عمه لن يصمت إلا عندما يعلم كل ما حدث.
- ما هي السبب في اللي أنا فيه ده.
ضيق عينيه الرمادية وهو ينظر إليه باستغراب من حديثه الغريب وتسائل باستفهام.
- إزاي.
قص عليه "سمير" ما رآه بداية من وقوفها مع ذلك الشاب ثم إلى أن تلمس يدها وكل ما مر وهو هناك إلى قدومه إلى هنا، وظهر الغضب والضيق الشديد على ملامحه ومع خروج كل حرف من بين شفتيه يُظهر أكثر كم هو مُختنق ويود الفتك بذلك البغيض الذي رآه، وقف "جاد" على قدميه متقدمًا إلى خارج الغرفة ليستفهم عن الذي حدث معها ولما أتت إلى "هدير"؟ ربما لتخبرها بما حدث فقط! أم هناك شيء آخر؟
قصت "مريم" كل ما حدث معها إلى شقيقتها "هدير" والتي كانت على دراية تامة بكل ما حدث في السابق من ذلك المجرم المجنون الذي أراد شقيقتها أن ترافقه دون مسمى موجود في حلال الله، وعندما تقابل بالرفض أخرج هواية المجرم الحقيقية ومهنته عليهم.
أردفت "مريم" بخوف وضعفٍ شديد لشقيقتها وهي تجلس على الفراش أمامها.
- أنا خايفة يا هدير دا مجرم ومجنون ممكن يعملي أي حاجه.
صاحت شقيقتها بحدة وصوتٍ جاف بعد أن نظرت إليها بقوة تنفي حديثها.
- أنتِ اتهبلتي يا مريم يعملك ايه دا أنا اقطعه بسناني.
أكملت حديثها بعد أن توجهت للين لتقنعها بعدم الخوف منه ولكنها فشلت في ذلك.
- متخافيش يابت دا بس بيهوش مش هيعمل حاجه زيه زي مسعد بالظبط.
وقفت "مريم" على قدميها وأجابت شقيقتها بتأكيد مما تقوله وتود تذكيرها بما كان سيفعله الاثنين.
- بس هو حاول قبل كده يرمي عليا مايه نار ومسعد حاول يغتصبك يعني مش بيهوشوا.
وارتسم الضيق على ملامح "هدير" بوضوح وهي تستمع من شقيقتها إلى ما حدث من قِبل ذلك المعتوه "مسعد".
- يوه يا مريم هو أنتِ لازم تفكريني بالغم ده.. مش هيعمل حاجه أنا بقولك أهو ولو خايفة أوي نعمل محضر في القسم.
تعلقَت "مريم" بتلك القشة التي يتعلق بها الغريق لإنهاء خوفها ولعيش حياة طبيعية مثل أي شخص آخر.
- أيوه.. أيوه هو المحضر وعلشان نثبت إنه بيتعرضلي سمير يشهد باللي شافه، أكيد هيخاف.. أكيد.
نظرت إليها "هدير" بتمعن، إن "مريم" على عكسها تمامًا فعندما كان "مسعد" يطاردها كانت تواجهه بشراسة بينما شقيقتها تنتفض رعبًا الآن بعودة ذلك المختل.
- خلاص يابت متخافيش بقى الله!.. ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾.
أردفت "مريم" متمتمة باقتناع وهي تجلس تحاول أن تشعر ببعض الهدوء والراحة.
- ونعم بالل.
استمعت إلى صوت دق باب الغرفة وصوت "جاد" خلفه يستأذن بالدخول، وقفت "هدير" على قدميها لتفتح له الباب فتقدم إلى الداخل وهو ينظر إليها باستغراب وعيناه الرمادية تتسائل عن الذي يحدث من خلفه فنظرت إلى شقيقتها تشير إليها بعينيها.
أكمل سيره إلى داخل الغرفة ثم جلس مقابل "مريم" على مسافة مناسبة وتحدث بهدوء وصوتٍ رجولي.
- سمير قاعد بره من ساعة ما دخلتي هنا ومش عايز يمشي غير لما تفسرليه اللي حصل.
أومأ برأسه بجدية وهو ينظر إليها مسترسل حديثه.
- يمكن مالوش الحق في كده بس هو شايف نفسه مسؤول عنك في أي مكان برا الحارة لأنك أخت مرات أخوه وهو هنا عنده حق.
رفع وجهه إلى "هدير" الذي مازالت تنتظر عند باب الغرفة وتستمع إلى حديثه المُرتب المُقنع.
- ولو أنتِ مش عايزة تقولي لسمير على حاجه وشايفه أنها متخصوش ممكن تقوليلي أنا عليها لأني بعتبر نفسي زي جمال بالظبط.
رفعت "مريم" نظرها إليه بخجل بعد حديثه ذلك وأردفت بهدوء ونبرة الصدق تحتل المرتبة الأولى في حديثها.
- أنتَ بالنسبة ليا أخ أحسن مليون مرة من جمال، وهقولك اللي حصل بس قدام سمير لأني مش عايزاه ياخد عني فكرة وحشة بسبب اللي شافه.
وقف على قدميه لتقف هي الأخرى وأشار إلى الباب قائلًا.
- سمير مستني في الصالون.
خرجت أمامه بعد أن أومأت إليه برأسها وذهب هو خلفها ثم وقف على أعتاب الغرفة واستدار إلى زوجته التي كانت خصلات شعرها تنسدل خلف ظهرها براحة مرتدية عباءة منزلية مغلقة ومحتشمة ولكن تناسبة هو فقط لـ التصاقها على الجسد.
- غيري العباية دي لو هتطلعي بره.
كانت تتقدم إلى المرآة لتخفي خصلاتها أسفل الحجاب وتذهب إليهم وبعد أن استمعت إليه جذبت العباءة بيدها إلى الأمام وأردفت مُجيبة إياه بجدية واستغراب.
- مهي محترمة أهي يا جاد.
نظر إليها بجدية شديدة تظهر على وجهه كما تظهر تفاحة آدم بوضوح وإلى الآن يبدو أنها لا تعلم كيف يغار عليها من الهواء المار جوارها وحتى لو كانت محتشمة ومن بالخارج أخاه.
- غيري العباية دي لو هتطلعي بره يا هدير.
أخذت نفسً عميق وزفرته بصوتٍ مسموع أمامه مُتمتمة بالموافقة على ما يقول ثم أخذ الباب بيده وهو يغلقه ويخرج وهي تذهب إلى الخزانة لتبدل ثيابها.
بعد أن خرجت "مريم" وخلفها "جاد" إلى سمير، جلست بخجل بينهم ونظراتها إلى "سمير" تحمل الحرج والخوف بينما هو لم يكن يريد أي شيء سوى تفسير عما رآه وكأنها زوجته أو شيء يقارب هذا الدور في حياته ويهمه ما حدث وغار بشدة من ذلك الرجل عندما لمس يدها بينما هو لا يستطيع التحدث إليها حتى.
حضرت "هدير" هي الأخرى إليهم بعد أن قدمت الضيافة لهم وسلمت على "سمير" مُرحبة به، ثم جلست جوار زوجها بعد ذلك بدأت "مريم" بقص ما حدث معها منذ أول يوم رأت به هذا المجرم المختل، أردفت بكل ما حدث بدايةً من أنه أراد مرافقتها تحت أي مُسمى غير ما يكون الخطوبة أو الزواج، وبعد أن رفضت قام بالمحاولة مرات أخرى بطرق ملتوية وثم جعلته شقيقتها أن يرى أنه إذا أقترب منها مرة أخرى سينال شيء لا يريده حقًا، ثم ذهبت إلى والده في ذلك الوقت والذي لم يعجبه الوضع أبدًا فعاقب ابنه أمامها. وانتهت القصة هنا إلى اليوم نهايةً بقدومه مرة أخرى يُصر على مرافقتها.
الآن أصبح الجميع على علم بما حدث، وكان كل منهم في عالم يفكر أولًا في من يخصه، نظر "جاد" إلى زوجته بجدية شديدة مُرتسمة على وجهه وداخله يفكر كيف استطاعت أن تتحمل هذه المسؤولية وحدها؟ كيف أصبحت رجل المنزل بعد وفاة والدها وتصرفت في كامل الأمور وحدها؟ أكملت دراستها مع عمل لتوفر الاحتياجات اللازمة لها ولشقيقتها وللبيت والجميع بما فيهم شقيقهم الأكبر والذي تنازل بسهولة عن دوره ومهمته إلى شقيقته الصغرى التي عرضت نفسها إلى الأخطر من الخطر نفسه وهي تمر يوميًا على كلب شهواني كـ "مسعد" كل يوم وغيره كثير من المؤكد قابلتهم ولكن لم يكن دورهم كبير كدور ذلك الحيوان.
بينما "سمير" نظرته إلى "مريم" لا يدري لماذا أصبحت هكذا! يرى حقًا أنها تخصه ومسؤولة منه هو لا غيره، يشعر بأنه عليه حمايتها من أي شخص يريد أن يؤذيها، يراها زوجته، أو ربما خطيبته ولكن لا يراها شقيقته بتاتًا، ربما يشعر بـ الإعجاب الكبير ناحيتها، ربما يريد التحدث معها والتودد إليها والنظر إلى عينيها العسلية الصافية المماثلة لشقيقتها، ربما يريدها له!؟
جلس "جمال" بوجه شاحب أمام عيني "مسعد" المشتعلة بالغضب لعدم حضور ماله إليه والآن بالتحديد، بعد انتهاء المدة المحددة بينهم لإحضار ماله الذي قد أعطاه له اعتقادًا أنه سيتزوج شقيقته.
- فلوسي فين يا جمال.
زفر "جمال" بحدة وهو يعتدل أمامه في جلسته ليتحدث بغيظ وضيق منه.
- ما أنتَ عارف الحال يا مسعد ولا عايزني اجي احكيلك القصيدة كل يوم.
أردف الآخر يتهكم عليه وهو يتذكر عندما أخذ منه ماله واعدًا إياه بزواج شقيقته.
- وكان فين الحال ده وأنتَ بتاخد مني الفلوس يالا.
لوح له "جمال" بيده بعصبية وحنق وهو يراه يصر على أخذ ماله الذي لا يأتي شيء بجانب ما يملكه، ولكنه يفعل ذلك فقط ليضيق عليه الطريق.
- بقولك ايه دول هما عشر تلاف عُمي مش هتزلني بيهم.
زفر "مسعد" دخان سيجارته بحدة وعصبية ووقف على قدميه متقدمًا منه ليجلس أمامه على الناحية الأخرى من المكتب.
- لأ هزلك وازلك وازلك كمان… فلوسي لو ماكنتش عندي بعد أسبوع بالظبط أنتَ عارف أنا هعمل ايه.
نظر إليه "جمال" باحتقار وحقد يظهر على ملامح وجهه بالكامل وأردف مُجيبًا إياه بسخرية وتبرم.
- عشر أيام ويكونوا عندك على الجزمة.
استغرب أنه هذه المرة من وضع المهلة المحددة ثم لعب على أحبال عقلة الملتوية.
- ايه تكونش ناوي تخفف ايدك.
استخف به وهو يلوي شفتيه عائدًا بظهره إلى الخلف.
- سبتهالك يا أبو السعد والهنا ابقى خففها أنتَ.
تعمق باللعب وهو يسير على أحبال عقلة الملتوية منتقلًا إلى أحبال عقلة الذائبة والمائلة إلى التلاشي.
- لأ مهو أنا مش محتاج، أنتَ اللي محتاج بس الصراحة أنا لو عندي جوز أختي اسمه أبو الدهب كنت خففت ايدي وسحبت حتتين منه أو من أختي نفسها.
فكر "جمال" بحديثه بجدية وكأنه نوى فعل ذلك حقًا بعد أن وجد أن ذلك لن يفرق معهم من الأساس فهم في حال جيد، بل جيد للغاية حتى أن هدير تعطي والدته أموال كثيرة من الحين إلى الآخر.
استرسل "مسعد" حديثه وكأنه حرباء تتلون بألوان عديدة مختلفة على حسب الفكرة التي يريد أن يوصلها إلى عقله.
- ويسلام بقى لو يقع عليك عريس متريش لأختك الحلوة الصغيرة هتبقى قُضيت معاك.
نظر إليه "جمال" بجدية وداخله يرفض الفكرة تمامًا فربما هو وافق على شقيقته "هدير" لأنه لا يخاف عليها من بشر إنها تستطيع أن تجعله يتمنى الموت إن أصبحت زوجته ولكن "مريم" لن تفعلها.
- متفكرش فيها يا مسعد، يمكن وافقت على هدير علشان بتعرف تخربش وتاخد حقها من عين التخين وكانت هتقرفك في عيشتك إنما مريم لأ.
رفع نظرة إلى سقف الغرفة بهيام وهو يُجيبة ويتذكر ملامح وجهها المحرمة عليه.
- ومين قالك إني فكرت فيها.. أنا كل تفكيري في برنسس الحارة اللي هتجيلي راكعة يا جمال يا ابن الهابط.
ظهرت سخرية شقيقها على وجهه بعد الاستماع إلى كلمات ذلك الأحمق الذي يظن أنها تترك "جاد" الشاب، الناضج الصالح، وربما يظهر عنفوانه عليه في بعض الأوقات، يحبها وتحبه ويعمل ويملك ما تتمنى أي امرأة لأجله هو! لأجل رجل كبير! قليلًا ويصل إلى عمر والدها الراحل، لأجل رجل لا يعرف للدين باب ولا للرحمة طريق وما يهمه بها شيء ندركه جميعًا.
- وهى مع جاد أبو الدهب!. مظنش يا.. يا مسعد يا ابن الشبط.
ابتسم بسخرية هو الآخر وأردف بثقة وكأنه يعلم أن حديثه سيحدث حقًا.
- بكرة نشوف كلام مين اللي هيمشي.
"في المساء"
جلس "جاد" في صالة منزلة أمام التلفاز وزوجته في المطبخ تحضر عصير البرتقال لهم هم الاثنين، أخذ ريموت التلفاز ثم قام بخفض صوته قليلًا وترك الريموت مرة أخرى وهو يمسك بالهاتف لإجراء مكالمة هاتفية، أتت عليه زوجته من الداخل تتمايل بجسدها الناعم المخفي داخل قميص طويل مطبوع بالورود الملونة والذي لا يُظهر من جسدها سوى مقدمة صدرها العلوية وذراعيها، ولكن مع ذلك يبدو القميص الطويل وكأنه جسدها من شدة التصاقه عليها، تحمل صينية العصير على يدها ثم وضعتها على المنضدة أمامه بعد أن أقتربت منه وجلست جواره.
أشار إليها بالصمت وهو يرفع الهاتف على أذنه ليتحدث بجدية وعملية شديدة رأتها كثير من المرات وهي تتابعه من نافذة غرفتها.
- أيوه يا عبده خلصتوا ولا لسه.
صمت ليستمع إجابته وبعدها أومأ برأسه وكأنه يراه مُكملًا الحديث بجدية.
- آه تمام.. عربية ياسر محمد سلمها لـ حمادة وهو هيتصرف فيها شغلها خفيف.
مرة أخرى يصمت ليستمع إليه من الناحية الأخرى وأردف مُجيبًا إياه.
- أنا هكلمه واخليه يبعت حد ياخده بكرة آخر النهار بس اتاكد إن طارق هيخلص شغل فيه النهاردة.
مد يده إلى الطاولة الصغيرة وأخذ كوب من العصير الطازج وارتشف منه بهدوء وهو يستمع إليه ليُجيب بعدها قائلًا.
- ماشي تمام أنا كده كده نازل بكره.
هتف بسخرية وهو يبتسم.
- هو أنا يعني علشان عريس أهمل شغلي.. هنوفق في الاتنين متقلقش أنتَ.
ضحك بشدة على شيء قد قاله له الآخر على الناحية الأخرى ليتحدث بضيق وهو يبعد الهاتف عن أذنه.
- مع السلامة بقى وأنتَ عيل رخمت.
تساءلت زوجته باهتمام وهي تبصره بعينيها العسلية بعد أن أغلق الهاتف.
- أنتَ هتنزل الشغل بكرة بجدمال.
للأمام قليلًا يضع كوب العصير على المنضدة مرة أخرى ثم اتجه بكف يده ليضرب فخذ قدمها اليسرى التي جواره وهو يقول بسخرية وتهكم مازحًا.
- آه أكيد هنزل بقى مش هفضل قاعد جنبك كده.
ابتسمت له بحبٍ وأردفت بهدوء.
- ربنا يوفقك.
اعتدل في جلسته جوارها ليعود مستندًا بظهره إلى الخلف مُعاكسًا للاريكة ووجهه مقابلًا لها.
- ويوفقك أنتِ كمان خلاص امتحاناتك واقفة على الباب بتخبط.
ابتسمت بسخرية وهي تستمع إلى حديثه ثم أردفت بغرور واضح ونبرة لعوب تحتل صوتها وهي تتحدث إليه مُشيرة بيدها بمرح.
- متقلقش عليا أنا لو فضلت من دلوقتي لحد الامتحانات مذاكرتش بردو هتخرج، أنا كنت من أوائل الدفعة.
أبصر غرورها وحديثها معه رافعًا أحد حاجبيه ينظر إليها بدهشة، ثم أردف بعد إنتهاء حديثها بمكر وخبث يظهر عليه وواضح في حديثه ويده التي امتدت إلى جانب خصرها الأيمن.
- ايه الغرور ده… خفي شويه أحسن تفرقعي حتى بصي الجوانب زادت إزاي.
ضربت على يده بكف يدها بحدة ليسحبها سريعًا وهو يضحك بقوة فداهمته بحدة ثم لانت وهي ترفع حاجبيها إليه متحدثة بغرور.
- بس يا قليل الأدب.. أنا لسه زي ما أنا عود مظبوط بالمللي.
يضحك بقوة وهو يراها تلقي كل هذا الغرور عليه مرة واحدة ونظر إليها من الأعلى إلى الأسفل بسخرية ليثير حنقها أكثر وأكثر مردفًا بسخرية.
- اااو مهو واضح يا وَحش.
ضغطت على فكها بقوة وهي تراه يهزأ بها لتردف بحدة مُضحكة.
- بطل تريقة علي.
أمالت عليه بدلال وخصلاتها تعاكسها لتبقى بجانب وجهها ولتظهر أكثر فتنة وجمالًا، هتفت بعفوية ودلال لا يخلوا من الغرور.
- وبعدين لو مش عاجبك يعجب غيرك.
نظر إليها بحدة واعتدل في جلسته هذه المرة ليقترب منها وهنا لن يتقبل الحديث أبدًا مهما حدث، لن يسمح لها أن تتحدث بهذا الشكل مرة أخرى ولا تفكر به من الأساس فهي لن تفتن شخص غيره إلى موته، أردف بصوتٍ حاد.
- هدير…. هتخيبي ولا ايه ما تتعدلي في كلامك.
عادت للخلف برأسها تعود بخصلاتها هي الأخرى ونظرت إليه قائلة بجدية مُستغربة تحوله.
- أنتَ بتتقمص ليه دلوقتي أنا بهزر.
لن يتقبل هذا بأي شكل من الأشكال لا مزح أو جدية، هتف بقوة وصوتٍ حازم.
- ده مفهوش هزار ولا شيفاني بقرون قدامك هعدي الكلام ده واهزر فيه.
وضعت يدها برقة على ركبته تترجاه بعينيها العسلية قبل حديثها لتعدل ما قالته.
- طيب خلاص متبقاش بايخ بقى.
نظر إليها وهو صامت لم يتحدث فنظرت إلى الناحية الأخرى وتنهدت بهدوء وهي تفكر في شقيقتها "مريم" وما تعرضت له من ذلك المجرم الحيوان، أردفت بخوفٍ ولهفة قائلة.
- أنا بجد خايفة على مريم أوي يا جاد مع إني ببينلها غير ده بس أنا خايفه عليها أوي.
زفر "جاد" بقوة وهو يتذكر ما علمه منهن وما حدث معها، لقد كان هذا صعبًا للغاية حقًا، أمسك بكف يدها يضغط عليه بقوة ليمدها بالأمان والطمأنينة.
- بكرة الصبح هنروح نعمل محضر وإن شاء الله هيتمسك ويشوه على الفحم ده طلع عليه قواضي تانية أصلًا توديه ورا الشمس.
أجابت وذهنها معلق بشقيقتها وما يمكن أن يحدث من قِبل ذلك المجرم الآخر.
- يارب.
ابتسم "جاد" ومد يده إلى وجهها ليجعلها تنظر إليه وتحدث بود ليجعلها تطمئن ثم أبتعد عن ذلك الحديث وهو يعبث معها حتى لا تتذكر ما يعكر صفوها.
- إن شاء الله متخافيش… إنما ايه الحلاوة دي، كل ده ورد ايه قاعد في الجنينة.
صاحت بقوة وهي تنظر داخل رمادية عينيه الساحرة الخلابة بعد أن نظرت إلى قميصها.
- إن كان عاجبك بقى.. أنتَ مفيش فرصة تفوتها إلا لما تتريق عليا.
غمز لها بعينيه وهو يعبث معها بنظرة ماكرة خبيثة تعلمها جيدًا.
- بانكشك يا وَحش الله، ما تقوم تدلع لينا شوية كده زي امبارح.
تهكمت بسخرية وتشدقت قائلة بقوة.
- ليه حد قالك بايعه وسطي.
أقترب منها وهو يحرك يده على قدمها قائلًا بعبث ومكر مازحًا معها.
- لأ حد قالي إنه زي الجلي بيرقص رقص حتى وهو ثابت.
- لا يا شيخ.
أومأ إليها برأسه وتعابير وجهه تدعوها للضحك وهو يتحدث إليها.
- بأمانة.
تهكمت بسخرية واضحة لتجعله يتمايل معها على الأنغام بقوة وهي تقول بمكر.
- إن كان كده بقى يبقى أنتَ كمان تتحرك مع الجلي أهو تفرد عضلاتك دي بدل الغيبة عن الجيم.
استحسن الفكرة كثيرًا وود فعل ذلك حقًا فقال بجدية.
- بس كده يلا بينا.
أخذ هاتفه من جانبه ثم ولج إلى أحد التطبيقات الذكية يبحث عن أغنية بخلده تحمل التصنيف الشعبي خالية من الألفاظ الخارجة والكلمات البذيئة ليتمايل معها عليها دون أن يلوث أذنه وأذنها بأغاني قاطعها هو وإياها معًا.
ارتفع صوت الهاتف بالأغنية فألقى الهاتف مرة أخرى على الأريكة ووقف يبعد الطاولة عنهم قليلًا ثم تقدم ناحيتها يأخذ يدها وجميع أعضائه تشتعل بالحماس ليفعل ذلك معها بينما هي استغربت كثيرًا لموافقته السريعة دون اعتراض وكأنه كان ينتظر شيء كهذا.
جذبها لتقف أمامه ثابته فحركها بيده وهو يتحرك معها بخفه على هذه الأصوات التي تضج مسامعهم، لحظات من برودها وهي تنظر إليه وتراه بهذه الحيوية وهذا النشاط وسريعًا بعدها دلفت معه بحالته تلك لترتسم الابتسامة باتساع على محياهم وتتحول إلى ضحكاتٍ رائعة وهم يتمايلون معًا لتبتسم لهم السعادة مرحبة بهم في عالمها.
"بعد مرور أسبوع"
ولجت "مريم" إلى السطح وهي تزفر بضيق وحدة من إزعاج "جمال" لها طوال الوقت، فقررت أن تصعد إلى السطح لتتنفس بعض الهواء الرطب الآن في هذه الساعة.
نظرت إلى جانبها الأيمن بعد أن دلفت لتراه يجلس على المقعد الموجود وبيده سيجارة يدخنها وكوب من الشاي أمامه على الأرضية، نظرت إليه للحظات ثم فكرت هل تجلس هنا! سريعًا نهرت نفسها وتفكيرها كيف تسمح لنفسها بأن تجلس معه دون وجود أحد آخر.
استدارت سريعًا لتهبط مرة أخرى وهي تزفر بضيق وانزعاج شديد، ألا يوجد مكان تجلس به قليل من الدقائق لتشعر بالراحة! وبينما هي تبتعد رأته بطرف عينيها يقف سريعًا من على المقعد داعسًا السيجارة بقدمه ويتوجه ناحيتها يهتف بصوتٍ جاد.
- استني يا مريم.
وقفت مكانها لتراه يقترب منها إلى أن وقف جوارها على مسافة مناسبة، أردفت وهي تستدير تنظر إليه بجدية شديدة.
- نعم فيه حاجه.
سألها باستغراب وجدية وهو ينظر إليها باهتمام يدقق النظر في ملامحها دون خجل.
- أنتِ مالك مبقتيش طيقالي كلمة ليه؟.. دا أنتِ حتى مش طايقة تبصي في وشي.
نظرت إلى الأرضية عندما وجدته ينظر إليها هكذا وأجابت عليه بعفوية شديدة ثم بترت حديثها في المنتصف عندما وجدت نفسها تقول أشياء لا يجب أن تتحدث بها.
- أنا!، بالعكس بقى دا أنتَ…. وأنا ليه هعمل كده يعني.
وضع يده بجيب بنطاله وآمال رأسه إلى الجانب وهو ينظر إليها بدقة.
- ما أنا بسألك أهو.
جذبت أطراف أكمام العباءة على كف يدها بتوتر وهي تُجيبه بابتسامة هادئة.
- لأ أنتَ بيتهيالك كده بس أنا فعلًا بكلمك عادي.
ضيق عينيه السوداء ناحيتها وأقترب قليلًا ومازالت يده بجيب بنطاله وهتف بسخرية.
- لأ مش واضح وبعدين حاسس أنك بتهربي مني دايمًا ومش عايزة تكلميني ولا تسمعيني حتى.
أبتعدت هي خطوة للخلف وتحدثت هذه المرة بحدة ليتوقف عن هذا الحديث الغير صحيح والذي إذا استمع إليه أحد سيقول أن بينهم شيء ما.
- لأ بجد بيتهيالك أنا مش بعمل كده ولو ده حقيقي مكنتش هقف معاك دلوقتي.
أشار برأسه إلى ناحية الدرج وأردف مُجيبًا إياها بسخرية وتهكم واضح.
- ما أنتِ كنتي نازلة جري ولا أنا مش واخد بالي من دي كمان.
نظرت إليه بهدوء وأجابته بطريقة فظة وهي توضح له سبب ذلك الإحساس الذي يقول عنه.
- الفكرة بس أن مش بحب أبقى مع حد غريب في مكان لوحدي.
ابتسم وهو يخرج يده من جيب بنطاله وأبتعد قليلًا ينظر إلى الخارج ثم نظر إليها وقال بحبٍ وشغف.
- بس أنا مش غريب بالعكس.. أنا قريب وقريب أوي كمان.
لم يستمع إلى ردها عليه بل نظرت إليه باستغراب وفكرت في حديثه الذي لأول مرة يكون واضح هكذا ومنذ فترة وهو مهتم بها من الأساس وذلك يوترها إلى أبعد حد.
- ممكن تديني رقمك.
تساءلت باستفهام.
- ليه؟
أجابها بصدق وجدية وهو ينظر إليها ويقترب مرة أخرى.
- علشان اطمن عليكي لحد ما الواد ده ينقبض عليه.
امتنعت عن ذلك قائلة بآسف يظهر بطريقة فظة.
- آسفة مش هينفع.
تساءل بجدية مستغرب رفضها مع أنها في يوم قد اعطته لـ "جاد" أمامه دون امتناع.
- ليه؟
وضعت يدها أمام صدرها بتحفظ وأبصرته باستغراب متسائلة داخلها كيف له أن يتحدث هكذا ومن أين أتى بكل هذه الشجاعة.
- نفس الحكاية مش هينفع أكلمك.. يعني هكلمك بصفتك ايه؟.
عاد يضع يده في جيب بنطاله بهدوء مُميت ونظر إليها بحبٍ رأته قبل في عيني "جاد" لشقيقتها ولكنها كذبت نفسها من رؤيته هنا.
- على راحتك بس قريب هتكلميني يا مريم وبصفتي حاجه كبيرة وقريبة ليكي أوي يمكن أكتر من نفسك.
- عن اذنك.
تركته سريعًا وعادت مرة أخرى تهبط الدرج لتبتعد عن حديثه الموتر للأعصاب والذي يلعب به على أحبال حبها له، لقد استغربت كثيرًا من حديثه معها هكذا لأول مرة، ربما شعرت بأنه يقترب منها منذ زواج "هدير" و "جاد" ولكنه لم يتحدث أبدًا بهذه الصراحة من قبل وقد فهمت ما الذي ألقاه عليها ولكنها منعته عن عقلها حتى لا تأتي بالمتاعب إلى قلبها قبل عقلها وهي مازالت في بداية الطريق.
وقفت "هدير" في مطبخ والدة "جاد" تعد معها الطعام للعشاء لزوجها ووالده بحبٍ كبير بينها وبين والدته وهم يتسامرون في الحديث معًا.
حملت صينية المكرونة على يدها بعد أن انتهت منها وبقي فقط آخر مهمة لفعلها وهي تسويتها، وضعتها أمامها على رخامة المطبخ متسائلة.
- ها يا ماما فهمية احطها في الفرن كده.
نظرت إلى الصينية وهي تقطع السلطة وأومأت برأسها بهدوء والابتسامة على وجهها.
- أيوه كده حلوة أوي يا حبيبتي تسلم ايدك.
استدارت "هدير" لتذهب إلى الفرن في الناحية الأخرى وهتفت بابتسامة عريضة تُجيبها.
- يسلملي عمرك وكلامك الجميل.
نظرت إليها والدة زوجها بحبٍ وحنان وهي تمدح بها وكأنها ابنتها قائلة بحماس وطريقة شعبية.
- كلام ايه يابت يا هدير طب والله أنتِ ما يُعلى عليكي في الطبيخ وبعدين دا جاد بيشكر في أكلك وده مش من العادي يابت افرحي.
تركت الصينية في الفرن بعد أن اشعلته ووقفت جوارها تتسائل بلهفة عن حديث زوجها الحبيب عن مأكولاتها.
- بجد بيشكر في أكلي؟
أكدت والدته الحديث بجدية وهي تقص عليها ما حدث بالأمس من ابنها وزوجها ومازالت تقطع السلطة.
- إلا بجد، امبارح وهو هنا الحج كان بيقوله يتغدا معانا مرديش أبدًا وقال ايه أكل هدير ياما.. أكل هدير ياما، قولتله قوم يا واد أمشي من هنا.
ابتسمت "هدير" بسعادة بعد الاستماع إلى ذلك الحديث منها ثم جاملتها بود ولين قائلة.
- لأ بس بردو مفيش أحسن من أكلك ده أنا هتعلم منك واعمله علشان ابقى جمعت كل حاجه حلوة يحتاجها.
ابتسمت باتساع وهي ترى زوجة ابنها تود أن تجعله لا يفتقد بها شيء بل تجمع كل ما هو يريده بها لتوفر له الراحة والسعادة معها، تحدثت هي الأخرى بابتسامة عريضة.
- تعجبيني يابت يا قمر أنتِ اتشكلي كل يوم وخليه يلف حوالين نفسه كده من جمالك، قفلي عليه كل البيبان علشان عينه متبصش بره أبدًا.
أردفت "هدير" سريعًا بعد هذه الكلمات من والدته بلهفة وثقة من حديثها ومنه هو أولًا.
- لأ لأ جاد مش بتاع كده مش بيبص بره ده بيغض بصره في أي مكان.
تركت والدته السكين من يدها وتقدمت إلى حوض الغسيل لتغسل يدها وهي تهتف بفخر واعتزاز بولدها.
- طبعًا تربيتي أنا والحج رشوان ده الحيلة.
تساءلت "هدير" باستنكار وهي تستند بظهرها إلى رخامة المطبخ.
- هو صحيح انتوا خلفتوا جاد بعد تسع سنين.
أجابتها بجدية شديدة وهي تحمد ربها على هذه النعمة الذي من عليها بها، وأكملت حديثها بجدية ولهفة لرؤية صغار ولدها.
- أيوه بس الحمدلله دلوقتي نحمد ربنا ونشكر فضله.. وشدوا حيلكم انتوا بقى مش عايزين تأخير عايزين قطط صغيرة كتير كده تلعب حوالينا.
تمتمت "هدير" مُبتسمة.
- إن شاء الله.
نظرت إليها "فهمية" باستغراب لعدم رؤية حماسها فصاحت بجدية وحزم متسائلة.
- اوعي تكوني مش ناوية وتقوليلي التعليم وابصر ايه.
أجابتها "هدير" بصدق خالص ونظرة بريئة من عسلية عينيها الصافية.
- لأ لأ والله أنا سيباها على ربنا واللي هو عايزه هيكون.
رفعت غطاء القِدر وهو على الموقد وسارت تقلب محتوياته بالملعقة الكبيرة وهتفت قائلة.
- ونعم بالله يا حبيبتي.
مرة أخرى تساءلت "هدير" بفضول.
- هو سمير وجاد أخوات؟ راضعين على بعض قصدي.
ابتسمت "فهيمة" باتساع وهي تتذكر تلك اللحظات التي مضى عليها أكثر من ستة وعشرون عام.
- أيوه، أم سمير سابته معايا وهو عمر سنة وراحت مشوار مع الحج عطوة وفضل هو زن زن طول عمره زنان الواد ده وكان جاد عمر سنتين ولسه بياخد لبن طبيعي فقومت مرضعة سمير.
استمعت إلى حديثها وابتسمت بعمق وما لبثت أن تتحدث إلى أنها استمعت إلى صوت باب الشقة يُفتح ثم يُغلق مرة أخرى فاستشعرت أنه زوجها.
- ده شكل جاد طلع.
وقف على عتبة باب المطبخ جوارها وغمز إليها بعينيه بخفه ثم أردف وهو يشاكسهم بمرح.
- يا مساء الفل على أجمل اتنين في الدنيا.
استدارت والدته تنظر إليه بسخرية وهتفت قائلة مُبتسمة.
- شوفي البكاش.
رفع يده وأشار إلى نفسه بطريقة درامية وكأنه حزين ثم ابتسم وهو ينظر إليها.
- بقى أنا بكاش يا أم جاد.. دا أنا الحيلة يا أم جاد.
- بس يا واد بقى الله.
نظر إلى زوجته التي كانت تتابع الموقف بينه وبين والدته بابتسامة عريضة وأردف وهو يمسك بزر القميص الذي جذبه منذ لحظات ليقع بيده عن عمد.
- هدير زرار القميص انقطع تعالي خيطيه.
أعتدلت في وقفتها وهي تتجه إلى الفرن لتلقي نظرة على الصينية التي وضعتها.
- طب خمس دقايق بس هشوف صينية المكرونة.
غمز إليها وهو يقترب ويذهب إلى الداخل قائلًا.
- تعالي بس والحجة هتشوفها.
فتحت والدته الثلاجة ونظرت إليه من خلال بابها وهي تتهكم عليه وقد فهمت أنه يريدها لغرض آخر.
- زرار بردو يسطا جاد.. روحي، روحي ياختي شوفيه عايز ايه.
نظرت إليها باستغراب من حديثها الذي لم تفهمه وحاولت الإعتراض ولكنه لم يدعها تكمله.
- لأ بس هشوف…..
تقدم منها ثم جذب يدها وخرج بها من المطبخ بقوة وهو يلعن ذلك الرأس اليابس.
- ما قالتلك روحي بقى الله.
رأته يأخذها باتجاه غرفة نومه هنا فامتنعت وقد فهمت ما الذي يريده وفهمت أيضًا ما الذي كانت تتحدث عنه والدته فقالت باحتجاج.
- في ايه يا جاد ماينفعش كده.
دلف بها إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه بقوة ودفعها خلفه لتواجه الباب بظهرها فاقترب منها بشدة قائلًا بصوتٍ خافت.
- هو ايه ده اللي ماينفعش؟
هتفت باسمه بلين ورقة لتجعله يتركها تذهب للخارج حتى لا تحرج أمام والدته ولكن أتى ذلك بنتيجة أخرى.
- جاد.
أمسك بكف يدها ورفعه إلى فمه يقبله برقة وحنان بالغ والشغف داخله نحوها يزداد يومًا بعد يوم، تحدث بحبٍ وحنان.
- وحشتيني يا عيون جاد.
ابتسمت بخجل وهي تنظر إلى رمادية عينيه الخلابة التي تجذبها إليه من نظرة واحدة وأجابته بلين ورقة بالغة وهي ترفع كف يدها الأخرى إلى وجهه تتحسس وجنته اليسرى بيدها بحنان وطريقة جعلته مجنونًا.
- وأنتَ كمان على فكرة.
أقترب منها ووضع قبلة سريعة على شفتيها ثم عاد للخلف قائلًا بنبرة رجولية خبيثة.
- خمسة استراحة بقى قبل الحج ما يوصل!
امتنعت وحاولت أبعاده عنها لتخرج إلى والدته حتى لا تتأخر عليها.
- لأ لأ بجد والله عيب كده.
نظر إليها باستغراب وقربها منه أكثر بعد أن وضع يده الاثنين حول خصرها يقربها منه حتى لا تبتعد.
- هو ايه ده اللي عيب يا مجنونة أنتِ، أنتِ مراتي يا وَحش.
حاولت أبعاد يده بجدية وهي تتحدث بحزم مقررة أنها لن تجاريه فيما يفعل هنا بالأخص أمام والدته وربما يحضر والده في أي وقت ليتناولوا العشاء معًا.
- مراتك بس ده مش بيتنا وبعدين أبوك زمانه جاي علشان نتعشا… أبعد بقى الله يخليك زمان ماما فهيمة بتقول علينا ايه دلوقتي.
ضحك بقوة أمام وجهها وأقترب منها يحرك أنفه أمام أنفها وهو يلامسها وهتف بقوة وداخله طاقة مكبوتة يريد إخراجها الآن عليها.
- هتقول عرسان.. عرسان.
زفرت بحنق وضيق شديد وهي لا تصل إلى فائدة من الحديث معه.
- يوه يا جاد أبعد بقى كده.
- تعالي أنتِ بس كده.
ابتسم بمرح وجذبها إلى داخل الغرفة بخبثٍ ومكر شديد تحلى به لينال منها ما يريد فحاولت أن ترفع صوتها وهي تبتعد عنه بقوة خائفة من أن يأتي والده الان أو تناديها والدته.
- على فكرة بقى لو طلع صوتك هتقولعلينا كتير.
زفرت بوجهه بضيق وانزعاج شديد فابتسم بوجهه محاولًا ارضائها معبرًا لها عن كم الاشتياق بداخله لها وكم يريد عناقها ووجودها معه الآن.
فمالت رأسها ناحيته عندما استمعت إلى كلماته وحركاته تجاهها وكم يبدو عليه اللهفة والشغف تجاهها، أقترب منها ووضع قبلة حنونة رقيقة على شفتيها وكأنه يخاف خدشها بشفتيه الغليظة الرجولية.
أقترب أكثر ثم أكثر متناسيًا وجودهم في منزل والده ووجود والدته بالخارج ولحظات أخرى ويأتي والده يتناولوا الطعام سويًا ولكنه عندما أقترب منها أبتعد كل شيء عن ذهنه سواها هي فقط.. هي من بقيت داخله وخارجه وبكل الحب يعترف بذلك، أنها استحوذت على عقله وقلبه وجسده وكل ما به ووصلت لمرحلة لم يكن يعتقد أن هناك من تنالها منه لقد وصلت إلى أسمى درجات الحب وما بعد الهوى.
رواية ندوب الهوى الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندا حسن
وقفت “هدير” في مطبخ شقتها القديمة، منزل والدتها في بيت والد “جاد”، كانت تعد الطعام مع شقيقتها ووالدتها في المطبخ إلى حين وصول زوجها حيث أنها اليوم ستتناول الطعام هنا هي وإياه بطلب من والدتها.
لقد أعدت والدتها الكثير من الأصناف الشهية والمحبوبة لدى “جاد” بالأخص وقد علمت ما الذي يحبه من ابنتها لتقوم بالترحاب به في منزلهم لأول مرة بعد زواجه من ابنتها.
هناك سعادة ليست غريبة على “نعمة” بل كانت تعلم كيف تشعر بها على الطريقة الصحيحة دون أن تخلق أسباب واهية تُحيدها عنها، بعد أن تزوج ابن عائلة “أبو الدهب” من ابنتها العنيدة الشرسة الرقيقة الجميلة بنفس الوقت.
وقد كان هذا حلم بعيد صعب المنال، من المستحيل أن يحدث ولكن وضعت الأسباب ونُفذت القرارات لتكن الآن متزوجة منه وأصبحت من أهم الأشخاص في هذه الحارة، بعد أن أصبحت فرد منهم، فرد من أهم العائلات وأفضلها هنا.
دعت كثيرًا بأن تصبح شقيقتها الصغرى لها حظ مثل “هدير” ويأتي إليها شاب صالح متقي ومقتدر بذات الوقت ليعوضها مثل شقيقتها، وليجعلوا كل منهن تتناسى كل ما رأته في حياتها هنا فلم تعيش أي واحدة حياة طبيعية مثل أي فتاة في عمرهم، تمزح وتمرح وتتلقى كل مطالبها وتكن أمامها مُجابة.
ابتسمت “مريم” بسعادة كبيرة وهي ترى والدتها متلهفة هكذا أن تجعل كل شيء على قدر عالي من الاستحسان.
غمزت “هدير” بعينيها وهي تقف تقلب الطعام ثم أردفت بنبرة ماكرة وهي تتهكم على والدتها بطريقة مازحة:
عقبالنا يارب.. عقبالي كده يا هدير لما اجي زيارة للبيت وأمي تلف حوالين نفسها علشان تعمل لجوزي أكل حلو من ايديها.
ابتسمت “هدير” بغرور أمامها، رفعت كتفيها وأخفضتهم مصطنعة التعالي والكبرياء:
دي حاجات بتظهر لناس ناس ايش فهمك أنتِ.
أردفت والدتهم بعد صمت وهي تتابع حديثهم الذي تفهمه من البداية، هتفت بابتسامة ساخرة وهي تتحرك في المطبخ بجسدها الممتلئ قليلًا:
هاتيلي عريس زي جاد، ابن ناس ومحترم ومتربي وأنا أعمله الحلو كله.
وضعت “مريم” يدها في خصرها ونظرت إليها بضيق مصطنع وهي تتابع قائلة بذهول:
لا واللهِ دا على أساس يعني إن أنا اللي هجيب العريس.
أردفت والدتها بفتور قائلة:
اومال.
كادت “مريم” أن ترد عليها ولكن “هدير” أردفت بسرعة وهي تبتعد عنهم إلى الخارج قبل أن ينشب عراك بينهم ككل مرة:
بقولكم ايه أنا رايحه اتوضا وأصلي أحسن.
خرجت من المطبخ فاستمعت إلى صوت الباب يطرق من الخارج فعلمت أنه جاد قد حضر لأن “جمال” معه مفتاحه الخاص.
صاحت لـ “مريم” أن تفتح له الباب حتى لا تتقدم من الباب بملابسها هذه وتظهر إلى ردهة المنزل من الخارج.
فتحت له “مريم” ورحبت به كثيرًا ثم جعلته يدلف إلى الصالة يجلس بها ودلفت إلى والدتها في المطبخ والتي خرجت هي الأخرى بعد أن غسلت يدها وعدلت هيئتها لتسلم على زوج ابنتها التي لأول مرة يدلف منزلهم بعد الزواج وبعد ذلك تركته وعادت لترى ما الذي تفعله في المطبخ من طعام وأصناف ستقدم إليه.
لحظات ووجد زوجته تخرج من المرحاض ووجهها مبلل بالمياة وقدميها كذلك ويدها الاثنين، توصل إليه أنها كانت تقوم بالوضوء لتصلي ربما.
لفت نظره ما ترتديه هنا! لقد كانت ترتدي بنطال بيتي قصير يصل إلى ركبتيها ويظهر باقي قدميها البيضاء بسخاء مغري وكأنها عرض للجميع ليرى ما يريد! يعلو البنطال تيشرت من نفس لونه يصل إلى خصرها عنوة عنه ومقدمة صدره مفتوحه للغاية وكذلك ذراعيها مثل قدميها يظهران بسخاء بسبب انعكاس اللون الأسود مع بياض بشرتها!
غير خصلاتها الظاهرة التي ترفعها فوق رأسها بكعكة يخرج منها خصلات متمردة.
نظر إليها بغضب وهو ليس سريع الغضب ولكنها حتمًا ستجعله يجن من حديثها قبل أفعالها الغريبة هذه.
اقتربت عليه بابتسامة هادئة وهي تنظر إلى عينيه الرمادية التي تسحرها، أقتربت منه إلى أن وقفت أمامه وهتفت بلين ودلال:
حمدالله على السلامة.
أمسك معصم يدها ووقف على قدميه دون سابق إنذار ودون حديث متقدمًا إلى غرفتها.
فصاحت بقوة وهي تضغط على أسنانها ولكن بصوت خافت حتى لا تستمع شقيقتها أو والدتها:
جاد.. بلاش جنان بقى أنتَ هتفضحنا.
ظنت أنه يريد أن يفعل مثلما فعل بمنزل والده وتحت أنظار والدته، التي كانت خجلة منها للغاية عندما خرجت أمامها بعد ربع ساعة أو أكثر.
فتح باب غرفتها الذي كان نصفه مغلق وكاد أن يدفعها قبله للداخل ولكن توقف سريعًا يغلقه مرة أخرى عندما وجد نافذة الغرفة التي تتطلع على الشارع بالخارج مفتوحة.
نظر إليها بقوة وحدة وعينيه غابت رماديتها واحتلها لون آخر حاد غير ذلك الذي تحبه، أبعد نظرة عنها ودلف إلى الغرفة مغلق الباب خلفة، تقدم إلى الداخل وثني قدمه على الأريكة لكي يغلق النافذة التي طل منها عبده أمام الورشة يبتسم إليه عندما رآه.
بادله ابتسامة باردة ثم أغلق النافذة وعاد لتلك المسكينة التي لا تفهم شي مما يفعله، فتح الباب الغرفة وجذبها للداخل تحت نظراتها المندهشة من أفعاله الجنونية، أغلق الباب مرة أخرى بعد أن دلفت وقال بصوت قوي حاد:
ايه اللي أنتِ لبساه ده؟ هو أنتِ مفكرة نفسك فين بالظبط.. أنتِ مش في شقتك يا هدير علشان تلبسي كده.
نظرت إلى نفسها بدهشة واستغراب شديد وهي تعيد كلماته داخل رأسها مرة أخرى، كيف ليست بشقتها إذًا شقة من هذه؟
رفعت نظرها إليه وتساءلت باستفهام وهي تلوي شفتيها:
اومال أنا فين يا جاد؟ منا في بيتي أهو وبعدين مفيش حد غيري أنا وماما ومريم وأنتَ لسه جاي ومريم اللي فتحت الباب فين المشكلة بالظبط مش فهماك.
أقترب منها وقلص المسافة بينهم وهو يتحدث مشيرًا بيده بحدة ونظرته مثبتة على عينيها العسلية الصافية التي تبادله باستفهام:
هي المشكلة هنا بس يعني! وجمال أخوكي عادي يشوفك بالمنظر ده ولا الشباك المفتوح على آخره في اوضتك ولا أي حد من الجيران اللي بيقعدوا مع أمك.
أبصرته باستغراب شديد وهي تفكر داخلها هل هو طبيعي أم ماذا؟ يتحدث بأي شيء ليقول إن هذه الملابس غير مناسبة وحسب.
رفعت حاجبها الأيمن إلى الأعلى عن الآخر وقالت بقوة تماثله:
جاد أنتَ بتقول ايه بجد هو أي هبل وخلاص.. جمال أخويا ده أولًا ثانيًا الشباك أنا عارفه أنه مفتوح ومكنتش هدخل أنتَ اللي دخلت زي الطور الهايج وجيران أمي ستات… ستات.
استفزه حديثها وتبريرها الواهي، يعلم أن جمال شقيقها هل هو لا يعلم؟ إنه يعلم ولكن لا يحق له رؤيتها هكذا وهي أيضًا كان من الاحترام أن تخفي جسدها هذا عنه وعن شقيقتها ووالدتها حتى، أهو مجنون مثلاً. إنه فقط لا يريد أن يراها أي شخص هكذا حتى وإن كانت امرأة.
دفعها بكف يده بخفه في كتفها ولكنها هزيلة أمامه تفاعلت الدفعة الخفيفة معها لتعود للخلف بقدمها تلتصق بالحائط فشهقت متفاجأه من فعلته المباغتة وأردف هو أمام وجهها بجدية:
ما أنا عارف أنهم ستات وعارف أن جمال أخوكي بس ده مش منظر تطلعي بيه ولا تقعدي بيه كده هنا والحاجات دي متعملتش علشان تلبسيها هنا ولا جبتيها في جهازك علشان تلبسيها هنا وبلاش تخليني اتغابى بسبب كلامك المستفز ده.
أشار إلى جسدها بيده يتحدث باستهزاء وسخرية يملؤها الغضب المكبوت:
وبعدين بصي كده الشوية اللي هي مخبياهم مش قادرة عليهم… شفافة وكله باين من تحتها ولا استعميتي دلوقتي.
دفعته بقبضة يدها عنها لكي يبتعد وتتقدم إلى داخل الغرفة ولكنه لم يتزحزح من أمامها فتحدثت بحدة وعصبية ساخرة مثله تمامًا:
استعميت ايه أنتَ اللي حساس زيادة عن اللزوم.. دي برمودا عادي يعني ومفيش حد غريب قاعد علشان تعمل كل ده.. وأبعد بقى علشان عايزة أصلي.
قالت أخر جملة بين كلمتها وهي تدفعه بيدها من أمامها لتذهب ولكنه تمنع عن فعل ذلك وضايقها أكثر عندما وضع يده الاثنين من الناحيتين على الحائط يحاوطها بهما وأقترب أكثر وهو يبتسم بمكر مقرر أن يزعجها أكثر.
واللهِ.. طب ايه رأيك مش هتطلعي من الاوضه باللي أنتِ لبساه ده.
وضعت يدها الاثنين أمام صدرها وتحدثت بسخرية وتهكم واضح أمامه:
كده بقى هطلع من غير خالص.
جاد!
نطق اسمها بحدة وهو يأخذ يديه جانبه مرة أخرى ووقف شامخًا أمامها بطوله وجسده العريض الذي تقف أمامه كابنته.
استمعا من الخارج صوت والدتها وهي تنادي عليهم لتناول الغداء بصوت عالي:
يلا يا هدير جمال وصل وهنحط الأكل.
وضع يده بجيب بنطاله وهو يبتعد عنها قائلًا بجدية:
غيري الهدوم دي يلا.
أبصرته بجدية شديدة وهي مندهشة منه حقًا، إنه يعطي الأمر أكبر من حجمه بكثير، أقتربت من الفراش وجلست عليه قائلة بفتور محاولة أن ترى أين آخره وكيف ستتخطى هذا الموقف معه:
مجبتش هدوم غير دي.
نظر إليها بهدوء وهو يعلم أنها فقط تجادله لترى ما الذي يفعله أن لم توافق، جلس جوارها بهدوء وأردف مُجيبًا إياها بجدية:
البسي اللي جيتي بيها.
امتنعت قائلة بحدة وهي تقف على قدميها مرة أخرى:
ده دِرس أبيض هيتوسخ.
وقف خلفها وعلى حين غرة أمسك بيدها ليجذبها إليه فاقتربت منه ولامست يدها الأخرى صدره وهي تستند عليه، استمعت إليه وهي تنظر إلى عينيه بعمق يهتف بجدية واضعًا النقاط فوق الحروف:
لو بتفكري تمشي كلمتك عليا فده مش هيحصل يا هدير.. جاد الله مش هياخد أوامر ولا هيسمع كلام واحدة ست لو مين هي، حطي ده في بالك أنا هنا الراجل وكلامي هو اللي هيمشي وإذا ملبستيش حاجه محترمة وخرجتي نتغدا مع أهلك يبقى هتلبسي هدومك اللي جيتي بيها ونرجع بيتنا.
وجدها صامتة تنظر إليه ببلاهة ومازالت يدها على صدره وهو ممسك بيدها الأخرى مقربها منه بحدة، استدار بناحيته الأخرى إلى الفراش وأخذ إسدال الصلاة الذي أبصره قبل قليل ووضعه على صدرها بقوة لترفع يدها التي اخفضتها من على صدره تتمسك به كي لا يقع أرضًا.
استمعت إليه يكمل حديثه بقوة وهو يقرب وجهه منها ويوزع عينيه على كامل ملامحها:
أنا عارف إن اللي بره أخوكي بس ده مش مبرر أنه يشوف مفاتنك بالشكل المغري ده وعارف كمان أنك عمرك ما لبستي كده وياريت تستمري في اللي كنتي بتعمليه أنا مش عايز حد يشوف أي حته من جسمك وحتى لو هي ست زيك يا هدير.. ياريت يكون كلامي مفهوم.
ترك يدها واستدار وذهب ناحية الباب ثم هتف قبل أن يفتحه قائلًا بجدية ورفق وكأنه سيحاسب مكانها إن أجلت الصلاة:
صلي قبل ما تخرجي.
فتح الباب ثم خرج وأغلقة خلفه بهدوء بينما بقيت هي بالداخل تبتسم ببلاهة بعد خروجه. هل يغير عليها إلى هذا الحد؟ هل يحبها حقًا! أجل يحبها فليس هناك أكثر من ذلك يثبت حبه لها سوى الكلمات المتبقية.
الكلمات التي تموت في سبيل الاستماع إليها منه، يتغاضى عن الحديث بها ويبدلها بأفعال جميلة ورائعة، تعلم ذلك ولكنها من مُحبي الاستماع والتمتع بلحظة نطق الكلمات المعسولة التي تدل على الحب والهوى القابع داخل القلوب.
لقد أظهر رجولته عبر حديثه عن أنه لن يستمع لامرأة مهما كانت من هي، وأظهر عنفوانه عبر حركات جسده وتعبيرات ملامحه المنزعجة من مراوغتها ومجادلتها معه في أمر يرفضه، يتمتع برجولة شديدة الظهور وحديث ناضج واضح وأفعاله ليست لها مثيل غير تلك النظرات التي تخرج من عينيه الرمادية ترمي بسهام الهوى وكأنها لم تقع به لتسقط أكثر وأكثر والعشق يأتي بآخره معها منتظرة من مُعذب الفؤاد أن يتحدث.
❈-❈-❈
“في المساء”
وقفت أمام المرآة تنظر إلى ما وضع عليها بتركيز شديد وكأنها تبحث عن شيء ما!. وكان بالفعل كذلك وهي ترفع الأشياء الموضوعة عليها أكثر من مرة وتنظر بتركيز شديد وتزفر بضيق وانزعاج حضر إليها الآن.
أمسكت بصندوق الحلى الخاص بها والموضوع به ذهبها بالكامل وذهبت إلى الفراش وافرغت كل ما به لتبحث عن أساورها المفقودة.
بحثت بينهم مرة واثنان وثلاث اعتقادًا أنها لا ترى جيدًا، ذهبت إلى خزانة الملابس وأخذت تبحث بين ملابس الخروج التي قد أتت إليها من قبل وفتحتها، ربما وقعوا هنا وهي تعدل ملابسها!
مالت بجذعها للاسفل وهي تبحث بتركيز وتدقق في الأشياء ربما هي لا تراهم.
رفعت خصلات شعرها التي تنسدل على كتفيها وبجانب وجنتيها تعيق حركتها وتزعجها أكثر، زفرت بحدة وعصبية وهي لا ترى أي أثر لهما.
ذهبت إلى المرآة مرة أخرى وانحنت بجسدها على الأرضية تبحث أسفلها وبجوار المقعد ولكن دون فائدة.
دلف زوجها الغرفة وهو يزيل عنه قميصه البيتي ذو اللون الرمادي كـ عينيه ليبقى عاري الصدر بينما يرتدي بنطال أسود قطني يسير حافي القدمين.
نظر إليها باستغراب بعد أن جلس على الفراش ورأى الذهب الموضوع بإهمال هكذا، لقد كان يدلف لينام قليلًا لأنه لديه عمل كثير في الصباح في الورشة وحقًا هو مُتعب للغاية من كثرة الأعمال المتراكمة عليه.
أردف قائلًا يتساءل عن سبب هذه الفوضى وحيرتها الواضحة:
مالك بتدوري على ايه.
نظرت إليه بعد أن رفعت رأسها ووقفت على قدميها أمامه، تقدمت منه وجلست جواره على الفراش تستدير بجسدها لتنظر إليه وبالمنتصف الذهب الذي أخذت تضعه في الصندوق مكانه مرة أخرى، أردفت بانزعاج وضيق:
في غوشتين مش لقياهم.
استلقى على الفراش في مكانه ولم يعطي الأمر أهمية معتقدًا أنهم في مكان ما وهي قد نسيت، أجابها بفتور:
هيروحوا فين يعني أكيد هنا ولا هنا.. وتلاقيكي أصلًا شيلاهم وناسيه.
صاحت بحدة بسبب توترها وانزعاجها من هذا الموقف واختفاء الأساور المفاجئ:
نسيت ايه يا جاد أنا كنت لبساهم.
وضع يده الاثنين أسفل رأسه ليعلو قليلًا وينظر إليها وتحدث باهتمام حاول إظهاره حتى لا تنزعج:
وبعدين راحوا فين بالراحة بس وأنتِ هتلاقيهم.
تركت ما بيدها وجلست على الفراش نظرت أمامها في الفراغ وهي تحاول أن تتذكر أين وضعتهم بالضبط:
أنا كنت لابساهم وأنا عند ماما وجيت خلعت كل دهبي اللي كنت لابساه وحطيته هنا على المراية وقعدنا بره… دلوقتي وأنا برتب الهدوم وبحطه في الصندوق لقيت الغوشتين مش موجودين.
سألها باستفهام وهو يستدير على جانبه الأيسر يتكئ على ذراعه وينظر إليها:
بس أنا مشوفتش في إيدك دهب وإحنا هناك.
أجابته وذهنها يفكر أين قد تكون وضعتهم أو أين اختفوا منها وهي لم تذهب إلى أي مكان بعيد:
ما أنا كنت خلعاه.
عاد يستلقي على الفراش بهدوء ولا يعطي للأمر بداخله أهمية من الأساس لأن من المؤكد أنها نسيت مكانهم ولكنه يتحدث معها باهتمام حتى لا تنزعج:
طيب ممكن يكونوا هناك نسيتيهم أو وقعوا يا هدير.
أردفت بتشتت واضح وحيرة من أمرها لا تستطيع أن تخفيها وهي تود معرفة أين الأساور:
أنا مش عارفة… أنا حتى مش فاكرة خلعتهم هنا ولا لأ.
استدار للناحية الأخرى ينام على جانبه الأيمن يوليها ظهره قائلًا بنبرة ناعسة، فقد تخطت الساعة الواحدة صباحًا وهو يستيقظ باكرًا لعمله:
ابقي اسألي مريم أكيد نستيهم هناك.
وقفت على قدميها وهي تتوجه إلى خارج الغرفة وخصلاتها تتطاير خلفها بقوة، هتفت بجدية وهي تخرج:
أنا هكلمها فعلًا.
زفر بحنق وهو يستمع إلى صوتها العالي بالخارج بعدما تحدثت مع شقيقتها ولا يستطيع النوم بسبب هذه الأساور الملعونة، وضع الوسادة فوق رأسه لكي يختفي صوتها ولكن ذلك لم يحدث وكان حقًا في أمس الحاجة للنوم.
زفر بضيق وضجر مرة أخرى وهو يقف على قدميه متقدمًا من الباب ليغلقه حتى يستطيع النوم، ولكن عندما أمسك به وقارب على غلقه كانت هي تدلف إليه تهتف بحنق وانزعاج شديد:
مش هناك.. أنا هتجنن راحوا فين بس.
أمسك بكتفيها معًا بيده الاثنين ثم ابتسم بهدوء رغمًا عنه وتحدث بجدية ونبرة خافتة ونظرته إليها رائعة بعينه الناعسة:
ممكن تدوري عليهم بكرة ولا حتى متدوريش هيظهروا لوحدهم صدقيني، بس أنا تعبان واللهِ ومحتاج أرتاح شوية يا هدير.
ابتلعت تلك الغصة التي تشكلت بحلقها بحرج وتوردت وجنتيها بخجل شديد منه، إنها تزعجه دون أن تلاحظ وهو يريد النوم، حقًا استيقظ اليوم مبكرًا ويومه كان حافل بالعمل حتى بعد عودتهم من عند والدتها هبط إلى الأسفل أكثر من مرة إلى الورشة ليريهم أشياء كثيرة وغدًا أيضًا لديه عمل وهي لا تشعر:
أنا آسفة يا جاد ماخدتش بالي والله.
أخذها ناحية الفراش وهو يهتف بصوتٍ حاني:
هقبل آسفك لما تنامي في حضني وتسيبك من كل اللي بتعمليه ده.
ابتسمت إليه وهي تسير معه، صعد على الفراش وهي جوارها، أغلق ضوء الغرفة من مفتاح الكهرباء المجاور للفراش ثم استلقى براحة وهو يفرد جسده عليه وأخذها في أحضانه يقربها منه ويستنشق رائحة خصلاتها الجميلة بالنسبة إليه والمنعشه أيضًا، وضع يده أسفل رأسها والأخرى فوق جسدها القريب للغاية منه.
ابتسمت هي بسعادة وهي تقترب أكثر تستنشق رائحته الرجولية المباحة لها وحدها، ربما هناك كثير من الأشياء داخل عقلها تريد لها إجابة واضحة لتستطيع العيش معه بذلك الحب دون خوف، ولكن كلما رأته يتهرب من نظراتها المتسائلة عادت تتعايش معه دون تساءل وتبعد تشتت تفكيرها عنها لتنعم بالراحة معه.
وضعت يدها فوق صدره العاري الأملس الذي يبدو أسفل يدها كشيء صلب للغاية كالحجر بسبب هذه العضلات والرشاقة التي يحافظ عليها، رفعت قدمها اليمنى ووضعتها فوق قدميه الاثنين من الأسفل ليرتفع القميص عن جسدها مظهرًا ساقيها بسخاء.
❈-❈-❈
“قبل اذان الفجر”
وقف “سمير” في شرفة منزلهم شارد الذهن وصوت القرآن يعلو في ميكروفون المسجد ويستمع إليه جيدًا ولكن تركيزه لم يكن عليه، هو كان بالفعل يستمع لكن تفكيره بها هي!
لا يدري ما الذي حدث إليه هكذا في أيام معدودة وقليلة للغاية بالنسبة إلى موضوع كهذا! إنه لا يفكر إلا بها وحدها ولا يوجد سواها من الأساس ليفكر بها، قبل النوم وعندما يستيقظ وهو يأكل وهو يجلس مع أصدقاءه في المقهى وفي كل وقت يراها ويفكر بها وآخر مرة تمتم باسمها في صلاة العشاء أمس!
إلى هذه الدرجة تستحوذ على تفكيره! كلما رآها دق قلبه بعنف وازدادت وتيرة أنفاسه وكأنه في سباق لا يدري من شدة جمالها وفتنتها أم لأن قلبه يكن داخله شيء لها؟
هو ليس كـ ابن عمه ينتظر سنوات كي يعبر عن حبه ويبقى بانتظار الفرصة المناسبة، وهو ليس مثله أيضًا يبتعد عنها ويبقى حبها داخله حتى لا يغضب الله عليه، نعم يخاف الله ولكن هو ليس من هذا النوع أبدًا مادام نيته سليمة وواضحة وتفكيره به خير حتى ولو لم يكن هناك شيء رسمي بينهم فليحدثها وينظر إليها ويفعل ما شاء مادام هو لم يفعل الحرام.
ما هذا هل يفكر في الزواج منها! يا الله ما هذا التشتت الغريب؟
أخرج سيجارة من علبة السجائر أشعلها ثم قال لنفسه بأنه سينهي كل هذا الأن ويأخذ قرار يخصهما!
إنه يريد رؤيتها دومًا، يفكر بها كثيرًا، يود حمايتها من أقرب الأشخاص إليها، يود أن يكون أقرب إليها من نفسها، يود أن تكون معه بمكان واحد يفعل ما يحلو له معها كأي زوجين، زوجين؟
إنه يحبها، ويريدها بكل جوارحه ولن يؤجل ذلك بعد الآن أبدًا وأول من سيعرف “جاد” لكي يساعده في ذلك.
أخذ الهاتف من على سور الشرفة ثم أتى برقم “جاد” وألقى اتصالًا به ثم وضع الهاتف على أذنه ينتظر رده.
على الناحية الأخرى كان “جاد” نائم مثلما هو وبجواره زوجته على نفس الوضعية، استمع إلى صوت رنين هاتفه والذي كانت هذه المرة الثانية له حتى يستفيق، لقد كان مرهقًا بالفعل.
مد يده المحررة إلى الكومود وأخذ الهاتف ناظرًا إلى شاشته بنصف عين من أثر النعاس، وضعه على أذنه قائلًا بنعاس وصوت خافت حتى لا تستيقظ زوجته:
أيوه يا سمير مالك.
أتاه صوت “سمير” الواضح منه أنه لم ينم من الأساس وقال بجدية لأول مرة هو يطلبها منه، بل كانت هذه مهمة “جاد”:
قوم يا جاد نصلي الفجر.
على الرغم من استغراب “جاد” لهذا ولكنه ابتسم بسعادة لأن ابن عمه بدأ بالتقرب الحقيقي إلى الله، ولكنه أردف بصوتٍ مُنهك خافت:
هصلي هنا يا سمير مش قادر أنزل.
تلف سمير هذه المرة بإلحاح قائلًا:
معلش يا جاد أنزل هنصلي وهكلمك في موضوع مهم وضروري.
زفر “جاد” نفسه بهدوء وهو يُجيبه بالموافقة ثم أغلق الهاتف ووضعه مكانه، أخذ يده من أسفل رأسها تاركها على الوسادة ثم أبتعد عنها ساحبًا ذلك الغطاء الخفيف من آخر الفراش وقام بفرد طويته ليغطي جسدها المكشوف به.
تقدم منها مرة أخرى ووضع قبلة رقيقة حنونة على شفتيها بهدوء وخفة وهي نائمة، ابتسمت في نومها وهي تفتح عينيها بصعوبة وتنظر إليه من بين ذلك النعاس الذي يسرقها بادلها الابتسامة هو الآخر ثم خرج من الغرفة ليذهب إلى المرحاض وتركها تدلف إلى نومها مرة أخرى وهو يعلم أنها بعد قليل ستستيقظ بفعل المنبه المضبوط يوميًا ليستيقظوا في وقت صلاة الفجر ويقوموا بالصلاة معًا كالمعتاد.
من الجيد أنها مستيقظة وانتبهت أنه كان يتحدث إلى سمير عبر الهاتف وسيصلي معه جماعة في المسجد حتى لا تقلق عليه.
بعد انتهاء صلاة الفجر وخروجهم من المسجد سويًا ليعودوا إلى منازلهم، سار “سمير” جوار “جاد” بتوتر وتردد في أن يتحدث لا يدري لما ولكن قلبه يخفق بعنف بسبب مصارحته لأحد غير نفسه بحبها لأول مرة.
سأله “جاد” باستفهام وهو يسير جواره عن ماذا كان يتحدث:
موضوع ايه اللي مهم وضروري ده.
ضرب “سمير” حجارة صغيرة بقدمه بقوة وهو يسير في الشارع ونظر إليه بتردد هاتفًا بنبرة هادئة قليلًا:
موضوع يخصني يا جاد.
رفع “جاد” نظره إليه وعينيه متسعة على ذلك الغبي الذي يهتف بشيء يخصه! وما هو إذًا، سأله مرة أخرى مستنكرًا بضجر:
أيوه ايه يعني.. مالك.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يسير بهدوء وتروي جواره كي لا يصلوا قبل انتهاء الحديث بينهم، ألقى ثقلًا من على صدره مرة واحدة قبل أن يتردد مرة أخرى:
بصراحة كده أنا… أنا بحب واحدة وعايز اتجوزها.
ابتسم ابن عمه بغرابة من تصرفاته الغير طبيعية بالمرة فـ “سمير” لم يكن هكذا يومًا ولم يتردد بأخبار “جاد” أي شيء عنه! رفع حاجبه الأيمن وهو يستدير بوجهه ينظر إليه قائلًا بصوتٍ جاد:
وأنتَ مالك كده ياض خايف ووشك مخطوف ما تفرح دا يوم الفرح كله لما تتجوز وتنقل فوقي أنتَ ومراتك.
ابتسم “سمير” بتهكم وكأن “جاد” سيمانع عندما يعلم هويتها:
مش لما تعرف أنا عايز مين الأول وبعدين تبقى تقول كدا.
استنكر “جاد” حديثه بالفعل هذه المرة أكثر وعينيه الرمادية تنظر إلى الطريق ولكنه يفكر بهذا الأبلة، سأله بهدوء:
هتكون مين يعني؟
وضع يده في جيب بنطاله وأخرج علبة سجائره بقوة ومعها القداحة، وضعها على فمه وأشعلها ثم أخذ يدخنها بشراهة وكأنه يهرب من الإجابة على ابن عمه لسبب لا يعرفه ولكنه على أي حال أجابه بفتور مُصتنع:
مريم أخت مراتك.
مريم!
نطق اسمها باستنكار بعد أن وقف في منتصف الطريق وكأن قدميه ثُبتت هنا واجتاحته الصدمة بسبب إظهار “سمير” هوية من يحبها، هو لا يمانع ذلك ولكن منذ متى من الأساس، لم يشعر أبدًا أن “سمير” يميل بقلبه إلى شقيقة زوجته!. و “سمير” لم يظهر هذا أبدًا كيف هكذا؟
وقف الآخر جواره وهم على مقدمة الشارع الخاص بمنازلهم ناظرًا إليه بجدية شديدة وملامحه تتحدث بالصدق قبل أن تقوله شفتيه التي أردفت بقوة:
أيوه مريم يا جاد.. أنا بحبها، بحبها وعايزها في الحلال زي ما أنتَ عملت بالظبط.
أردف مُجيبًا بجدية بعد أن فكر بالأمر قليلًا:
مفيش مانع يا سمير بالنسبة ليا أنا موافق جدًا كمان.. مريم بنت محترمة ومتربية وهتصونك بس الكلام ده مش أنا اللي أقوله دا لازم يكون من عندهم هما وهي بالأخص.
نظر إليه بعينين خائفتين من القادم، أخذ يتحرك مرة أخرى في الشارع سيرًا وفعل الآخر مثله، لم يستطع أن يخفي ذلك الخوف القابع بداخله بعد كلمات “جاد”، فسأله بقلق ولهفة ظاهرة:
أنتَ شايف أنها ممكن ترفض؟
مط شفتيه للأمام بعدم معرفة لما يقوله وأردف مُجيبًا وهو يستنتج بالمواصفات التي أمامه وما يعرفه:
أنا مش عارف بس يعني هترفض ليه، أنتَ عندك المواصفات اللي أي واحدة تتمناها شاب كويس ومحترم وعنده شغله وبيتهم.
مرة أخرى بقلق أكبر تسائل وهو ينظر إليه مضيقًا عينيه عليه بتدقيق منتظر إجابة منه:
وسني؟
وصل كلا منهما أمام أبواب منازلهم المقابلة لبعضها البعض فوقف “جاد” يفكر بهدوء ثم استرسل قائلًا بجدية واستنتاج توصل إليه:
ماله سنك! علشان أنتَ عندك تمانية وعشرين وهي عشرين بس؟ يعني معتقدش أنها ممكن ترفض علشان سبب زي ده يا سمير… على العموم اللي فيه الخير يقدمه ربنا.
تحدث بآخر جملة بهدوء وهو يأخذ نفسًا عميقًا ويزفره، فتسائل الآخر بجدية أكثر وهو ينظر إليه:
أنتَ هتعمل ايه؟
حرك “جاد” عينيه الرمادية عليه وأردف مُجيبًا إياه قائلًا بنبرة رجولية جادة وهو يسعل قليلًا:
هكلم مراتي واخليها تشوف الدنيا وأرد عليك وبعد كده نمشي في الموضوع بشكل رسمي لو فيه نصيب.
ابتسم “سمير” بسعادة دقت قلبه وظهرت أسنانه البيضاء من خلف شفتيه ثم أقترب من “جاد” يعانقه بقوة عنوة عنه وهو يقول بخفة ومرح:
أنا قولت جاد اللي هيخلص.
ابتسم “جاد” هو الآخر لرؤية هذه الفرحة عليه وشعر بسعادته الغامرة وهو يحتضنه بهذه الطريقة معبرًا عن فرحته الكبيرة بحديث “جاد” وأنه من سيبدأ بالحديث وفعل ما ما يلزم.
❈-❈-❈
بعد أن أدت “مريم” صلاتها، خلعت إسدال الصلاة عنها ثم استلقت على الفراش لتذهب إلى النوم مرة أخرى، أخذت هاتفها من جوارها على الفراش قبل أن تنام وفتحته قد ولجت إلى موقع من مواقع التواصل الاجتماعي المستخدمة في المراسلة عبر رقم الهاتف وكان الواتساب.
ضيقت ما بين حاجبيها بعفوية وهو تفتح الرسالة الخاصة به لترى ما بها والتي كانت عبارة عن صورة مرفقة ببعض الكلمات التي تجعل القارئ لها يرتعش من كثرة الرعب.
كانت الصورة عبارة عن زجاجة غريبة المظهر تبدو متوسطة الحجم ولكنها غريبة وأسفلها كلمات تهديد صريحة وواضحة تخصها هي فقط، وكانت عبارة عن:
“مريومة حياتي.. أحب افكرك أن وشك وجمالك ده كان هيروح قبل كده لولا ستر ربنا معاكي وبصراحة أكتر أنا كمان كنت مستخصر المهلبية دي تروح هدر كده لكن المرة دي مش هتفلتي من تحت ايدي بعد اللي عملتيه.. البلاغ اللي قدمتيه فيا ده تبليه وتشربي ميته، هو محدش قالك اني مدوخ الحكومة ورايا ولا ايه.. خافي على نفسك يا قطة وأنا مستني إتصال منك”.
جلست على الفراش بهلع وخوف وهي تنظر إلى الرسالة عدة مرات متتالية وتقرأها مرة خلف مرة أخرى غير مصدقة ما الذي يقوله هذا الأبلة الحيوان، لقد فزعت من هذا الحديث وهي تعلم أنه مجرم يستطيع فعلها وهذا ليس تهديد فقط بل يستطيع التنفيذ بكل سهولة دون أن تطرف عينيه.
تسارعت دقات قلبها وتضاربت الأمواج داخله بشدة وسارت الرعشة داخل جسدها بخوفٍ وهلع، تركت الهاتف من يدها على الفراش ونظرت أمامها بعينين متسعة غير قادرة على الاستيعاب وما الذي ستفعله الآن!
لم يأتي على خلدها غير “جاد” و “سمير” هم فقط الذين يستطيعون مساعدتها لتخرج من هذا المأزق الكبير الذي وقعت به دون مجهود يذكر فقط جمالها من جذبه إليها وقلة دينه وإيمانه.
حاولت أن تهدأ نفسها وهي تأخذ أنفاس عميقة متتالية وتزفرها بقوة وهدوء معًا، ثم استلقت على ظهرها في الفراش ونظرت إلى سقف الغرفة وأخذت تتمتم بذكر الله حتى يطمئن قلبها ولو قليلًا.
❈-❈-❈
رواية ندوب الهوى الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندا حسن
رواية ندوب الهوى الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندا حسن
رواية ندوب الهوى الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندا حسن
رواية ندوب الهوى الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندا حسن
رواية ندوب الهوى الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندا حسن
“دعنا نخرج من ساحتِنا المملة لنتجه إلى الحزن الصاخب.”
أخيرًا انتهت من تحضير الطعام. اليوم لم يأتِ "جاد" على الغداء مثل كل يوم، بل قال إن هناك أعمالًا مهمة خارج الورشة عليه أن يقوم بها، ولن يستطيع أن يعود على الغداء، بل سيأكل مع العاملين معه. وقد ذهبت هي إلى منزل والدته، ساعدتها في طهي الطعام، وتناولت الغداء معها هي ووالده، وأكملت الجلسة إلى صلاة المغرب، ثم بعدها عادت إلى شقتها لتحضير طعام للعشاء.
رأته وهي تعود، وعلمت أنه قد عاد، فأخذت في الإسراع وأنهت كل شيء في الوقت المناسب، ثم دلفت إلى المرحاض لتستحم وتبدل ملابسها قبل صعوده إليها.
خرجت من المرحاض مرتدية رداءً أبيض طويلًا يصل إلى قبل قدميها بقليل، وتحكم إغلاقه عليها بالرباط الخاص به على خصرها. وجهها أبيض نقي للغاية، مرسوم به نقوش بنية خفيفة رائعة تظهرها بشكل أروع وجمال أكثر، بينما خصلاتها انسدلت خلف ظهرها وهي مبتلة، وظهرت أطول مما هي عليه وتعدت نهاية خصرها بكثير.
تمتمت بينها وبين نفسها وهي تغلق باب المرحاض:
“هلبس بسرعة وأصلي العشاء، وشوية ويكون جاد طلع.”
كادت أن تذهب وتتقدم إلى غرفة النوم لترتدي ملابسها، ولكنها استمعت إلى صوت باب الشقة يُغلق بقوة وعنف، مصدرًا صوتًا عاليًا. ابتعدت عن الممر وحاجباها معقودان، مستغربة عودته الآن قبل ميعاده وإغلاقه للباب بهذه الطريقة. خرجت إلى الصالة لتراه يتقدم إلى الداخل، وعندما أبصرها توقف في مكانه ينظر إليها بجدية شديدة، أو ربما شراسة. ملامحه عابسة ثابتة. هل هو غاضب؟
ابتسمت ببلاهة، محاولة أن تخرج هذا الهراء من عقلها، وهتفت قائلة بهدوء وهي تقف أمامه:
“رجعت بدري عن معادك… هلبس بسرعة وأحضرلك الأكل.”
استدارت لتذهب إلى الداخل، وفي لحظة خاطفة وجدت من يقبض على يدها بقوة ألمتها كثيرًا. استدارت إليه بعنف دون دراية منها ما الذي يحدث، ولكن وقعت عيناها على عينيه الرماديتين بعمق واستغراب شديد. وكان هو في المقابل يحترق، وبقي لحظات ليحضر، وعليه أن يفهم ما الذي يحدث.
تساءلت باستغراب هادئ، وجهها أصبح شاحبًا الآن، وتلك "الهدير" الشرسة التي تظهر في العلن لا تستطيع الظهور أمامه في تلك اللحظات:
“فيه إيه يا جاد؟”
وقف أمامها مباشرةً دون التفوه بحرف، ونظر إليها بعمق وأشبع عيناه من وجهها بالكامل. ومع ذلك لم يستطع أن ينال مراده، لم يستطع أن يهدأ. كانت هي بمثابة المحطة التي يتلقى بها الراحة والهدوء، والآن حاول أن يستغل هذه المحطة، ولكنها لا تعمل معه ولن تعمل في مثل هذه المواقف.
رفع يده بالهاتف الخاص بـ "عبده" لينظر إليه، ثم فتحه لتظهر الصور مرة أخرى أمامه. فأغمض عينيه بقوة، وصدره يعلو ويهبط من شدة الغضب، واليد الأخرى يقبض عليها بقوة محاولًا أن يكبت غضبه.
تساءلت باستغراب وهي تنظر إلى الهاتف الذي بيده:
“بتاع مين ده؟”
أدار الهاتف إليها ورفعه أمام عينيها العسليتين الصافيتين، والتي كانت تتساءل عن أشياء عدة لا تفهم ما هي. علامات الاستفهام داخلها كثيرة لتصرفاته هذه. وضعت عينيها على الهاتف الذي تعلم أنه ليس لزوجها، وياليتها لم تفعل. اتسعت عينيها بقوة وهي ترى هذه الصورة الخاصة بها.
هذا ليس هاتفه، وهذه الصورة عليه، إذًا فهمت لما يتصرف هكذا. ولكن من أين! من أين أتت هذه وكيف؟ إنها في هاتفها فقط، حتى أنها لا تضع صورًا لها بخصلات شعرها الظاهرة هذه على هاتفه، لأنها تعلم أنه يعمل عليه وأي شخص يستطيع أن يراهم إن أخذ الهاتف، ولكن هي لا أحد يأخذ هاتفها!
اتسعت عينيها بقوة أكثر وهي تراه يمرر الصور وراء بعضها بإصبعه، وتظهر أكثر في بعض منهم بعنقها ومقدمة صدرها. من أين وكيف!
رفعت نظرها إليه بعيدًا عن الهاتف، وعيناها تتساءل بقوة ظاهرة، ربما للأعمى. وما كادت أن تتحدث إلا أنه قطع حديثها، وأردف بقوة وخشونة، والغضب داخله ينتظر الدق عليه:
“صورك دي مش كده؟”
تعمقت أكثر بعينيه اللتين ذهب بريقهما اللامع، ورأت هذه الجدية والخشونة الصادرة منه. أخذت كالعادة تضغط على يديها الاثنتين بقوة، وهي تجيب بضعف وذهول معه:
“أيوة… أيوة صوري، بس جم على الموبايل ده إزاي أصلًا؟ بتاع مين ده؟”
أدار الهاتف إليها ورفعه أمام عينيها العسليتين الصافيتين، والتي كانت تتساءل عن أشياء عدة لا تفهم ما هي. علامات الاستفهام داخلها كثيرة لتصرفاته هذه. وضعت عينيها على الهاتف الذي تعلم أنه ليس لزوجها، وياليتها لم تفعل. اتسعت عينيها بقوة وهي ترى هذه الصورة الخاصة بها.
هذا ليس هاتفه، وهذه الصورة عليه، إذًا فهمت لما يتصرف هكذا. ولكن من أين! من أين أتت هذه وكيف؟ إنها في هاتفها فقط، حتى أنها لا تضع صورًا لها بخصلات شعرها الظاهرة هذه على هاتفه، لأنها تعلم أنه يعمل عليه وأي شخص يستطيع أن يراهم إن أخذ الهاتف، ولكن هي لا أحد يأخذ هاتفها!
اتسعت عينيها بقوة أكثر وهي تراه يمرر الصور وراء بعضها بإصبعه، وتظهر أكثر في بعض منهم بعنقها ومقدمة صدرها. من أين وكيف!
رفعت نظرها إليه بعيدًا عن الهاتف، وعيناها تتساءل بقوة ظاهرة، ربما للأعمى. وما كادت أن تتحدث إلا أنه قطع حديثها، وأردف بقوة وخشونة، والغضب داخله ينتظر الدق عليه:
“صورك دي مش كده؟”
تعمقت أكثر بعينيه اللتين ذهب بريقهما اللامع، ورأت هذه الجدية والخشونة الصادرة منه. أخذت كالعادة تضغط على يديها الاثنتين بقوة، وهي تجيب بضعف وذهول معه:
“أيوة… أيوة صوري، بس جم على الموبايل ده إزاي أصلًا؟ بتاع مين ده؟”
وضع الهاتف بجيبه بعد أن استمع لهذه الإجابة المتوقعة، وعاد بنظره إليها يهتف بجمود أحرقها:
“ده تلفون عبده، والصور دي على تلفونات الحارة كلها.”
صُدمت بشدة من حديثه الذي خرج بسهولة، وكأنها ترتدي ملابس الحج. صرخت بعنف وهي تضرب صدرها ووجنتها بقوة:
“يالهوي… يالهوي، ينهار أسود! أنتَ بتقول إيه… إزاي؟”
قبض على معصم بيدها بعنف، ينظر إليها بحدة وغضب يكاد يحرق الأخضر واليابس. تحدث من بين أسنانه وعروقه بارزة بقوة أمام عينيها الخائفة:
“أنا اللي أسألك إزاي، مش أنتِ اللي تسأليني… أنا اللي عايز أفهم الصور دي نزلت إزاي.”
تكونت الدموع خلف جفنيها بكثرة، وهي تشعر بالألم بسبب قبضته على يدها بهذه الطريقة القوية. غير نظراته التي تتهمها بأشياء لم تفعلها.
“معرفش… معرفش الصور دي معايا أنا، وأنا محدش بياخد موبايلي.”
يتساءل مرة أخرى وهو يضغط على يدها بقوة أكثر، وينظر إلى داخل عينيها بعمق:
“الصور دي نزلت إزاي يا هدير؟… بعتيها لمين؟”
خرجت دموع عينيها العسليتين بغزارة، وهي تشعر بالقهر لما حدث معها دون وجه حق. أجابته بصدق، ثم أخذت تحدث نفسها بقوة أمامه وهي تبكي:
“واللهِ ما بعتها لحد… يا فضيحتي! نزلوا إزاي؟ أكيد الحارة كلها شافتهم.”
أخذ نفسًا عميقًا، وهو يحاول أن يهدأ نفسه أمامها، فرؤيتها بهذا المظهر لا تروقه أبدًا. مرة أخرى يسألها بجدية وجفاء، وما زال ممسكًا بيدها:
“طيب… طيب حد خد تلفونك؟”
توقفت عن البكاء بعد الاستماع إلى هذا السؤال منه. نظرت إليه بدقة، وعيناها حمراوان بقوة ووجهها كذلك، ثم أجابته بتردد وخوف:
“لأ… بس…”
ضاق ما بين حاجبيه، وجذب يدها إليه أكثر لتقترب منه، يترقب إجابتها:
“بس إيه؟”
ستكون العواقب وخيمة إن تحدثت وقالت ما أتى بخلدها الآن. ستكون أول من أخطأ وأول من يندم، لذا عليها أن تلتزم الصمت. أردفت بصوت متقطع خائف:
“مفيش… مفيش حاجة.”
شعر أن هناك شيئًا تخفيه عنه ولا تريده أن يعلمه. طريقتها الآن تقول إنها تكذب، وتعلم كيف تم ذلك. وهو لن يجعل الأمر يمر مرور الكرام، وإن كان سيتعاطف معها الآن، فلن يتعاطف. هدر بقوة وعنف، وهو يضغط بيده عليها أكثر:
“وقسمًا بالله العلي العظيم إن ما اتكلمتي لتكوني شايفة مني وش عمرك ما شوفتيه… انطقِ!”
ألمت بقوة أمامه بعد ضغط يده عليها، ثم سحبت يدها بقوة وعنف، وهي تبتعد عنه محاولة أن تتجه إلى ممر آخر في الحديث:
“مفيش بقولك… جاد الكل أكيد شافني بشعري، يارب بقى يارب.”
جلست على أقرب مقعد قابلها، وهي تبكي بقهر على هذه الحالة التي وُضعت بها. مؤكد رآها الجميع رجالًا ونساءً، ستُحاسب على تعرية نفسها بهذا الشكل أمام من لا يحل لها. ولكنها ليس لها يد في ذلك. ولم تستطع القول من فعل ذلك إلا عندما تتأكد أنه هو، وسيكون هو، ليس هناك أحد غيره.
نظر إليها، وربما هناك شعلة صغيرة تدعوه ليطيب خاطرها ويقف جوارها يشعرها بالأمان قليلًا، قائلًا أن هذا سيمر. ولكنه لا يستطيع حقًا، فالأمر أحرق قلبه ومزقه إلى أشلاء. وإلى هذه اللحظة يريد تفسيرًا لما حدث وكيف حدث، وإلا النتيجة ستكون غير مُرضية، لأنها بالفعل تعلم كيف حدث ذلك، ويظهر عليها بوضوح أنها تكذب. يعلم متى تكذب ومتى تكون صادقة.
دق باب الشقة بقوة، فرفعت نظرها إلى الباب والدموع تغرق وجنتيها الاثنين، والهلع داخلها يزداد من نظرة "جاد" الشرسة تجاهها وتهديده الصريح لها.
تقدم من الباب سائلًا مَن الطارق قبل أن يفتح، وهي ما زالت في مكانها. أجابته "مريم" من الخارج أنها هي. فتح الباب ووجهه لا يبشر بالخير أبدًا.
نظرت إليه بلهفة، وتساءلت عن شقيقتها بعد أن قص عليها زوجها ما حدث، وعلمت من الفاعل:
“فين هدير؟”
أشار إلى الداخل، فتقدمت خطوة وأغلق هو الباب من خلفها. سارت سريعًا إلى شقيقتها التي كانت تجلس وتنتحب بقوة بعد أن رأتها. أقتربت منها وجلست جوارها تحتضن إياها بحنان، وكأنها هي الأكبر سنًا والذي يجب عليها احتواء الموقف.
صاحت بحنان قائلة:
“متعمليش في نفسك كده، أنتِ مالكيش ذنب في حاجة، وربنا عارف إنك مظلومة.”
ربتت على ظهرها بحنان وود، وهي تحاول أن تجعلها تهدأ قليلًا وتتوقف عن البكاء، ولكن ليس هناك أي نتيجة إيجابية. فالموضوع مؤثر عليها بشكل كبير. الجميع رآها من دون حجاب، بل رأوا عنقها ومقدمة صدرها. رأوا وهي في أحضان زوجها، وهذا ذنب عظيم لن تستطيع أن تتجاهله. هذه المصيبة الأكبر بحياتها.
صدح صوت "مريم" بقوة وشراسة، والذي استدعى انتباه "جاد" أكثر:
“واللهِ لاولع فيه الكلب الخسيس ده؟ بقى دي عملة يعملها؟ بس أنا اللي غلطانة، قولت أن مش هو اللي بيشتغل و….”
تأكدت هي الأخرى من شكها في هذه اللحظات، وصاحت بقوة وهي تبتعد عنها بحدة لتجعلها تصمت حتى لا يعلم هو:
“مريم!”
نظرت "مريم" إلى زوج شقيقتها الذي أقترب منهم في لحظة، وعيناه تحمل غضبًا لا نهائي، وحركاته هوجاء بطريقة واضحة:
“هو مين ده؟”
أغمضت "هدير" عينيها بقوة تعتصرهما، وهي تود لو تبتلعها الأرض الآن في هذه اللحظة. تمتمت "مريم" بتردد، وقد فهمت أنها لا تريده أن يعلم مَن الفاعل:
“أنا… أنا قصدي اللي عمل كده يعني… لما، لما نعرفه.”
تكذب، يظهر ذلك عليها بوضوح أنها تكذب مثل شقيقتها. ولكنه يعلم من أين سيأتي بالحقيقة، والآن! نظر إلى زوجته التي كانت منحنية على نفسها، وهتف بطريقة فظة وقحة لأول مرة:
“سيبينا لوحدنا يا مريم.”
“حاضر… حاضر.”
وقفت على قدميها، وهي تنظر إلى شقيقتها بأسف وخجل شديد، فهي من فعلت كل ذلك بسبب حركة غبية منها، كان عليها التفكير بها أولًا. توجهت إلى باب الشقة، فتحته، ثم خرجت منه بهدوء، وأغلقت الباب خلفها.
في تلك اللحظة التي طلب بها من "مريم" الخروج، علمت ما الذي يفكر به وما الذي سيفعله. لن يجعل الأمر يمر هكذا، مستحيل.
جذبها من يدها بعنف، يجبرها على الوقوف أمامه بقوة، وصدح صوته الحاد في أذنها:
“في صور تانية على التلفون جسمك باين فيها غير دول؟”
لم يكن يفصل بينهم شيء بسبب جذبه إليها بهذه الطريقة، ولكنها لم تستطع أن ترفع عينيها وتنظر إليه، فهي تعلم ما الشعور الذي يحالفه الآن. أجابت بخفوت:
“لأ… لأ مفيش.”
وضع يده أسفل ذقنها، ورفع رأسها إليه بطريقة فظة حادة لم تعتد عليها منه، وقد كان يريد ذلك حتى يرى عينيها الباكيتين ويعلم إن كانت تتحدث بالصدق أم لا:
“التلفون ده كان مع مين؟”
أبصرته بعينيها الباكيتين بحزن وخوف كبير اجتاحها بسبب طريقته وتعامله الحاد معها لأول مرة، وازداد خوفها من أن يعلم ما الذي حدث.
“مكنش مع حد.”
أخفضت وجهها مرة أخرى، وعيناها تخرج الدموع دون توقف، وقلبها يقرع كالطبول خوفًا وهلعًا، ثم حزنًا وندمًا. أمسك كتفها الأيمن بيد، والأخرى رفع بها وجهها مرة أخرى، صارخًا بعنف:
“اقفي كده وكلميني عدل… كان مع مين يا هدير لآخر مرة هسألك، وبعد كده تصرفي مش هيعجبك.”
لم يأخذ منها ردًا، بل ازداد بكائها مصاحبًا لنحيب أزعجه ورآه تصرف طفولي منها، لابد من رده، فصرخ مرة أخرى بعنف أكبر:
“انطقِ بقولك!”
“كان…. كان عند مسعد.”
لم يستوعب أن الاسم الذي نطقت به صحيح، وأنه من كان لديه هاتفها! ولماذا كان لدى "مسعد" هاتفها؟ ومتى وأين وكيف؟ لابد أنها قابلته حتى أخذه منها، ولكن متى؟ تضخم صدره أكثر وازداد غضبه منها وعليها. وفي لمح البصر، بعد أن رأى عينيها ما زالت تبكي، رفع يده في الهواء ليهبط بها على وجنتها.
رأته في حالة شديدة الخطورة عليها وعليه. علمت لما هو لا يغضب سريعًا، وهذا لأنه عندما يفعلها، فغضبه يحرق كل شيء أمامه. رأته يرفع يده بقوة وعنف، وكاد أن يهبط بها على وجنتها، فاغمضت عينيها الاثنين تعتصرهما بقوة، منتظرة صفعته إليها، وقلبها يدق هلعًا ورهبةً.
قبض "جاد" على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله، وهي في منتصف الطريق إلى صفعها. نظر إليها عندما أغلقت عينيها منتظرة أن يقوم بمد يده عليها، وكم أحرقته هذا الشعور أكثر من شعوره بالغضب. أحرقته شعور أنه كاد أن يستعمل رجولته ويظهر القوة الخاصة به عليها. هذه ليست أخلاقه، ليس ما تربى عليه وعلمه وفهمه من دينه وقرآنه. هذا ليس "جاد".
أغمض عينيه الرماديتين بقوة مثلها تمامًا، ضاغطًا على أسنانه بعنف وحدة شديدة. وضع يده جوار جسده، وفتح عينيه ينظر إليها.
انتظرت مطولًا أن يقوم بصفعها ولم يفعل! فتحت عينيها ببطء وخوف، لأول مرة تشعر به معه. حتى عندما كانت تتعرض للضرب من شقيقها، لم تكن تشعر بالخوف منه أبدًا. هل شعورها تجاه زوجها الآن سيء؟ إنه كان الأمان، كيف أصبح خوفها يأتي منه؟
كاد أن يصفعها ويفعل ما كان يفعله شقيقها! كاد أن يفعل ذلك.
“أنتَ، أنتَ…”
قاطعها، وهي التي بدأت بالحديث، سائلًا إياها بجدية، وصوته أصبح منخفض:
“كان عند مسعد بيعمل إيه؟”
لم يأخذ منها ردًا مرة أخرى. زفر بعنف، وهو يحاول التراجع عن كل ما يلقيه عليه شيطان عقله، ولكن يبدو أنها تريد أن ترى أسوأ ما به. مسح على وجهه بكف يده بقوة وعنف، وسألها ثانيةً:
“انطقِ يا هدير، كان بيعمل إيه عنده؟”
جذبت الرداء على جسدها بيدها الاثنتين، واحتضنت نفسها، وهي تنظر إلى الأرضية، مجيبة إياه بضعف وكسرة قد حلت عليها منذ دلوفه إليها بذلك الخبر:
“وقع مني ومرضيش يفتح. اديته لمريم… وهي ودته لمحل من بتوع مسعد من غير ما تاخد بالها ولا تفكر، وبعدين جابته. محصلش غير كده والله.”
“وأنا رحت فين؟… مُت!”
خرج صوت بكائها بعد الاستماع إلى جملته التي قتلتها وقتلت قلبها الذي كان، وكاد أن يشعر بالسعادة ونعيمها. انتحبت وهي تنظر إلى الأرضية، والرؤية مشوشة من الأساس بسبب هذه الدموع الغبية الذي أخفت عينيها.
نظر إلى وجهها، وهو ينحني برقبته لينظر إليها وهي منخفضة هكذا، وصاح بعتاب ظاهر في صوته بقوة بين هذا الصوت الرجولي الجاد:
“ردي عليا، يمكن أنا مُت… كان فيه صور تانية ليكي بلبس البيت؟”
أردفت بصدق ونبرة مرهقة ضعيفة:
“أيوه… بس كلها كده، مفيش حاجة ظاهرة أكتر من وشي والله.”
توعد "جاد" إليه بقهر وحقد قد أصاب قلبه لأول مرة تجاه أحد. وقد كان يعلم ما الذي يقوله حقًا، وسيفعل به:
“المرة دي بقى هو اللي جنى على نفسه.”
رفعت نظرها إليه بقوة، وتوقفت عن النحيب، رافعة يديها الاثنتين تتمسك بذراعيه، قائلة بهلع وخوف عليه من بطش "مسعد":
“لأ… لأ يا جاد، علشان خاطري، أنا اللي غلطانة.”
حرك عينيه الجادتين على وجهها، وقد كان يود أن يحتضنها ويطمئن قلبها، ولكن فعلتها جعلته باغض النظر إليها ويود الابتعاد عنها. توعد بقسوة، قائلًا:
“لسه دورك مجاش، بس هو لو طلع المرة دي من تحت إيدي عايش، يبقى ربنا بيحبه.”
رفعت يدها بجرأة إلى وجنته، وكأنه سيتأثر بها. أردفت بخفوت وهي تبكي:
“علشان خاطري بلاش… بالله عليك لأ يا جاد.”
أبعد "جاد" يدها عنه، ولم يكن يود النظر إليها حتى بعد ما حدث بسبب تصرفها الغبي:
“ابعدي.”
تحرك ليذهب إلى باب الشقة متجهًا إلى "مسعد". أمسكته من قميصه من الخلف، تجذبه إليه بقوة، وهي تنتحب لأجل ما يريد فعله، ولا تعلم ما النتيجة بعده:
“جاد… علشان خاطري!”
وقف على حين غرة، واستدار ينظر إليها بقوة، وعيناه تشير إلى شيء ما، فوجدته يقول بجدية:
“تعالي هاتي القميص الأسود اللي كنتي لبساه في الصورة.”
هذا القميص الذي أظهر عنقها ومقدمة صدرها. لقد كان مفتوحًا أكثر من ذلك بكامل هيئته، ولكن الصورة أظهرت هذا فقط. نظرت إليه باستغراب وخوف مما يخطط له، سائلة بجدية:
“أنتَ هتعمل إيه؟”
استمع إلى هذا السؤال منها، وهو يجذبها من يدها بقوة وعنف خلفه، متوجهًا بها إلى غرفة النوم لتحضر القميص له كما طلب. أوقفها أمام الخزانة في الغرفة، وأردف مجيبًا إياها بقوة:
“ما يخصكش اللي هعمله… هاتي القميص.”
فتحت الخزانة أمامه، ويدها ترتعش بقوة ظاهرة أمام ناظريه. جذبت القميص من بين ملابسها بيدها المرتعشة، فجذبه منها بقوة، ونظر إليها بعمق داخل عينيها، متوعدًا إياها بقسوة:
“وأنتِ لسه دورك مجاش، بس متستعجليش عليه.”
ذهب إلى الخارج، وتركها تنظر في أثره. استمعت إلى صوت الباب يغلق بقوة، جعلته يصدر صوتًا عاليًا. جلست على الأرضية بضعف وقلة حيلة، وازداد بكائها وهي لا تدري ما الذي سيفعله. تفكيرها الوحيد به هو، خائفة عليه، والهلع سيطر على قلبها الضعيف. ألا يجوز أن تفرح قليلًا! هل ستموت البشرية إن حدث ذلك!
وضعت يدها على وجهها، وهي تبكي بصوت عالٍ وقهر حالفها حتى الآن، ولأول مرة تُوضع في معصية كبيرة كهذه أمام الله، ولكنه يعلم أنها ليست بيدها. لن تفعلها مرة أخرى. لن تأخذ أي لقطات لها مرة أخرى، يكفي هذه.
مسحت على وجهها بقوة، محاولة تخطي حالة الضعف هذه لتنقذ الموقف. وقفت تأخذ ملابس مناسبة من الخزانة حتى تصعد إلى "سمير" ابن عمها كي يذهب خلفه إلى "مسعد" ويوقفه عما يريد فعله، والذي من الأساس هي لا تعرفه. تمتمت بخوف ولهفة، قائلة:
“يارب سلم… يارب سلم.”
***
سار في الشارع الخاص به ورأسه مرفوع عاليًا. جسده متشنج للغاية، وعروقه ظاهرة بوضوح. كان سيره بهذه الطريقة يشير إلى أنه رجل مصارعة، فكانت نظرته حادة ومشيته ثابتة واثقة. وما جعله يظهر هكذا هو جسده الرياضي الذي برزت عروقه بقوة. وبيده القميص الذي أخذه منها يقبض عليه بقوة. ينظر بعيني أي شخص يراه ويمر من أمامه. لن يخجل ولن يخفض عينيه للأرض، بل هناك من سيترك له هذه المهمة.
كان منزل "مسعد" في الشارع الخلفي قريبًا للغاية، وأسفله أقرب محل له، والمتواجد به دائمًا.
دلف "جاد" المحل بكل قوة، ومظهره لا يوحي بالخير أبدًا. رأى "مسعد" جالسًا على مكتبه في مقابلته تمامًا، فنظر إليه مبتسمًا بتشفٍّ من قبل أن يبدأ ما سيفعله، ومع ذلك لن يتراجع. إن نيران قلبه توهجت اشتعالًا عندما أبصره أمامه.
نظر إليه "مسعد"، وكم كان يود أن يضحك بشماتة لما فعله به وبزوجته، ولكن نظرة "جاد" لم تجعله يغتنم هذه الفرصة، بل ارتاب من تقدمه البطيء ونظرته الشرسة هذه. ويال حسن حظه، فلا يوجد غيره هنا!
ترك "جاد" القميص على المكتب بعد أن اقترب منه إلى الغاية، ثم مال عليه بجذعه، ونظر إليه ببرود شديد، لا يدري من أين أتى به:
“أنت عارف دي اللي أنتَ عملته إيه؟ أنا هقولك.”
لم يترك له الفرصة للرد عليه، بل جذبه من مقدمة عنقه، وأبعده به عن المكتب، ثم لكمه بكل قوته، ويالا قوة "جاد" الجسمانية! لن يصدق أحد لو قيل إن "مسعد" كاد أن يفعلها داخل سرواله!
لم يتركه "جاد"، بل تمسك به بقوة، وباليد الأخرى سدد له ما يقارب العشر لكمات بجانب شفتيه، أسفل عينيه، وأنفه الذي ربما يكون قد كُسر. لم يرحمه "جاد". يرى تلك الصور أمام عينيه، ويتذكر نظرة الناس له في الحارة، ويتذكر أن الجميع رأى زوجته بدون حجاب وزينتها ظاهرة للجميع، فيزداد أكثر فيما يفعل.
وقع "مسعد" على الأرضية ووجهه سارت به الدماء بكثرة. رفعه "جاد" مرة أخرى، ثم أعطاه لكمة قوية بقبضة يده في منتصف صدره، جعلته يصرخ من الألم، واقعًا على الأرضية بكل قوته، واصطدمت رأسه بالأرضية بعنف. وإلى هنا هل يكتفي؟ لم يعد "مسعد" قادرًا على الوقوف، ولا حتى النظر إليه. يشعر أن وجهه محطم، وهناك أسنان وقعت من فمه. غير صدره الذي ألمه وكأنه أخذ به طلق ناري.
قوة "جاد" لا تعادل "مسعد" بالمرة، فهو من الأساس لم يستطع التصدي له أو النظر إليه. بقي ملقى على الأرضية غير قادر على فعل أي شيء، فضربه "جاد" بقدمه بكل غل وقسوة في جانبه الأيمن، ثم جسَّ فوقه يسدد له لكمات أخرى وأخرى، وهو يلهث بعنف، وخصلات شعره الطويلة مالت على جبينه ملتصقة به بسبب العرق الذي ظهر لمجهوده في ضرب "مسعد".
دلف "سمير" بسرعة كبيرة إلى المحل وهو يركض حتى يقوم بردع "جاد" عما يريد فعله، بعد أن علم من زوجته. وقف خلفه وانحنى بجذعه محيطًا إياه من الخلف، يحاول جذبه من فوق "مسعد" الذي ربما يكون قد مات حقًا. ولكنه مُصمم على قتله هذه المرة حتى يبتعد عنه وعن حياته بشرِّه وحقده على الجميع.
صرخ "سمير" به عدة مرات حتى يبتعد عنه، وفي نفس الوقت يحاول جذبه، ولكنه لا يستمع إليه من الأساس. صرخ به عاليًا هذه المرة، وهو يدفعه من الأمام بكل قوته ليبتعد عنه:
“كفاية يا حمار، هيموت في إيدك!”
وقع "جاد" على الأرضية جالسًا بسبب دفعة ابن عمه له، فنظر إليه بقوة وحدة، وعيناه يملؤها الشر:
“هو ده المطلوب.”
وقف "سمير" أمامه بعصبية، وهو خائف من تهوره. قد يموت ويزج ذلك الأبلة بالسجن. وصرخ به قائلًا:
“خد حقك منه، بس مش بالموت. أنتَ اتجننت ولا إيه؟ هو يموت وأنتَ تترمي في السجن!”
نظر إليه "جاد" وجده يحاول التحرك، ولكن لا يستطيع، فقد أصبح جسده ثقيلًا عليه أكثر من اللازم. فوقف هو على قدميه وهو يلهث بعنف، وقوة أزعجته. أرجع خصلاته إلى الخلف بكف يده، ثم أمسك بالقميص من على المكتب، واضعًا إياه في يد "سمير"، وقال بكل جدية:
“أمسك ده.”
نظر "سمير" باستغراب إلى القميص النسائي الذي بيده. قميص أسود قصير للغاية، مفتوح من كل جانب! ما الذي سيفعله به؟
وجده يرفع "مسعد" عن الأرضية، وأسنده عليه، ثم سار به إلى الخارج. لا يدري ما الذي يريد فعله به في منتصف الحارة، وترى الناس جميعها أن هو من فعل به ذلك. يا له من أحمق!
خرج خلفه ليجده وقف به في منتصف الشارع أمام محله بالضبط، أي أمام منزله المكون من أربع طوابق، وكل طابق به شقة يوجد بها زوجة من زوجاته الثلاث مع أطفالها.
جذب "جاد" مقعد معه من جوار المحل، ثم أجلسه عليه في المنتصف، وقد بدأ المارة بالوقوف ليروا ما الذي يحدث هنا. هتف بنبرة رجولية عالية للغاية لكي يستمع إليها الجميع، وبالأخص أهل منزله:
“الصور اللي نزلت ليا ولمراتي وكل أهل الحارة شافوها، اللي نزلها هو مسعد الشباط… الو**”
“تلفون مراتي عطل منها وأنا جيتله بيه بنفسي، وهو بدل ما يصلحه ويرجعه، صلحه وأخد اللي عليه ونزله لكل الحارة. واللي يعمل عملة نجسة زي دي يبقى لازم يتربى ويتعلم الأدب من أول وجديد علشان ميعملهاش تاني مع أي واحدة في الحارة.”
نظر إليه الجميع، وقد تفهموا حديثه جيدًا. ونظر إليه شخصًا ما بكل جدية، وتحدث بقوة أمام الجميع:
“مسعد معروف بعمايله الوسخة دي، وإحنا لما شوفنا الصور ياسطا جاد عرفنا أنها متطلعش منكم. كل بيت ليه خصوصياته، وهو سرق الخصوصية دي، يبقى لازم يتربى والحارة تنضف من أشكاله.”
استمع إليه "جاد" ولم يتحدث، ليجد امرأة تدخلت في الحوار متحدثة بتشفٍّ، وكأنها لها عداوة معه:
“يستاهل البعيد… دي مش أول مرة يعملها، ويا ريت الحارة فيها رجالة زيك ياسطا جاد يعرفوا ياخدوا حقهم، مش يكشوا ويخافوا.”
نظر "جاد" إلى الأعلى ليجد زوجاته الثلاث يقفن، وكل واحدة منهن تطلع إلى ما يحدث له في الأسفل، ولم يجد أي نظرة حزن على وجه أي واحدة منهن. عاد بنظرة إلى المرآة ثانيةً، وقال بتشفٍّ وقسوة ظاهرة للجميع:
“لأ، أنا لسه هاخد حقي دلوقتي قدام الكل، وأولهم أهل بيته.”
تقدم من "سمير" الذي كان يقف على أعتاب المحل مذهولًا مما يفعله. أخذ من يده القميص بحدة وقوة، واستدار ليذهب إلى "مسعد" مرة أخرى، فاستمع إلى صوت ابن عمه:
“اللي هتعمله ده غلط.”
لم يعره اهتمامًا، بل أكمل فيما يريد فعله. وقف أمام مسعد الذي كان لا يدري ما الذي يحدث من حوله، فقط يستمع إلى سباب موجه إليه.
نظر الجميع إلى جاد بقوة، وقد فهموا ما الذي يريد فعله، فانتظروا ليشاهدوا هذا العرض الذي يحدث من الحين إلى الآخر بين "جاد" و "مسعد" لأجل فتاة في عمر أولاده ربما.
جذب القميص الذي يرتديه بكل قوته من عند عنقه بيديه الاثنتين لينشق نصفين. أزاحه عنه وظهر له صدره العاري. فأمسك قميص زوجته بيده وقام بتلبيسه إياه.
وضع الجميع أيديهم على أفواههم ذهولًا من فعلة "جاد" الذي لا يتجرأ عليها أحد. هناك من يتشفى بمسعد، وهناك من يرى أن الأمر فظيع، منسوبًا إلى سمعته السيئة أيضًا، وكثير من الأشياء هاجمت الجميع وهم يرونه.
لم
رواية ندوب الهوى الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندا حسن
"مازال يريد الفراق
وقلبي لا يتحمل"
وضعها "جاد" على الفراش الصغير في غرفة نوم الأطفال بشقته. وقفت "هدير" جواره تنظر إلى ما يفعله بصمت، منتظرة أن ينتهي ويجيب على سؤالها المعلق في الهواء إلى الآن دون إجابة واضحة منه.
من تلك التي أتى بها إلى منزلها في مثل هذا الوقت، غائبة عن الوعي ولا تدري ما الذي يحدث حولها. ربما تدري من قبل إغمائها! غير محجبة ولا يبدو عليها الاحتشام من الأساس بهذه الملابس التي تفصل جسدها بشدة.
نظرت إلى وجهها عن قرب عندما خرج من الغرفة وتركها. دققت النظر بها تتأكد إن كانت هي حقا التي أتت على خلدها! إنها "كامليا عبد السلام" المذيعة الشهيرة! ما الذي تفعله في بيتها! ستجن!
رأته يدلف إلى الغرفة مرة أخرى وبيده زجاجة عطر تخصها، أتى بها من غرفة نومهم. اقترب من تلك النائمة على الفراش ثم قام برش قليل في الغطاء مقربة من أنفها ليجعلها تستفيق. محاولة ثم أخرى وأخرى، حركت رأسها بضيق وأغمضت عينيها أكثر، فاطمئن قلبه وتركها كما هي تنام في هدوء.
خرج من الغرفة وهي خلفه. انتظرت أمامه لكي تخرج، فأغلق الباب وتقدم إلى غرفة النوم الخاصة بهم دون التفوه بحرف ولم ينظر لها أيضا. لم يعيرها أدنى انتباه، شاعرا أن عليه أخذ موقف حاسم معها لتتعلم من ذلك الخطأ الذي قامت به بحقه وبحق نفسها. دلفت خلفه وسألته مرة أخرى وهي تغلق الباب بجدية وخفوت:
- بقولك مين دي يا جاد
تقدم من خزانة الملابس ووقف أمامها بعد أن فتحها وأخرج ملابس بيتية له منها دون أن ينتظر منها فعل ذلك. استدار ووضعهم على الفراش وأجابها دون النظر إليها بجفاء:
- كانت على الطريق بتتخانق مع حد وبعدين اغمى عليها اضطريت اجبها هنا
رأته يزيل قميصه عنه ووقف أمامها عاري الصدر بعد أن زال قميصه الداخلي أيضا وبدأ في ارتداء الملابس الأخرى. فقالت وهي تقترب منه بهدوء:
- طب ومكلمتش حد من أهلها ليه
انتهى من ارتداء الملابس فأخذ ما ازالهم عنه وألقاهم على المقعد. ثم تقدم للخروج من الغرفة قائلا بنبرة خشنة باردة:
- مجاش في بالي
يتحدث بخشونة وبطء وكأنه رغم عنه! لما كأنه فهو حقا هكذا. نظرت إليه بحزن طاغ على جميع خلاياها، فكل ما حدث لم تكن تريده أن يحدث مثله تماما وأكثر ولم يكن لها يد به. كم مرة ستقول هذا الحديث حتى يفهم؟
كل شيء حدث عن طريق الخطأ. ومع ذلك لقد أخطأت وهي معترفة بذلك ولكنه لا يعطي إليها فرصة لتصليح ذلك الخطأ أو حتى الاستماع إليها والتقرب منها وفوق كل هذا رفع يده عليها وقارب على ضربها. من المفترض أن تكون هي المنزعجة!
لن تبالغ، هو من ينزعج لأنها من أخطأت ولو هناك أحد غيره وضع في مكانه لفعل أكثر من ذلك، ولكنها تطمع في المغفرة منه وإن يعود كما كان.
خرجت خلفه ووجدته يتقدم من المرحاض. فقالت بحنان أم تنازعت هي وولدها ولكن لا يهون عليها:
- هحضرلك تاكل.. هعملك حاجة خفيفة أنت أكيد جعان
بخشونة وجفاء أجابها وهو يغلق الباب بوجهها غير مبالي بأي شيء:
- مش عايز
أغمضت عينيها بقوة تعتصرهما بضعف شديد وهي لا تستطيع تحديد موقفها. هل تبتعد عنه وتتركه حتى يعلم أنه من أخطأ في حقها عندما تطاول عليها بصوته العالي ويده وتعامل معها بخشونة لم تعتادها من حبيب قلبها وسندها في الدنيا؟ أم تعترف أنها من أخطأت أولا وبعد ذلك ترتب كل ما فعله لأنه كان رد فعل لفعلها القبيح!
ذهبت إلى غرفة النوم وأغلقت الباب خلفها ثم تقدمت من الخزانة وأخرجت منها قميص يصل طوله إلى قبل ركبتيها بقليل. حمالاته رفيعة للغاية وبه فتحة صدر واسعة.
وضعته على الفراش ثم أزالت عنها إسدال الصلاة التي كانت تقف به في الشرفة. وبدأت في تعديل ملابسها وارتداء ذلك القميص. ثم ذهبت لتمشيط خصلاتها أمام المرآة.
لم تفعل هذا لاغراءه وجعله يتناسى ما حدث، فهي من الأساس لم تنساه ولم تتخطاه ولن يحدث هذا بسهولة مهما فعلت، ولكن كل شيء داخلها تخفيه لكي تتمكن من التعايش معه وإخراجه سريعا من هذا الحزن والفراق الذي من مظهره قد فهمت أنه عزم نيته عليه. والأهم من كل هذا أنها في صلاة قيام الليل شعرت بالراحة الكبيرة. أكبر راحة قد تشعر بها في حياتها وفي يوم ملئ بالمصائب كهذا اليوم.
دائما هي هكذا، تحل عليها المصيبة فتتوجه إلى سجادة الصلاة وتقضي عليها بعض الوقت بخشوع وتحدث الله وكأنه معها وأمامها. تقرأ بعض الآيات التي تطمئن قلبها فترتاح وتنسى كل ما حدث وكأنه لم يحدث.
رؤية الجميع لها هكذا بشعة للغاية. أنها لم تكن بملابس فاضحة أو أي شيء آخر ولا يظهر منها سوى خصلاتها، ولكنها لأنها محجبة وتخاف الله أكثر من أي شيء بحياتها وتود أن تكون مؤمنة بحق ليست كلمات فقط. انزعجت كثيرا وانتابها الحزن الطاغي، ولكن يداوي الله كل هذه الجروح برحمة ومغفرة منه.
والآن هي تود أن تظهر زوجته التي يعرفها لكي تجعله يلين أكثر وفي محاولة بائسة بأن يفعل كما فعلت ويحاول أن يتخطى ذلك معها. لن تتركه هكذا. لن تتركه يقدم لها كل الدعم والحب. المودة والحنان والعطف وفي النهاية تفعل أخطاء غبية مثلها وتتركه حزين هكذا بسببها.
وأيضا مهما حدث هي لا تستطيع البعد عنه. حتى عندما كانت في فترة ما مشتتة لم تبتعد عنه. ولكنه الآن تقريبا مقرر ما الذي سيفعله معها وهذا واضح بشدة.
دلف إلى الغرفة ونظر إليها وهي تقف أمام المرآة. بدلت ذلك الإسدال وارتدت قميص مغري بالنسبة إليه. يظهر مفاتنها المحللة له. لحظة! لقد ظهر منهم في الصور أيضا.
أغمض عينيه بقوة محاولا أن ينسى ما حدث. توجه إلى الفراش صعد عليه ثم تمدد نائما على ظهره ينظر إلى السقف ويديه أسفل رأسه. فاقتربت منه في لحظتها وصعدت تجلس جواره بهدوء وخجل شديد.
تحدثت بصوت خافت هادئ والخجل جعل وجهها أحمر مثل حبة الطماطم وهي تقول له:
- أنا آسفة
لم يجبها ولم ينظر إليها من الأساس بل تركها تفعل ما يحلو لها. غير قادر على الحديث معها أو النظر بوجهها لما حدث بسببها. لقد أحرقته النيران وكأنها كلما تخمد ألقى عليها البنزين لتشتغل أكثر.
وضعت يدها على صدره وهي تقول بصدق ونبرة صوتها حزينة للغاية:
- والله العظيم والله العظيم لو كنت أعرف أنها هتوديه عنده ما كنت اديتهولها
مرة أخرى لم ينظر إليها ولا يجيب على حديثها وداخله يعلم ما الذي سيفعله وهذا ما تستحقه حتى تحافظ بعد ذلك على كل شيء يخصها وتضعه داخل عينيها لتخفيه عن الجميع حتى هو:
- والله يا جاد هو لما وقف مريم كانت نازلة فقولتلها تاخده معاها مش أكتر من كده وكان في بالي أنت تروح تجيبه كمان
استدار ينام على جانبه يعطي إليها ظهره العريض الصلب. علمت أن المهمة ستكون صعبة للغاية معه. وضعت يدها على ظهره بدلال وأقتربت منه تميل عليه قائلة بخفوت ونبرة تعلم أثرها عليه:
- جاد! علشان خاطري بلاش كده
تنفست بعمق ومرة أخرى تحاول معه. طبعت قبلة سريعة على وجنته التي تميل عليها وقالت بدلال وكأنه سيفعل ما تريد الآن:
- أهون عليك طيب!… أنا عارفه إني غلطانة بس والله مكنش قصدي وأنا أهو معترفة بغلطي
عادت إلى الخلف في جلستها عندما وجدته لا يجيب ولا يشعرها بأنه يستمع إلى حديثها من الأساس. زفرت بضيق وهي تقول بدهشة لأنه لا يشعر بوجودها جواره:
- طيب رد عليا حتى!
شعرت بالغيظ عندما وجدته لم يحرك ساكن. جذبته من ذراعه إليها بقوة لينام مرة أخرى على ظهره وأمسكت فكه بيدها قائلة باستنكار وحزن:
- للدرجة دي مش طايقني.. مش قادر تبص في وشي!
بكل برود وجمود عنده أخرج كلماته من فمه وهو ينظر إلى تلك العسلية التي تسحره قائلا بجفاء رافعا يده ليبعد يدها عنه:
- اطفي النور إحنا بقينا الصبح وأنا عايز ارتاح شوية
نطقت اسمه بضعف وقلة حيلة وكأنها الآن تكسر من بعده عنها وارادت التحدث:
- جاد….
لم يجعلها تكمل بتلك الطريقة التي لو كانت استمرت أكثر لترك حزنه وغضبه وكل شيء على جانب وحده ثم أخذها هي بين أحضانه الدافئة يشعرها بكم الحب الذي يكنه إليها.
نظر إليها بجمود أكثر، هاتفه بحدة:
- لو تحبي أنام بره مفيش مشكلة.
أبتعدت للخلف وتركته يعود كما كان ينام على جانبه، ورأسه به صداع يكاد أن يجعله يأتي نصفين من كثرة التفكير. أغمض عينيه وهو لا يود أن يفكر بأي شيء آخر اليوم. سيترك كل شيء لغدًا، ومن عند الله تأتي الحلول.
أغلقت نور الغرفة وتوجهت مرة أخرى لتنام على الفراش في مكانها، ولكن ليس في أحضانه كالعادة. بل في فراغ لم تشعر به سابقًا كما الآن. تعترف أن الأخطاء الكبيرة تضيع كل شيء، وهي خطأها كان كبير، ولكن ليس عن عمد.
***
اليوم التالي.
استفاق قبلها في الصباح. نظر إليها مطولًا، يشاهد براءتها وجمالها الرقيق الذي يسلب عقله منه كما الأمس هكذا. ولكنه ضغط على نفسه وأبعد شيطان عقله عنه، فلم يكن يريد التقرب منها أبدًا. ومع ذلك، لا تهون عليه نظرة عينيها الحزينة وضعفها أمامه.
لن تدوم، ولكن على الأقل الآن. بدل ملابسه عندما استيقظ في ميعاده مثلما كل يوم، وهبط إلى الأسفل ليرى عمله. كانت تستيقظ معه، ولكنهم خلدوا للنوم في الصباح وليس الأمس ليلًا. وذلك جعلها تستغرق في النوم.
عندما استيقظت لم تجده جوارها، ووجدت أن الساعة تخطت العاشرة صباحًا. فعلمت أنه الآن في الورشة. استفاقت وبدلت ملابسها لأخرى مريحة بيتية، وأيضًا لأن هناك من معها في المنزل.
بعد أن دلفت المرحاض وبدلت ملابسها، ذهبت إلى غرفة نوم الأطفال الصغيرة لترى تلك السيدة التي أتى بها ليلة الأمس. وجدتها كما تركوها، فاقتربت إلى الداخل لترى أن كانت نائمة أم حدث لها شيء.
أقتربت منها فوجدتها نائمة وصوت أنفاسها مسموع. تنهدت براحة، ثم خرجت من الغرفة.
دلفت إلى المطبخ لتحضر طعام الإفطار لها عندما تستيقظ، وكأنها على علم أنها ستستيقظ الآن.
كانت هي في الداخل نائمة على ظهرها بعد أن تقلبت في الفراش بانزعاج. فتحت عينيها ببطء شديد، شاعرة أنها في مكان غير مألوف لها. نظرت إلى سقف الغرفة، وقد كان حقًا مكان لا تعرفه.
جلست على الفراش بفزع وهي توزع نظرها بغرفة الأطفال الصغيرة للغاية بالنسبة إليها. ثم تدريجيًا بدأت تتذكر ما حدث في الأمس مع زوجها الحقير الذي تريد الطلاق منه.
وتذكرت أيضًا ذلك الشاب الرائع، صاحب العينين الرمادية، والجسد القوي. خصلاته المتخالطة ونظرته الرائعة.
لم تأخذ منه الكثير، ولكنها تتذكر ملامحه التي فتنتها. تنهدت وهي تتذكر كم كان وسيمًا يناسبها.
وقفت على قدميها، ثم ذهبت للخارج بهدوء وهي تفكر: هل هذا منزله وهو من أحضرها إلى هنا؟
كانت "هدير" عند باب الشقة تجمع الغبار الذي نظفته من الشقة. بعد أن انتهت، استدارت واقفة على قدميها لتذهب إلى الداخل، ولكنها صرخت بفزع وخوف عندما رأتها تقف أمامها هكذا.
نظرت إليها بقوة، ثم تداركت الأمر وتقدمت منها قائلة بابتسامة وجدية:
- معلش اتخضيت، أصلي متعودة إني لوحدي على طول.
ابتسمت الأخرى بوجهها بهدوء، فاستمعت إليها تكمل بود وهدوء:
- حمد الله على سلامتك... أنا هدير.
تقدمت الأخرى منها أكثر وهي تقول بجدية ثم متسائلة باستغراب، وهو توزع بصرها في المكان:
- الله يسلمك، بس هو مين جابني هنا؟
- جاد اللي جابك. قال إنك تقريبًا كنتي بتتخانقي مع حد وبعدين اغمى عليكي، فجابك هنا.
تسائلت مرة أخرى باستغراب:
- وعربيتي فين؟
أجابتها "هدير" قائلة:
- تحت، متخافيش.
نظرت إلى جانبها فوجدت على الحائط صورة له! إنه نفس الشخص الذي أغلقت عينيها عليه وعلى جماله الأخاذ ورجولته الظاهرة. أشارت إلى الصورة قائلة باستفهام وتساؤل:
- ده؟
أومأت إليها "هدير" مع ابتسامة هادئة وهي تتقدم من المطبخ قائلة:
- أنا محضرة الفطار، هوديه أوضة السفرة على ما تغسلي وشك.
لم تلقي بالًا على ما تقول، بل سألتها بجدية شديدة في الحديث، وشعرت "هدير" بشيء ما غريب بعد هذه النظرة:
- يبقى أخوكي؟
وقفت "هدير" في منتصف الصالة، ثم استدارت لها قائلة بتهكم ثم جدية واضحة بعد ريبتها من سؤال هذه المرأة:
- أخويا! جاد يبقى جوزي.
ذهبت الابتسامة التي ودت تصنعها، وبقيت الجدية المطلقة على ملامحها، واستشعرت "هدير" انزعاجها بعد الاستماع إلى حقيقة العلاقة بينهم.
حمحمت بجدية بعد أن رأت نظرات زوجته إليها بريبة هكذا وشك ظاهر عليها، فقالت وهي تتهرب منها:
- أنا مش هينفع أفطر، معلش.. جوزي زمانه قلقان عليا، لازم أمشي. بس محتاجه أدخل الحمام وأعرف جوزك فين علشان أشكره وكمان أخد عربيتي.
أشارت لها "هدير" بيدها على طريق الحمام وقالت بجمود:
- الحمام من هنا... جاد تحت في الورشة اللي تحت البيت، والعربية تحت بردو.
أومأت إليها الأخرى، ثم تقدمت من المرحاض وهي تنظر إلى الأرضية بعد شعورها بأن الأخرى فهمت أنها تتساءل عن زوجها مرة واثنان. وكأنها شعرت أن هذه المرأة ليست صافية وتريد فعل شيء من الآن.
قلبها شعر بهذا، ولم ترتاح إليها بالمرة. بل بغضتها، وحمدت الله أنها ستذهب.
***
انتهت "كامليا" وهبطت إلى الأسفل، تخرج من المنزل لرؤية الوسيم الذي خطف عينيها وأخذها من مكانها، سوى برؤيته هو أو رؤية صورة الجميلة.
سارت بنفور أمام الجميع وهي تنظر إلى الحارة الشعبية التي يسكن بها. وزعت نظرها على كل ركن بها. حوائط وأرضية، ومنازل.
متحدثة داخلها بأنه كيف يعيش هنا! أنه بجسده ومظهره الرياضي الوسيم يستطيع أن يكون مالك من ملوك السينما. لو أراد تفعل له وتجعله من أفضل الرجال بها.
كرمشت وجهها بنفور واضح وهي تسير بخطوات غير ثابتة بسبب كعب حذائها العالي على الأرضية الغير مستوية. نظرت إلى البعيد قليلًا لتجد سيارتها مصفوفة أمام منزل آخر في مكان أوسع من هنا.
وقفت أمام الورشة تنظر إلى الداخل وهي تميل بجسدها، منتظرة أن تقع عينيها عليه. ولكنه تقريبًا ليس هنا. تقدمت إلى الداخل أكثر، فتقدم منها "طارق" قائلًا بجدية وهو ينظر إلى هيئتها الغريبة عن الحارة:
- نعم حضرتك، عايزة مين؟
أردفت مجيبة إياه بجدية وهي تنظر إليه بتقزز بسبب ملابسه المتسخة من العمل في الزيوت وقطع غيار السيارات وغيرها:
- عايزة جاد.
نظر إليها باستغراب وأردف بسخرية يلوي شفتيه:
- جاد مرة واحدة! مفيش الاسطى حتى.
أحتدت نظرتها عليه وهي تراه يسخر من كلمتها، ثم وجدته يردف بجدية:
- الاسطى جاد راح مشوار وجاي مسافة السكة. لو محتاجه ضروري تقدري تستنيه.
نظرت إلى الورشة وما بها. لقد كان بها سيارة يعمل عليها "شاب" آخر، وبكل ركن شيء لا تعرف ما هو وقطع حديد كثيرة، ولكنها مع ذلك تبدو نظيفة.
- أستناه فين؟
أشار إلى الخارج بيده وهو يتقدم منها قائلًا:
- اتفضلي على الكرسي هنا، زمانه جاي.
خرجت خلفه، ثم جلست على المقعد أمام الورشة. نظرت على جانبيها، وكم كان المكان بالنسبة إليها رديء للغاية. أصوات عالية من الجميع. غير هذا الذي يهتف ببيع الطماطم والبذنجان. وهناك آخر يسير بعربية آيس كريم والأطفال تركض خلفه. وعلى الطرف الآخر مقهى شعبي ولكنه لا يسر العين أبدًا. غير هذا المنزل المقابل لهم، يا له من قديم ورديء.
كيف يعيشون هنا ويتحملون كل هذه الضجة. من الأساس كيف يتحمل هو! وهذه زوجته من أين وجدها! أنه أفضل منها بكثير بمظهره الحسن ورؤيته البهية.
لن تنكر أنها أيضًا تتمتع بقدر من الجمال. عينيها لونها جميل مع أنه لا يظهر. ووجهها به نمش خفيف لا تحبه ولكنه يليق بها. حتى أنفها وفمها صغيران للغاية ووجهها أبيض مستدير وملامحه هادئة، غير خصلاتها السوداء هذه. تبدو طويلة من عكستها. ولكن مؤكد هي أفضل منها بكثير. وأيضًا لو وقفت جواره تليق به أكثر منها. حتى أن اسمها ليس جميل أبدًا، بل قديم وبشع. وهو اسمه رائع مثلها تمامًا. "جاد وكاميليا". يا الله تليق عليه كثيرًا.
استمعت إلى صوت نسائي كبير يأتي من الأعلى بمرح ومزاح:
- إيه يابت الحلاوة دي.. بقى مخبية كل الجمال ده علينا ولما يطلع يطلع للحارة كلها.
استمعت إلى صوت هذه المرة يأتي من فوقها، وكانت هذه البغيضة زوجته صاحبة الاسم البشع الذي لا يليق به:
- والله يا ماما فهمية ما كنت أعرف إن كل ده هيحصل. أنا مكسوفة أوي من الناس اللي في الحارة.
تغيرت ملامح والدة "جاد" وانتقلت إلى الجدية التامة وهي تنظر إليها بقوة قائلة:
- مكسوفة من إيه اللي حصل، أنتِ مالكيش فيه يا حبيبتي. دا الكلب اللي ما يتسمى ده هو اللي يتجازى. بس أقولك أهو جاد يبقى ابني وأخاف عليه. بس المرة دي سمير لحقه على آخر لحظة، كان زمانه دلوقتي في القسم.
أجابتها "هدير" بلهفة وخوف وصوتها قلق للغاية من حديثها الذي تفوهت به:
- لأ والنبي يا ماما فهمية اوعي تقولي كده قدام جاد. دا سمير لحقه على آخر لحظة، كان زمانه دلوقتي في القسم.
اتكأت "فهيمة" بيدها على سور شرفة الشقة الخاصة بها والتي تقابل شقة "جاد"، وهتفت بجدية قائلة محاولة أن تجعلها تطمئن:
- متخافيش.. بعد اللي عمله جاد فيه مش هيستجرأ يبصلك تاني.
أبصرتها بجدية وهي تتمنى داخلها أن يكن كذلك حقًا:
- يارب يا ماما فهيمة.
مرة أخرى أردفت والدته بحماس كبير وابتسامة على وجهها:
- بقولك إيه، ما تجبيه وتيجوا تتعشوا عندنا النهاردة.
تنهدت بقوة وأخرجت نفس عميق أمامها وهي تخفض وجهها إلى الأسفل بخجل، ثم رفعته مرة أخرى وقالت بخفوت:
- خليها مرة تانية.
تفهمت والدته سبب رفضها ونظرتها الحزينة هذه، فابتسمت بحب إليها وقالت بحنان صادق:
- إن شاء الله كله هيبقى كويس يا حبيبتي. ولو الواد ده زعلك قوليلي بس وأنا هتصرف معاه.
ابتسمت "هدير" بسعادة غامرة وهي تنظر إليها قائلة بحب وود:
- ربنا يخليكي لينا يارب.
كل هذا وأكثر تحت مسامع "كامليا" التي كانت تجلس أمام باب الورشة. أبصرت والدة "جاد" والمنزل مرة أخرى. أهذا منزله؟ وهذا أيضًا والورشة؟
لو كذلك فهو يملك بعض الأشياء. ليس كزوجها الحقير الذي كان لا يملك جنيهاً واحداً. ولكن مهلاً، ما الذي كانوا يتحدثون عنه وشاهدته أهل الحارة بأكملها؟ ومن هذا الذي كاد "جاد" أن يقتله؟
ما فهمته من الحديث أن هناك شيء رآه الجميع يخصها، ومن فعلها شخص ربما يحبها أو يطاردها، لا تدري.
نظرت بطرف عينيها إلى نهاية الشارع وهي تفكر، ولكن وقف التفكير ووقف العقل والقلب وكل خلية وعضو ينبض بداخلها.
إنه يأتي من نهاية الشارع على دراجة نارية. خصلاته للخلف تتطاير، عينيه الرمادية حادة وجادة ثابتة على الطريق. وجهه مثير لعينيها بسبب وسامته التي تراها، لا يوجد مثلها.
يجلس بجسده الرياضي على الدراجة كأنه يجلس على أريكة بكل أريحية وبرود. يرتدي قميصاً أبيض اللون قطنياً بنصف كم يظهر عضلات يده وعروقه الظاهرة بها دائماً.
أغمضت عينيها بقوة وقررت ما الذي ستفعله بعد الآن وبعد رؤيته هذه. لن تصمد أكثر من ذلك أمامه. وقف أمامها بالدراجة ثم هبط من عليها وثبتها جواره ووقف هو أمامها بعد أن تركت المقعد ووقفت هي الأخرى قبالته.
ابتسم "جاد" بهدوء وهو ينظر إليها قائلاً بود وهدوء لين:
- حمد الله على سلامتك.
ابتسمت بوجهه ببلاهة وهي تراه يبتسم متحدثاً إليها. قالت بخفوت وصوت ناعم لين:
- الله يسلمك... بجد شكراً على اللي عملته معايا.
وضع يده الاثنين جواره وأردف بجدية:
- لأ شكر على إيه، لو حد تاني مكاني كان عمل كده وأكتر. بس أنت خلي بالك من نفسك.
ابتسمت بخفة وقالت:
- لأ لو حد تاني مكنش عمل كده، خلينا متفقين. بجد شكراً.
- العفو.
حمحمت بخفوت ناظرة إلى الأرضية بخجل. ربما تصنعته. نظرت إليه مرة أخرى قائلة:
- اللي كان معايا ده يبقى جوزي، مش حد تاني.
استغرب بشدة الذي تفوهت به. كيف زوجها وتركها وحدها هكذا في مكان بعيد، طريقة مقطوع عن البشر؟ تساءل باستنكار:
- جوزك؟ جوزك إزاي وسابك كده؟
اصطنعت الحزن وعبثت ملامح وجهها وهي تقول مكملة بخجل:
- لأ دي حكاية طويلة... تحتاج قعدة.
بينما في الأعلى كانت زوجته مازالت واقفة كما هي، ولم تكن ترى "كاميليا" بالأسفل أثناء حديثها مع والدته، بل اعتقدت أنها ذهبت منذ أن هبطت للأسفل. ولكن من الواضح أنها لم تذهب، بل انتظرت عودته، وهو الآن يقف معها ويتحدث بكل راحة.
أطالت النظر إليهم وهو أطال الحديث معها، وإلى الآن لم ترحل. أكل هذا تشكره؟ قلبها لا يجد الراحة إليها أبداً، ولا تدري حتى لماذا. لماذا تشعر بأن هذه المرأة سيئة للغاية هكذا؟
***
الساعة تخطت الحادية عشر مساء وهو لم يصعد. بل أغلق الورشة من بعد صلاة العشاء بوقت قصير كالعادة. لم يفطر معها بل خرج دون رؤيتها في الصباح، ولم يصعد لتناول الغداء والآن الورشة مغلقة وهو لم يأت. أهو يسعد عندما تشعر بالقلق عليه أم ماذا؟
حاولت أن تحادثه ولكنه لا يجيب عليها. هل سيظل هكذا طوال الوقت أم ماذا؟
هي لقد تخطت الأمر في وقت قصير للغاية. نعم، لن تكذب، لم تتخطاه كلياً بعد، بل وتشعر بالخجل الشديد من أهل الحارة. ولكن تصبر نفسها بأن المجرم الحقيقي عرفه الجميع وأظهر لهم "جاد" أنها ليس لها يد فيما حدث.
ماذا عنه أيضاً؟ لا تفهم كيف يستطيع أن يكون شخصيته بهذه الطريقة. هادئ طوال الوقت، ولكن عندما يغضب وكأن الأسد ملك الغابة حل عليهم بغضبه. وعندما ينزعج منها يأخذ جانب له وحده بعيد عنها ويتركها تتأكل بما بداخلها وخارجها.
ماذا تفعل؟ لقد كان خطأ واعترفت به. ستحاول ما دام هي المخطئة هنا، ولكن عليه أن يكون ليناً أكثر من هكذا.
زفرت بضيق وهي تقلب بين القنوات على الشاشة، وعقلها من الأساس ليس على ما تبصره، بل كان مع ذلك الغبي الذي أرهقها معه.
تذكرت حديثه مع هذه المرأة الغريبة عنهم. لم تكن تعرفها إلا سوى بالتلفاز، وحتى أنها لا تشاهدها، ولكن على الأقل تعرفت عليها عندما رأتها. لم تفهم لماذا وقفت تتحدث معه كل هذا الوقت. لقد بقيت معه أكثر من نصف ساعة، وفي النهاية أوصلها إلى السيارة ثم أخذتها ورحلت.
مرة أخرى تنهدت بقوة في نفس عميق تخرجه من داخلها وهي تنظر إلى الباب وكأنه يفتحه الآن. وقد كان حقاً.
فتح الباب وظهر من خلفه وهو يدلف إلى الداخل واستدار ليغلقه بهدوء. وقفت على قدميها سريعاً تعدل ملابسها المكونة من بنطال بيتي أبيض اللون يعلوه قميص قطني لونه أسود.
تقدمت منه بهدوء وهي تعود بخصلات شعرها للخلف سائلة إياه بجدية ولين في نفس الوقت عندما وقفت خلفه:
- اتأخرت كده ليه يا جاد؟
استدار ينظر إليها لتجد هناك كدمة أسفل عينه اليمنى. شهقت بفزع وهي تنظر إليه بقوة وأبصرت عينيها ملابسه وقميصه الأبيض الذي اختفى لونه بفعل الأتربة المتواجدة عليه، وكأنه كان يصارع على أرضية رملية.
وضعت يدها على وجنته اليمنى تمرر إصبعها أسفل عينه بلين وحنان وهي تقول بلهفة وقلق:
- إيه اللي حصل؟ مين عمل فيك كده؟
نظر إلى لهفتها وخوفها الظاهر عليه. عينيها التي تتسائل قبل شفتيها. ولكن كل ذلك لا يرده الآن عما يريد. ترك المفاتيح ثم أبعد يدها عنه عندما وضع يده فوق كفها وتقدم إلى الداخل ذاهباً إلى غرفة النوم وتركها وحدها دون إجابة منه.
نظرت إلى ظهره المتسخ وبقعة دماء كبيرة على جانبه من الخلف. لم تراها إلا الآن. وقع قلبها بين قدميها وفتحت عينيها بقوة وهي تنظر إليه وهو ذاهب من أمامها. دلفت خلفه سريعاً إلى الغرفة فوجدته يتجه إلى الخزانة.
تقدمت ووقفت جواره تجذبه إليها من جانبه بقوة وهي تسأله بإصرار مرة أخرى:
- إيه اللي حصل يا جاد بقولك.
وضعت يدها على جانبه من الخلف وهي تقترب منه لتفعل ذلك وقالت بخوف ولهفة أحرقت قلبها مع صمته:
- وإيه الدم ده؟
كرمشت ملامحه وضغط على أسنانه عندما وضعت يدها على جرحه وشعر بالألم ولكنه لم يصدر صوتاً ولم يشعرها بذلك. لقد كان مجروح هنا بالضبط بفعل مدية. ولكن جرح سطحي بسيط. جذبت يدها بفزع عندما شعرت بالدماء والقميص مشقوق، كأنه وضعت يدها على جسده مباشرة وكان مجروح.
نظرت إلى يدها الملطخة بالدماء ثم إليه وصرخت به بقوة وخوف:
- جاد.. أنت بتنزف!
بكل برود تحدث وهو يستدير مرة أخرى يأخذ ملابسه من الخزانة:
- ده جرح بسيط متقلقيش.
- مين عمل فيك كده؟
أمسك الملابس بيده واستدار ينظر إليها بقوة وصاح قائلاً بصوت عالٍ قليلاً:
- هيكون مين يعني؟ بلطجية كانوا عايزين يقلبوني.
سار مبتعداً عنها مرة أخرى وقبل أن يذهب إلى الخارج أخرج محفظته وهاتفه وألقاهم على الفراش بإهمال وذهب إلى المرحاض. فخرجت خلفه سريعاً تهتف:
- طب أنت كويس؟ الجرح ده محتاج خياطة.
سار مكملاً طريقه إلى المرحاض وهتف بنبرة رجولية جادة خشنة.
دلف إلى المرحاض وأغلق الباب خلفه وتركها في الخارج تنظر على الباب المغلق هذا بذهول. أسفل عينه كدمة كبيرة. ملابسه بالكامل وهيئته تدل على أنه كان يصارع أحدهم. وهناك جرح أيضاً في جسده بفعل سكين أو مدية. ترى ما الذي حدث معه ولا يود أن يقوله إليها.
مؤكد حدث شيء آخر غير الذي يهتف به هو. ربما يكون "مسعد" من فعل به هكذا! ولكن "مسعد" لا يستطيع أن يقف أمام "جاد" وبالأخص بعدما أبرحه ضرباً بالأمس وجعله لا يستطيع أن يقف على قدميه.
استمعت إلى صوت هاتفه في الداخل فنظرت إلى الباب المغلق ثم استدارت وتركته ذاهبة لترى من الذي يهاتفه الآن. ولجت إلى الغرفة ووقفت أمام الفراش ثم أخذت الهاتف بيدها تنظر إلى المتصل والذي صدمها وبشدة.
"كاميليا عبد السلام". سريعاً هكذا تبادلا أرقام الهواتف. وكيف لها أن تهاتفه الآن في منتصف الليل! ما الذي يحدث من خلف ظهرها هذه المرة؟ وما الذي تريده منه هذه المرأة في مثل هذا الوقت؟ ألم يكفيها نصف ساعة في وسط النهار تقف معه أمام الجميع بحجة شكره على ما فعله لأجلها! ستجن، تكاد أن تفقد عقلها هذه المرة حقاً.
بينما هو وقف في الداخل بعد أن خلع ملابسه أسفل صنبور المياه الباردة. خرجت المياه من الصنبور على رأسه وخصلاته مروراً بعنقه وصدره العاري. وقف مغمضاً عينيه بقوة حابس أنفاسه وهو يتذكر ما حدث معه.
كانوا اثنين فقط ولم يتبعوا أحد غيره ويعلم أنهم من أتوا بأمر منه، هو الوحيد الذي يفعلها. لم يستطع أن يجعلهم يعترفوا باسمه، ولكن جعلهم يبللون أنفسهم وهو يقوم بالدفاع عن نفسه مبرحاً كل منهم بالضرب الموجع المكسر للعظام.
لن يجيب الآن على هذه الضربة التي لم تناله من الأساس، ولكن لن ينساها. ستكون ذكرى معه إلى حين أن يقرر ردها إليه.
وضع يده على جانبه في الخلف ليرى إن كان هناك دماء مازالت تخرج أو لا، وكانت قد توقفت عن الخروج لأنه جرح سطحي لم يستطع ذلك الغبي النيل منه أو حتى الاقتراب له. بعث له بأغبياء يخافون من الهواء الذاهب خلفهم.
مسح على وجهه وأرجع خصلات شعره للخلف بيده بقوة لتتساقط منها المياه بغزارة. فتح عينيه وهو يفكر بزوجته. الرقيقة حسنة الوجه والصوت وكل ما بها. والله بعده عنها يقتله، ولكنه أيضاً لا يستطيع الاقتراب، فما حدث جرح قلبه ورجولته بقوة وشدة غريبة، وكأنه يود اقتلاع عين كل من رآتها، وإلى الآن هي المتسبب الوحيد في ذلك.
***
رواية ندوب الهوى الفصل العشرون 20 - بقلم ندا حسن
أسبوعين، واحد تلو الآخر وهو على ما هو عليه، لم يتغير في المعاملة معها بل وكأنها شفافه بالنسبة له، وكأنه لا يعرفها من الأساس.
امرأة جديدة بحياته يحتاج للوقت لمعرفتها والخروج من حالته المزاجية، لا فلا تكن مبالغة إلى هذه الدرجة.
يتحدث معها ولكن القليل من الأقل المتواجد بينهم، ينظر إليها ولكن ليست هذه النظرات المعتادة عليها بل نظرات عتاب صريحة وحزن بالغ وألم لم تكن تقصد فعله.
ينام جوارها في الفراش ولكن الروح بعيدة ليست كما السابق أبدًا، يأكل معها ولكن ليس بنفس الطريقة القديمة المتعطشة لأي شيء يأتي منها.
يعتبر أن ما حدث هي السبب الأساسي به، لن تنكر أنها كانت السبب ولكن لم تكن تعرف حقًا!
ما ذنبها في أن شقيقتها هي من أخذت له الهاتف، ما ذنبها في ذلك!
الصدمة الكبرى كانت من نصيبها، والخجل من عيون الناس والخوف من الله عما شاهدوا بها.
كل هذا لا يكفيه ليضغط هو عليها أكثر؟
نعم تخطت هذه الأمور وبسرعة لم تتوقعها ولكن لأجله ولأجلها ولأجل أن تثبت أن هذا لم يكن لها دخل به.
هو حتى منذ ذلك اليوم لا يصلي معها صلاة الفجر كالمعتاد بينهم.
يخرج للصلاة في المسجد ثم يعود مرة أخرى ويتركها تستفيق وحدها وتقوم بالصلاة وحدها.
عقابه كبير للغاية، فلو كانت فعلت ذلك عن قصد لم تكن تتحدث من الأساس وكانت ستصمت لأنها المخطئ ولكنها لم تفعل.
لم تفعل ذلك، عليه أن يكون أكثر لين وود من هذا.
نعم لا يغضب سريعًا، لا يلقي ألفاظ بذيئة، لا يفعل أي شيء خارج عن أيطار الدين والقيم الأخلاقية، يعاملها بحنان بالغ وودد لا حدود له ولكن عند غضبه وانقلابه عليها ترى شخصًا أخر لا تعرف أبدًا.
وكأنها تتعامل مع شخصيتها الغريبة، البريئة للغاية والشرسة حد اللعنة.
وما يقلقها أكثر شيء هو هذه السيدة المسماة بـ “بكاميليا” إلى اليوم ومنذ ذهابها من هنا وقد رأت على هاتفه عشر أو ثلاثة عشر مهاتفه منها.
وفي أوقات غريبة للغاية، عندما يكون متجه للنوم تجد هاتفه يصدر صوت المكالمة وعندما تتطلع عليه تراها هي.
عندما يكون في وقت الغداء معها.
وكثير من المرات وقولًا للحق هو في كثير من الأحيان لا يُجيب عليها.
ولكن السؤال هنا هي ماذا تريد منه؟ وهو لما إلى الآن يستمر في الإجابة عليها ومماطلة الحديث معها.
منذ أن رأتها ولم ترتاح أو يميل قلبها إليها، ومحبة القلوب من عند الله ليس من عندها هي، وإلى الآن تخاف منها وتشعر بشيء غريب سيأتي من ناحيتها.
ولأول مرة يراودها هذا الشعور الغريب، في مثل هذه الأيام التي تمر عليهم ببطء غريب وبرود شديد أزعجهم بشدة وأشعرهم بالغربة في وجود بعضهم البعض.
بينما هو تفكيره لم يكن مثلها أبدًا، تفكيره في البداية كان يدعوه لعقاب أشد قسوة من هجرة لها في وجوده ولكن لم يحتمل أن يجعلها تحزن أكثر من هذا، فأخذ معها مساره الذي يرتاح فيه أكثر وهو البعد دون العتاب.
ألا يدري أن هذا أشد قسوة من أي عقاب أخر.
أن تنظر إلى من تحب في لحظة قاسية بينكم دون أن تعاتبه وتعود به إلى المودة والرحمة، أهذا ليس عقاب قاس.
ما حدث أمام الجميع، نظرة الناس إليها وإلى خصلاتها ولحظة عريها لم يكن يحتمل آلام قلبه الذي كانت تشتد عليه في كل لحظة والأخرى خلفها تأتي بسرعة.
غيرته العمياء عليها جعلت قلبه يتألم ويحزن ويشعر بالخذلان في آن واحد ولكن من سيعاقب.
الناس الذي رأت فنظرت دون أي مجهود منهم.
أم يعاقب السبب الرئيسي في حدوث هذا الأمر ومن فعل.
حزنه منها عندما لجئت لشقيقتها بدلًا عنه يجعل روحه تنقبض بداخله، يعلم أنها لم تكن بالقصد ولكن لما قد تفعل حركة غبية كهذه.
ها هو موجود معها.
تعامله الآن بكامل الحب، وتود لو تحمله فوق رأسها لتجعله يلين معها ويعود كما كان في السابق، ليعود لذلك الحب القابع داخله، ويخرج الحنان والمودة التي كانت بينهم، ليبتسم ويلين معها في بيتهم، ليصلي بها في الليل، لتجعله يقوم بمساعدتها بحب مرة أخرى في المنزل، ليعود شغفه في التقرب إليها كما كل مرة كان يراها متزينة بها لأجله، ليعود زوجها “جاد الله أبو الدهب” الذي اعتادت عليه أمام الجميع.
أين ذهب، أكل هذا لأجل هذه الغلطة.
ولكنه لن يفعل بسهولة، عليها أن تفهم أنه هنا رجل المنزل، الزوج، وما تريده هو من يفعله، القرار له بعد نقاش بينهم، الفعل له بعد رؤية بينهم، عليها أن تفهم أن هنا “جاد” هو الرجل ليس كما كانت في منزل والدها هي العمود به وتقوم بالتصرف على هذا الأساس.
لن يقسو أكثر من هذا هو كل مرة تحدث بها معها، ويعتقد أنها لم تفهم لأنها لم تفعل كما قال.
الآن أفعاله هي من تتحدث معها، عليها أن تتفهم أن هنا ليس كما هناك، وعليها أن تعتاد على هذا الأمر حتى لا تفشل في المرات القادمة.
يرى أنها منذ يومين تعود إلى الخلف ليست كما كانت وربما إصرارها على مصالحته قل عندما وجدته جبل صلب لا يلين بكلماتها ولا أفعالها.
عليها أن تجتهد أكثر وأكثر حتى يلين إليها مرة أخرى قبل أن يقرر هو ذلك، ليتأكد من أنها لها سلطان على قلبه مازال يعمل.
لن يكذب فهو مازال يعمل وبقوة، فـ عندما يدلف إلى الشقة ويرى هيئتها المقدمة إليه بحلال الله على طبق من ذهب يصعب السيطرة على ما بداخله من أشواق إليها ويذهب سريعًا من أمامها ليبتعد عن هذه الفتنة الكبيرة بها.
وكثير من الأحيان يذهب إلى آخر الفراش مُبتعدًا عنها حتى لا يستنشق عبير خصلاتها وتضعفه نظرة عينيها المطالبة إياه بالعودة إليها.
❈-❈-❈
ألا يجوز لها أن تعشق رجل متزوج هذه المرة.
يجوز ويجوز له هو الآخر أن يتزوج منها، متناسية أنها من الأساس متزوجة.
“كاميليا” امرأة انعدمت منها الأخلاق والمبادئ، الدين والإيمان.
ترى أن كل شيء مباح مادام معها المال الكافي لتفعل ذلك، مادامت تريد أن تفعل ستفعل، أهو حرام.
حلال.
لا يهم المهم أنها تفعل ما تريد.
في البداية تزوجت أول مرة لها “عادل” الذي كان فقير، لا يملك قرش واحد ينفقه على نفسه، لا يملك أي شيء في الحياة سوى نفسه وتفكيره، سوى عمله وجهده وطموحه، وهذا لا يجدي نفعًا.
كان على أخلاق وله مبدأ يسير عليه ولكنها لم تكن ترى أن كل هذا له قيمة من الأساس بل يبتاع مثله في أي وقت فقط لو كان معه المال.
والآن هما على نزاع، تريد الطلاق بعد أن استمتعت بما يكفي معه، تريد أن تكون حره منه لتفعل ما يحلو لها وما يطيب على خاطرها، تريد الإنطلاق دون قيود يسببها لها.
مازالت في عصمة رجل ولكنها نظرت إلى غيره، لقد اوقعها في فخ أكبر من حجمها بكثير.
عينيه الرمادية الخلابة بنظرته الساحرة وجديته القاتمة.
شفتيه الحادة وأنفه البارز بوجهه ونظرة اللين التي يتميز بها مع تلك النظرة الجادة الغاضبة، مزيج يذيب عقلها ويجعله يختفي وكأنه بعض حبيبات السكر عندما تختفي في المياة.
خصلاته التي تزداد طولًا ملحوظًا في صوره كامله ولونها الرائع الذي جذبها إليه كما لو كان عصا سحرية تجذبها إليه بمنتهى السهولة.
لم تتحدث عن جسده.
طوله الفارع وعرض جسده الرائع، عضلات صدره وبطنه البارزة بقوة، وعروقه الظاهرة في يده، تفاحة آدم الذي تتمتع بسحر خاص في عنقه.
ما كل هذا.
أهي عشقته أم عشقت هذه الوسامة التي لم ترى مثلها من قبل.
هل هي تحتاج إلى علاج.
هل هناك مرض ما يجذبها إلى الرجال شديدي الوسامة هكذا.
ولكن هناك مشكلة غير إقامته في هذه المنطقة الرديئة، وغير عمله كـ ميكانيكي مع أنه مهندس، نعم لديه المال الكافي، وعلمت بأن لهم عمارة سكنية ملك لهم يقيم بها ساكنون، والده لديه محلات كبيرة من الذهب وعائلته معروفة ولها وضعها لن تكذب ولكن هذا كله لا يأتي شيء بجانبها.
وهناك مشكلة كبيرة وهو احترامه لنفسه وللشخص الذي أمامه وتعامله المحدود معها وحديثه المنمق بعناية وغير هذا كله احترامه لزوجته تلك.
يبدو أنه يحبها.
لما لأ فهي أيضًا جميلة بنسبة معقولة ليست مثلها في الجمال مؤكد ولن تكون متعملة مثلها ولن تكن ابنة عائلة أيضًا مثلها ولكن هي تبدو من الفتيات النظيفات، جميلة أيضًا ليس عليها أن تنكر ذلك.
أخرجت الهاتف من جيب بجامتها البيتية وهي تسير في حديقة منزلها، أمسكت به بين يدها وفتحته على أحد صوره الرائعة للغاية، ابتسمت بتلقائية وهي تنظر إلى هذه الصورة، يقف في مكان كـ صالة رياضية، ستعتبرها هكذا لأنها بالفعل رديئة ليست كما أي واحدة تدلف إليها، يرتدي قميص داخلي أبيض يبرز عضلات جسده بالكامل وبنطال قصير يصل إلى ما قبل ركبتيه، يحمل الأوزان الثقيلة على يده ويبدو على ملامح وجهه السعادة وهو يبتسم باتساع هكذا.
يا له من وسيم حد الفتنة.
مر من أمامها زوجها “عادل” وهو يدلف من الباب الرئيسي إلى الداخل نظرت إليه بجدية والابتسامة مازالت على ثغرها على غير العادة.
استغرب نظرتها هذه واستغرب أكثر عدم ركضها خلفه إلى الداخل والصراخ عليه بأن يقوم بتطليقها والتنازل عن القناة إليها.
حقًا استغرابه فاق كل شيء وهو يراها هكذا مسالمة إلى رؤيته ولم تفعل كل ما كانت تفعله عندما تراه، لم تسبه بهذه الشتائم الرديئة التي كانت تقولها إليه وعن كونه كان فقير وهي من منت عليه.
على كل حال هذا أفضل بكثير سيخرج من هنا دون أن يأتيه صداع نصفي من كثرة صراخها، فقط سيأخذ ما أتى من أجله ويرحل فورًا قبل أن تعود إلى حالتها الطبيعية.
دلف إلى الداخل وهي مازالت هنا في مكانها ونظرتها عادت إلى “جاد” مرة أخرى وتحاول أن تجعل عقلها يفكر كيف ستفعل ما تريده معه وهو يملك كل شيء يريده المرء.
كيف ستفعلها هذه المرة.
❈-❈-❈
في اليوم التالي عصرًا ذهبت “كاميليا” متجهة إلى مكان تواجد “جاد” وهو الورشة بعد أن فكرت كثيرًا في كيف تقابله مرة أخرى لرؤيته والاستمتاع بالنظر إليه فهو لا يعطيها فرصة عبر الهاتف وهي تتحدث معه، وتظهر بصورة غير لائقة لأنها لا تتحدث في شيء مفيد وقد أتضح لها أنه محافظ من الأساس ولا يتعامل مع النساء بانفتاح بل إنه لا ينظر إليهن وهو يتحدث إلا قليل إن حدث.
وهي لا تحب هذه الأمور المعقدة الغريبة بل تريده أن ينظر إليها ويتمتع بالنظر حتى يرى أنها جميلة وتسر أعين الناظرين.
أخذت سيارتها والتي ستكون هي رابطة اللقاء بينهم وذهبت منذ وقت لتتوجه إليه وهي في قمة السعادة.
لا أدري حقًا كيف يوجد مثل هذه المرأة إن كانت حقيقية.
كيف هناك امرأة تنجذب للرجل من مظهره فقط.
كيف لها أن تريده أن يكون وسيمًا حتى تستمتع بوسامته وتجعل الجميع من أقربائها وأصدقائها ينظرون إليه ويهتفون كم هو جميل ولا يوجد مثله والأهم بعد هذه الصفات أنه زوجها.
كيف لا تنظر إلى دينه.
أخلاقه.
كيف لا تبحث عن عاقل رزين مُحب.
كيف لا تريد رجل يعرف الله حتى يعاملها بالمودة والرحمة الذي تحدث عنها.
أهي مُختلة أم تعاني من مرض نفسي.
هناك امرأة بها هذه الصفات الرديئة، أن تكون كل شيء أمام الجميع، أخلاقها تسمح لها بالركض وراء رجل متزوج.
دينها يسمح لها بخيانة زوجها بهذه الطريقة المُهينة.
بالفعل بعد كل هذه الأخطاء لن تكن نهايتها مُرضية بالمرة بل إن لم تعود عما تفعله سيحاسبها الله على كل شيء.
وصلت إلى الحارة وسارت بها بالسيارة إلى أن وقفت أمام الورشة في الشارع، كان جاد يقف في الداخل يعمل على إحدى السيارات يعطي لباب الورشة ظهره والعرق يتصبب منه بسبب انقطاع الكهرباء، مُرتدي قميص داخلي لونه رمادي بعد أن أزال عنه قميصه الآخر بسبب شدة الحر الذي يشوب الجو تظهر عضلات جسده بشدة وذراعيه متضخمة بفعل حمله الأوزان والعمل الجاد في الورشة.
منحني بجذعه للأمام قليلًا ولا يوجد معه في الورشة سوى “طارق” بعد أن ذهب “عبده” “وحمادة” لعمل في الخارج.
بقيت داخل السيارة وهي تقف بها أمامه تمامًا تنظر إلى ظهره العريض وجسده المنحوت بغرابة تظهر من عينيها الوقحة.
نظر إليها “طارق” من الداخل بعد أن لاحظ أنها صفت السيارة أمامهم، دقق النظر بها فعلم من تكون لأنه قد رآها قبل سابق هنا مع الاسطى “جاد” وقد وقفت معه بعض الوقت.
صدح صوته وهو يقول بجدية موجهًا حديثه إلى “جاد”:
اسطى جاد.. الست اللي كانت هنا واقفة بره.
رفع “جاد” رأسه للأعلى واعتدل بجذعه واستدار بوجهه ناظرًا إليه باستغراب مُتسائلًا:
ست.
ست مين.
أشار له “طارق” برأسه إلى باب الورشة فاستدار ينظر بقوة ليراها أمامه.
تقف جوار السيارة بعد أن خرجت منها وتنظر إليه بقوة هي الأخرى وكأنها تنتظر نظرته إليها.
أخفض عينيه وترك ما بيده أخذًا قطعة قماش من جواره على طاولة صغيرة يمسح بها يده بقوة بسبب ما بها بفعل أدوات السيارة.
تقدم إليها بهدوء وثبات في سيره كالمعتاد يقف أمامها بشموخ كالجبل قائلًا بجدية ونبرة رجولية خشنة:
أهلًا وسهلًا اتفضلي.
ابتسمت بنعومة إليه وهي تنظر داخل عينيه بعمق متحدثة:
ازيك.
أجابها بفتور وجدية:
الحمدلله في نعمة.
انتظر أن تتحدث وتقول ما الذي أتى بها إلى هنا، هل ملت من عدم رده على مكالماتها فأتت إلى هنا.
نظرت إليه بتردد وهتفت بكذب قائلة وهي تنظر إليه:
أنا جيالك في شغل.. أصل عربيتي من امبارح بتقف لوحدها.
نظر إلى السيارة خلفها ذات الماركة العالية والفخمة مُستغرب من حديثها لأن السيارة تبدو جديدة في الأصل.
عاد بنظره إليها وهتف سائلًا إياها:
بتقف إزاي يعني.
وضعت يدها عليها بتلقائية وأردفت قائلة:
بتعطل.. امبارح جيت ادورها لقيتها مش بتدور شوية واشتغلت وحتى النهاردة وأنا جاية عطلت مني في السكة واخرتني نص ساعة على ما اشتغلت.
أومأ إليها برأسه بجدية تامة واستدار يشير إلى طارق الذي كان يقف خلفه من الأساس يعمل جواره واستمع إلى الحوار الذي دار بينهم:
شوفها كده يا طارق.
ذهب طارق إلى الخارج في الشارع ليتفقد السيارة فتقدمت هي إلى باب الورشة لتقف جواره وتنظر إليه على راحتها وكما تحب، ابتسمت إليه بهدوء ورقة تجيدها جيدًا ثم تصنعت الخجل قائلة:
في سؤال كده بصراحة بيجي في دماغي على طول ونفسي اسألك عنه بس متفهمتيش غلط.
ضيق ما بين حاجبيه بعد حديثها وتسائل داخله قبل أن يسائلها عن مضمون السؤال التي تخجل منه:
ايه هو.
نظرت إلى عينيه الرمادية بدقة وتعمقت داخلها وهي تسائله هذا السؤال لترى كيف سيُجيب عليها وما الذي سيظهر على ملامحه:
أنتَ ليه مش مخلف.
حقًا لم يتوقع هذا السؤال أبدًا، يشعر بغرابة شديدة تجاهها، نظراتها غريبة.
مواضيعها غريبة.
حديثها معه وعنه غريب للغاية ولم يعد يرتاح إليها كما السابق، ويستغرب كثيرًا لما هي هنا بهذه السيارة.
أنها من طبقة غير طبقته ولن تموت دونه مؤكد لما أتت إليه هو.
أجابها بهدوء وعقلانية وهو يبعد عينيه عنها:
دي حاجه مش بأيدي.. كل شيء بأوانه.
تعمقدت أكثر في الحديث بعد أجابته لتستطيع أن تبني معه حوار لا ينتهي حتى تستكمله فيما بعد، ودون خجل هذه المرة تحدثت:
وأنتَ مدورتش على الموضوع.
قصدي متابعتوش مع دكتور يعنى.
نظر إلى البعيد يتابع “طارق” الذي ذهب بالسيارة من أمامهم بعد أن ألقى نظرة عليها يحاول أن يجد أي خلل بها، أجابها بجدية فقط كي لا يخجلها:
لأ.. أعتقد أن لسه بدري على أننا نتابع.
سؤال خلف الآخرين وهي تستمر في أمور لا تعنيها من الأساس:
ليه هو انتوا متجوزين من امتى.
رفع نظرة إلى الأعلى بعد أن تقدم للأمام قليلًا بعد شعوره بأنها تقف في الشرفة وأجاب بصوتٍ منخفض:
يعتبر ست شهور أه.
ابتسمت بغيظ اخفته داخلها لأنه يعتبر لم يأخذ القدر الكافي من زوجته الذي يجعله يستغنى عنها عندما تريد، استمرت في الحديث الهادئ الذي تظهره وكأنه تلقائي وأخرجت حديثها هذه المرة بمرح ومزاح:
دا أنتَ عريس جديد بقى.
ابتسم بتصنع وهو يعطيها ظهره بعد أن أخفض وجهه مرة أخرى وقد رآها بالفعل في الشرفة:
لأ جديد ايه خلاص بقى.
تقدمت إلى الأمام قليلًا مثله لتقف جواره وأكملت بضجر وانزعاج داخلها:
أنا بردو لما شوفت مراتك والبيت حسيت إنه لسه جديد وهي بردو لسه صغيرة.
لماذا تتدخل فيما لا يُعنيها بهذه الطريقة.
لما تتسائل عن الحمل والأولاد.
أهي مجنونة، أليس هذا شيء خاص به هو وزوجته وإن اتسع أكثر سيكون للعائلة ما دخلها هي، وأيضًا نظراتها لا تعجبه أبدًا.
أردف بفتور قائلًا:
آه فعلًا.
وفي أثناء أنها كانت ستتحدث مرة أخرى وقف “طارق” بالسيارة أمامهم وخرج منها قائلًا بجدية إلى “جاد” وهو يشير إلى السيارة:
العربية تمام يسطا جاد مفيهاش حاجه.
ابتسمت بتصنع له وادعت الفرحة ثم الاستغراب بعدها وهي تتسائل:
بجد طب كويس.. بس ليه كانت بتعطل.
أجابها “طارق” بعملية وهو يدلف إلى الورشة:
مفيهاش حاجه.. سليمة.
دلف إلى الداخل وتركهم فاستدارت بجسدها تقف أمام “جاد” وهتفت بابتسامة عريضة:
متشكرة جدًا يا جاد.. حسابك كام.
“جاد”.
هكذا “جاد” من دون ألقاب.
من أين هي تعرفه.
أنهى عقله عن التفكير الآن ونظر إليها مُبتسمًا بجدية:
حساب ايه هو معملش فيها حاجه أصلًا.
بس عطلته عن شغله يبقى في حساب.
ضغط على يده الذي وضعها في جيب بنطاله وكأنه يود لو تنشق الأرض وتبتلعه لينهي الحديث معها، قال بود وهدوء:
لو فيه حساب يبقى خليها علينا المرة دي.
ابتسمت إليه برقة وخجل ثم ألقت عليه التحية ودلفت إلى سيارتها ورحلت من أمامه، طبول الفرحة داخل قلبها تدق بأكثر قوة تمتلكها لأجل النظر إليه وإلى تعابيره الرجولية الرائعة ولأجل الحديث معه.
بينما هو مل كثيرًا بسببها واستغرب حديثها ونظراتها الغريبة إليه وأحيانًا إلى جسده وكأنها تسرق النظر إليه ولكنه رآها وهذا يجعله مندهش ليس فقط مستغرب أهي مجنونة.
يتمنى بالفعل ألا يراها مرة أخرى ولا يستمع إلى صوتها.
هناك شعور غريب داخله يجعله يقلق من رؤيتها.
وفي الأعلى كانت تقف في الشرفة ورأته وهو يقف جوارها.
ويتهامس معها.
ويبتسم إليها.
ما كل هذا الكرم.
لقد حُرمت هي من كل هذا وسلب منها أقل حقوقها لأجل غلطة لا يجوز أن تُنسب إليها من الأساس ويغدق هذه المرأة غريبة الأطوار به.
ما الذي يحدث من حولها يا وهي لا تدري به.
هذه المرأة شخصية معروفة وليس لديهم صلة بها بل هي من مكان يبعد كامل البعد عن حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم وعلى حين غرة ظهرت هكذا بينهم وتأخذ أكثر الوقت إليها وإن لم يكن بمقابلته هنا يكن بالهاتف.
صحيح أغلب الأوقات لا يُجيب ويكون تحت ناظريها ولكن هي تخاف وبشدة وقلبها قلق للغاية، ربما هذه ليست المرة الثانية التي تقابله بها، ربما يقابلها بعيد عن هنا بما أن هناك مكالمات بينهم، ولن تعتبرها صديقته لأن “جاد” لا يصادق نساء ولن تقول أن بينهم عمل لأنها لن تترك الجميع لديها في حياتها المرموقة وتأتي إلى هنا.
هناك شيء ولكن لا تعلم ما هو.
وهي حقًا لا تشك بـ “جاد” بل هي تثق به ثقة عمياء وتعلم أنه بار بها ويعاملها كما يحب الله أن تكون مكرمة في منزله ولكن أيضًا هي خائفة، تشك بها هي، تشك بأفعالها وكلماتها ونظراتها أيضًا.
يا الله مرة أخرى عدنا للتشتت والنزاع.
❈-❈-❈
بعد نصف ساعة من ذهاب “كاميليا” صعد إلى شقته في الأعلى ليتناول الطعام فمنذ أن هبط في الصباح وهو لم يأكل شيء سوى أنه طوال اليوم يرتشف أكواب الشاي.
دلف إلى الشقة وأغلق الباب خلفه متقدمًا من الداخل بعد أن ترك حذائه قبل الدلوف، سار إلى المطبخ فوجدها في الداخل تعطيه ظهرها ويبدو أنها تضع الطعام في الأطباق لأنها رأته وهو يصعد.
دلف إلى المرحاض وتعمد أن يفتعل صوت وهو يغلق الباب حتى تنتبه إلى وجوده معها، دلف ليغتسل سريعًا وهو كما هو عنوانه التجاهل الرسمي إليها والابتعاد الدائم عنها.
علمت أنه قد حضر واستعمل حيلته اليومية بأن يفتعل أي حركة تصدر صوتًا لتعلم بوجوده، وضعت الأطباق على صينية كبيرة وأخذتهم جميعًا مرةٍ واحدة.
خرج من المرحاض وهو يجفف وجهه ويده بمنشفة صغيرة، وضعها على الأريكة وهو يتقدم إلى غرفة السفرة، دلف إليها وجدها تجلس في مكانها تنتظر حضوره حتى تبدأ في تناول الطعام.
لم يكن هنا صوت سوى أصوات الملاعق في الأطباق الذي يأكلون منها.
“هدير” كان داخلها أمر عليها أن تتحدث به معه وستفعل ذلك ولكن بعد دقيقتين فقط حتى إذا احتد النقاش بينهم يكن أكل ولم يبقى جائعًا.
تعلم أن النقاش سيحتد كما في الفترة الأخيرة.
رفعت وجهها ونظرت إليه وهو يأكل، أخذت نفسًا عميقًا وتحدثت بجدية:
جاد.. عايزة أسألك عن حاجه.
رفع نظرة إليها وأبعد عينيه عن الطعام، يدعو أن لا يكون هناك معركة جديدة حتى لا يسوء الوضع أكثر من ذلك، أجابها ببرود:
ايه.
ابتلعت غصة حادة كانت بحلقها وتركت الملعقة من يدها، أبصرت عينيه الرمادية بقوة وهي تقول مُكملة بجدية شديدة:
الست اللي اسمها كاميليا دي عايزة ايه.
عاد بنظره إلى طبقه مرة أخرى وأخذ منه ملعقة إلى فمه يمضغها ببطء، كيف سيُجيبها وهو من الأساس لا يدري ما الذي تريده.
ابتلع ما بفمه وقال:
عايزة ايه إزاي يعني مش فاهم.
تعلم أنه يراوغ بسؤالها أو لا يريد الإجابة من الأساس، تعمقت بالنظر أكثر مثبتة عينيها عليه وهتفت بنبرة جادة وملامحها لا تشعره بالخير أو اللين:
يعني عايزة ايه يا جاد.
بتكلمك في الموبايل ليه على طول وفي وقت مش مناسب.
بتجيلك هنا ليه.
مرة أخرى عاد يأخذ ملعقة وهو يبعد نظرة عنها مُجيبًا إياها بجدية:
محددتش حاجه معينة… الأمور طبيعية.
نظرت إليه باستغراب وهي تراه يتهرب من النظر إليها يخفي ملامح وجهه عنها الكاشفة لما بداخله وتساءلت بجدية وقوة:
يغني ايه الأمور طبيعية أنتَ عمرك ما كلمت واحده ست بالطريقة دي.
لم تعجبه طريقة حديثها بالمرة وهو يراها تشير إلى شيء غير مقبول أبدًا، هذه المرة ترك الملعقة من يده وأردف متسائلًا:
الطريقة دي.
تقصدي ايه.
تضايقت ملامح وجهها بهذا الضعف المميت الذي يشعرها بالغيرة عليه من قرب هذه المرأة، فقالت وهي تقترب منه بهدوء:
مقصدش حاجه بس عايزة أعرف هي بتكلمك ليه وكانت هنا النهاردة ليه يا جاد.
رأى الغيرة بعينيها وطريقتها، وهي كزوجته لها الحق في أن تغار عليه، ولكن أيضًا للحقيقة الأخرى لم يصدر منها فعل تُحاسب عليه وهو لا يستطيع أن يجيب لأنه من الأساس لا يدري ما الذي تريده فأمر السيارة هذا لم يصدقه:
عربيتها كانت عطلانه.
رفعت حاجبيها بسخرية مُميتة إليه وتحدثت بتهكم صريح وهي تضع يدها على وجنتها كحركة ساخرة منه:
والله.
عيله صغيرة أنا علشان تضحك عليا.. وهي قبل كده كانت بتعمل ايه من غير الاسطى جاد اللي هيصلح العربية.
لم يتقبل حديثها وطريقتها مرة أخرى، يعلم أن هذا حديث لا يدلف العقول ولكن هذا ما حدث عن حق.
أردف بحدة وهو ينظر إليها بقوة:
هدير.
اعدلي كلامك.
وقفت على قدميها دافعة المقعد من خلفها بعنف وقوة وكأنها قد أتت بأخرها معه هذه المرة فما يفعله لا يرضي أحد أبدًا:
إزاي.. اعدل كلامي إزاي.. أنتَ مش شايف نفسك بتعمل ايه.. زعلان تتقمص وتبعد عني من غير حتى عتاب.. أسألك عن حاجه تهرب من السؤال حتى لو أجابته عندك وهتريحني.
وقف هو الآخر قبالتها ونظر إليها بعمق منتظرًا أن تنتهي من حديثها الذي تفوهت به بحدة وقوة لأول مرة وكأنها تتمرد عليه:
أنا لسه هنا مبعدتش.. حاولي أنتِ بقى مبعدش بجد.
أمر غريب قد تحدث به وهي لم تفهمه.
ضيقت ما بين حاجبيها وتسائلت بجدية واستغراب:
تقصد ايه.
أجابها وهو يبتعد:
مقصدش حاجه.
نظرت إليه وجدته يذهب إلى الخارج ثم إلى خارج الشقة كاملة بعد أن استمعت إلى صوت الباب يغلق.
جلست مرة أخرى مكانها وقد انتابها الضعف الشديد لما يفعله بها.
لقد مضى الأمر وتناست الناس ما حدث حتى هي تناست ما حدث لما هو الوحيد المُتذكر مع أنه أخذ حقه من مسعد مرتين ليس واحدة فقط إلى أن أصبح لا يُجيد السير في الحارة رافع الرأس.
ما الذي يريده أكثر من هذا.
النيل منها هي.
أن يجعلها تشعر بالخطأ الذي فعلته.
لقد شعرت وفهمت وعلمت وانتهى الأمر ما به بعد ذلك.
غير أن وجود هذه المرأة التي ظهرت من العدم يعكر صفوها ويجعلها تود أن تغلق عليه الأبواب إلى أن يعترف ما الذي تريده منه.
فمؤكد هناك شيء وإن لم يعود عما في رأسه ستُخلق المشاكل يوميًا بينهم وتنتهي تلك الحياة الوردية التي لم تستطيع أن تنتهي منها بل هي التي نفذت وقدمت محلها حياة تتشح بالسواد.
❈-❈-❈
في المساء.
وقف “عبده” مقابلًا لـ “جاد” في الورشة وهو يتحدث معه في أمور عدة ثم مرة واحدة هتف قائلًا وكأنه تذكر:
نسيت أقولك يا كبير.. الفرج حضرت.
تغيرت ملامح “جاد” شاعرًا بالاستغراب وعدم الفهم فسأله وهو يعتدل في وقفته جوار باب الورشة:
فرج.
فرج ايه.
ابتسم الآخر ابتسامة عريضة أظهرت أسنانه وضيقيت عينيه السوداء:
الرد وصل من عند أهل العروسة.. رحمة.
ابتسم “جاد” هو الآخر بشدة بعد أن فهم ما الذي يتحدث عنه، لقد قالت له “هدير” أن “عبده” تقدم إلى صديقتها “رحمة” ثم في اليوم التالي قد تحدث هو معه وقال له ما الذي يريد فعله.
ظهرت الفرحة على وجه “جاد” وأقتربت منه يحتضنه بعد هذه الابتسامة التي أظهرها على وجه ولا تدل إلا على القبول:
ألف مبروك يا عُبد.. ألف مبروك ياض.
بادلة “عبده” العناق بقوة والفرحة تهتز داخل قلبه محركه إياه بقوة:
الله يبارك فيك يا كبير.. عقبال ما نشيل ولادك يارب.
مازال يعانقه، وقد هزت قلبه هذه الكلمات البسيطة، يا الله كم يتمنى أن يحدث هذا، هذا أكبر حلم بحياته ولو كان صغير ولكنه حقًا يريده بكل جواره.
طفل.
طفل فقط منه ومنها لا غير ذلك.
لما الجميع يذكره اليوم بهذا الأمر.
ابتسم أكثر مسيطرًا على مشاعره وعاد للخلف وهو يقول بهدوء:
عرفت إزاي بقى.
والله زي ما أنتَ عارف هما من وقت ما اتقدمت وسافروا.. أبوها كلمني امبارح وقال إنهم رجعوا وأننا نشرف في أي وقت.
قربت “جاد” على ذراعه وقال بابتسامة بسيطة وحب ظهر على ملامح وجهه:
ألف مبروك.
❈-❈-❈
اليوم التالي.
في الساعة السابعة صباحًا كان “جاد” ينام على فراشه في غرفة نومه، جواره زوجته التي كانت تحتضنه بقوة تضع يدها اليمنى على صدره والأخرى جوارها، قدمها اليمنى فوق قدميه الاثنين والأخرى على الفراش، مقتربة منه إلى حد كبير وهو ينام على ظهره ولم يكن يشعر بهذه السلاسل التي تحيط به، بل كان ينام على ظهره واضعًا يده اليسرى فوق ذراعها يحتضن إياها هو الآخر.
لا يدري أنه يفعل هذا وهي لا تدري أنها مقتربة منه إلى هذا الحد فكل واحد منهم يوميًا ينام بعيد عن الآخر ولا تدري ما الذي يحدث أثناء نومهم يجعلهم يقتربون إلى هذا الحد.
وكأن هذه الراحة لا تأتي إلا في القرب، لا يرتاح في نومه إلا وهي داخل أحضانه يشعر بتواجدها ويستنشق عبير خصلاتها وجسدها.
ولا تشعر هي بالأمان والسكينة إلا عندما تشعر بوجوده معها إن كان في نومها أو يومها.
قلبين يحرقهم البعد والفراق ويشتعلوا على النيران والجمر معهم، والأرواح تتلاقى في غفوة النوم لقسوة الجسد عليها، ثم يستفيق كل منهم ويعود الوضع إلى ما هو عليه.
دون سابق إنذار والاثنين ينعمون بأفضل أوقات نومهم جوار بعضهم.
اخترق صوت صراخ عالي أذنيهم بقوة عنيفة جعلتهم ينتفضون من على الفراش مرة واحدة معًا بفزع.
تمسكت “هدير” بذراع “جاد” وهي تنظر إليه بعد أن جلست بهلع والنعاس يؤثر عليها قائلة بخوف:
في ايه يا جاد.
حاولت فتح عينيها بقوة لتنظر إليه فوجدته هو الآخر ينظر إليها باستغراب ومازال كأنه يحلم ولكن الصوت مستمر بعنف وقوة جعلته يهلع لما قد يكون يحدث.
وقف سريعًا من على الفراش مبتعدًا عنها بعد أن هتف هذه الكلمات بقلة حيلة، تقدم من مقعد المرأة وهو يضغط على عينيه بقوة، أخذًا بنطاله البيتي وقميصه بهرجله ليرتديهم حيث أنه كان ينام بملابسه الداخلية.
سريعًا وبهرجله ارتدى ملابسه وخرج إلى الشرفة ليرى ما الذي يحدث في الخارج وكلما أقترب تبين إليه الصوت.
فتح الشرفة سريعًا ونظر إلى الخارج ليرى البعض اجتمع أسفل منزلهم والصوت يأتي منه بقوة وعنف اهتزت له الجدران.
عاد إلى الداخل يركض بهلع وخوف حقيقي لما جال بخاطره عما قد يحدث في المنزل في مثل هذا الوقت وأصبح قلبه يدق بعنف وقوة، قابلته وهو يركض إلى باب الشقة بعد أن ارتدت روب سريعًا على ملابسها والصوت يكاد يخرج من الأذن الأخرى.
سألته بقلق ولهفة ظاهرة عليها والخوف يدق قلبها بعنف ولم تعد تستطيع أن تقف على قدميها:
في ايه يا جاد.
أجابها بقوة وهو يخرج من الباب قائلًا بنبرة رجولية خائفة ضائعة:
دا صوت أمي.. الصوت من عندنا.
ثم خرج من الباب وتركها تقف تنظر في أثره تحاول أن تبتلع الصدمة أو تفهم ما الذي يحدث لكي تستطيع أن تتحرك.
❈-❈-❈