تحميل رواية ندوب الهوى بقلم ندا حسن pdf
بقلم ندا حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خرج من منزله في الطابق الأول علوي، ثم هبط الدرج بهدوء وبطء. قصد أن يفعله لعله يرى شخصًا لم يره منذ يومين، وكل تفكيره يصب نحوه فقط، والذي ازداد بعدما وقع على عاتقه شيء لن يستطيع أن يتحمله بعد ما حدث بينه وبين والده من نقاش خرج منه هو الوحيد الخاسر. مر من أمام باب شقة في الطابق الأرضي، بعد أن زفر بحنق لعدم تحقيق ما تمنى، وكأنه كان يعلم أن ذلك سيحدث وقد خلف الوعد معه. ولحسن حظه، بينما يمر بهدوء، تفاجأ بصوت قوي ميزه بأنه صوت باب. ثم شعر بشيء يرتطم بظهره، وبعدها استمع إلى أشياء أخرى اصطدمت بالأرضية....
رواية ندوب الهوى الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ندا حسن
“أين طريق الحزن؟ السعادة لا تليق بنا”
استمع “سمير” إلى هذا الصوت الذي اخترق جدران المنزل ليصل إلى غرفة نومهم ومن بعدها إلى داخل أذنيهم ليجعلهم يستيقظوا من نومهم بهلع ولهفة خائفة مما قد يحدث.
جلس على الفراش وهو يمسح على وجهه بيديه الاثنين يحاول أن يستوعب أن هناك صوت صراخ قوي وأن ميزة سيعرف لمن.
وجواره “مريم” التي جلست هي الأخرى بعد أن استمعت إلى هذه الأصوات الآتية من الخارج.
وقف “سمير” على قدميه سريعًا يتقدم إلى الخارج ليذهب إلى صالة المنزل ويرى ما الذي يحدث في الصباح الباكر وكلما أقترب تبين له الصوت أكثر وأكثر، عندما فتح الشرفة ورأى بعض الأشخاص في الشارع وجاد يركض دالفًا إلى منزلهم.
وهذا صوت زوجة عمه. إنها هي!
أغلق الباب مرة أخرى سريعًا دون التفكير وهو يعود إلى زوجته قائلًا بنبرة متوترة خائفة:
“أنا نازل يا مريم أشوف في إيه.”
اعتدلت في جلستها وتسائلت بجدية ولم يأتي بخلدها أن يكون شيء يخصهم:
“الصوت ده منين؟”
أجابها وهو يخرج من الغرفة تاركها مذهولة بعد إجابته:
“دا صوت مرات عمي.”
خرج بعد هذه الكلمات البسيطة وتركها تنظر في أثره بقوة وعينيها مفتوحتان بذهول تام، لما قد يأتي هذا الصوت من عندهم الآن ولما تصرخ هكذا!
وقفت سريعًا هي الأخرى لترتدي ملابسها وتهبط إليهم.
بينما في ذلك الوقت كان قد وصل “جاد” إليهم بعد أن ركض على جمر مشتعل ليصله إلى منزل والده وليرى ما الذي يحدث معهم، أفكار هائلة في تلك اللحظات التي هبط فيها من هذا المنزل إلى الآخر قد حضرت بعقله وجعلته يتخيل أبشع الأشياء التي قد تحدث لهم.
دلف “جاد” الشقة والذي كان بابها مفتوح ليرى عمه “عطوة” بالداخل وزوجته ومعهم والدته التي صمتت عن الصراخ يلتفون حول والده النائم على أرضية الصالة لا يحرم ساكنًا!
وقع قلبه بين قدميه وتوقف في مكانه وهو ينظر إلى هذا المظهر البشع، الذي تخيله في هذه المسافة القصيرة وكان الأبشع على الإطلاق!
ما به! ماذا حدث! لما تصرخ والدته، ولما عمه ينظر إليه هكذا، أدمعت عينيه في هذه اللحظات البسيطة وحقًا شلت حركته ولم يستطيع أن يحرك أي عضو به بعد هذا المظهر وكأنه خدر تمامًا.
يحتاج لمن يخرجه منه، وها قد حضر أخيه والمنقذ الوحيد له “سمير”.
نظر هو الآخر إلى ما يحدث بعد أن دلف ودلفت من خلفه والدة “هدير” و “مريم”.
نظر بعينين خائفة وروح مقهورة وكل هذا في لحظات تمر عليهم جميعًا، استدار بعينه إلى “جاد” وشعر أنه في صدمة فحركة بيده اليسرى وهو يدفعه للداخل قائلًا بنبرة رجولية خشنة:
“جاد فوق.”
نظر إليه “جاد” بعد هذه الدفعة منه باتمان وكأنه يشكره وتقدم إلى الداخل سريعًا جسى على قدميه جوارهم وتسائلًا بقوة محاولًا التحلي بها:
“ايه اللي حصل؟”
أجابته والدته وهي تتمسك بيد والده والبكاء كالشلال على وجنتيها والحزن ارتسم على ملامحها وروحها:
“وقع مرة واحدة يا جاد.. الحق أبوك يا جاد.”
وضع يده أمام أنفه ثم على العرق النابض بيده ليرى أنه مازال على قيد الحياة ويتنفس.
أقترب منه “سمير” يهتف بصوتٍ عالٍ بجدية:
“هكلم الإسعاف.”
رد “جاد” بقوة وهو ينظر إليه قائلًا بأمل يحيىٰ داخله:
“لسه هستنا الإسعاف؟.. هوديه أقرب مستشفى بالعربية.”
وقف على قدميه معتدلًا يميل ناحيته بعد أن أبعد الجميع ومعه ابن عمه ليحاول أن يحمله ويهبط به إلى الأسفل بمعاونته، وجد زوجته تدلف من باب الشقة وخلفها شقيقتها.
نظر إليها ليجدها تضع يدها على فمها من هول الصدمة والمظهر الذي رأته عليه تشهق بقوة وصوتٍ عالٍ، وقع قلبها بين قدميها وشعرت بالخوف الشديد يجتاح كيانها لرؤية والده هكذا.
ناداها بقوة قائلًا:
“مفاتيحي من الشقة بسرعة يا هدير.”
رآها كما هي لم تتحرك وكأنها صدمت مثله بالفعل وعقلها لا يستوعب ما الذي يحدث فصرخ عاليًا بها وهو على أخر نقطة بالسطر وبعدها سيقع:
“المفاتيح من الشقة يا هدير.”
أومأت برأسها عدة مرات متتالية وذهبت ركضًا إلى الخارج لتفعل ما قاله.
أقتربت “مريم” من والدة “جاد” تحتضنها بقوة حتى تهدأ وكأن الأخرى كانت تريد هذا لتأتي بالمزيد من البكاء.
رفيق العمر والروح يكاد يفارق قبلها! لأ لن تسمح له بهذا، قبل أن يزف الخبر إليها ستكون سبقته إلى هناك لتكون في انتظاره واستقباله فلا يجوز أن تمضي البقية من عمرها دون رفيق دربها.
بعد هذه اللحظات كان “جاد” أخذه في السيارة ومعه “سمير” وعمه ووالدته متوجهًا سريعًا إلى أقرب مشفى منه ليسعفه، ولم يأخذ كثير من الوقت بل أقل من القليل ومع هذا قلبه كان يحترق وروحه تكاد تتركه وتفكيره شل!
أصعب شعور مر عليه بحياته؟ هذا والده، سنده، ظهره في الدنيا وحمايته ومهما كبر وكان رجلًا فهو لا يكون شيء سوى بوالده ووالدته، لا يكون شيء من غيرهما.
خرج الطبيب المعالج لوالده من غرفة الطوارئ ليقف أمامهم متحدثًا بنبرة عملية مطمئنة:
“متخافوش يا جماعة.. الحج بس ملغبط في الأدوية بس الحمدلله هو بخير متقلقوش.”
أقترب منه “جاد” تحت أنظار الجميع وتسائل بلهفة تتحدث على ملامحه:
“يعني هو كويس؟.. مفيش حاجه.”
أومأ إليه الطبيب بابتسامة ليجعله يطمئن ونظر إليه بعمق قائلًا بتساؤل وقد شعر أن هذا الرجل أقرب من القرب إليه:
“أنتَ ابنه؟.”
أومأ إليه “جاد” ومازالت اللهفة ترتسم على ملامح وجهه والخوف يتصبب منه أمام الجميع في محاولة منه أن يخفي كل هذا ويجعلهم ينظرون إلى القوة فقط، المصطنعة!
“متقلقش الوالد حصله إغماء بسبب ارتفاع ضغط الدم.”
تسائل “جاد” باستغراب وجدية قائلًا:
“مرة واحدة كده؟.”
أشار له الطبيب بيده وهو يهتف مُكملًا بعملية شديدة:
“لأ هو عنده السكر والضغط وملغبط في الأدوية فحصله إغماء.. متقلقوش دي حاجه بسيطة وهيخرج بالليل إن شاء الله.”
أومأ إليه “جاد” بعد أن زفر بقوة وهو يشكره:
“شكرًا يا دكتور.”
تقدمت والدته منهم بعد أن مسحت بيدها دموعها وأقتربت من الطبيب تقول بلهفة:
“ينفع أشوفه يا دكتور؟.”
ابتسم إليها الطبيب قائلًا:
“معلش يا حجه مش هينفع دلوقتي لكن معانا اليوم بطوله تقدري تقعدي معاه.”
شعر أنها انزعجت وبشدة أيضًا وظهر عليها الإحباط الشديد فابتسم وكأنها والدته وقال بمزاح ليخفف عنها:
“متقلقيش هدخلك عنده لوحدك وهمنع الزيارة.”
ابتسمت بوجهه شاكرة إياه بجدية فرحل الطبيب بعد أن تمنى الشفاء العاجل له، نظر “جاد” إلى والدته وتذكر الصراخ الذي استمعه منها، لقد خافت بشدة عليه! هل شعرت أنه يفارق الحياة لذا صرخت بكل قوة؟ لقد كانت تموت من البكاء وهو صب كل تركيزه على والده ولكنه مع ذلك لم يغفل عنها.
ماذا يريد بعد كل هذه السنوات معًا، في السراء والضراء معًا، منذ الشباب إلى الشيخوخة معًا، ماذا ينتظر منها أن تفعل! إنها تحب والده وتحترمه وتقدر كل ما يفعله، تحبه إلى درجة تمنت الموت قبله حتى لا تبقى ليوم واحد بدونه. وهو تمنى المثل حتى لا يبقى ليوم واحد بدونها، ما هذا الحب! كل هذا من العشرة الجميلة والأصل الطيب، والده ووالدته من أصل طيب خلوق يظهر في كل وقت وحين وفي كل ضعف وقوة.
تمنى لو يكون هكذا هو و “هدير” يكون مثل الحصن المنيع لها وتكون مثل حضن الأم له، يكون السند والقوة وقت الضعف وتكون هي الحب والوجود في كل وقت وحين! سيكون لها كل شيء تريده ويعلم أنها تريده.
أقترب من والدته التي جلست على أقرب مقعد، جلس جوارها وعلى الناحية الأخرى عمه وابن عمه.
أقترب منها محتضن إياها بحنان وهدوء رأى أنها هي من تحتاج إليه في هذه اللحظات الصعبة. وقالبته والدته بالقوة دون البكاء لأنها تشعر بضعفه وقلة حيلته في ذلك الوقت، رأت الخوف والهلع بعينه، رأت الضعف والألم بوقفته المنكسرة، ألا تكون له القوة الآن! سيتبادلون القوة المزيفة إلى أن تصبح حقيقة.
***
“الساعة الثالثة عصرًا”
إلى الآن عقلها لا يريد إلا سواه، أتدرون كيف! عندما يرى السلطان امرأة ويشتهي وجودها بحياته ومهما كلفه الأمر يفعل ذلك! أنها هي، تشتهي وجوده، تريد الإقتراب أكثر، تريده هو، لا تدري إن كان هذا حقًا مرض أم شيء آخر ولكن هي تريده، تريد أن يكون أقرب من القرب نفسه إليها.
بعد أن تضع خطة محكمة وتجعل زوجها يقوم بتنفيذ أمر الطلاق وتكون من بعدها حرة وتستطيع أن تتزوج من “جاد”.
التفكير في الأمر يجعلها في قمة السعادة، أن يكون ملكها، زوجها، يتواجد معها في كل مكان ويراه الكثير ويعلم أن ذلك الرجل القوي الوسيم زوجها! يا لها من سعادة مطلقة ستأتي في ذلك الوقت فقط.
هبطت من السيارة أمام الورشة، وزعت نظرها على من في الداخل فلم ترى أحد والباب مفتوح، تقدمت بخطوات بسيطة وهي تنظر حولها بدقة وتدعو أن تبصره ولكن أبصرت غيره:
“نعم؟.”
نظرت إلى “عبده” الذي ظهر من الداخل على حين غرة وتحدث بطريقة فظة معها ونظراته فظة أكثر منه، أجابته بتعالي ونظرة مستحقرة:
“فين جاد؟.”
نظر إليها باستغراب شديد بسبب هذه الثقة التي تتحدث بها وهي تتسائل عنه حتى دون ألقاب، نظر إليها من الأعلى إلى الأسفل بطريقة استحقرتها أكثر وهي بهذه الملابس الضيقة الكاشفة عن جسدها:
“الاسطى جاد مش هنا.”
وضعت يدها أمام صدرها وتسائلت بجدية شديدة وهي تقترب منه:
“أيوه فين يعني.. عندي معاد معاه.”
عندما قالت هكذا ظن أن هناك ميعاد بينهم حقًا فقال بجدية وهو يبتعد للداخل حتى ترحل هي وتتركه:
“الاسطى جاد في المستشفى.”
وكأنها صدمت بسيارة تأتي على أكبر سرعة لديها بعد أن استمعت هذه الكلمات، صاحت بقوة وصوت عالي يشوبه القلق:
“ماله، حصله ايه؟.”
نظر إليها باستغراب أكثر ولكنه لم يعيرها أدنى اهتمام وقال بجدية مرة أخرى:
“مش هو ده الحاج رشوان أبوه؟.”
تنفست الصعداء وهي تستمع إلى أن الضرر بوالده وليس به، لو كان “جاد” بيده القرار لتمنى أن يكون به هو. بعد ذلك تسائلت عن اسم المشفى وقررت الذهاب إليه أمام الجميع لتثبت حضورها وليعرفها الجميع ويعرف أنها من المقربين بـ “جاد” وهذا ما نسبته إليه ولم يفعله أبدًا.
وكأن تفكيرها معاق أو به شيء مختل! وكأن نظرتها سارقة إن وقعت على شيء ملك غيرها أرادت أن يكون لها.
ستذهب لتفعل ما يجب عليها فعله، ولتكن أول من وقف بجواره حتى لا ينسى هذا إلى الأبد.
***
ذهبت “هدير” مع والدة “سمير” إلى المشفى المتواجد بها والد “جاد” ليطمئن قلبها عليه، حاولت أن تتحدث مع “جاد” ولكنه في الأساس ترك هاتفه في المنزل عندما هبط على عجلة من أمره ولم يأخذ أي شيء معه، حتى الأموال لم يأخذها بل “سمير” هو من ذهب ليأتي بالمال ليكون معهم إذا أرادوا أي شيء، لقد حدثت “مريم” زوجها عندما علمت شقيقتها أن “جاد” ترك الهاتف، اطمئنوا عليه ثم ذهبت “هدير” مع زوجة عمه ليكونوا بالقرب منهم في هذا الوقت.
وقد كانت هي تود الإقتراب منه إلى أن تكون داخله لتخفف عنه ما عناه اليوم، فقد كان الهلع يكاد يوقف قلبه عن العمل وروحه تزهق مع والده عندما وقع نظره عليه في هذه الحالة.
أشفقت عليه كثيرًا وشعرت أن عليها التقرب منه الآن متناسين أي شيء بينهم، عليها أن تكون الزوجة الصالحة وتقف جواره في مثل هذا الموقف وتبعد كل حزن عنه وتترك ما يحدث بينهم خلف ظهرها وكأنه لم يحدث من الأساس.
والدته تحتاج لمن يدعمها وسيكون هو هذا الداعم وهو في الخفاء يريد داعمه وستكون هي كذلك.
الجميع يجلس في الممر مقاعد متجاورة ومقابلة لبعضها، جلست والدته وجوارها والدة “سمير” تمدها بالدعم والحديث اللين عن كونه سيكون بخير وهي جوارهم وفي الناحية الأخرى يجلس عمه وابنه.
رفعت نظرة عينيها إليه لتراه يقف على قدميه جوار باب غرفة والده مستندًا بظهره إلى الحائط رافعًا قدمه اليسرى إلى الحائط أيضًا ويضع يديه الاثنين خلفه.
وقفت بهدوء وتقدمت تسير بثبات ناحيته وعينيها تتعمق بعينيه الرمادية الحزينة المناجية إياها، لقد استشعرت احتياجه لها فقط من نظرة عينيه المنكسرة الدامعة، وقفت أمامه مباشرةً وابتسمت بوجهه برقتها المعهودة سابقًا قبل كل ما يحدث بينهم وقدمت يدها إلى وجنته تتحدث بلين وحنان:
“هيبقى كويس، متقلقش يا جاد.”
وضع قدمه اليسرى جوار اليمنى يقف معتدلًا أمامها على الأرضية، ابتسم بوجهها بـ إرهاق شديد يظهر بوضوح وحمل لها داخل قلبه ما تحاول فعله معه متناسية كل ما يفعله هو هذه الفترة، وضع يده فوق يدها الموضوعة على وجنته وجذبها إلى فمه يقبلها بحنان وشغف مُتمتمًا بيقين:
“إن شاء الله.”
اشتد بيده على يدها بقوة ممسكًا بها مطالبًا بالشعور أكثر أنها جواره ومعه وله مهما حدث بينهم، وتناسى كل شيء وبقيت هي أمامه تنظر إلى عينيه الرمادية المطالبة بالمزيد.
“جاد!.. باباك عامل ايه دلوقتي؟.. أنا اتخضيت لما عرفت، هو كويس مش كده؟..”
ظهور هذا الصوت مرة واحدة تحت مسامع الجميع خلال صمت تام جعل الجميع ينظر ويتساءل!
استمعت “هدير” إلى هذا الصوت الذي تعرفه جيدًا يأتي من خلفها بلهفة كبيرة ظهرت بنبرتها والشوق يتخللها بوضوح، غير نطقها لاسمه دون ألقاب بينهم وهي التي لم تستطيع فعلها إلا عندما أصبحت زوجته!
نظر إلى الصوت الذي أتى من خلف زوجته، حقًا لقد كان سارح بها وبرقتها وجمالها، وداخله يفكر باشياء كثيرة ولم يرى هذه التي تتحدث الآن متى أتت إلى هنا وكيف علمت ومِن مَن!
نظرت هي إليه وإلى زوجته التي استدارت تنظر إليها بجدية تامة وربما حدة مفرطة أو أكثر أيضًا، الجميع مستغرب وجودها هنا ومن أين تعرف “جاد” ابنهم البسيط!
تقدمت أكثر إليهم ونظرت إلى “جاد” بلين ورقة ورسمت ملامح الخوف واللهفة جيدًا عليها لتقول:
“جاد!.. باباك كويس.”
سحبت “هدير” يدها بهدوء وهي تعطي له مساحة للرد ولكن في حضورها بينهم، نظر إلى يدها التي تأخذها منه بهذا البرود وعلى وجهها هذه النظرة!
استدار لينظر إلى “كاميليا” وحقًا هنا ازداد قلقه أكثر بعدما اطمئن على والده، هتف بجدية:
“الحمد لله كويس.. تعبتي نفسك ليه كده.”
ابتسمت بنعومة ونظرت إلى عينيه الرمادية قائلة بدلال واضح وبين يدها ورود أتت بها إليه:
“هو فيه حد أغلى منك اتعبله بردو يا جاد.”
الجميع على ملامحه ترتسم الدهشة والصدمة والاستغراب الشديد، نظر إليها “سمير” بقوة وهو يعلم من هي وقد رآها تقف سابقًا معه ولكن لم يكن يعلم أن العلاقة بينهم تصل إلى هذه الدرجة! أن تناديه بإسمه هكذا أمام الجميع وبهذا الدلال! أن تتغزل به هكذا أمام زوجته وعائلته! لم يكن يتوقع أن هناك من يستطيع أن يفعل هذا وبالأخص لو كانت امرأة، فـ “جاد” يعشق زوجته مؤكد لا يريد أن تهتف بهذا الحديث أمامها.
بينما والدته شعرت بالضيق الشديد يجتاح كيانها لرؤية هذه المرأة تتحدث بهذه الطريقة أمام زوجته! وهذا ولدها لا يفكر بزوجته وإحساسها كيف سيكون بعد هذا الحديث الغريب عليهم كعائلة وعاداتهم وأخلاقهم لا تسمح بمثل هذا الحديث ولا هذه النظرات الوقحة.
نظرت إلى “هدير” بشفقة التي وجدتها تنظر إلى “جاد” منتظرة منه الرد عليها والذي طال كثيرًا وكأنه يستوعب ما الذي تفوهت به.
ابتسم بتصنع كان في هذه اللحظة بالتحديد يظهر بوضوح لأن الكلمات لجمت لسانه وجعلته للحظات لا يستطيع الرد:
“متشكر.”
“أنا كنت رايحة الورشة علشان أشوفك عرفت من الولد اللي شغال هناك بصراحة مقدرتش مجيش اطمن على والدك وعليك.”
في تلك اللحظات لم يستطع أن يُجيب عليها حيث أن زوجته نظرت إليه بجدية تامة أمام جميع الأعين الناظرة إليهم وهتفت بقوة:
“جاد!.. عايزاك لحظة.”
كانت هذه اللحظة المنتظرة بالنسبة إليه، علم منذ رؤية “كاميليا” أنها ستنفجر في أي لحظة وسيكون هذا الانفجار في وجهه وستتناسي كل شيء قد حدث من لحظات قليلة.
أومأ إليها برأسه فسارت مبتعدة عن الجميع إلى آخر الممر وهو خلفها يفكر في ذلك المأزق الذي وضعته به هذه المرأة الغريبة.
وقفت بعيدًا ووقف أمامها، رفعت يدها أمام صدرها وتسائلت بجدية وملامحها كأنها تنتظر معركة معه:
“جاد!. الست دي عايزة ايه؟.”
زفر بضيق وقوة أمامها وهو يشيح بوجهه ثم عاد ينظر إليها قائلًا:
“تاني؟.. نفس الكلام تاني.”
أشارت بيدها دليل على التكرار بحدة وهمجية وكأنها تدافع عن حق في أرض كبيرة لا مثيل لها تتعرض للسرقة:
“تاني وتالت ورابع وعاشر يا جاد لحد ما أفهم ايه اللي بيحصل من ورايا.”
شنجت ملامحه وبرزت عروقه بقوة وهو يستمع إلى حديثها السخيف الذي يفسر بأنه يفعل شيء من وراءها:
“يعني ايه اللي بيحصل من وراكي أنتِ اتجننتي؟.”
أومأت برأسها عدة مرات متتالية بهستيرية وهي تضرب بقدمها في الأرض أمامه مُجيبة بعصبية وانزعاج يكاد يخنقها:
“آه اتجننت.. اتجننت فعلًا لما سكت ومعرفتش هو ايه اللي بيحصل والست دي عايزة ايه بالظبط.. أنتَ عارف أنها لا شبهنا ولا من توبنا يا جاد يبقى عايزة ايه؟.”
حاول امتصاص غضبها الذي يقدره ولن يستطيع أن يعاتبها عليه لأنها محقة، زوجته وتغير عليه وتشعر بتغيرات من حولها. محقة:
“قولتلك مش عايزة .. كانت رايحة الورشة في شغل ولما عرفت زي أي حد عارف الأصول جت تشوف أبويا.”
قبضت جبينها باستغراب ودهشة بسبب حديثه الذي لا يُصدق وكونه يتساهل معها هكذا إذًا هناك ما يخفيه!
“أنتَ بتكلم عَيله يعني ولا ايه؟.. لو هفترض أن كلامك صح ايه حكاية جاد اللي بتقولها على الفاضية والمليانه من غير أي لقب كده ده طبيعي يعني؟.”
أغمض عينيه بقوة يتمتم بالاستغفار بصوتٍ عالٍ ثم أجابها بحديث غير مقنع:
“هو أنا هتشرط عليها تكلمني إزاي؟.”
نظرت إليه وهي لا تصدق أي شيء مما يقوله وتود لو صرخت به أمام الجميع وجعلته يعترف بالذي يحدث، نظرت إليه بسخرية وأردفت مقلدة إياها بنفس نبرتها:
“وبالنسبة لـ هو في حد أغلى منك اتعبله بردو يا جاد؟.”
شعر هذه المرة بالانزعاج الشديد الذي يضيق صدره عليه وهي تضيق كل الطرق في الإجابات المقنعة لتأخذ ما تريد وحقًا هو مُرهق إلى أبعد حد ولا يعلم ماذا يفعل وماذا يقول:
“هدير أنا فيا اللي مكفيني العملية مش ناقصة.”
نظرت إلى عينه بقوة واسترجعت كل ما مضى بينهم في الفترة الأخيرة بداية بما فعله “مسعد” بصورها إلى الآن، وأرادت أن تجعله يتفهم نظرتها الحزينة التي القتها عليه أثناء حديثها:
“وأنا كمان يا جاد فيا اللي مكفيني وأكتر منك ومحتاجة تفسير للي بيحصل ده.”
“عايزاني أقول ايه طيب غير اللي قولته؟.”
أخذت نفس عميق وهي تنظر إليه عندما وجدته حقًا مرهق إلى درجة أنه يستند على الحائط بيده وهو يتحدث معها، لقد خفق قلبها لأجله وحزن لأجل ما يحدث بينهم:
“تقولي أنتَ بعيد عني ليه؟.. وبلاش حجه الصور علشان بقت قديمة بجد وبايخه وتقولي قريب منها ليه يا جاد؟.”
أبتعد “جاد” عن الحائط ناظرًا إليها وعينيه متسعة بقوة شديدة مدهوشًا من حديثها الأبلة، كيف له أن يقترب من أخرى غيرها!
صاح بحدة وهو يقترب منها:
“أنتِ اتجننتي!.. قريب من مين يا مجنونة أنتِ.. قريب من مين؟.”
بحدة شديدة أجابت عليه:
“منها.. كلامي كدب؟.”
دعى بالصبر داخله وهو ينظر في اتجاههم ليرى والدته تحذرة بعينيها وكأنها تتحدث معه عن خطاءه أمام الجميع في حق زوجته، هل خطأ إلى هذه الدرجة!
عاد للخلف وهو ينهي الحديث قائلًا وهو يهرب إلى البعيد:
“أنا دماغي فيها مليون حاجه ومش ناقص كلامك ده ولو أنتِ واحدة بتفهم تعرفي أن ده لا وقته ولا مكانه.”
نظرت إليه وهو يبتعد عنها عائدًا إلى مكانه ووقفت هي مكانها لم تتحرك، وجدت الخبيثة الغبية تقترب منه وتعطي إليه الورود متحدثة بشيء لم تسمعه ثم رحلت! رحلت والإبتسامة تشق طريقها على وجهها بقوة ظاهرة للجميع وكأنها تنال شيء ليس موجود مع أحد غيرها!
دهشة الجميع كانت ظاهرة أمام “هدير” و “جاد” وكانوا محقين في ذلك. هذه المرأة الغريبة دلفت هكذا مرة واحدة بينهم وتتحدث بكل أريحية مع “جاد” أمامهم وتتناسى أمر وجود زوجته معه! أنها تناست كل شيء من الأساس واستباحت لنفسها ما هو حرام لتجعله حلال في لحظات تعد على اليد.
وقف “جاد” بعيد عنها عائدًا إلى غرفة والده ليقف كما كان ينظر إليها حيث أنها بقيت مكانها ولم تعد معه، عينيه حزينة للغاية ولا يدري ما الذي تريده منه حقًا ولما اقترابها منه هكذا، ربما تود أن تكون صديقته أو هي امرأة من أصل طيب وترد له المعروف الذي فعله معها! أم هي غريبة الأطوار ولا يفهم ما الذي تريده! أو هناك شيء تخفيه عنه إلى الآن لا يعرفه ولا يفهمه!
نظر إليها بعمق وكأنه يعتذر عما يبدر منه، وفي نفس الوقت ينتظر اقترابها مرة أخرى، لا يتحمل أن تتركه وحده هكذا يقف بين الجميع عارٍ دونها. إنها بالنسبة إليه والدته وشقيقته وزوجته، حبيبته وكل شيء له يحدث ما يحدث ولكن في النهاية هي كل هؤلاء، وللحقيقة لا يستطيع أن يحدد موقفه يبقى كما هو أم يتخلى عن ذلك البرود ويعود كما في السابق فقد نالت عقابها وبادرت بالوقوف جواره في وقته الصعب مع والده.
بادلته النظرات من بعيد بحزن طاغي ارتسم على ملامحها وروحها تتحمل ندوب هائلة لا يتحملها أحد، تشعر داخلها أن هناك شيء مخفي عنها. تحلف أنها تثق به ثقة عمياء، تثق به أكثر من نفسها ولكن لا تثق بأحد غيرة، تخون الجميع وأولهم هذه “كاميليا” التي لم ترتاح لها منذ أول مرة رأتها بها! تريد أن تفهم لما تتحدث معه هكذا بأريحية، لم تأتي إليه، لم تهاتفه وكأنه أحد أقاربها أو أصدقائها المقربين مع أن زوجها لا يصادق نساء بل لديه الكثير من الرجال بعدد خصلات رأسه. إنه كتاب مفتوح أمامها منذ أن تزوجته وقد غُلق منذ فعلة “مسعد” الحقيرة. مُعذب الفؤاد يا “جاد الله”، إنك مُعذب الفؤاد تاركًا خلف عذابك ندوب أثر الجروح تحرق الروح وتأثر عليها بالخوف والرهبة، تاركًا ألم ومرار وكأنها تتذوق طعم العلقم بجوفها تحاول تمريره لا يمر لحدة وكثرة مرارته. متى يا مُعذب الفؤاد تكن الحياة كما لو كانت ورود بيضاء لا يشوبها شيء!
***
“في المساء”
كما قال الطبيب لهم في الصباح أن والده سيخرج مساء اليوم، لم تكن حالته خطرة فقط كان يحتاج العناية هناك بالمشفى حتى يستطيع أن يقف على قدميه مرة أخرى ويشعر بالتحسن، اطمئن الجميع عليه وتقدم الأقارب والأصدقاء ليطمئنوا عليه عندما علموا بخروجه والكثير حاول أن يهاتف “جاد” أثناء تواجدهم في المشفى ولكن لم يستطيعوا الوصول إليه.
كان الجميع في شقة والده بعد أن أصبح بخير ويجلس معهم براحة في صالة الشقة، فقط يوصل بيده محلول طبي قد كتبه الطبيب في ادويته. يجلس “عطوة” وزوجته ومعهم ابنهم “سمير” وزوجته “مريم”، وصعدت والدة “هدير” هي الأخرى لتطمئن عليه وتتقدم بالسؤال عنه، وجلست “هدير” جواره بعد أن طلب منها فعل ذلك بود وهدوء وداخله يدعوه للإعتذار منها على ما بدر منه سابقًا أثناء رفضه لها، هي لا تعلم بهذا الشيء ولكن كلما رأى طيبة قلبها وأصلها الطيب شعر بالخجل الشديد من نفسه.
نظر “جاد” إليها بهدوء ونظر إلى والدة الذي يجلس جوارها وقد حمد الله في هذا اليوم كثيرًا بعد أن اطمئن على والده الذي عاد إلى المنزل معافى وحقًا يشعر بالتقصير في علاقته مع ربه هذه الفترة، عليه أن يعود كما السابق فهو لم يعتاد على هذا الشيء.
تحدثت والدة “هدير” بابتسامة بسيطة وهي تجلس على المقعد أمامهم بجدية:
“حمدالله على سلامتك يا حج.”
أجابها بهدوء ونبرة خافتة مُرهقة يبتسم:
“الله يسلمك يا أم جمال.”
ابتسمت “فهيمة” والدته بود وحب وقد عادت ملامح وجهها البشوشة الطيبة بعد خروج زوجها من المشفى، نظرت إلى الأكياس التي دلفت بها وقالت بود مُكملة بعتاب:
“الله يسلمك يا حبيبتي.. مكنش له لزوم تعبك ده والله يا أم جمال.”
وضعت الأخرى يدها الاثنين فوق بعضهم البعض وقالت بهدوء:
“تعب ايه بس يا أم جاد ده من فضلة خيركم.”
“أصيلة يا حبيبتي ربنا يخليكي.”
نظرت إلى “هدير” الجالسة جوار “رشوان” قائلة لها بجدية:
“قومي يا هدير اعمليلنا حاجه نشربها يا حبيبتي.”
“حاضر يا ماما فهيمة.”
وقفت على قدميها وابتعدت تمر من أمامه وهو جالس على الأريكة جوار ابن عمه تخرج من الغرفة لتتوجه إلى المطبخ لفعل ما قالته والدة زوجها ولكن الصدمة الكبرى التي قابلتها عند مرورها على باب الشقة الذي كان مفتوحًا تطل منه “كاميليا”!
نظرت إليها بدهشة وذهول ألم تكون في المشفى اليوم! ماذا تفعل هنا في منزلهم! ماذا تريد! لم تكتفي بعد! لقد رأته واطمئنت عليه ما الذي تريده بعد ذلك، ستُجن منها حقًا. يكاد عقلها ينفجر من التفكير وكثرة الأفكار السيئة التي تتواجد داخله عن تقربها من “جاد”.
وقفت أمامها جماد لا يحرك ساكنًا تنظر إليها وإلى هذها الغرور الذي يظهر عليها، تنظر إلى وقفتها التي تظهرها بعنجهية وكأن المنزل لها.
أقتربت “مريم” منها والتي أتت لتساعدها في المطبخ ولكن تراها تقف هكذا دون حديث وأمامها امرأة تقف على أعتاب الباب، صاحت قائلة بجدية وابتسامة وهي تقترب منها:
“اتفضلي عايزة مين؟.”
ابتسمت إليها الأخرى متغاضية عن وجود زوجته أمامها وهتفت:
“الاسطى جاد.”
أومأت إليها “مريم” وفهمت أنها هنا لرؤية والده ربما يعرفها أشارت لها بيدها إلى الدلوف داخلًا في الغرفة، سارت خلف “مريم” وبقيت “هدير” في مكانها لا تحرك ساكنًا، تنظر في أثرها بذهول تام.
دلف على الجميع في الداخل ومن رآها صباحًا ورأى ما فعلته وقع عليه دلو من الماء البارد لحضورها مرة أخرى وهنا في منزلهم! لا أحد يستطيع السؤال عنها الآن ولكن الجميع في نفس الوقت يريد تفسير واضح من “جاد”، الذي وقف على قدميه بدهشة عندما وجدها هنا مرة أخرى.
لم يستطع أن يفعل أي شيء سوى أن يرحب بها كأي ضيف يأتي إلى بيته، حاول قدر الإمكان أن يكون طبيعيًا ولكن منعته زوجته من فعل ذلك بدخولها الهمجي على الجميع وأولهم “كاميليا”، وقفت أمامها ونظرت إليها بقوة داخل عينيها قائلة بحدة:
“أنتِ ايه اللي جابك هنا وعايزة ايه بالظبط مننا؟.”
ذُهل “جاد” من دخولها المفاجئ الحاد وكلماتها الغاضبة أمام الجميع، لم يكن يتوقع أنها من الممكن أن تفعل هذا:
“هدير!.. أنتِ اتجننتي.”
أبعدت نظرها عن “كاميليا” ونظرت إلى “جاد” بحدة أكبر وعصبية لأول مرة بحياتها معه تفعلها وأمام الجميع:
“كنت مجنونة وفوقت وحالًا هعرف الست دي عايزة ايه منك.”
ابتسمت “كاميليا” بتصنع وهي تبادلها النظرات الهادئة على عكس الأخرى غاضبة وداخلها دلو من الماء البارد يجلس على قلبها وفرحتها لا توصف لأن زوجته فهمت الذي يحدث وهذا كان أول مسمار يدق في خراب بيتهم:
“هكون عايزة ايه يعني.. أنا جاية اطمن على باباه، جاد عمل معايا معروف وأنا بحاول ارده بأي طريقة مع إني مش هعرف مهما عملت.”
وضعت يدها الاثنين أمام صدرها بقوة تقف غير معتدلة وصاحت بقوة وثبات تضغط على حروفها بشراسة وهي تتحدث:
“أولًا اسمه الاسطى جاد، ثانيًا إحنا متنازلين عن المعروف ده ومش عايزينك ترديه.”
لأول مرة تتحدث هكذا في وجوده أمام الجميع وهو لا يتحمل ما تفعله، غير أنها تُهين ضيفه في بيته، أقترب بخطوة واحدة منها ليقف جوارها جاذبًا ذراعها بحدة يهتف بصوتٍ عالٍ:
“هدير كفاية لحد هنا وبطلي الجنان ده.”
جذبت يدها بحدة وعصبية شديدة ونظرت إليه دون خوف ودون احترام له ترفع صوتها عليه أمام الجميع من أهلها وأهله:
“سيب أيدي كده، أنا مش هبطل جنان والست دي لو شوفتها مرة تانية بجد هوريك الجنان اللي على حق.”
استدارت تنظر إليها بشراسة وتهديد:
“سمعاني؟.”
نظرت إليها ببرود وكأنها ليست هنا من الأساس ولم تنظر إلى أي شخص من هؤلاء الجالسين بل نظرت إليه قائلة بهدوء وتصنعت الحزن فقط عندما نظرت إليه:
“أنا آسفة يا جاد شكلي عملتلك مشاكل.. همشي وهبقى أكلمك.”
أقتربت منها “هدير” على حين غرة بقوة وعنفوان والغيرة داخلها تنهش قلبها:
“يا بجاحتك يا شيخه تكلميه بتاع ايه إن شاء الله.. ها.”
نظرت الأخرى إليه وبادلها هو نظرة معتذرة ثم ذهبت إلى الخارج دون التفوه بحرف واحد ولكن لنقول أنها حصلت على ما أرادت والآن بدأت اللعبة الرابحة لها عن حق.
أقترب منها زوجها بعينين مشتعلة بالغضب لأجل ما فعلته مع “كاميليا” أمامه وأمام والده والجميع وجعلته يقف وكأنه ليس هنا:
“ايه اللي عملتيه ده؟.”
أبصرت عينيه بقوة رغم الضعف الذي تشعر به داخلها بسببه ولكن هذه المرة لن تصمت لقد تمادى كثيرًا معها وهي لن تصمت، أجابته بقوة وجدية شديدة وصوت عالي نسبيًا:
“أنا لسه معملتش حاجه يا اسطى جاد ومحتاجة تفسير للي بيحصل ده ومتفكرش أنك تاكل بعقلي حلاوة ولا تهرب مني.”
أقترب منها أكثر إلى أن وقف أمامها مباشرةً والجميع يجلس يستمع إلى ما يحدث وينظرون إليهم ولا أحد يفهم لما كل هذا!، صدح صوته الرجولي الخشن وهو يعنفها قائلًا:
“وطي صوتك واحترمي نفسك يا هدير، أنا قولتلك قبل كده بينا شغل.”
تجرأت وبصوتٍ عالٍ أمامهم أظهرته، غير صادق، مراوغ يفعل شيء مُحرم من وراءها:
“كداب يا جاد.. كداب وستين كداب لأن عبده قال إن ملهاش شغل عندك.”
جن جنونه عن حق عندما استمع إلى هذه الكلمات الأخيرة، واشتعل صدره بالنيران أكثر من السابق، متى رأت “عبده” ولما تحدثت معه وكيف!، نظر إليها بعينين اختفى بريقهم تمامًا متسائلًا بعنف:
“وأنتِ شوفتي عبده فين وبتكلميه ليه أصلًا؟.”
وضعت يدها أمام صدرها مرة أخرى وحركت قدمها اليمنى باستفزاز أمامه قائلة بسخرية:
“سيب الموضوع بقى وامسكلي بتكلمي عبده ليه؟.”
جذب يدها من أمام صدره بكفه العريض جاعلها تقف معتدلة ضاغطًا بيده بقوة عليها وهو يصرخ بها:
“ايوه بتكلميه ليه، هابكامل القوة التي تعرفها وبشراسة “هدير” المعهودة للغريب حضرت عليه لتجادله في وجهه وبكامل العناد المعروف قالت:
“علشان أعرف كدبك يا جاد.”
نفض يدها من بين يده بحدة وقوة لتترنح للخلف وهو يصرخ بها غير قادر على فعل شيء آخر وهي لا تصمت وإن استمرت على هذا لن تمر الليلة مرور الكرام:
“قولت احترمي نفسك بقى.”
استدعى الأمر أن يقف “سمير” على قدميه أمام الجميع بعد أن توتر الجو أكثر من اللازم ولا أحد يعلم كيف سيتدخل بينهم وليس هناك فرصة من الأساس، هتف بجدية:
“صلوا على النبي يا جماعة مش كده.”
ابتلعت والدته ما وقف بحلقها وتخاف حقًا من توتر هذه الليلة بينهم أكثر من ذلك، فهي تعلم أن “هدير” لا تقف قبالته هكذا بل هي مطيعة ولا ترفع صوتها عليه، ولكن يبدو أنها ضغطت على نفسها أكثر من اللازم:
“والله دا شيطان ودخل بينكم يا حبايبي.. اهدا يا جاد مش كده يا حبيب.”
نظر إلى والدته بعينين تشتعل غضبًا، لما تقول له هو أن يهدأ فهو لم يفعل شيء من الأساس، هي التي تقف أمامه بكامل قوتها وترفع صوتها عليه:
“هو ايه ده اللي اهدا انتوا مش شايفين الهانم بتتكلم إزاي؟.”
نظرت “مريم” إلى والدتها بقلق وهم الاثنين من الأساس لم يفهموا شيء ومن هذه المرأة كمثل والده بالضبط من رآها فقط هو عمه وزوجته ووالدته التي استمعت إلى حديثها الغريب له في المشفى مع “سمير”.
هتفت والدتها بهدوء ولين وهي تشير إليها بعينيها:
“مش كده يا هدير.. الكلام مش كده.”
أخذ “جاد” نفسًا عميقًا وزفره بقوة والضيق يكاد يخنقه، رفع نظره إليها وجدها تنظر إليه كما لو كانت رأته بين أحضان أخرى غيرها وبعينيها نظرة عتاب غريبة لم يفهمها:
“يلا.. يلا انزلي معايا روحي.”
عاندت معه أكثر من السابق وهي تتحدث بثبات مُصرة على موقفها معه ولن تكررها إلا عندما تفهم ما الذي يحدث من خلف ظهرها:
“مش مروحة معاك يا جاد غير لما أفهم ايه اللي بيحصل من ورايا.”
جعله يغضب أكثر من اللازم وهو يقترب منها غير متوقع أنها سترفض الذهاب معه إلى بيتها:
“مش مروحة معايا إزاي يعني هو بمزاجك؟.”
تسائل بسخرية وتهكم واضح أمامهم وهو ينظر إلى عسلية عينيها الحزينة المعاتبة:
“وهتروحي فين إن شاء الله؟. هتنزلي تقعدي عند أمك وتبقي كده الست الغضبانه؟.”
هذه المرة من وقفت هي والدتها، التي خافت بشدة من عناد ابنتها صلبة الرأس والتي تعرفها جيدًا، ماذا سيحدث أن تركت بيتها وأتت لتجلس معها، ما الذي سيقوله الناس! أسرعت تقول بقوة:
“لأ لأ يا جاد يا بني معنديش بنات تغضب هتروح معاك بس انتوا استهدوا بالله.”
نظرت إلى والدتها تنفي حديثها ثم مرة أخرى إليه تنفي حديثه بجدية وثبات:
“لأ مش هروح معاه ومش هنزل عند أمي يا جاد هقعد هنا مع أمك وأبوك أنتَ.”
أقترب منها “جاد” ضاربًا بحديثها عرض الحائط أمسك بيدها يحثها على الذهاب وهو يهتف بجدية ووجه جامد دون تعابير:
“طب يلا بلاش جنان انزلي معايا.”
جذبت يدها منه بحدة وعصبية تبتعد عنه وصرخت به بقوة لتجعله يغضب إلى أن يصل إلى ذروة غضبه:
“قولتلك مش نازلة معاك.”
وقفت والدته سريعًا وهي ترى “جاد” يحاول جاهدًا في السيطرة على نفسه وألا يتهور ويفعل أشياء يندم عليها، أقتربت منها ووضعت يدها على كتفها قائلة بحنان ربما تمتص غضب الموقف:
“معلش يا هدير يا حبيبتي روحي معاه واتفاهموا بالراحة.”
أقتربت والدتها هي الأخرى مُكملة:
“انزلي يا بت مع جوزك بلاش فضايح.”
أبصرتها بقوة وعينيها مُتسعة بذهول وابتعدت عنهم هم الاثنين بهمجية تقف أمامهم في ركن بعيد قائلة بعناد:
“فضايح؟.. فضايح ايه أكتر من اللي هو عملها.. طب.. طب اسألوه أنا عامله كده ليه.. اسالوه هتجنن من ايه.”
إلى الآن والده يستمع وينظر كما أخيه وزوجته ومن الأساس لم يفضل أن يكون هذا العرض أمام الجميع بهذه الطريقة، لا يعرف ما الذي حدث ولا يريد التدخل من الأساس ولكن ثبات زوجة ابنه على موقفها يدل على فعله لشيء حقًا:
“هكون عملت ايه يا حج، الهوليله دي كلها علشان غيرانه من واحدة زبونه عندي؟.”
جن جنونها وصرخت به بهستيرية غير جاعلة والده يأخذ فرصة الرد بل أقتربت منه بسرعة كبيرة تقف أمامه تنظر إلى عينيه وبصوتها العالي قالت:
“اهو بتكدب يا جاد.. أول مرة دخلت بيها وأنت شايلها على إيدك وقولتلي أنك ساعدتها وجبتها عندي وأنا معترضتش بالعكس شيلتها على دماغي والله أعلم ايه اللي حصل أصلًا.. ومن بعدها وهي إتصالات في نص الليل وفي كل وقت وكام مرة تيجي الورشة بدون داعي وعبده قالي إنها مالهاش شغل عندك يبقى ايه؟.”
صرخ هو الآخر بقوة وقد ضغط على صبره كثيرًا وإلى هنا وقد أرسل له رسالة بأنه حقًا نفذ منه ولن يستطع الصمود أمامها أكثر من ذلك:
“يبقى تخرسي.”
لم تكتفي من حديثها السابق بل أرادت أن تجعله يأتي بأخره وهي تعانده بقوة أمام الجميع وهذا احرقه بشدة مُكملة كما كانت:
“لأ مش هخرس…. مش هخرس غير لما أفهم درجة القرب بينكم ايه يخليها تقولك جاد من غير أي احترام.. درجة القرب ايه اللي تخليها تيجي قدام الكل في المستشفى وتقولك معنديش أغلى منك اتعب علشانه ها؟.”
أقترب منها وهو يضغط على قبضة يده وعلى حين غرة رفعها في الهواء يهوي بها بكامل قوته ناحيتها وهو يهتف بصوتٍ عالٍ جهوري أفزع الجميع:
“بقولك اخرسي بقى.”
ضغط على صبره أكثر من اللازم أمامهم وهي على موقفها لا تريد أن تحيد عنه، ماذا يفعل؟ ماذا يفعل وهو نفسه لا يعلم ما الذي يحدث! هي من جنت على نفسها بفعلتها هذه أمام الجميع، بوقفتها أمامه تصرخ به وتقلل منه أمام عائلته وعائلتها، هي من تخلت عن الأخلاق ورفعت صوتها عليه وأظهرت كثير من صفاتها أمام ابن عمه. إذًا لتتحمل.
رواية ندوب الهوى الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندا حسن
صدمت بشدة وارتسم الذهول على ملامحها وهي تراه يتقدم ناحيتها قابضًا على يده بقوة وكأنه سيضرب كيس ملاكمه.
ارتعد جسدها من اقترابه أكثر وأكثر والجميع ينظر إليه بذهول ولم يتحرك أحد.
ابتلعت مرارة العلقم الذي وقف بجوفها خوفًا من تهوره عليها.
"لن يفعلها مؤكد لن يتهور عليها هذا ليس من صفاته مهما حدث…"
ارتعشت شفتيها من صوته العالي الذي أتى مرة واحدة وعلى حين غرة منه وكأنه ألقى كل صبره عرض الحائط.
انتفض جسدها وهي تراه يقف أمامها وليس هناك شيء يفصل بينهم.
يرفع قبضة يديه ليضرب بها الحائط جوار رأسها تمامًا.
أغمضت عينيها بقوة والخوف يحتل كيانها من تهوره أمام الجميع هنا.
وقف ينظر إليها بقوة وهي مغمضة العينين يلهث بعنف وقد نفذ صبره وتحمله وأتى بآخر ما عنده وليحدث ما يحدث.
"يكفي هذا الضغط عليه فهو لا يتحمل أكثر من ذلك ويرى نفسه يسير في زفاف ولا يدري هو لمن!"
استنشقت أنفاسه العنيفة وهو يلهث أمامها بعنف.
وقفت هي بضعف تفتح عينيها بهدوء وقلة حيلة بعد أن جعلته يفقد صوابه.
"الآن ستعود تلك البريئة لتتلاشى هذا الغضب."
نظر إلى داخل عينيها بعمق يرمي بسهام العتاب عليها، مُختق مما فعلته أمام عائلاتهم.
ما يحرقه أكثر شيء هو وقوفها أمام وجهه في حضور الجميع!
عاد للخلف خطوة ثم بكامل قوته قبض على يدها لتنظر إلى يده الممسكة بها بألم ثم عادت إلى نظرته مرة أخرى لتراه يهتف بجمود ونظرة حادة:
"يلا"
أمام الجميع وفي صمت تام جذبها معه إلى باب الشقة ليرحل من هنا.
وضع كف يده الأخرى خلف ظهرها يدفعها معه للأمام وهي لم تقابله بالاعتراض، بل كان الصمت والذهول حليفها تاركة قوتها وعنفوانها لمرة أخرى.
ففي هذه الحالة التي وصل إليها لا تعلم ما النتيجة التي ستحصل عليها.
نظرت العائلة جميعها إلى بعضهم البعض بذهول تام لما حدث أمامهم بين ابنهم الحكيم وزوجته المعروفة بأخلاقها.
اقتربت والدته تجلس جوار والده وداخلها أفكار عديدة وعدة لا تعرف ما السبيل للتخلص منها.
فهي ترى أن زوجة ابنها محقة في سؤالها ولم تخطئ، خطأها الوحيد هو الوقوف أمامه بهذه الطريقة أمامهم.
ذهبت “مريم” وعلى وجهها آثار الحزن لما حدث لشقيقتها وما قد يحدث بينها وبين زوجها وهم مغلق عليهم في بيت واحد.
جلست جوار زوجها ووضعت يدها على يده تتمسك بها بقوة والتأثر واضح عليها بقوة.
نظر إليها هو الأخرى وابتسم إليها بتصنع يمدها بالدعم والراحة وهو يضغط على يدها بكفه الآخر اعتقادًا أنها هكذا ستهدأ.
الجميع كان في حالة صدمة تامة وأكثرهم والده الذي غضب لما فعله ابنه.
لم يكن يتوجب عليه فعل كل ذلك، ولم يكن يتوجب عليه رفع صوته عليها هكذا أمام الجميع.
كان من المفترض أن يمتص غضبها ثم في منزلهم ييتحدث معها بهدوء وراحة.
فتح باب شقته بمفتاحه الذي معه ثم دفعها للداخل بقوة وولج من خلفها يغلق الباب بعنف وقوة اهتز لها الباب بعد غلقه وجعلتها تستدير تنظر إليه برهبة وخوف حقيقي هذه المرة!
هل كانت تحتمي بعائلته هناك لذا فعلت ما تريد وباعت خوفها في وجودهم!
عادت للخلف خطوة وهو يتقدم إلى الداخل، تنظر إلى وجهه الذي تغيرت ملامحه وأصبحت شرسة عنيفة وكأنه تناسى كل شيء ما عدا فعلتها.
عينيه تنظر إليها بثبات عميق وقوة حقيقة يدقق ما تفعله.
ألقى المفاتيح ونظره مُعلق عليها وهي تبعده بخطوات، جسدها تقريبًا بدأ يرتعش والخوف يظهر عليها وسكوتها أظهر ضعفها أكثر.
تتفهم الآن أنها ستصمت بسبب ما فعلته وجعلته يتوصل إليه.
وجدته يتقدم منها بجسده العريض الذي نظرت إليه الآن بقوة ونظرته الشرسة ناحيتها.
وقفت بثبات تحاول التحلي به أمامه وهو خائر وهش للغاية.
سألها باستنكار وغضب عارم:
"من امتى وأنتِ بتكلمي رجالة غريبة"
ابتلعت ما وقف بجوفها مرة أخرى والرهبة تظهر عليها بوضوح ناظرة إلى عينيه بعمق وأجابته بتردد وكذب:
"أنا مكلمتش حد"
ضيق عينيه عليها ودقق النظر بها وبجميع أعضائها التي تظهر أمامه، يرى خوفها حقيقي ولكن سيضغط عليه أكثر لتتعلم كيفية التصرف بعد ذلك.
"وعبده؟"
اردفت قائلة بثبات مزيف يهتز أمامه وهي تبرر له ولنفسها قبله ذلك الخطأ الذي فعلته عندما توجهت إلى”عبده”:
"دا صاحبك يعني مش غريب"
أقترب منها على حين غرة جاذبها إليه من معصم يدها ليجعلها تكون في مواجهته مباشرةً، صاح بحدة وعنف ونظراته تظهر عنفوانه:
"لأ غريب.. غريب وستين غريب، بتكلميه ليه وتديله فرصة يقف معاكي ويبصلك"
حاولت جذب يدها بهدوء وهي تكرمش ملامح وجهها ألمًا مُجيبة إياه بضجر:
"مبصليش يا جاد هي كلمة ورد غطاها"
نظر إليها هذه المرة بدهشة وذهول فهي تبرر كذب فقط ليصمت أو يتركها.
فقط لتمر الليلة بهذا الحديث الذي يستنكره إلى أبعد حد!
"أنتِ بتستهبلي عليا!.. غلطاتك كترت ومحتاجة حد يفوقك من اللي أنتِ فيه"
هنا عادت شراستها مرة أخرى وتناست خوفها منه وعليه وأردفت بقوة حقيقية ثابتة واثقة وهي تنظر بعمق داخل تلك الرماديتين:
"أنا مغلطش، أنا كنت بسأل على المدام اللي أنتَ مش عايز تقولي عايزة منك ايه ولما سألت طلع كلامك كدب ومالهاش شغل عندك"
صدح صوته يصرخ بوجهها وهو يضغط على يدها جاذبها ناحيته أكثر لتكن أمام وجهه الغاضب بعنف:
"وبتسألي ليه.. مش من حقك تدخلي في شؤوني وأنا لما ابقى عايز أعرفك حاجه مش هستنى"
قضبت جبينها باستغراب وتسرب إليها الضعف بعد استماع حديثه الذي يثبت أنه يخفي عنها شيء يخصه مع “كاميليا”!
"يعني أنتَ مخبي عني أهو يا جاد ومش عايز تقوليل"
لقد أخطأ في حديثه وأثبت إدانته أمامها وتحت مسامعها وناظريها، يا له من غبي يستحق العقاب.
تغاضى عما فعله وعن سؤالها أيضًا يهتف بصوتٍ جاد:
"ده شيء مايخصكيش"
حضر غضبها بقوة وشراسة لأنه يسلب حقها به بكامل الغرور والعنجهية وكأنها ليست إمرأة تحمل اسمه وتكن له النصف الآخر بحياته ورفيقة دربه إلى الممات!
صاحت بعنف وغضب وهي تجذب يدها بعنف أكثر قوة منه وتضربه على صدره باليد الأخرى بهمجية شديدة:
"لأ يا جاد يخصني أكتر منك.. أنتَ جوزي ومهما حصل هتفضل كده ومن حقي أنا بس.. والست دي والله لو شوفتها معاك تاني مش هيحصل طيب"
أكملت بغضب أكبر من السابق وهي تستمر في ضربه بيدها الحرة:
"إلا بقى لو كنت أنتَ اللي عايز كدها"
استغربت صمته ونظرته الثابتة عليها!
لماذا لم يُجيب؟
أهو يريد ذلك حقًا؟
بقبضة يدها قامت بضربة بقوة جعلته يتألم بسبب وجود دبلتها في إصبعها وهي من قامت بتعظيم الضربه على صدره.
"مبتردش ليه! أنتَ عايز كده بجد؟"
تأوه أمامها بقوة بعد أن شعر بألم الضربه على صدره، أمسك يدها الأخرى ليقيد حركتها صارخًا بوجهها بعنف وقوة:
"أنتِ اتهبلتي! رسمتي قصة وسيناريو في دماغك وخلاص بقى كده.. بقيت مع واحدة تانية!"
صرخت أمامه بهمجية شديدة تريه إنه هو من فعل كل ذلك وهو من وصل بهم إلى هذه النقطة المغلقة:
"كلامك وطريقتك بتقول كده"
نفض يدها الاثنين من يده وعاد للخلف خطوة مُبتعدًا عنها وهو ينظر إليها بعتاب خالص، نظرته أصبحت الآن حزينة مُرهقة، يشعر بالخذلان بسبب تفكيرها به بهذه الطريقة الغبية وعدم ترك فرصة له ليتفهم ما الذي يحدث.
"لا كلامي ولا طريقتي ولا أفعالي قالت حاجه.. أنتِ اللي قولتي ولو كنتي مراتي بجد كنتي عرفتي أنا بعمل ايه وهعمل ايه.. كنتي عرفتي إني مستحيل ابص لوحدة غير مراتي مش علشانك لأ ولا علشان بحبك، علشان خايف من ربنا.. علشان بخاف على أهل بيتي لكن أنتِ غيرتك وعبطك اللي ممشيكيه"
هل هو على حق!
يبدو كذلك فهو لا ينظر إلى أخرى غيرها، وليست هذه من صفاته إنه يعرف الله جيدًا ويحب طريق الخير لا غير ذلك!
تفكيرها به كان خاطئ حقًا ولكن ماذا عنها!
إنها تريد شيء منه، هي واثقة من ذلك تشعر بما تريده ولن يكون هذا الشعور خطأ.
اقتربت منه هذه الخطوة الذي أبتعد بها وقالت بهدوء تمتص حزنه منها:
"طيب أنا غلطانه في حقك وأنتَ معملتش حاجه، هي بقى؟.. هي عايزة منك ايه وليه بتتكلم معاك كده.. يا جاد علشان خاطري قدر اللي أنا فيه حط نفسك مكاني!"
زفر بضيق وانزعاج شديد وهو يستدير بوجهه للناحية الأخرى ثم عاد إليها بنظرة قائلًا بنبرة هادئة مُرهقة:
"أنا معرفش هي عايزة ايه وفي الآخر هتلاقيها مش عايزة حاجه.. أنتِ قولتي قبل كده لا هي مننا ولا من توبنا، ده غير أنها ست متجوزة واللي إحنا بنعمله ده غلط إحنا بنخوض في عرض الناس.. ومتنسيش بقى أن كلامهم ده طبيعي عندهم مش بيحافظوا عليه لكن إحنا غير"
عاندت حديثه وهي تُجيب بقوة وتشير إلى موضع قلبها الذي تشعر من خلاله بشيء ما قادم منها سيغير حياتهم:
"لأ.. لأ أنا حاسه أنها عايزة منك حاجه وحاجه غلط كمان أنا من أول يوم وأنا مش مرتاحة ليها"
سخر منها وهو يضع يده الاثنين أمام صدره العريض رافعًا أحد حاجبيه بضجر:
"المفروص إني أمشي ورا إحساسك وأروح أقولها أنتِ عايزة مني ايه؟.. ده لو شوفتها تاني بعد اللي عملتيه"
صدح صوتها بقوة أمامه وهي تشير بيدها بهمجية:
"وأنتَ عايز تشوفها ليه إن شاء الله"
خفض يده عن صدره وأردف بعنف وضيق شديد وهو يضغط على شفتيه السفلى بأسنانه:
"اللهم طولك يا روح.. بأمانة أنتِ أغبى واحدة شوفتها في حياتي"
دافعت عن تفكيرها الذي يتحدث عنه موضحة له موقفها ونظرتها للأمور:
"أنا مش غبية أنا فاهمه كل حاجه وأنتَ اللي بتستهبل عليا… ولا حاسس بيا أصلًا"
تتسائل بجدية وهدوء في ذات الوقت وهو ينظر إليها محاولًا السيطرة على نفسه فقد ارهقته وهي أيضًا يبدو عليها الإرهاق الشديد من هذا النقاش الحاد:
"مش حاسس بيكي ليه؟.. قوليلي ما أنا واقف أهو بحاول اتفاهم معاكي وأعرفك أن مفيش حاجه"
بجدية شديدة اقتربت منه أكثر وأردفت بقوة مطالبة بشيء ما يجعلها تصدق حديثه وهي تذكرة بما حدث بينهم منذ فترة:
"اثبتلي يا جاد؟.. متزعلش مني أنتَ مش فاكر عملت ايه معايا على حوار الصور اللي أنا مكنش ليا دخل فيها أصلًا؟ أنتَ يعتبر لسه مكلمني يا جاد.. كنت مقاطعني علشان…"
قاطعها قبل أن تكمل حديثها المسموم الذي تزعجه به وتذكره بما حدث بينهم بعد أن حاول أن يتناسى في هذه الأيام الأخيرة:
"المفروص كنت أعمل ايه يعني وأنا شايف صورك متوزعه على الكل رجالة وستات بيملوا عينيهم منك وكل ده بسبب غبائك"
اردفت قائلة بضيق وانزعاج:
"بردو هتقولي غبية"
أومأ إليها بقوة مؤكدًا حديثه بثبات وجدية وهو يتجه ناحية باب الشقة:
"آه غبية وستين غبية وأنا غلطان أنا بتكلم معاكي أصلًا"
تسائلت باستغراب وهي تراه يتجه إلى باب الشقة وكأنه ينوي الرحيل:
"رايح فين"
أجابها ببرود مُستفز قائلًا:
"هبات عند امي"
تفاجأت من رده الغريب وتسائلت باستنكار:
"نعم؟"
زفر بهدوء وهو يتمسك بالباب بعد أن فتحه ناظرًا إليها بعمق داخل عسلية عينيها التي تسحره:
"مش علشان حاجه يا هدير.. أبويا تعبان والمفروض أكون معاهم وهسيبك لوحدك يمكن تفكري كويس وتعقلي بقى.."
خرج من الشقة وأغلق الباب خلفه بهدوء تاركًا خلفه قلبًا ينذف ألمًا لما واجهه على يده، أنها تشعر بالغيرة الشديدة التي تنهش قلبها من الداخل وتجعله يتلوى على نيران مسكوب عليها بنزين بشراهة ليحترق في لحظة خاطفة.
رأته وهو يحاول أن يجعلها تصمت ثم حاول أن يتحدث معها باللين وهي من أوصلته إلى حالة الغضب هذه والآن عاد مرة أخرى يحاول معها باللين ليتخلص من ذلك العبء وذلك الحائل الذي يقف بينهم.
تنهدت بعمق وهي تخلع حجاب رأسها عنها ثم توجهت إلى الصالة في الداخل وألقت بنفسها على الركنية تنام على ظهرها تنظر إلى سقف الصالة بضياع وعقلها لا يستوعب التفكير أكثر من ذلك.
فقط تود لو كل شيء يمضي وتعود حياتهما كما كانت في السابق، لا تفعل أي شيء سوى أنها تتدلل عليه ولا يفعل أي شيء سوى أنه ينعم بكامل الحب معها!
إلى الآن لم يكن يمرر أمر الصور تعرف أنه يزيد الحمل في هذا الأمر عليها ولكن مع ذلك وجدت داخله أنه كاد يمضيه!
ليأتي أمر هذه المرأة الغريبة عنهم إلى أبعد حد وتتدخل بينهم وتفسد جمعهم.
من أمر الصور إلى هذه!
يا الله كم أن الزواج مُرهق مع هذا “جاد الله”!
❈-❈-❈
بعد أن عاد “جاد” إلى والده مرة أخرى ورسم على وجهه ملامح الهدوء والراحة حتى يفهم أن الخلاف الذي حدث بينه وبين زوجته قد مر وتناسى ما حدث به الأساس.
ورأى الجميع ذلك وهناك الكثير منهم لم يدلف الأمر عليه بهذه السهولة، ذهب كل منهم إلى بيته وبقيٰ هو فقط هناك، طلب منه والده العودة إلى زوجته رفض رفضًا قاطعًا فطلبت والدته أن يأتي بها إلى هنا رفض أيضًا معللاً بأن هذه أفضل لهم هذه الليلة.
هبط “سمير” على درج المنزل ليذهب إلى شقته ومعه زوجته “مريم” التي هتفت وهي تدافع عن شقيقتها بعدما قص عليها ما حدث في المشفى:
"طب ما هدير كده مش غلطانه.. أي واحدة مكانها هتعمل كده وأكتر"
رفع حاجبه وهو يستدير ينظر إليها قائلًا:
"يعني أنتِ لو مكانها هتعملي كده؟"
تحولت نظرتها عندما وضعها في مثل ذلك الموقف وهتفت بقوة وهي تنظر داخل عينيه:
"وأكتر من كده كمان.. أفهم عايزة ايه وإزاي تتكلم بالطريقة دي أنتَ نفسك بتقول استغربت وبقيت مش فاهم هي إزاي تتكلم كده ولا كأنه من بقيت أهلها"
عاد مرة أخرى يتفق معاها وهو يكمل سيره إلى الأسفل على الدرج قائلًا بجدية مُستنكر وقفتهم أمام الجميع:
"مقولتش حاجه بس المفروض مكنش يكون قدامنا كل اللي حصل ده"
وضعت يدها على ظهره وهي تهبط بهدوء وراحة بعد أن شعرت بتوعك معدتها، أجابته بصوتٍ خافت:
"أكيد في حاجه إحنا منعرفهاش وإلا مكنتش عملت كده"
هتف بجدية شديدة مدافعًا عن ابن عمه وشقيقه وهو يخرج من باب المنزل إلى الشارع يعبر معها الناحية الأخرى لمنزلهم:
"أيوه بس جاد مابيعملش حاجه غلط.. هو أكيد فاهم هو بيعمل ايه"
نظرت إليه في سيرها بقوة مستغربة من موقف هذا مع ابن عمه حتى ولو كان في الخطأ!
"-بلاش تدافع عنه.. يعني يسمحلها تطاول معاه بالشكل ده قدام مراته وتستفزها قدامنا إحنا كمان وتقولي مش بيعمل غلط"
برم شفتيه للأمام قليلًا وهتف وهو يخمن داخل عقله:
"قصدي إن فيه سبب"
دلفوا إلى منزلهم وببطء تصعد الدرج خلفه قائلة بجدية مثله مستمرة في الدفاع عن شقيقتها:
"وليه يخبي السبب ده عنها ويزعلها بالشكل ده ويحرجها قدامنا"
تضايق منها ومن حديثها فهتف بعناد يظهر أنها كانت من الممكن أن تصمت لحين وصولها منزلهم:
"أختك هي اللي اتكلمت قدامنا وهو حاول يسكتها.. كان ممكن تستنى لما تروح بيتها معاه"
أجابته هي الأخرى بضيق وانزعاج تكمل حديثه الفظ:
"أهو مشي معاها ورجع تاني ايه اللي حصل يعني"
زفر بضيق وانزعاج وهو يرى على بعد مسافة عراك وشيك بينهم فـ أنهى الحوار ببساطة:
"بقولك ايه بلاش وجع دماغ الموضوع مايخصناش مش هنتخانق عليه"
نظرت إليه بسخرية وودت الضحك وهي تهتف:
"مكنتش هتخانق أصلًا أنتَ اللي……"
بترت حديثها وهي تشعر بتوعك معدتها أكثر وتشعر بأنها تود التقيؤ، كرمشت ملامحها وهي تزفر بعنف.
نظر إليها وتسائل بقلق ولهفة ظاهرة على ملامحه:
"مالك؟"
أشارت إلى باب الشقة وتحدثت بصعوبة وهي تضع يدها على فمها:
"أفتح الباب"
وضع المفتاح بالمزلاج سريعًا وهو يراها تضع يدها بقوة على فمها، فُتح الباب فدلفت تركض إلى المرحاض بسرعة كبيرة.
ذهبت من خلفه في لمح البصر فشعر بالقلق الشديد وهو يغلق الباب بعد أن أخذ منه المفتاح ودلف خلفها بسرعة يهتف بلهفة:
"مريم.. مالك"
دلت إلى المرحاض والباب مفتوح وأخذت تتقيء بقوة وعنف فدلف خلفها ليقف جوارها.
فتحت صنبور المياة لتغسل وجهها بالمياة الباردة وهي تهتف بقلة حيلة:
"مش عارفه"
أردف بعد أن لاحظ أن هذه ليست المرة الأولى في هذه الفترة القصيرة:
"دي مش أول مرة تحصل أنتِ محتاجه تروحي لدكتورة تشوف مالك"
شعرت هي أيضًا بوجود خطب ما ربما ستحبه كثيرًا وتشعر به حقًا!
أومأت إليه مؤكده:
"أيوه… أيوه هروح"
أمسك بيدها يحثها على السير إلى الخارج وهو معها بهدوء وراحة:
"طيب تعالي.. تعالي ارتاحي شوية"
أردفت وهي تسير جواره بعد أن فكرت فيما تريده الآن بالتحديد، نظرت إلى جانب وجهه وقالت بهدوء:
"أنا عايزة حاجه حادقة"
ابتسم بهدوء وتحدث بجدية ونبرة رجولية هادئة:
"اجبلك ايه طيب"
"-عايزة مانجا"
استنكر طلبها ونظر إليها باستغراب وأردف مُجيبًا إياها:
"وهي المانجا حادقة، مش المفروض الحادق ده جبنه قديمة مثلًا"
جلست على الأريكة وأردفت بقوة:
"أنا عايزة مانجا وخلاص الله"
ابتسم بهدوء ومال على رأسها يقبلة بحنان وهدوء وقال ناظرًا إليها بحب:
"حاضر.. هنزل اجيب مانجا، حاجه تاني؟"
ابتسمت إليه هي الأخرى شاعرة بكم كبير من الحب الذي يلقيه عليها دون مقابل منها:
"لأ.."
تحرك ذاهبًا ناحية باب الشقة ليهبط مرة أخرى يأتي بما طلبته ولكنها استوقفته قائلة:
"آه استنى"
أجاب بهدوء وهو يستدير إليها وكل ما تفعله مُحبب إليه:
"نعم يا حبيبتي"
ابتسمت بخجل وهي تخفي عينيها بوضوح وقالت بصوتٍ خافت:
"عايزة تين مع المانجا"
وكأنها تطالب بالحب منه وهذا ما يريده ليس إلا:
"حاضر.. غيره!"
"-لأ كفاية كده"
ذهب إلى باب الشقة وخرج منه بهدوء ذاهبًا يلبي طلبها ويأتي بما تريد، ونظرت هي في أثره تبتسم بسعادة على كم الحب هذا، والحنان الذي يلقيه عليها من كل جانب دون انتظار منها أي شيء يقابله.
الله يغدق عليها بنعم كثيرة تعوضها عما واجهته من قبل، والآن المكافأة الكبرى ستكون طفل داخل أحشائها!
أنها تشعر به.
❈-❈-❈
"صباح اليوم التالي"
استيقظ “جاد” في الصباح وجد أن والده ووالدته يجلسون في شرفة المنزل ليستمتع والده ببعض الهواء المنعش، دلف إلى المرحاض وخرج إلى شرفة المنزل ليطمئن على والده ثم من بعدها هبط ليذهب إلى زوجته ليفعل ما تحدث به بالأمس مع والده.
حيث أن بعد رحيل الجميع بقى هو ووالديه فقط في الشقة فبدأ والده بالأسئلة التي هبطت عليه على حين غرة منه وهو يحاول أن يفهم ما الذي فعله بزوجته لتكن بتلك الحالة الثائرة أمام الجميع وهي التي تتمتع بأخلاق حميدة ولا ترفع صوتها أمام أحد.
مؤكد أنه قادها للجنون بفعله خاطئة فحدث ما حدث، ولكن رد “جاد” بقيٰ كما هو أنها تشعر بالغيرة فقط من إمرأة ليست تليق به بجميع الحالات، فقط كان لديها عمل معه وفي مرةٍ قام بمساعدتها لذلك مثل أي شخص طبيعي قامت بتلبية نداء الواجب أمامه على الأقل.
وادعى أن ما فعلته زوجته هو الذي كان خاطئ لأنها جعلته يبدو كدمية هي من تحركه ولم يكن له دور في أي شيء وبالخصوص أمام تلك السيدة التي اهانتها في بيته.
جعله والده يصمت بعد قول كل ذلك ولم يعطي إليه الفرصة ليكمل بل قال هو أن هذا البيت ملك لزوجته قبل منه، والبيت الآخر ملك لها هي وشقيقتها قبله هو وابن عمه، جعله يشعر بالندم لما فعله وهو يوبخه بسبب صراخه عليها أمام الجميع وتهوره الذي جعله يرفع يده في لمح البصر ليهوى بها على الحائط وكأنه سيضربها.
كان من الممكن أن تمتد يده إليها، لقد جعله يشعر بالخجل من نفسه لأنه فعل كل هذا وفي حضورهم اعتقادًا أن ليس هناك أحد يقف قبالته ويأخذ حقها منه ولكن والده ما زال حي يرزق ولن يرضى بأن يفعل أي من هذا بها لأنه منذ أن تزوج منها وهو يستمع عنها كل طيب يجعله يرفرف لأنها كانت من نصيب ابنه.
أكمل توبيخه جاعله يشعر بالخذلان من نفسه لأنه لم يعطيها حق الغيرة والخوف عليه بل سلبه منها وكأنها امرأة غريبة عنه لا يحق لها الحديث ولا التدخل في شؤونه، لا يحق لها أن تشعر بالغيرة وقلبها يحترق لأجل نظرة واحدة منه لغيرها أو العكس!
وما جعله يحزن بشدة عندما تحدث عن أمر الصور التي كانت في الحارة، قال بأنها لم يكن لها يد بما حدث بل كانت ضحية مثله تمامًا وكان من المفترض أن يكون هو الاحتواء والأمان لها في مثل هذا الموقف، وحقيقة لم يكن يتوقع منه تركها بل ومعاقبتها، لقد تفاجأ من حديث والدته عن ما فعله معها!
خجل “جاد” بشدة من نفسه وهو يقلب حديث والده داخل رأسه، إنها حقًا لها كامل الحق في شعورها بالغيرة عليه مثلما يفعل هو تمامًا، لما قد يسلب منها هذا الحق؟
لما؟
هو فقط ما ضايقه وقفتها أمام الجميع وصراخها عليه، ارتفاع صوتها وحركاتها الهوجاء الذي أظهرت كثير عنها أمام ابن عمه وهذا لا يجوز، حديثها مع “عبده” دون خجل أو خوف منه.
إذا بحث عن أسباب تضايقه أكثر سيجد ولكن أيضًا مهما حدث هي إمرأة وأنثى رقيقة ناعمة مهما أظهرت أنها شرسة وعنيفة فهي ليست كذلك معه، عليه أن يقوم باحتوائها والاعتذار منها عما بدر منه وأهم من كل هذا أن يجعلها تطمئن من “كاميليا” ويبعد ذلك التفكير السيء عن رأسها.
فتح باب الشقة بمفاتحه ثم دلف إلى الداخل وأغلقه خلفه، رفع نظرة إلى الصالة بعد أن خلع حذائه ليجدها تنام في الصالة!
تنام في الصالة بملابسها منذ أمس حتى أنها لم تبدلها لأخرى بيتيه فقط قامت بخلع الحجاب عن رأسها!
تقدم إلى الداخل بهدوء وهو ينظر إلى الساعة التي أصبحت الحادية عشر صباحًا، ذهب بهدوء شديد حتى لا يزعجها ويتأمل مظهر طفلة صغيرة نائمة في بيته قليلًا.
اتكأ على يده ثم جلس على الأرضية أمامها، أمام وجهها مباشرةً ينظر إليها بعمق وقد أنتج ذلك حزن كبير في قلبه بسببه هو فقط!
نظر إلى وجهها بدقة ليرى عينيها منتفخة بقوة جعلته يلاحظها من نظرة واحدة، ووجهها على غير العادة يبدو مُرهق إلى حد كبير لم تصل إليه معه من قبل، ربما كانت تبكي هنا منذ أن تركها ورحل!
هو لم يقصد أن يفعل أي شيء يجعلها حزينة بل قام في الأمس بمحاولة الحديث معها ورحل دون صراخ أو أي شيء وشعر أن أمر مصالحتها سيكون سهل!
يتأملها ولا يدري ما الذي حدث بينهم!
لقد كانوا من أسعد البشر، زوجين ولا أروع منهم، تعطيه ما يريد ويبادلها بذلك، حتى إنه من قبل الإعتراف بالحب لبعضهم كانوا أفضل من هذه المرحلة بكثير، كيف وصل معها إلى هذا الطريق المغلق الذي علقوا به، كيف يخرج منه من الأساس بعلاقة سليمة ليس بها ندوب تقهر!
تنهد بعمق نافضًا كل ذلك عن رأسه، وضع كف يده على وجنتها بحنان يمرره عليها بلطف وهدوء، ثم بهدوء ورفق حاول أن يجعلها تستفيق عندما هتف باسمها بشغف وحب.
فتحت عينيها العسلية بهدوء ووجدت نهر من اللون الرمادي المختلط مع درجاته ينظر إليها بحنان وضعف يتخلله الشغف الكبير:
"صباح الخير.. كل ده نوم؟"
أبصرته بقوة وهي تفتح عينيها أكثر عليه ثم استوعبت أنه هنا يتحدث معها بأريحية!
اعتدلت في جلستها وهي تمسح على وجهها بكف يدها ثم نظرت إليه مرة أخرى بهدوء دون حديث.
ابتسم بوجهها بحبٍ خالص وكأنه يقول لها مهما حدث بينا هنا الحب قابع داخل قلوبنا ومهما مر عليه لن يزداد شيئًا إلا حبًا.
اعتدل في جلسته على الأرضية ورفع جسده ليجلس جوارها على الأريكة ثم تقدم ممسكًا بكف يدها الأيمن يرفعه إلى فمه بحنان وود:
"أنا آسف.. أنا مكنش قصدي إن يحصل أي حاجه من اللي حصلت دي"
وجدها تنظر إليه نظرة لم يفهم ماهيتها ولكنها تفهمها جيدًا.
وضع يده خلف رأسها يجذبها إليه ليقوم بتقبيل أعلى جبينها أيضًا:
"أنا آسف على كل حاجه عملتها وزعلتك.. حتى موضوع الصور أنتِ مالكيش ذنب فيه وأنا اخدتك أول المذنبين أنا آسف"
مد يده إلى كفها الأيسر وجذبه ناحيته ثم قبل إصبعها الحامل لدبلة زواجهم وهتف بنبرة رجولية هادئة رخيمة:
"مهما حصل أنا عمري ما ابص لواحدة تانية غيرك وعمري ما انسى اللي بينا.. وحتى لو مليون واحدة وقفوا قدامي علشان أشوف حد فيهم مش هشوف غير مراتي حبيبتي وأم ولادي إن شاء الله"
ابتسمت بهدوء وعذوبة وطار قلبها يرفرف من السعادة المفرطة التي ألقاها عليه في لمح البصر وعلى حين غرة.
في الحقيقة لم تكن تتوقع منه أن يفعل ذلك بل توقعت أن يستمر فيما يفعل ويكمل الجفا بينهم إلى أن ينتهي.
وهي أيضًا أن تجعل الأمر يأخذ أكبر من حجمه بينهم فيكفي ما حدث إلى الآن، ستحاول باللين أن تفعل كل ما تريد بعيدًا عن الشجار والبعد، فبعده أكثر ألمًا من جرح عميق يحتاج عملية جراحية.
أقتربت منه تضع يدها حول خصره ومالت برأسها على صدره تحتضنه بشدة وهي تتناسى كل ما مضى وتقوم بحذفه الآن من عقلها حتى تنعم بما أرادت مرة أخرى وهو عيش حياة طبيعية كما السابق مع زوجها ولكن!
لن تتخطى وجود “كاميليا” بهذه السهولة ولن تصمت إلا عندما تعرف ماذا تريد.
قابلها “جاد” بعناق كبير وكأنه يريد أن يبتلعها داخله ليشعر بتواجدها المستمر جواره، وكم كانت هذه سعادة مطلقة عندما قام باحتضانها بعد طول غياب، لم يكن يفعلها إلا وهو نائم ليلبي نداء جسده بقربها منه.
ابتعدت مُبتسمة بلين ورقة فتحدث وهو ينظر إليها بعمق ومرح:
"مش هنفطريني ولا ايه أنا مردتش أفطر معاهم واسيبك لوحدك يا وحش"
أسرعت تقف على قدميها مُبتعدة من جواره وهي تهتف بسعادة كبيرة تلبي ما يريده:
"هغير هدومي في ثواني وأحضرلك أحلى فطار"
وقف هو الآخر وقال بجدية:
"أنا كمان هاخد دش على ما تخلصي"
أومأت إليه بسعادة وتوجهت إلى الداخل وقلبها يرفرف فرحًا وسعادة ومع ذلك فهناك من يجلس داخل عقلها لم تتناسى أمره ولن تتناسى مهما حدث.
❈-❈-❈
تناول طعام الإفطار معها ثم هبط إلى عمله في الورشة ولكن قبل دخوله إليها إتجه إلى ركن بعيد قليلًا عنها وأخرج هاتفه ثم فتحه وعبث به قليلًا ومن بعدها وضعه على أذنه ينتظر الرد الذي أتى في لحظات لا تُعد.
تحدث قائلًا بجدية شديدة ونبرة رجولية خشنة لا ترى منها غير ذلك:
"ازيك يا مدام كاميليا"
أتاه الرد من الناحية الأخرى بلهفة تظهر في صوتها الذي استغربه للغاية تقول:
"الحمدلله بخير يا جاد.. أنتَ عامل ايه"
تجاهل سؤالها عنه ومنع استغرابه ثم أكمل حديثه بنفس النبرة والجدية:
"أنا بكلمك علشان اعتذرلك عن اللي عملته مراتي امبارح.. أنا بجد آسف بس هي بغير زيادة عن اللزوم"
لم يكن هذا السبب الأساسي لهذه المكالمة، نعم وجد أن عليه الاعتذار منها لما فعلته زوجته معها في منزله ولكن السبب الأكثر أهمية من هذا هو أنه يريد مقابلتها ليفهم ما الذي تريده منه ولن يستطيع أن يفهم إلا عندما يقوم هو بهذا ويطالب بكامل شجاعته.
"-بصراحة أنا عايزة اقابلك.."
استمع إليها تهتف بدلال وصوت لم يرتاح إليه ولم يكن يريد سماعه:
"طبعًا أنا تحت أمرك في أي وقت، بس هو فيه حاجه"
بمنتهى الجدية أردف وهو يحك مقدمة أنفه بإصبعه وقد شعر بالملل فقط من سماع صوتها، هل زوجته محقة؟
لما تتدلل هكذا؟
"آه محتاج أتكلم معاكي في موضوع"
تسعد؟ أم تنتظر لترى ما الذي يريده؟ مهما يكن في النهاية ستفعل ما تريد:
"طب تمام أوي بالليل هبعتلك عنوان نتقابل فيه"
وافقت في لحظات فقط، هذا سيوفر عليه كثيرًا:
"تمام إن شاء الله.. مع السلامة"
أغلق الهاتف ووضعه في جيبه ثم عاد مرة أخرى إلى الورشة ليرى عمله وليكمله مع العاملين لديه وهو يشعر أنه أنجز بعض المهام والأفضل بينهم أنه فض النزاع مع زوجته.
❈-❈-❈
ذهبت إلى منزلهم لتطمئن على والده وترى إن كانت والدته تريد شيء تفعله لها وتبقى هي جوار زوجها.
لكنها تركته ينام في فراشه وذهبت لتجلس مع هدير في صالة المنزل وهي تتحدث معها بعمق تعطي لها بعض النصائح حتى لا تهتاج مع ولدها مرة أخرى:
"هو قالنا إن مفيش حاجه يا حبيبتي والله"
أبصرت عيني والدته بعمق بعد أن قضبت جبينها قائلة بجدية ويقين:
"يا ماما فهيمة أنا عارفة إن مفيش حاجه من ناحية جاد لكن هي أنا مش واثقة فيها وبصراحة قلقانه منها"
ابتسمت إليها ابتسامة هادئة لتُكمل حديثها بيقين هي الأخرى وثقة تامة في ولدها:
"ولو بردو جاد عمره ما يعمل حاجه غلط ولا يمكن يبص لواحده غيرك يا عبيطة.. جاد ابني وأنا عرفاه"
أكملت بعتاب لين وهي تبصرها بعينيها معتدلة في جلستها أمامها:
"كل اللي زعله هو وقفتك قصاده قدام الكل وكمان رفعتي صوتك عليه وصغرتيه قدامنا"
نظرت “هدير” إلى الأرضية بخجل وهي تعلم أن ما فعلته كان خاطئ للغاية وأكبر شيء اغضبه واستفزه هو فعلتها هذه، رفعت وجهها إليها قائلة بجدية معترفة بالخطأ الذي فعلته كرد فعل:
"أنا عارفه إن اللي عملته غلط بس ده كان بسببه، هو اللي اضطرني لكده"
وقفت والدته على قدميها واتجهت بهدوء لتجلس جوارها على الأريكة، وضعت كف يدها على فخذها بحنان قائلة:
"أنتِ بس لو تهدي يا حبيبتي وبلاش تتعصبي على الفاضية والمليان"
اعتدلت مستديرة لتقابلها بوجهها قائلة بجدية ولوعة الغيرة داخل قلبها تنهش به:
"والله هادية يا ماما فهيمة بس أنا بردو زعلانه وقلبي قايدة فيه النار بسبب الست دي.. عايزاه يبعد عنها بأي طريقة"
ربتت على فخذها مكملة بثقة كبيرة:
"هيبعد يا حبيبتي مستحيل يشوف زعلك ده كله ويفضل على تواصل معاها حتى لو كان شغل"
عاندت “هدير” هذه المرة أيضًا عندما ذكرتها بكذبه عليها فهو لم يكن يعمل معها ولم يكن هناك أي صلة عمل بينهم:
"كان بيكدب بردو في حتة الشغل دي.. عبده قالي أنها مالهاش شغل عندهم"
ابتسمت الأخرى بلين وود وهي تحثها على غلق هذه الصفحة التعيسة من حياتهم وأن تتناسى ما فعله وتبدأ معه من جديد بحب وثقة:
"بقولك ايه انسي بقى وافتحي صفحة جديدة وبالراحة يا حبيبتي بالراحة.. جاد طيب وغلبان وبيجي بالراحة مش بالزعيق"
أومأت إليها برأسها عدة مرات متتالية وهي تتفهم كل ما تحدثت به معها وتقدر ذلك بشدة لأنه يأتي من والدته:
"حاضر يا ماما فهيمة.. حاضر"
"-يحضرلك الخير يا حبيبتي"
أبعدت وجهها للناحية الأخرى ثم مرة أخرى نظرت إليها بخجل وهي على وشك أن تتسائل في شيء تعتبره خاص قليلًا ولكن لا تستطيع أن تصمت أكثر من هذا:
"إلا قوليلي بقى يعني مفيش حاجه كده ولا كده"
نظرت إليها “هدير” بعمق وكأنها تعيد سؤالها مرة أخرى داخل عقلها.
أخرى وأخرى وكأنها تذكرت شيء ما أتى على خلدها بحديث والدته، أجابته بابتسامة ضاحكة:
"يعني وهو لو فيه هخبي عليكي يا ماما فهيمة"
أسرعت الأخرى تهتف بقوة ومعها اقتراح تود أن يقوموا بفعله:
"مش قصدي يا حبيبتي بس يعني مش نشوف دكتور بقى"
ابتسمت إليها الأخرى وأومأت برأسها مؤكدة حديثها:
"شوية كده إن شاء الله ونشوف"
"-إن شاء الله يا حبيبتي"
❈-❈-❈
"في المساء"
عادت “هدير” إلى شقتها بعد صلاة العشاء من منزل والده، حيث أنهم قاموا بتناول العشاء معهم في جو هادئ بعد أن أظهر “جاد” لهم أنه قام بمصالحة زوجته واعتذر عما بدر منه، وأظهرت زوجته أيضًا أن الأمر قد مضى وكأنه لم يحدث من الأساس.
هبط هو إلى الورشة مرة أخرى وتركها في منزل والده ثم بعده قد رحلت لتذهب إلى بيتها، نظرت على الورشة لتراه إن كان بها ولكنه لم يكن متواجد فـ استغلت الفرصة وتوجهت إلى الصيدلية المتواجدة معهم في نفس الشارع والقريبة أيضًا من بيتهم، أحضرت ما ودت إحضاره منها ثم ذهبت سريعًا إلى شقتها.
بعد أن دلفت شقتها توجهت لتبدل ملابسها إلى ملابس بيتيه مريحة عبارة عن بنطال بيتي من القطن لونه رصاصي يعلوه قميص أبيض قطني مثل البنطال بنصف كم.
مشطت خصلاتها أمام المرآة ثم عقصتهم للأعلى بلفه دائرية متحرر منها بعض الخصلات المتواجدة على جانبي وجهها.
توجهت إلى المرحاض وقد وُلد داخلها تفكير لا تدري كيف الآن فقط ظهر؟
كان من المفترض أن تُعطي الأمر أهمية أكثر من ذلك فلو لم تتحدث مع والدة جاد اليوم لم تكن ستعطي للأمر أهمية من الأساس وستستمر إلى اليوم وغد وبعد غد على هذه الحالة.
دق قلبها بعنف وقوة شديدة جعلته يقترب من التوقف، ارتعشت يداها بقوة ظاهرة وثبتت عينيها على وجهها في المرآة وحقًا شعور غريب لا تفهم ما هو.
وكثير من الأمور الغير مفهومة تلاحقها.
أخفضت نظرات عينيها على ذلك الشريط الأبيض الذي بين يدها يحتوي داخله على شرطتين لونهما أحمر وما كان ذلك غير اختبار حمل!
يحمل علامات إيجابية تدل على حملها!
رواية ندوب الهوى الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ندا حسن
أتدري أن بعد الصبر جبر؟
وبعد الشدة رخاء!
هل انتهت الشدة إلى هنا؟
دققت النظر به، عينيها متسعة بقوة وملامحها تحمل صدمة تامة تظهر وكأنها صدمت بموت أحدهم. لقد تغيبت عنها عادتها مرتين ولم تعطي للأمر أهمية، بل لم تفكر من الأساس. ما هذا!؟ وبحديث والدته اليوم جعلتها تتذكر هذا؟ يا لها من مهملة غبية.
عادت ببصرها إلى المرآة تبصر وجهها، ثم دون مقدمات ابتسمت لنفسها بسعادة غامرة وفرحة كبيرة احتلت قلبها الذي يدق عنفاً من الصدمة. تخطى الصدمة الآن وأصبح عنفه فرحاً وسعادة.
يا الله ما هذه السعادة! ما هذا الكرم واللطف الكبير الذي يلقى عليها من كل جانب، ما هذه النعم التي لا تعد المتواجدة بحياتها. ابتسمت بسعادة كبيرة وهي تضع يدها الأخرى على بطنها تتحس ما دخلها وعينيها تُدمع بحنان وشغف.
استندت بيدها المُمسكة بالشريط على حوض المياه والآخرى على بطنها وتضحك بسعادة كبيرة غامرة تأخذها الآن لأماكن ليست لها وجود هنا بيننا. لقد كان هذا حلم بعيد المنال بالنسبة إليها بعد تأخره. نعم لم يتأخر كثيرًا ولكن تسرعهم جعله متأخرًا. شعور غريب لا يوصف، فرحة أمومة تكبر بداخلها، يظهر حنانها من الآن وفطرة الأم ظهرت على ملامحها اللينة الرقيقة.
"جاد!" أتى على خلدها في لحظة خاطفة، ثم بين نفسها تمتمت بتساؤل غريب عنها وعن تفكيرها: هل عليها أن تُخبره؟ زوجها وحبيب عمرها، والد الطفل الموجود داخلها، كيف لها ألا تخبره؟ من أين أتت بذلك الحق كي تمنعه عن هذه الفرحة؟ كيف لها أن تتمسك بسعادة أبدية له وتخفيها عنه؟ فقط لأجل ما حدث بينهم؟ إنه انتهى الآن وأصبح كل شيء على ما يرام، اعتذر منها وقدم كامل الحب لها مع الاحترام المتواجد منه دائمًا.
ولكن! ولكن مازالت "كاميليا" متواجدة. مازالت لا تعلم ما الذي يحدث بينهم أو حتى ما الذي تريده للاقتراب كل هذا! هل ستخونه وتخفي الأمر عنه وتبعده عن حلمه فقط لأجل خوفها من امرأة هو لن ينظر إليها أبدًا؟ إنه يريد طفل منها أكثر من أي شيء آخر وصرح بهذا عدة مرات وكم كان يظهر عليه التمني والرجاء كي يتحقق ما يريد.
لأ لن تفعل ذلك مؤكد، فهو حبيب قلبها، نعم مُعذب فؤادها، ولكن رؤية الفرحة والابتسامة على وجهه بمثل هذا الخبر يمكنها أن تعيش عليها إلى المنتهى. فرحته بخبر كهذا ونظرة دامعة منه يمكنها أن تُشفي جميع جروحها وتنسيها كل ما مضى إلى اليوم. إنه كما السحر بالضبط! أي حركة أو فعل صادر منه يُنسيها العالم بما فيه ويجعلها تتأمل ما به هو فقط.
رفعت الإختبار أمام وجهها، ثم بتفكير عقلاني قررت ألا تخبره بأي شيء الآن إلى أن تذهب إلى طبيبة تأكد لها إن كان حمل حقيقي أم لأ، فأحيانًا يخفق هذا الجهاز أيضًا، وهي لن تخاطر بفرحته وسعادة قلبه، بل ستأتي إليه بخبر مؤكد يجعل قلبه يتوقف بسبب روعة الخبر التي ستزفه إليه. بل هذا سيكون تحقيق حلم له.
استمعت إلى صوت باب الشقة يغلق بعنف، أصدر صوت حاد استمعت له. وقع الإختبار من بين يدها على أرضية المرحاض. سريعًا انخفضت تأخذة، ثم تقدمت إلى سلة المهملات في المرحاض والقته بها كي لا يراه "جاد".
توجهت إلى حوض الغسيل مرة أخرى، فتحت صنبور المياه وقامت بغسل يديها الإثنين، ثم أغلقته وفتحت باب المرحاض متقدمة إلى الخارج ومازال قلبها يدق بعنف.
رأته يدلف إلى الرواق ليذهب إلى غرفة النوم. قابلته وهو يتقدم، فوقف أمامها يبتسم، فقالت:
"حمد الله على السلامة."
"الله يسلمك يا حبيبتي."
دقق النظر بها وقد شعر بأن هناك خطب ما. وجهها شاحب بشدة ويظهر ذلك بوضوح وكأنها تعاني من نقص ما في جسدها. تساءل بلهفة وهو يقترب منها:
"مال وشك أصفر كده؟"
وقع قلبها بين قدميها خوفًا من أن يلاحظ شيء، فحاولت قدر الإمكان أن تكون طبيعية حتى لا يشك بها. وضعت يديها الإثنين على وجهها وهتفت باستغراب:
"وشي أصفر؟ من إيه ده؟"
أردف بجدية ناظرًا إليها بعمق:
"أنا اللي بسألك، شكلك كده متوترة أو بتفكري في حاجة أو مش واكلة."
ابتسمت بهدوء لتجعله يطمئن وهي تشير بيدها نافية وتقول:
"لأ أبدًا يا جاد، عادي مفيش حاجة."
حرك رأسه بخفة وعينيه مثبتة عليها:
"يمكن!"
تساءلت وهي تبصر حركات وجهه وتحاول تخمين ما يفكر به:
"أحضرلك عشا؟"
خرجت ضحكاته بخفة قائلًا باستنكار وهو يتذكر أنه قد تناول العشاء معها في منزل والده:
"هو أنا مش متعشي معاكي ولا إيه؟"
أقتربت منه بهدوء ورقة تتحلى بها محاولة أن تلهي عقلها عن توترها وفرحة قلبها العنيفة:
"أيوه يا حبيبي بس أنتَ شغال طول الوقت يعني بتعمل مجهود، طبيعي تكون جوعت."
عندما وجدها أقتربت منه وتتحدث بكل هذه الرقة والدلال يظهر عليها، أقترب هو أكثر قائلًا بعبث وخبث:
"هو أنا بصراحة جعان.. بس حاجة تانية."
وضع يده الإثنين خلف ظهرها على خصرها يقربها منه أكثر، ثم مال عليها بجسده العريض مقتربًا بوجهه منها يضع شفتيه على خاصتها برقة بالغة كعادته معها يقبلها بحنان وهدوء. شعر ببرودها معه وعدم اقترابها منه، بل هي بقيت على وضعها يدها بجانبها ولم تبادله تلك القبلة الشغوفة التي تنازل عنها أكثر الوقت.
عاد مرة أخرى إلى الخلف وتركها ينظر إليها للحظة بصمت تام ثم أردف متسائلًا بوجه خالٍ من أي تعابير:
"سكتي يعني؟"
أبصرت نظرته لها وشعرت بأنه تفهم ما فعلته خطأ، ولكن إن حدث بينهم شيء حقًا هذا سيكون الخطأ الأكبر. ربما كانت تحمل طفل داخل أحشائها؟ هذا لا يجوز، إنها تعلم بعض الأشياء كهذه.
"لأ بسمعك يا جاد."
لاحظ أنها ليست على عادتها، بل شاردة، قلقة، ومتوترة، وهناك ما تخفيه ربما. أكمل بعدها بثبات وهو يعود للخلف خطوة:
"منا خلصت كلامي يا هدير."
فهمت أنه يريدها. نظرت إليه بخجل وعينيها تنظر إليه مرة والأخرى تكون على الأرضية، وودت لو فعلت ما يريد ولكنها تخاف أن يكون داخلها طفل يتضرر.
"طيب معلش اديني وقت."
أعتقد "جاد" أنها مازالت منزعجة منه ولا تريد الإقتراب لهذا السبب. ربما مازالت تشعر أنه يكذب عليها! أقترب منها مرة أخرى يمحي الخطوة الذي أبتعدها، ثم أمسك بيدها بقوة قائلًا بصدق وجدية:
"أنتِ لسه زعلانه مني ولا إيه؟ هدير كفاية لحد هنا بقى، أنا بحبك والله العظيم واعتذرت وبعتذر تاني."
رفع يدها إلى فمه يقبلها كما يفعل وهو يعتذر مرة أخرى لكي تلين معه:
"أنا آسف يا حبيبتي بس كفاية بقى."
تعمقت بالنظر بعينيه الرمادية وبخجل أكبر قد احتل تفكيرها بعد رؤيته يريد القرب منها هتفت بخفوت:
"جاد أنا خلاص عديت اللي حصل بس فعلًا يعني محتاجة وقت.. معلش استحملني شوية."
ترك يدها ونظر إليها بعمق يحاول أن يتفهم ما الذي تريد أن تصل إليه، أو حتى ما الذي تمر به ليجعلها تبتعد عنه رافضة قربه! ولكن بكامل الحب أجابها وهو يحترم رغبتها تاركًا كل ما أراد التفكير به:
"حاضر.. اللي أنتِ عايزاه يا هدير هعمله علشان خاطرك."
ابتسمت بوجهه شاكرة إياه بحب خالص وهي تبادله نظرات الغرام:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي."
❈-❈-❈
"اليوم التالي"
في منتصف النهار هبطت "مريم" إلى شقة "هدير" بعد تفكيرها الجاد في ذهابها إلى الطبيبة الآن. لقد كانت مقررة الذهاب مع زوجها لتطمئن وتفهم ما الذي يحدث معها، وهي داخلها تفكر به من الأساس، ولكن سافر زوجها مع والده وقد حضرت برأسها أن تذهب اليوم بل الآن.
لأ تطيق الانتظار أكثر من هذا وهي بالأصل مريضة للغاية ودائمًا تشعر بأنه تود بالتقيؤ! غير حالة إغماء النفس الشديدة التي لا تتركها وقد تطور الأمر أكثر فلا داعي للانتظار. ستأخذ شقيقتها معها وتذهب.
دقت "مريم" على باب الشقة بثبات. لحظات وفتحت لها شقيقتها تدعوها بالدخول. دلفت "هدير" سريعًا مرة أخرى متجهة إلى المطبخ وتركت "مريم" عند باب الشقة في الداخل.
نظرت في أثرها باستغراب. ربما تطهو شيئًا على الموقد. أغلقت الباب بهدوء ثم دلفت خلفها إلى الداخل. وهي تدلف استنشقت رائحة البصل وها قد رأته وهي تقف أمام الموقد تقلب البصل بسرعة كي لا يحترق.
تحدثت "هدير" بعتاب وهي تعطيها ظهرها ساخرة:
"سمير مش موجود طول الوقت خايفة تنزلي تقعدي معايا؟"
أجابتها بجدية وهي تدلف إلى الداخل تفتح الثلاجة لتأخذ منها بعض المياه الباردة:
"أنتِ عارفة اللي فيها يا هدير، شوية بطبخ شوية هو يجي شوية أروح عند أهله."
وقفت الأخرى تقلب بالملعقة ذلك الطعام الموضوع أمامها وأردفت بسخرية:
"قولتيلي."
تركت "مريم" الكوب من يدها وقالت بحدة خفيفة وهي ترى تهكم شقيقتها عليها:
"أنتِ أصلًا بتتكلمي كأني مش بجيلك خالص."
سخرت منها مرة أخرى وهي تجيب:
"آه كل فين وفين."
استنكرت "مريم" حديثها واتسعت عينيها لأنها تقريبًا كل يومين تكن جالسة هنا معها وهي لم تصعد إليها ولو مرة واحدة حتى:
"يا شيخة؟"
لم تجبها "هدير" لأنها تعلم أن معها حق، فقط تعاكس حديثها قليلًا. ابتسمت وهي تستمع إلى سؤالها بعد أن استنشقت الروائح الشهية:
"بتطبخي إيه؟"
أجابتها ومازالت تقف كما هي تقابلها بظهرها تعمل على الموقد:
"كشري مصري.. جاد نفسه فيه."
ابتسمت "مريم" باتساع وهي تقترب لتذهب مرة أخرى إلى الثلاجة تأتي بأي شيء منها تأكله وقالت بوقاحة:
"ابقي سيبيلي طبق بقى علشان أنا كمان نفسي فيه."
"حاضر."
أخذت ثمرة تفاح من الثلاجة وأكلت منها قطعة وتساءلت بعد أن ابتلعت:
"طب أنتِ خلصتي ولا لسه قدامك كتير؟"
قالت بهدوء وهي تمسح على وجهها بسبب الجو الحار:
"لأ أنا هخلص البصل بس."
أردفت "مريم" حديثها مرة واحدة بقوة وثبات وكأن الأخرى تعلم لما تريد الذهاب إليها على العكس تمامًا:
"أنا عايزة إنك تيجي معايا لدكتورة رشا."
تركت "هدير" ما بيدها واستدارت تنظر إليها باستغراب لما تود الذهاب إلى هذه الطبيبة! تساءلت وهي تبصرها جيدًا:
"رشا؟ نسا وتوليد؟ مالكم؟"
مطت شفتيها للأمام وقالت ما يحدث معها في الفترة الأخيرة بتبرم واضح:
"بقالي فترة مش تمام، ترجيع ونفسي بتبقى غامة عليا كتير وبحس بارهاق وكمان معادها عدى فبقول إنه ممكن يكون حمل أو حاجة."
تساءلت مرة أخرى مضيفة ما بين حاجبيها:
"طب ما عملتيش اختبار ليه؟"
أجابتها "مريم" بلا مبالاة وهي تشير بيدها دليل على أنه لن يكون نافع دون طبيبة:
"هحتاج كده كده أكشف بردو فـ مرة واحدة وخلاص.. ها هتيجي معايا؟"
أومأت إليها بتأكيد وهي تجيبها متجهة إلى الموقد لتغلق النيران وقد أتى إليها هذا المشوار على طبق من ذهب وليس فضة لكي تتأكد هي الأخرى مما تريد:
"آه طبعًا روحي اجهزي على ما أجهز أنا كمان وأكلم جاد أقوله."
توجهت "مريم" لتذهب إلى الخارج تفعل كما قالت "هدير" كي يستعدوا للذهاب إلى تلك الطبيبة ولكنها قالت بطريقة فظة:
"ماشي.. متنسيش طبق الكشري."
نظرت إليها هدير وهي ترحل بمزاح قائلة بسخرية:
"همك على بطنك يا معفنة. امشي."
ابتسمت "مريم" باتساع تجيب بلا مبالاة وهي تلوح بيدها:
"متشكرة يا مدام أبو الدهب."
بطريقة فظة أجابت شقيقتها هي الأخرى مضيفة اسم والد زوجها للحوار وكأنه سيكون اسم ولدها:
"شكر على واجب يا أم عطوة."
استدارت "مريم" تنظر إليها بحدة وغضب حقيقي بعد الاستماع إلى هذا الاسم الذي نسبته لطفلها:
"عطوة! لأ مستحيل.. اسمي ابني عطوة لأ طبعًا."
وجدت شقيقتها تضحك بقوة على تحولها المفاجئ من مجرد ذكر اسم والد زوجها الذي أزعجها لأنه قديم وربما كبير قليلًا. تساءلت بحدة واستنكار وهي تنظر إليها:
"بتضحكي على إيه يعني؟ أنتِ لو جبتي ولد ممكن تسميه رشوان؟ ولو بنت حتى تبقى فهيمة؟"
للحظة صمتت "هدير" ولكنها بعد ذلك حركت رأسها وأجابت بصدق خالص وحب في حديثها يظهر:
"بصراحة مش عارفة. هي آه أسماء قديمة بس لو جاد عايز كده معنديش مشكلة."
اتسعت عيني "مريم" بسبب حديثها الأحمق هذا! واستغربت موافقتها السريعة دون تفكير. الأمر لا يحتاج تفكير من الأساس:
"لأ دا أنتِ مخك ضرب. تعقدي ولادك علشان جاد عايز كده؟"
أردفت تبرر حديثها وموافقتها قائلة وهي تقترب منها بخطوات جدية:
"مش قصدي.. يعني ماهو إحنا ممكن نسميهم اللي عايزينه ونادي عليهم بالأسماء دي."
أبصرتها "مريم" بقوة وعينيها متسعة بذهول على تفكيرها الأحمق الغبي، تأتي بعقد لأطفالها بسبب هذه الأسماء القديمة لأجل زوجها أو غيره! هذا بسبب عدم وجود أسماء تليق بهم أم ماذا! هتفت بقوة وهي ترحل حتى لا تقف تتناقش معها:
"هدير أنا رايحة البس."
بعد أن رحلت "مريم" لتذهب إلى الأعلى تتجهز لكي يذهبوا إلى الطبيبة، ذهبت "هدير" تنهي تحضير طعامها حتى إذا تأخرت يجد زوجها ما يأكله، ثم بعد ذلك ذهبت تأخذ هاتفها وقامت بالحديث معه والاستئذان بالذهاب مع شقيقتها إلى الطبيبة وقد سمح لها بفعل هذا. وللحق هي فرحت كثيرًا لوجود حجة ما تخرج بها من المنزل بدون جاد وأيضًا ذاهبة لطبيبة! إن الله يحبها كثيرًا ويسبب لها كثير من الأسباب التي تساعدها.
بذهابها مع مريم قد حلت مشكلتها وستكتشف إن كانت حامل أم لأ، وإن كان كذلك ستقول لزوجها وتجعله يرفرف من الفرحة التي ستطل عليه بسببها وبخبر صغير مقامه كبير منها. وإن كانت شقيقتها "حامل" مثلها يالا فرحة الجميع بهذه الأخبار الرائعة. ستحل فرحة كبيرة على العائلة بأكملها لن يخرجون منها إلا عندما تولد كل منهن ليدخلون في حالة فرحة وسعادة أكبر منها بحلول مولود جديد معهم. بل اثنين!
❈-❈-❈
ذهبت "هدير" ومعها "مريم" إلى الطبيبة النسائية التي تحدثت عنها. الاثنين يجلسون في انتظار دورهم في الولوج إلى الطبيبة وكل منهم في رأسها أشياء عدة تموت فرحًا لو تحققت.
ستكون هذه السعادة الكبرى لـ "مريم" عندما تتأكد أن داخلها طفل تحمله من "سمير"! زوجها وحبيب السنوات الماضية والحاضرة. أروع زوج على الإطلاق وأفضل شقيق وصديق وكل شيء تريده يقدمه إليها دون مجهود يذكر منها.
وكأنه وجد في هذه الحياة ليكون المارد المحقق لأحلامها. إن اكتشفت أنها تحمل طفل منها ومنه داخلها ستكون السعادة الأكبر له، ستأتي إليه بشيء يريده ويهواه. الجميع يريده ويهواه ولكن معه مختلف للغاية. سترد له شيء جميل مما يفعله لها.
ابتسمت وهي تفكر كيف سيكون رد فعله عندما تخبره بأنها حامل وداخلها أفضل شيء بينهم شهور قليلة ويأتي ليظهر للنور ويكون سبب آخر يجمع حبهم ويعظمه أكثر. لقد فكرت في كثير من الأشياء اعتقادًا أنها حامل وقد وقع الأمر. حتى أنها قررت تأجيل هذه السنة الدراسية لتكون متفرغة أكثر لهم، حتى لا تهمله وتهمل زوجها! ولأنها لن تستطيع أن توفق في عملين معًا كيف إن كانوا أكثر. كل هذه قرارات بُنيت على أساس أن الحمل موجود وكأنها تأكدت منه!
بينما شقيقتها الكبرى كانت تفكر في غير ذلك تمامًا. لا اهتمامات ولا مسؤوليات. كانت تفكر في زوجها الحبيب، معذب فؤادها، هذا اللقب الأقرب إليها منه حقًا. تتوق لرؤيته عندما يعرف بحملها لطفله. تتوق لسماع صوته ورؤية وجهه وهو يتلقى الخبر. تحقيق حلم مثل هذا له يعتبر أكبر شيء ممكن أن تحققه.
حبها له غريب ومريب بنفس الوقت. هي شخصية عنيدة وتريد تفسير لكل شيء ولكن لأجل أن تكون سعيدة معه تحاول محو كل ما يأتي بخلدها لينعم بالراحة والهدوء ولتقترب منه أكثر وتبعد كل صعب من أمامهم. ترى حبه لها، بل عشق وغرام أبدي، هوى وما بعد الهوى ولكن يصعب الأمور عليها. يجعلها مُشتتة طوال الوقت غير قادرة على التحديد كيف يكون هو وكيف تكون حياتهم. حتى أنه أحيانًا يصعب الأمر عليها بمعرفة نفسها!
ليس هناك مثل "جاد أبو الدهب" شجاع، شهم، صالح، رجل وما يعرف برجل يوصف به، حنون وما به من حنان يغدقها به يفيض للعالم أجمع. ومع كل ذلك تخاف من بعده أو سرقته. على يقين بحبه وإيمانه ولكن تخاف من غيره يأخذه لطريق آخر لا تكون هي من أساسه.
ستحاول جاهدة أن تمحي كل هذا من رأسها وتنعم بالراحة والسعادة معه ومن المؤكد أنه لن يجعلها تشعر بكل هذه الرهبة والخوف لأجل امرأة لا تخصه! نعم هذا هو زوجها "جاد". تعلم أنه مهما حدث بينهم فلن يهون عليه حزن قلبها وتشتت عقلها المستمر. هي على يقين أنه سيجعل كل شيء على ما يرام وبالأخص عندما يعلم أن هناك من سيأتي لهم ويكمل عائلتهم الجميلة!
وقفت "هدير" على قدميها وتقدمت إلى الفتاة الجالسة تعمل سكرتارية لدى الطبيبة. قامت بدفع مقابلة لها هي الأخرى معها لتدلف مع شقيقتها في نفس الوقت وعادت مرة أخرى تحت أنظار "مريم" المستغربة ما فعلته.
جلست مرة أخرى جوارها وهذه المرة أبصرتها لأنها تعلم ما الذي ستتحدث به وتساءلت بالفعل قائلة:
"إحنا مش دفعنا يا بنتي. بتدفعي تاني ليه؟"
ابتسمت "هدير" بعمق وأجابت قائلة بجدية وثبات وكأنها تتحدث مع أحد يعلم القصة منذ بدايتها:
"لأ دا كشف ليا.. أنا كمان هكشف معاك."
استنكرت "مريم" فعلتها وحديثها فهي لم تتحدث من الأساس ولم تقول إنها تريد ذلك، هكذا فجأة!
"فجأة كده؟"
استدارت لتنظر إليها وتكن في مواجهتها لتتحدث بأريحية وتروي لها ما حدث ولكن قبل ذلك عليها أن تتأكد أنها لن تخبر أحد:
"لأ هو بصراحة مش فجأة ولا حاجة.. قبل ما أقولك احلفيلي إنك مش هتجيبي سيرة لحد ولا حتى سمير. لازم أول حد يعرف يبقى جاد."
شعرت "مريم" بالضيق وكأن هناك سر خطير يجب ألا يعرفه أحد لذلك لم تتحدث إلا الآن:
"ياستي ماشي مش هقول لحد والله."
عادت "هدير" برأسها للخلف وهي تستند إلى ظهر المقعد ثم هتفت بنبرة خافتة مبتسمة:
"أنا جبت امبارح اختبار حمل وطلع إيجابي."
دُهشَت "مريم" وفتحت عينيها على وسعهما، لم تكن تتوقع أن ذلك قد يكون حدث بالأخص أن شقيقتها لم تتحدث وهم بالمنزل بل لم يظهر عليها أي شيء. أبصرتها "مريم" طويلًا ثم خرجت من هذه الصدمة مبتسمة ببلاهة ظاهرة:
"بتهزري؟ لأ بجد، إيه ده ألف مبروك يا دودو.. يا قلبي إيه ده بجد مبروك أنا فرحانة أوي. معقول إحنا الاتنين فجأة كده؟"
توقفت عن حماسها الذي خرج دفعة واحدة على حين غرة وقالت متسائلة بعتاب رافعة أحد حاجبيها باستغراب:
"وبعدين استني أنتِ ليه مقولتليش؟"
أجابتها ببساطة وهدوء وملامح وجهها ساكنة وكأن هذا الذي كان في خلدها بالفعل:
"علشان ببساطة كنت مستنية إني أقول لجاد الأول وهو يجي معايا ونتأكد بس بما إني هنا خلاص بالمرة بقى."
وضعت "مريم" يدها فوق يدي شقيقتها والحماس يظهر عليها ووجهها بالكامل يبتسم بجميع ملامحه لتصيح قائلة:
"أنا مبسوطة أوي بجد يا هدير. معقولة نطلع إحنا الاتنين حوامل؟"
ابتسمت "هدير" مبادلة إياها وهي تهتف بسخرية مضحكة لأجل خبر مثل هذا لهم هم الاثنين في آن واحد:
"يارب بجد دا هيبقى خبر الموس."
صمتت "مريم" للحظات وعقلها يشغله شيء ثم تحدثت عن "جاد" وهي تتذكر كيف كان يتحدث عن وجود الأطفال وكيف كان يتمنى طفل له:
"متخيلة فرحة جاد أكتر واحد! دا هيموت على طفل يا هدير.. فاكرة آخر مرة لما اتكلمنا على الولاد كان عامل إزاي؟"
اتسعت ابتسامة زوجته بطريقة غير عادية وهي تفكر به وبما سيحدث عندما يعلم، وكيف ستسير الأمور معه بعد خبر كهذا:
"جاد! أنا مش عايزة حد يعرف غيرة أصلًا علشان أشوف رد فعله."
نظرت "مريم" أمامها وهي تعتدل على المقعد وحماسها يأخذها بالكامل لذلك الأمر والفرحة سيطرت عليها أكثر بعد أن استمعت لشقيقتها:
"لأ أنا خلاص بنيت أحلامي إننا حوامل.. تخيلي كده جبنا ولاد عم وخالة؟"
ضحكت الأخرى بخفوت وهي تتذكر أنها متزوجة قبل "مريم" بأشهر من الأساس:
"الموضوع مضحك أصلًا.. أنا متجوزة قبلك يا مريم تحصل مع بعض!"
نظرت إليها "مريم" وكأنها الآن بالتحديد وجهت عقلها على هذه النقطة فقد كانت متناسية إياها تمامًا ولكن مع ذلك كل شيء بيدي الله:
"تصدقي! بس هو كل شيء بأوانه."
أومأت "هدير" برأسها وابتسمت بسعادة فهي محقة. هناك من تزوج منذ أعوام وإلى الآن لم يرزق بهذا الرزق الكبير من الله وهناك من تزوج منذ شهر واحد فقط والآن يبتسم فرحًا وسعادة لأجل معرفة بخبر حمل زوجته. هناك هذا وذاك والله يعطي من يشاء.
"أكيد ما شيء بأوانه."
❈-❈-❈
فرحة عارمة! قلوب تطير بين السحاب لكثرة هبوط السعادة عليها فقررت الإنحراف قليلًا باتجاه السماء لتنعم بالسعادة الأكثر مما حصلت عليه.
عيون تدمع لأجل ما استشعرته من فرحة كبيرة تنتظرها في الأيام القادمة، الشفاه ترتجف من كثرة الابتسامات التي توزعها على الجميع بسبب وبدون سبب. ما هذا! ما هذا الشعور الفظيع الذي يكاد يوقف قلوبهم القابعة في السماء الآن.
أتدري أن هذه الفرحة الأكبر في حياتهم! أتدري أن عوض الله بعد صبر جبر! تحملت كل منهن لحظات سيئة بدأت منذ أن توفى والدهم إلى أن تزوجوا من أولاد عائلة "أبو الدهب". كم أن تدبير الله رائع واختياره لا يوجد أفضل منه.
أسباب وراء أسباب كادت أن تجعلهم يموتون حزنًا ثم في لحظة خاطفة يأتي القرار الذي يعترف للجميع أن السبب هذا ما كان إلا من حوادث القدر وتدبير الله ليكون هو الخلاص لما يريدون.
ما فعله "مسعد" مع "هدير" إلى اليوم كان له حد وإن لم يكن حدث ذلك لما كان والد جاد قد لان ناحيته ليدافع عن شرف فتاة أصبحت في مقام ابنته وهو أمام الجميع الوصي عليها من بعد والدها بالأخص أنها هي من كانت الوصي على شقيقها الأكبر. و "مريم" ألم تكن تحب ابن عائلة "أبو الدهب"؟ ما جعل ابن هذه العائلة يتحرك هو ظهور ذلك المجرم الطامع في جمالها ورقتها، وما دفعه ناحيتها هو شعوره بضياعها من بين يديه ورؤية كم هي صعبة المنال. ألم تكن كل هذه أسباب تعيسة تحزن الجميع في وجودها!
ولكن الآن كم هي أسباب جابرة، رائعة مقدمة من الله عز وجل لأجل اخلاصهم وصبرهم وقلوبهم النقية الطاهرة ليست هي وشقيقتها فقط بل و "جاد" ومعه ابن عمه وشقيقه "سمير".
أتدري أن بعد الصبر جبر! وبعد الشدة رخاء! هل انتهت الشدة إلى هنا؟
تأكدت كل منهن أنها تحمل داخل أحشائها طفل صغير مشترك بينها وبين زوجها الحبيب، تأكدت كل منهن أنهن داخلهن نتيجة حب طاهر نقي اجتمعوا به في حلال الله ورضاه عليهم. كم هي فرحة كبيرة ورائعة، كم هو إحساس لا مثيل له وشعور لا يوصف لا أستطيع ببضع كلمات أعبر عنه.
خرجت كل منهن وداخلها كلمات وأفكار ولحظات تود أن تتعايش بها مع النصف الآخر بعد خبر كهذا وفرحة كهذه والقلب لا يهوى سوى قليل من الكلام المعسول وأفعال مرضية تقول أن ليس هناك غير الحبيبة الأولى والزوجة الأخيرة وما بين هذه وتلك أنتِ فقط حبيبتي الموجودة على حبال أفكاري وشرايين قلبي.
وعدت "مريم" "هدير" أنها لن تقول لأي شخص ما الذي حدث معها ولن تتحدث لأي شخص وتبوح بحملها إلا عندما يعلم زوجها "جاد" أولًا وتبادلت الوعد معها أنها لن تخبر أي أحد إلا عندما "سمير" يعود من سفره ويعلم ولكن ستخبر "جاد" من المؤكد لتجعل فرحته أكثر وأكثر ولترى السعادة بعينيه وكامل جسده بسببها وبسبب نطق هذه الكلمات من فمها وبين شفتيها.
❈-❈-❈
"في المساء"
تناست كل شيء تعيس وحزين مرت به معه وإن أتت لتتحدث عن الحب فالحزن معه كان قليل. تذكرت الفرح والسعادة، تذكرت كل لحظة رضا وحنان أتت منه وتركت كل ما مضى والآن هي تبدأ بداية جديدة لهم هم الاثنين وثالثهم.
ارتدت قميص وردي من القطن يصل إلى بعد ركبتيها بقليل، يلتصق على جسدها وعليه رسمة كرتونية شهيرة، فتحة صدره دائرية متسعة وحمالاته عريضة للغاية تغطي أكتافها.
فعلت ذلك وحضرت نفسها لتكون في مقابلته بأفضل ما عندها ولتجعله يفعل ما يريد بعد أن امتنعت عنه أمس فهي الآن قد اطمئنت من الطبيبة على وضع الطفل داخلها والذي بعمر الشهرين وقد بدأ في الشهر الثالث هذا الأسبوع.
حضرت طعام العشاء الذي كانت أنهت تحضيره قبل رحيلها إلى الخارج مع شقيقتها ووضعت كل شيء على السفرة في غرفة الطعام وكان "جاد" يقوم بغسل يديه بعد أن استقبلته بأروع ابتسامة لديها والحماس داخلها وكأنه بركان يثور أمامه.
جلست على السفرة متنتظرة أن يأتي والابتسامة مازالت مستمرة في الظهور على شفتيها وقلبها يرفرف من الفرحة والتوتر أيضًا. أعادت خصلاتها المتطايرة إلى الخلف لتستقر خلف ظهرها في لحظة دلوفه إلى الغرفة مبتسمًا وهو يراها قد تحولت مئة وثمانون درجة بل وقبلته قبلة مطولة على شفتيه عندما أتى وكأنها تمحي ما فعلته أمس والآن تقول أنها لن تمانع اقترابه!
جلس "جاد" في مكانه على سفرة الطعام ونظر إلى الطعام الذي أعدته أمامه فتحدث قائلًا وهو يجذب شوكة:
"الكشري ده شكله يفتح النفس يا وَحش."
ابتسمت وهي تقدم الطبق إليه ليأكل كما يحب وترفرف داخلها لأجل عودة لقب الوَحش الذي أطلقه عليها قائلة برقة وحنان:
"بالهنا والشفا يا حبيب الوَحش."
نظر إليها بعمق وداخله يدعو الله ألا يحدث بينهم مشاكل بعد الآن فهي أطيب قلب قد رآه وبعد كل ما حدث سامحته وتؤدي واجبها أمامه بكل حب:
"إيه الرضا ده كله يا ست هدير.. هتعود على كده؟"
رفعت عينيها عليه ومحت ابتسامتها ثم قالت بجدية وعمق صادق داخلها:
"من امتى وأنا مش معوداك على كده يا جاد! إلا لما تكون أنتَ اللي مش عايز وواخد جنب لوحدك."
ترك الشوكة من يده وأقترب بوجهه منها يحاول محو هذه اللحظة الجدية التي وضعتها بينهم لتتذكر أشياء يعملون على محوها وقال بوضوح ومرح:
"طب تعرفي بأمانة أنا مش بفهم.. آه والله بأمانة مهو اللي ياخد جنب بعيد عن القمر ده يبقى مش بيفهم."
ابتسمت وهي تعاود وضع الشوكة بيده ليأكل وقالت بتهكم ليفهم حديثها جديًا وقد أوصلت له ما تريد بالفعل:
"طب يا سيدي أفهم من يوم ورايح بقى."
"حاضر يا وَحش."
أكل طبقه بالكامل بشراهة وظهر جوعه أثناء تناوله الطعام لأنه لم يصعد لتناول الغداء بل من الصباح إلى الآن لم يأكل شيء سوى وجبة الإفطار. وضعت له "هدير" مزيد من أصناف المعكرونة في طبقه وأضافت له كثير من الأشياء ليبدأ يتناول مرة أخرى فهتف هو قائلًا:
"لأ بجد الكشري ده مفيش منه.. شكلي طول عمري باكل أونطة."
ضربته في يده بخفة قائلة بحدة:
"متقولش كده على أكل ماما فهيمة أحسن والله أقولهالك."
غطت عينيه الرمادية بطريقة درامية للغاية وهو يبتلع ما بحلقه قائلًا بعتاب زائف:
"تبيعي جوزك لحماتك! أهون عليك؟"
تعلم أنه يمزح ليس إلا ولكن نظرته وعتابه لها بهذه الطريقة جعلها كـ الأم عندما يعاتبها طفلها بطريقة لطيفة لتركها له. كرمشت ملامحها بلطف وقالت بنبرة خافتة:
"لأ طبعًا متهونش."
ابتسم باتساع وهو ينظر إليها بحب خالص وبادلته الابتسامة والحب كمثل وداخلها تتوق لتجعله يعلم أن هناك زائر يود أن يأتي ليكون معهم إلى الأبد. فقط ينتهي من طعامه ثم ستخبره كل شيء.
أخرج "جاد" هاتفه أثناء تناول طعامه ووضعه أمامه على السفرة جوارها لأنه ضايقه في جلسته وجعلها غير مريحة. أكمل طعامه بهدوء معها بين مرح وضحك وسعادة كبيرة احتلت الجلسة مرة واحدة وقد راقه هذا وبشدة.
دق جرس الباب فجأة فنظرت إليه تتسائل بعينيها من قد يأتي إليهم الآن. وقف على قدميه وقال بجدية:
"خليكي هنا وأنا هشوف مين."
أبتعد عن مقعده واتجه ليفتح باب الشقة ولكنه استدار عندما وقف على أعتاب باب الغرفة قائلًا مرة أخرى بنبرة رجولية جادة:
"متطلعيش برا الأوضة علشان لو حد جاي من الجماعة."
أومأت إليه برأسها مؤكدة أنها ستفعل هكذا وخرج هو ليرى من الطارق. أكملت تناول طعامها بهدوء وداخل رأسها أمور كثيرة وعدة تحاول أن تبعدها عنها سواء كانت سعيدة أو حزينة فهي فقط تود أن تعيش هذه اللحظة وتخبره أنه سيكون والد عن قريب.
رنة بسيطة وإضاءة خافتة يخرجون من هاتف "جاد" أمامها. لم تكن تريد أن تعرف ما هذا ولكن عينيها هي من وقعت على الشاشة عندما أضاءت ليس أكثر من هذا فظهرت أمامها رسالة عبر الواتساب تأتي باسم "كاميليا"!!؟
مرة أخرى "كاميليا" بحياتهم! هل مازالت كما هي؟ هل هو يتحدث معها بعد كل هذا؟ هل هي أهم من زوجته وعائلته ليبقى على تواصل معها؟
نظرت إلى الهاتف بعمق وحزن شديد احتل مجلسها وكيانها بالكامل! تركت الشوكة من يدها وعادت بظهرها إلى الخلف وملامحها قد تحولت إلى شخص آخر من الأساس. انطفئ واسودت شاشته وبقى على وضعه ولكنها لن تكون كذلك بالمرة.
امتدت يدها إلى الهاتف وأخذته بين يديها لتفتحه بسهولة حيث أنه لا يضع له كلمة مرور مما أدى إلى ظهور اسم "كاميليا" على الشاشة. فتحت الواتساب الخاص به لترى آخر رسالة أتت له من تلك المرأة. نظرت إلى الرسالة بدقة من الخارج ولم تفتحها حتى لا يظهر له أن هناك من رآها قبله وستكون هي من المؤكد.
"ده اللوكيشن يا جاد."
هذه كانت رسالتها له أو هذا ما ظهر منها. ترى ما الذي يوجد خلف هذه الرسالة وهذه المحادثة ما بها من الداخل! لم يأتي بخلدها بيوم من الأيام أن تبحث خلفه أو تشكك به. لم تفكر بأنه قد يفعل هذا بها وقالت أنه رجل صالح آمين لا يفعل بها هذا ويغضب الله عليه!
رسالة أخرى قد بعثت والهاتف بيدها تهتف باسمه وبجانبه علامة استفهام تدل على أنها تريده أن يجيب عليها؟ أو لما لا يجيب عليها!
خرجت من هذا التطبيق ثم ذهبت إلى سجل المكالمات لتراه متحدث معها بالأمس! بعدما هبط من عندها من هنا! بعدما قام بمصالحتها والحديث معها بكامل اللين ووعدها أنه لن يزعجها بهذه المرأة وسيضع لها حد لأن علاقتهم ووجودها معه أهم شيء.
خرجت من كل هذا ثم محت آثار دلوفها إليهم وتركت الهاتف كما هو في مكانه وداخلها دوامة تكاد تبتلعها والأفكار تداهمها بشراسة وعقلها لا يرحمها وحزن قلبها ازداد أضعاف أي موقف حزن قد عليهم فهو يخفي عنها شيء كبير، يفضل عنها امرأة أخرى، يكذب عليها ويتحدث معها، يخونها؟
خرجت دمعة من عينيها في لحظة وهي غير منتبه لتفكيرها ودموعها الذي خرجت خلف واحدة فقط وأعلنت الحداد على كل شيء. مسحت دمعاتها سريعًا لأنه سيدلف في أي لحظة، لن تبكي. مستحيل أن تبكي ولن تعطيه فرصة في فعل ذلك فيكفي بكاء بسببه إلى الآن فهي ستتبع مبدأ البادي أظلم يا "جاد الله".
عاد "جاد" مرة أخرى وجلس على السفرة بهدوء كما كان وأبعد طبق الطعام من أمامه لأنه بالفعل قد امتلأت معدته بالطعام. أبصرها بهدوء وقال دون أن تسأله:
"دي أمي بعتالنا فاكهة مع الواد ياسر ابن عبد الله."
دخل المطبخ. لم يستمع منها ردًا بل بقيت تنظر إليه نظرة غريبة لم يفهمها وكانت أقرب للحزن لو فسرها جيدًا. ابتسم بغرابة وهو يقول:
"مالك؟"
أجابته بصوت خافت ساخر بذات الوقت، ساخر من نفسها وذلك الموقف الذي وضعت به معه:
"ماليش."
شعر أن هناك خطب ما بالأخص بعد إجابتها بتلك النبرة وهذه النظرة. ما الذي حدث في لحظات ليجعلها هكذا. استمع إلى سؤالها الواضح تقول:
"هي الست اللي اسمها كاميليا لسه على تواصل معاك ولا بعدت؟"
لا يدري ما الذي جعل هذا الأمر يعود على خلدها من جديد. لقد كانت لحظات سعيدة الآن يا زوجتي الحبيبة لما تودين ضياعها! ابتسم بسخرية كاذبة يود أن يوضحها لها ولكن ليته لم يفعل:
"تواصل! بعد اللي عملتيه ما ظنش."
ابتسمت هي الأخرى تبادله بنفس السخرية وودت وبشدة لو تبكي الآن وتفرغ عينيها من الدموع الذي داخلها بالكامل ولكن لن تفعل يا "جاد".
"أحسن بردوا."
عاد جاد بظهره إلى ظهر المقعد وأردف بعد أن تذكر بجدية يتساءل عن حال شقيقتها:
"صحيح مريم طلع مالها؟"
"حامل."
دون سابق إنذار ودون أي مقدمات ودون رسم أي تعابير على وجهها ألقت هذه الكلمة البسيطة المكونة من أربع أحرف أمام وجهه وعلى مسامعه بقوة ووضوح تام والحدة ظاهرة في نبرتها ولكنه تغاضى عنها.
تغاضى عنها عندما استغرب إجابتها السريعة ولكن سريعًا هو الآخر فهم ما الذي ألقته عليه فتقدم إلى الأمام مرة أخرى بلهفة وحماس كبير ظهر على عينيه الرمادية الذي ظهر بريقها:
"بتتكلمي جد! مريم حامل!"
أومأت إليه بقوة وهي تنظر إلى فرحته وحماسه الظاهر لأجل ابن عمه من المؤكد. أبصرت جسده بالكامل وهو يتحرك بعنف غير متزن من فرط السعادة التي وقعت عليه. ماذا كان سيفعل لو علم أنها هي الأخرى تحمل طفل داخلها! هو من بدأ، هو من منع هذه النعمة عنه بكذبه وخداعه لها.
"الواد سمير هيبقى أب.. عقبالنا."
نظر إليها بعمق وشغف خالص والحماس تأكله فرحة لابن عمه وله لأن هذا الطفل سيكون ابنه هو الآخر. نظر إلى عينيها الجامدة متغاضيًا عن ذلك والحب داخله يتضاخم مع صدره وهو يقترب منها ليمسك يدها قائلًا بشغف وعينيه تلمع بغرابة:
"عقبالنا يا هدير.. عقبالنا يا وَحش."
ابتسمت بجفاء ونظرتها إليه ليست كما السابق وهو لاحظ هذا أكثر من مرة ولكنه يقول داخله أنه يفهم نظراتها وحديثها خطأ لأنها من قابلته بكل ما هو رائع. أجابته بجدية مميتة:
"إن شاء الله."
تذكرت ذلك اليوم الذي أعترف لها به عن ما الذي يريده وكأنه حلم وهي من ستحققه. تذكرت نبرة صوته ولهفته وتمنيه لما قاله، تذكرت الكلمات بالحرف الواحد تلو الآخر وترددت داخل أذنيها وهي تنظر إليه الآن.
"-نفسي في ولد.. ولد حتة مننا إحنا الاتنين، أنا عارف إن لسه بدري وعارف إن لو ده حصل هيبقى كتير عليكي وأنتِ لسه مخلصة كلية بس مع ذلك كل يوم بتمنى من ربنا إن ده يحصل.. أناني أنا مش كده."
ترتكب جريمة الآن وهي تحرمه من أسعد لحظة بحياته ولكنه من بدأ في ذلك وهو من اضطرها لفعل ذلك وهي بحسن نية تناست ما مضى ووثقت به وقالت أنه لن يجعلها تحزن لأجل امرأة لا تخصه ولا تكن له أي شيء. ولكن اتضح لها أن "جاد الله" يكذب ويخفي وينكر وكثير من الأشياء فعلها في الفترة الماضية تدل على أنه لم يعد ذلك الشخص الخائف من الله البار بها وبأهله. لم يعد ذلك الحنون الذي يخاف عليها من الهواء المار جوارها. أصبح الآن يحزنها وهو يعلم أنه يحزنها ولكن يتغاضى عن علمه أو يتغاضى عن حزنها لا تدري أي جانب يمحيه من ذاكرته.
ولكن الذي تعرفه الآن أنه لم يعد جاد زوجها، ولن يعود إلا عندما يعترف بكل شيء يحدث معه وبينه وبين تلك المرأة. لم يعد به أي شيء تعرفه سوى أنه مازال معذب فؤادها.
رواية ندوب الهوى الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندا حسن
اليوم التالي
بقيت مريم طوال ليلة أمس تتلهف لعودة زوجها من سفره والفرحة تدق بابها من كل الاتجاهات. منذ أن تأكدت من حملها وهي مثل شقيقتها تطير فرحةً وسعادة لأجل ذلك الخبر. لم يكن على البال ولم تتأخر بالانجاب، بل هي منذ أشهر تزوجت. ولكن هذه فرحة كبيرة شديدة دقت قلبها وشعور مختلف لأول مرة تشعر به جعلها غير متزنة نهائيًا. وكل ما تفكر به هو طفلها الذي بالداخل.
ولم يبخل عليها سمير ويجعلها تنتظر أكثر، حيث أنه أكد عليها أنه سيعود اليوم من سفره ويبقى معاها كالعادة. ولكنها حقًا لا تستطيع الانتظار.
قامت بفعل كل شيء جميل لتقوم باستقباله على أكمل وجه ولتكن هذه المناسبة غير أي شيء قد مر عليهما معًا. حضرت أصناف كثيرة لطعام الغداء يحبها زوجها. قامت بتنظيف الشقة لتعود عليها بالشعور بالهدوء والراحة ولتستقبله بها وهي نظيفة.
ثم ومن بعد أن انتهت قامت بالاستحمام والتعطر وارتداء ملابسها المكونة من بيجامة بيتية لونها رمادي جميل أظهر جمالها أكثر ورقتها الطبيعية وبياض بشرتها. لتظهر ذلك الملاك البريء الذي يحبه زوجها ويهواه إلى أبعد حد بذلك الجمال الطبيعي الذي يسلبه لبه ويجعله في حيرة شديدة من أمره. كيف هي كذلك؟
دقائق أخرى وهي في الانتظار جالسة على الأريكة أمام شاشة التلفاز تستمع لأحد الأفلام العربية القديمة. ولكن خلدها معه هو فقط ومع لحظة معرفته بحملها.
ثم دق الباب على حين غرة فانتفضت بفزع لأنها كانت شاردة تفكر في ردة فعله عندما يعلم بذلك الخبر الرائع. تركت التلفاز سريعًا وذهبت لتنظر من خلف الباب إن كان هو أم لا.
فتحت الباب بهدوء وابتسامة على وجهها رائعة تستقبله بها وبترحاب شديد ظهر من خلال ملامحها قبل شفتيها التي تحدثت بحب:
“حمدالله على السلامة يا سمير”
أبصر هيئتها بحب واشتياق مع أنه أبتعد عنها لساعات قليلة. ولكن يكفي أنه نام بعيد عن أحضانها. تقدم إلى الداخل وبيده أكياس بلاستيكية:
“الله يسلمك يا مريومة”
نظرت إلى الأكياس بيده ثم أردفت سائلة مُبتسمة:
“ايه كل ده”
تقدم ليدلف إلى المطبخ وهي خلفه يهتف بجدية وهو يضع الأكياس على رخامة المطبخ وتبقى واحد في يده:
“ده الغدا وشوية طلبات للبيت.. الحج كان بيجيب فجبت معاه”
تقدمت وفتحت بعض من الأكياس لتخرج إليها رائحة الطعام الشهي التي استنشقتها بشراهة. ثم عادت للخلف قائلة بحيرة:
“بس أنا طبخت”
خرج من المطبخ إلى الخارج وأردف مُجيبًا إياها بهدوء:
“أنا قولتلك متعمليش أكل يا مريم”
ضغطت على شفتيها بأسنانها بحدة وهي تتذكر أنه قال لها لا تطهي أي طعام حقًا.
“نسيت”
جلس على الأريكة في الصالة ومازال بيده واحدٍ من الأكياس الذي دلف بها وقال بجدية:
“خلاص يتحط في التلاجة”
ابتسمت إليه وأقتربت منه سائلة إياه وهي تضيق عينيها على الكيس الذي بيده قائلة باهتمام وفضول:
“ايه الكيس ده”
أخفض بصره إلى الكيس بيده ثم رفعه إليها وهي تقف قبالته. ابتسمت شفتيه تلقائيًا ووقف ليبقى أمامها مقابلًا لها وتحدث بحب وحنان:
“ده بقى علشانك.. فستان مشوفتش حد فيه غيرك”
تابع نظراتها المندهشة وعينيها اللامعة وهو يخرجه من الكيس رافعًا إياه أمام وجهها وقد كان رائع للغاية يدل على أن من اختاره صاحب ذوق رفيع للغاية. لونه بني غامق به نقاط من اللون الأبيض المائل للون بشرتها وكأنه كان يعاكس بشرتها وجمال عينيها. محتشم ككل ملابسها، يظهر بشكل رائع بذلك الحزام الذي يتوسط خصره وتلك القماشه المعاكسة على صدره.
رفعت نظرها عليه وابتسمت بحب شديد تغدقه به ويبادلها إياه. أقتربت منه معانقة إياه بقوة وهي تشكره بسعادة على هذه الهدية الرائعة ومهما كانت فيكفي أنه في منتصف مشاغله تذكرها وأتت على خلده:
“يا حبيبي تسلملي وتعيش وتجيب يارب”
بادلها ذلك العناق الذي يبعده عن العالم أجمع ويتركه في وجودها وحدها دون مجهود تفعله:
“ربنا يخليكي ليا يا مريومة”
ابتسمت باتساع وهي تعود للخلف مقررة الإفصاح الآن عما داخلها وفي هذه اللحظة بالتحديد. نظرت إليه بعمق وحركت شفتيها للتحدث ثم عادت تصمت فنظر إليها يدقق بها هو الآخر إلى أن قالت بسعادة:
“ويخليك لينا”
نا لم يعلق على الأمر فيبدو أنه عفوي وتتحدث عن العائلة جميعها. فلم يعطيها إلا ابتسامة. انتظرت ليتحدث فلم يفعل وهي تبادله النظرات إلى أن استغرب منها حقًا فقالت مرة أخرى تضغط على حروف كلماتها:
“ويخليك لينا يا سمير… لينا”
لم يقل له أحد من قبل أنه غبي هذا مؤكد. نظر إليها مرة أخرى بجدية يتعمق بالنظر إليها ويظهر مدى عدم فهمه لحديثها وهو يقول:
“لينا؟.. لينا مين”
ضحكت بصوتٍ منخفض وهي تشعر بمدى الصعوبة لتجعله يفهم من دون الحديث ليكون هناك جو حماسي بينهم ولكنه غبي ويبدو عليه ذلك. تقدمت منه أكثر وأخذت منه ذلك الفستان وتركته خلفه على الأريكة ثم هتفت بنبرة خافتة مُبتسمة بسعادة:
“أنا… أنا روحت لدكتورة امبارح مع هدير أكشف علشان اللي كان بيحصل الفترة الأخيرة”
انتظر لتكمل فلم تكمل فقال هو مُتسائلًا بقلق ولهفة ناظرًا داخل عينيها بترقب:
“وبعدين”
ألقت هذه الكلمات الصغيرة عليه بسرعة وهي تنظر إليه داخل عينيه بعمق شديد تنتظر رد فعله:
“طلعت حامل”
نظر إليها يحدق بعينيها بقوة بعد أن اتسعت عينيه وهو يعيد كلماتها داخل عقله أكثر من مرة ليستوعب أنه صحيح واستمع إليه جيدًا. أبعد وجهه للناحية الأخرى ثم نظر إليها من جديد يتسائل بذهول:
“حامل؟ أنتِ حامل.. حامل حامل بجد يعني ولا إيه”
خرجت ضحكاتها بصوتٍ عالي وهي تنظر إليه وتستمع إلى حديثه الذي يكرره بذهول وقد كانت متوقعة أن يحدث ذلك بالفعل:
“اومال حامل لعبة… والله حامل”
قدمت يدها وأمسكت يده اليمنى ثم وضعت كفه على بطنها قائلة بابتسامة جميلة وعينيها تلمع بالدموع أو هذا بريق السعادة:
“في هنا نونو… ابنك أو بنتك أيهما أقرب بقى”
حرك كف يده على بطنها بهدوء وتروي وعينيه هو الآخر تلمع بسعادة غامرة ولهفة غير متوقعة ظهرت على ملامحه ووجهه بالكامل وقد كان هذا خبر مفاجئ للغاية بالنسبة إليه:
“ده بجد؟ اوعي تكوني بتهزري”
اتسعت ابتسامتها أكثر وأكثر وأسنانها البيضاء تظهر بوضوح وهي تُجيب عليه بمرح:
“أنا راضية ذمتك.. ده موضوع حد يهزر فيه؟”
أقترب منها إلى أن جعل المسافة تتقلص بينهم ومازالت يده كما هي وابتسم بغرابة قائلًا:
“بصراحة”
لأنظر إليها بعمق ومازال لا يدري ما هي حقيقة مشاعره! لأول مرة يقع عليه هذا الشعور الغريب، سعادة غريبة وحنان يقع عليه من جانب وهناك لهفة لم يتذوقها من قبل اختلطت مع كل هذه المشاعر وهناك أكثر لا يفهم ماهيته.
ابتسمت عينيه قبل شفتيه وشعرت برجفة يده عليها وكأنه لا يستطيع تحديد ما الذي عليه أن يقوله أو يفعله فصاحت هي بصوت عالي نسبيًا:
“سمير!.. أنتَ تُهت”
أجابها بعمق وهو يقترب منها ليأخذها في عناق آخر غير الأول يحمل مشاعر أخرى غير الأولى ولأول مرة يشعران بها معًا:
“أنا فعلًا تُوهت.. تُوهت فيكي، ألف مبروك يا مريم”
شددت على احتضانه بيدها وعينيها تلمع بسعادة مُجيبة إياه بلين ونبرة خافتة حنونة:
“مبروك علينا يا سمير”
حقًا إنه لم يكن يفكر في هذا الأمر كثيرًا، لما سيفكر من الأساس وهو متزوج منذ أشهر قليلة، لم يجعل عقله ينشغل بهذه الأمور أبدًا وتركها هكذا تسير بمشيئة الرحمن ولكنه تفاجئ حقًا، وقد كانت هذه أفضل مفاجأة على الإطلاق وأروع من كونه تزوج “مريم”. لم يكن يتوقع أنه سيفرح ويشعر بالسعادة أكثر من سعادته بزواجه منها ولكنه الآن يشعر بسعادة مضاعفة لحصوله على طفل منها. يا له من قدر وتخطيط إلهي لا ندري ما الذي به هكذا يفاجأنا فقط، أنتَ وما كُتب لك من نصيب إما أن يكون جزء من السعادة أو الكثير من الحزن.
ابتعدت عنه قائلة بود ولين وهي تنظر إليه بجدية ومازالت الملامح تُبشر بالروائع:
“هحضر الغدا بسرعة.. أنتَ أكيد جعان”
أومأ إليها بهدوء فذهبت من أمامه ثم عادت مرة أخرى تقول بجدية بعدما تذكرت:
“صحيح العشاء النهاردة عندكم.. كلنا هنتعشا هنا”
سألها مضيقًا ما بين حاجبيه باستفهام:
“كلنا مين؟”
استرسلت في الحديث وهي تذكر أسماء عائلته بالكامل:
“الحج رشوان وأم جاد وجاد وهدير وأنا وأنتَ.. كلنا يعني هنتعشا عندكم”
أومأ إليها برأسه مرة أخرى وهو يسير إلى الداخل بينما هي ستذهب إلى المطبخ لتحضر الطعام:
“أنا هروح أغير واخد دش على ما تخلصي”
“ماشي”
ذهبت إلى المطبخ وذهب هو الآخر إلى غرفة النوم وكل منهم داخله سعادة لا نهائية وهناك حديث آخر لم ينتهي بعد عن نفس سبب السعادة ولكن صبرًا فليس كل شيء متاح في ساعته.
***
بعد تفكير طويل في أمر كاميليا وجد أن زوجته معها كامل الحق. لقد ظهرت مرة واحدة في حياته من بعد أن ساعدها وأخذها إلى منزله. لم يكن يريد مقابلتها من الأساس ولم يكن يريد رؤيتها مرة أخرى ولكن هي فعلت أشياء أظهرت وجودها في حياتهم إلى زوجته وفعلت أشياء غريبة وقالت حديث لا يُقال لرجل متزوج وهي امرأة متزوجة. من الممكن أن يكون هذا أمر طبيعي في البيئة الخاصة بها ولكنه ليس عنده. هو يمانع هذه الطريقة وبشدة ويمانع تواجدها من الأساس في حياته فلا يود أن يأتي بتخريبها لأجل إمرأة لا يعرفها بل أشفق عليها.
كان من المفترض لو ما فعلته طبيعي أن تأتي إلى والده تزوره وترد له المعروف إن أرادت فقط لكن ليس بكثرة الزيارات والحديث الغريب والنظرات الأغرب والأكثر من هذا كله مكالمات الهاتف الذي لا يوجد لها أي داعي من الأساس تتحدث بأي شيء وكل شيء وهو يُجيبها مرة من كل عشرة حتى لا يقلل من ذوقه معها ويجعلها تشعر بالحرج ثم يتهرب منها ويغلق الخط.
هذا كثير للغاية ويثير حنقه ويشعره بالضجر الشديد لذا كان عليه أن ينهي الأمر ويواجهها بما تخفيه. سيسألها بوضوح وجدية شديدة ما الذي تريده وإن كانت تريد شيء يستطيع أن يفعله سيفعله وإن كانت لا تريد من الأساس فسيطلب منها بهدوء الرحيل من حياته حتى لا تقوم بتخريبها عليه وعلى زوجته وحبيبته الغالية التي تغيرت مئة وثمانون درجة منذ لحظات الأمس إلى اليوم ولا يدري ما الذي حدث لها بمجرد تركه السفرة والذهاب ليفتح الباب!
على أي حال فقط ينتهي من أمر كاميليا ثم يعود لزوجته وحياته الطبيعية معها ينعم بوجودها كما السابق ويأخذ قدر كافي من الشعور بالراحة والحب.
لحظات مرت عليه في هذا المكان العام وهو ينتظر حضورها إليه ليضع النقاط فوق الحروف ناهيًا كل شيء لم يبدأ بعد لتكون حياته بأمان.
دلفت إلى المكان تسير في الممر بجسدها الممشوق والذي كان يبرزه فستانها الأبيض الذي يلتصق عليها. كان الفستان بفتحة صدر على شكل حرف سبعة كبيرة للغاية ضيقة تبرز مفاتنها، يصل طوله إلى ركبتيها بالتحديد وأقل من هذا ربما وهناك حزام ذهبي اللون يتوسط خصرها مع حقيبة ذهبية اللون صغيرة تحملها على يدها وهي تسير إليه بعنجهية واضحة وغرور لا يصف رافعة رأسها للأعلى وعينيها كذلك وهي تسير.
دلفت إليه مُبتسمة بعد أن أبصرته من بعيد وجلست أمامه بعد أن سلمت عليه بترحاب شديد وعصافير عقلها يغردون بسعادة لا نهائية متوقعة عكس ما أتى إليه جاد.
نظر إليها بجدية شديدة مقررًا التصرف بشدة اليوم حتى يجعلها تبتعد دون حرج منه:
“تشربي ايه؟”
ابتسمت برقة وهي تضع حقيبتها جوارها ورفعت نظرها إليه تهتف بنفس الابتسامة الكريهة:
“قهوة مظبوط”
صاح جاد للنادل الذي كان من الأصل يقترب منهم فأشار عليها قائلًا بجدية وهو يتحدث إليه:
“واحد قهوة مظبوط للمدام وواحد شاي”
أومأ إليه النادل متمتمًا بابتسامة بشوشة هو الآخر بالتأكيد ثم رحل عنهم فأعاد جاد نظره إليها ليجدها تنظر إليه وعينيها مثبتة على عينيه الرمادية بعمق. استغرب جاد منها كثيرًا ثم حمحم بخشونة وهو يضع يده أعلى الطاولة قائلًا:
“أكيد مستغربة أنا طلبت أقابلك ليه”
وضعت هي الأخرى يدها على الطاولة مقابلة له وهي تقترب إلى الأمام مُبتسمة بطريقة جعلته يود الرحيل الآن بسببها وبسبب هذه الذنوب المحاطة به، أردفت برقة ودلال:
“تؤ مش مستغربة”
رفع جاد حاجبه الأيمن مستغربًا شاعرًا بالاستنكار الكلي منها. سألها قائلًا بنبرة رجولية خشنة:
“ومش مستغربة ليه”
عادت إلى الخلف تستند إلى ظهر المقعد قائلة بهيام ونظرة نعسة غريبة:
“في حاجه في دماغي كده متوقعه إنك تتكلم فيها”
قضب جبينه أكثر وهو يدقق النظر بها هذه المرة فحديثها كله يجعله مدهوش أو يريد الاستفهام أكثر لأنها تتحدث بثقة:
“ايه الحاجة دي”
لوت شفتيها ضاحكة وهي ترمش بعينيها بغرور قائلة:
“لاه قول أنتَ عايز ايه مش جايز اللي في دماغي يطلع غلط”
كاد أن يتحدث ولكن أتى النادل يقف في المنتصف بينهم يضع فنجان القهوة أمامها وكوب الشاي أمامه ثم رحل بعد أن تركهم. تابع النادل وهو يضعهم ويرحل ثم عاد بنظره قائلًا بجدية شديدة ونبرة خشنة واضحة:
“أنتِ عايزة ايه؟”
ضيقت حاجبيها مُقتربة للأمام وهي تمط شفتيها للأمام قائلة بحيرة:
“عايزة ايه إزاي يعني”
أقترب إلى الأمام مُقربًا يديه من بعضها على الطاولة بطريقة تظهره قويًا جادًا إلى أبعد حد:
“يعني عايزة ايه يا مدام كاميليا، كون إن أنا اسعادك بطريقة إنسانية مايدكيش الحق تدخلي في حياتي مرة واحدة بالطريقة دي”
رفعت فنجان القهوة إلى شفتيها ببرود تام وهي تستمع إلى حديثه الواضح والصريح للغاية والذي استرسل مُكملًا:
“أنا عارف الطريقة اللي صفوة المجتمع زيك كده ماشين بيها يمكن تكوني أحسن منهم مش هشكك لأني معرفكيش لكن مرة واحدة تكلميني كتير وتيجي الورشة أكتر بحجج فارغة وتيجي لأبويا المستشفى البيت.. بأمانة كتير دا طبعًا غير كلامك اللي قولتيه قدام مراتي”
“بتحبها؟..” خرج السؤال منها بطريقة سريعة فور انتهائه من حديث، لم يكن انتهى من الأساس بل كان سيكمل ولكنها عندما أتى على ذكر زوجته لم ترى نفسها إلا وهي تتسائل بهذه الطريقة الذي يظهر بها الحقد والغل.
بطريقة رائعة غير ملامح وجهه بعد أن وصل إليه شيء غريب يخاف أن يكون حقيقة. حول ملامحه لأخرى فرحة سعيدة بشوشة ونبرة صوته اختلفت لتكون حنونه مُحبه:
“أكيد بحبها.. إلا بحبها دي مراتي وأم ولادي في المستقبل ومن غير أي حاجه تبقى بنتي وأول حب في حياتي ويهمني راحتها وزعلها وبكلامك خليتيها تغير وتزعل وأنا مش هسمح بكده”
هل شعرت بالغيرة والحقد؟ هل شعرت بالنيران داخلها تنهش بصدرها لأجل استماع أذنيها هذا الحديث الحنون عن زوجته! لما لم يفعل معها عادل هكذا! لقد فعل ولكنها من تخلت، أحضرت قناع بارد وارتدته على وجهها ثم بكل تبجح وغرور قالت:
“بما إنك سألتني عايزة ايه أنا هقولك بس ياريت تكون حد متحضر ومتقوليش أهلي ومراتي والكلام الفارغ ده.. لأن أنا فعلًا عايزة حاجه وأنتَ إحساسك صح”
مقدمة غريبة عن الأهل وزوجته ربما يخلفها أشياء لن تعجبه. نظر إليها منتظر منها أن تكمل الذي بدأته وتقول ما الذي تريد. رفعت الفنجان ترتشف منه القهوة ببرود وهي مصممة على أن تقول ما في داخلها دون خجل أو خوف:
“بصراحة كده أنتَ داخل مزاجي، عاجبني يعني.. وشايفاك لايق عليا أكتر من مراتك بكتير”
اتسعت عينيه الرمادية وهو ينظر إلى تبجحها وعدم خوفها أو خجلها من كونها تنطق بكلمات كهذه لرجل غريب عنها. اعتدل في جلسته قائلًا بذهول:
“أنتِ مجنونة؟.”
بكامل البرود وعدم الخجل، بكامل البشاعة التي على وجه الأرض تحدثت قائلة بعدم اكتراث لتفكيره:
“تؤ مش مجنونة ولا حاجه.. ايه يعني لما واحدة تطلب من واحد يتجوزها مفيش فرق بين الراجل والست وأنا بطلب منك تتجوزني ولو على مراتك ياسيدي مدام أنتَ عايزاها خليها على ذمتك ومتقلقش مش هكلفك حاجه أنا عندي بيت”
سيطرت الذهول على ملامح جاد وكامل استغرابه قد مُحيا وأتى محله ذهول ودهشة. استنكار ورفض تام لما تقوله شاعرًا بغرابة شديدة كيف لها أن تقول ذلك وهو رجل متزوج وقد اعترف بعشق زوجته منذ دقائق، كيف تقول هذا وهي إمرأة من المفترض أن يكون لديها حياء وخجل.
لحظةٍ واحدة! أليست متزوجة؟ نعم إنها متزوجة من رجل اسمه عادل يعرفه، هذه الأخبار لا تخفى على أحد، ربما هذه المرأة تعاني من شيء في عقلها وتريد العلاج، يالا السخرية لو علمت زوجته فقد حذرته وقالت أنها تشعر بشيء خاطئ وهو من استخف بها.
استمع إلى صوتها الذي مازال يخرج بدلال قائلة:
“سكت ليه؟ بتفكر في العرض”
سألها دون مقدمات بقوة:
“مش أنتِ متجوزة؟.”
ابتسمت ببرود وكأنها متأكدة من أن زوجها سيطلقها ولا تعلم ما الذي يدبره لها لكي تقع في فخه وصاحت تهتف:
“حاليًا آه لكن متقلقش إحنا متفقين على الطلاق.. ولو عايز أطلق النهاردة يبقى حالًا”
كم أنها وقحة! يا له من مغفل زوجها هذا! كيف يتركها هكذا أهي لهذه الدرجة تظهر أمامه ملاك بريء لكي يعطيها كامل الثقة بهذه الطريقة ويتركها تخرب في حياة البشر.
أبعد جاد كوب الشاي من أمامه لكي يتحدث براحة أكثر ويجعلها ترى ملامحه وكل تعابير وجهه مع جسده فهذه لا يجوز معها إلا الحدة، أردف بصوته الحاد وعينيه جادة للغاية تنظر إليها:
“أنتِ قولتي اللي عندك فاضل أنا أقول اللي عندي، أنا مش عايز أشوف وشك تاني ليه لأن أنا تقريبًا عندي حياء أكتر منك آه والله بأمانة.. وبخاف ربنا ولما هاجي أخون مراتي مش هبص لواحدة متجوزه وده مش هيحصل أبدًا.. أنا متجوز وبحب مراتي أكتر من نفسي وحطي تحت بحبها مليون خط ومش مستعد أخسرها علشان خاطر واحدة زيك”
توحشت نظرتها ناحيته بعد هذا الحديث المُهين لها، وكأنها لم تُهين نفسها منذ دقائق بسبب حديثها الذي اردفته دون خجل، أبصرته بطريقة حادة متوحشة بعد أن هانها بشدة وصاحت بصوتٍ عالٍ نسبيًا:
“أنتَ إزاي تتجرأ وتتكلم معايا بالأسلوب ده”
ابتسم بسخرية وتهكم رافعًا حاجبيه بقوة يهتف باستفزاز:
“زي ما أنتِ اتجراتي واتكلمتي معايا بالأسلوب الرخيص ده”
وضعت يدها تضرب على الطاولة بقوة حتى أن ما عليها قد اهتز معها وصاحت بغضب وغل ظهر داخلها بعد اعترافه بأنه لن يترك زوجته لأجلها:
“أنا أتكلم زي ما أنا عايزة.. أنا كاميليا عبد السلام أعمل منك……”
كانت ستكمل الإهانة له وتسبه كما فهم ولكنه قاطعها بقوة وحدة افزعتها وجعلتها تبتلع باقي حديثها داخل جوفها ليتحدث هو وهو يقف على قدميه أمامها قائلًا بغضب وحدة شديدة:
“جاد الله أبو الدهب مافيش زيه ولا هيتعمل زيه.. ابلعي ريقك وشوفي أنتِ بتقولي ايه الأول علشان متحطيش نفسك في الغلط.. الرجالة مش بتتعمل على ايد واحدة زيك.. واحدة شمال ولامؤاخذه”
أكمل ببرود وهو يبصرها بطريقة فظة وكأنه يتقزز منها:
“أظن كلامي وصل.. مش عايز أشوف وشك تاني”
أخرج من جيب بنطاله عملة ورقية ثم ألقاها على الطاولة تحت نظراتها الغاضبة ورحل من أمامها بعد أن ألقى هو عليها نظرة ساخرة غاضبة بعد أن أخرج جاد العنيف الذي بداخله عليها وهي كانت أول واحدة يتحدث معها بهذه الطريقة المُهينة الغريبة عليه. لم يتعود لسانه ولا نظراته وحركات جسده على هذا لأنه لم يقابل مرأة بهذا التبجح والغرور لذا كان عليه حقًا أن يخرج هذه الشخصية العنيفة القابعة بداخله عليها لتقف عند حدها مُبتعدة عنه فهي كانت على وشك تخريب حياته لولا أنه حاول أن يبقى الأمر جيدًا بينه وبين زوجته إلى حين.
لقد كانت هدير على حق وكان شعورها بمحله في هذه المرأة. قالت أنها لن تأتي عليهم بالخير وقد حدث وقالت أنها تريد منه هو بالتحديد شيء وسيكون خاطئ وقد كان، كل ما قالته كان صحيح وخوفها كان له داعي وشعورها بالغيرة كانت محقة به لأنها رأته بيعينها وشعرت، هل كانت خائفة من أن يقع بفخها ويتركها؟ إنها غبية من المؤكد هو لن يفعل ذلك ولو كان السيف على رقبه وهذا ما يُنجيه فهي الأولى والأخيرة وكل شيء بحياته لن يتخلي عنها مهما حدث، لو علمت ما الذي حدث من كاميليا لن يمر الأمر بسلام حقًا وستكون الجاني والمجني عليه وسيقع على رؤوسهم متاعب لا يريدها بل هو عليه أن يصلح… لذا لن يقول أي شيء.
أبصرته بنظرات غاضبة تشتعل نيران وحقد غير عادي بالمرة وهي تراه يرحل بعد أن وقع عليها كل هذه الإهانة برفضه لها والحديث عنها بهذه الطريقة وتفضيل زوجته عليها. أهانها بطريقة بشعة لن تتحملها وستردها إليه بفعل وليس قول واحد تلو الآخر لتجعله يعلم من هي كاميليا عبد السلام وما الذي تستطيع فعله به وكيف ستخلق رجال منه وأفضل بكثير وكيف هو سيعود راكعًا لتسامحه مطالبًا التوقف عما تفعله به وبحياته الجميلة هذه الذي يتباهى بها ويرى أنها الأفضل من كونه معها. عليه أن يرى من هي عن حق وستمحي ذلك الوجه الذي رآه من قبل ليكون التغير قابل للتفاوض.
***
في المساء
بعدما حدث بين جاد وزوجته أمام الجميع وفي حضور والد مرضه، شعروا بالحزن الشديد جميعهم دون استثناء، لأن جاد ابنهم من أهم صفاته غير كل ما عرف به أنه حكيم عادل وهادئ لم يعتقدوا أنه سيعالج أي أمر بينه وبين زوجته بهذه الطريقة وقد شعروا بالغرابة أيضًا من موقف زوجته أمامهم، ربما تكن معها حق أو كامل الحق لشكها مما حدث فهم نفسهم قد شعروا بالذهول من هذه المرأة وحديثها مع جاد ولكن لم يتوقعوا أن تقف قبالته هكذا ترد عليه الحرف بالحرف والكلمة بالكلمة وربما أكثر قليلًا.
بعد أن تحسن رشوان وقد حدث هذا في يوم وليلة لأنه لم يكن مريض بشيء خطير فكر شقيقه عطوة وزوجته سعيدة باستدعاء العائلة بأكملها في منزلهم لتناول العشاء والجلوس في جو أسري هادئ قليلًا ليحسنوا من مزاج الجميع المتوتر.
صعدت إلى الأعلى والدة جاد وزوجها منذ وقت طويل لتساعد والدة سمير في تحضير العشاء وقد جلس زوجها مع شقيقه في شرفة الشقة يتمتعون ببعض نسائم الهواء لحظة غروب الشمس.
ومنذ وقت قليل أتى سمير ومعه زوجته والسعادة تنبعث من النظر في وجوههم، لحظات من بعدهم وصعدت هدير وحدها دون جاد الذي قال لها سيأتي خلفها لأنه بيده عمل سيأخذ دقائق قليلة.
دلف رشوان وعطوة للجلوس مع سمير في صالة المنزل يتحدثون بأمور عدة بينما النساء ذهبت إلى المطبخ وإلى غرفة السفرة الصغيرة لتحضيرها ووضع الطعام عليها.
وقفت هدير جوار والدة زوجها في المطبخ تضع الأطباق على الرخامة بهدوء وهي تنظر أمامها دون حديث على غير العادة وقد شعرت بها منذ أن أتت أنها ليست على طبيعتها. نظرت إليها ثم أردفت بخفوت وهي تدقق بها:
“مالك يا هدير”
رفعت الأخرى رأسها عن الأطباق ونظرت إلى والدة زوجها تستدير إليها بوجهها. ابتسمت عنوة عنها بتصنع مُجيبة إياها قائلة:
“ماليش يا ماما فهيمة”
تركت فهيمة صينية البطاطس التي كانت تأخذ منها لتضع في الأطباق واستدارت بجسدها تقابلها تنظر إليها بجدية تامة:
“مالكيش إزاي يابت أنتِ مش شايفة نفسك، الواد جاد زعلك تاني”
ابتسمت بمرارة وشفتيها ترتعش أثناء تأديها هذا العمل الصعب والاستمرار في التمثيل، وفقط عندما ذكرت اسمه تذكرت ما يفعله من ورائها:
“لأ يا ماما فهيمة إحنا كويسين.. أنا بس حاسه النهاردة كده إني مرهقة ومش نايمة كويس”
لم تشعر بصدقها في الحديث ولم ترى أي شيء في تعابيرها يدل على الخير بل هي تخفي شيء ومن المؤكد أنه بينها وبين ابنها جاد:
“خدي بالك من نفسك يا حبيبتي ومن صحتك”
أومأت إليها برأسها وابتسمت هذه المرة عن حق وهي تتأمل هذه المرأة الرائعة. منذ أن تزوجت ابنها ولم تكن يوم حماة لها بل كانت بمثابة أم ثانية.
عادت كل منهما تفعل ما كان بيدها استمعوا إلى جرس الباب علمت فورًا أنه زوجها واستمعت إلى صوت سمير وهو يشاكسه بمرح كعادته. دلف إلى المرحاض لكي يغتسل ويعود ليجلس معهم. تحدثت والدته قائلة بهدوء:
“روحي أنتِ يا هدير شوفي جاد لو محتاج حاجه”
قالت دون أن ترفع رأسها بجدية شديدة:
“هيحتاج ايه ده بيغسل أيده”
استمعت إليها سعيدة والدة سمير فقالت بجدية وهي تقترب منها تاركة تلك الأكواب من يدها:
“مهما كان بيعمل يا حبيبتي، روحي شوفيه لو محتاج حاجه ولا كده”
تركت ما بيدها على الرخامة ونظرت عليهم بجدية بعد أن أومأت برأسها عدة مرات وهي تذهب إليه لتراه إن كان يريد شيء كما قالوا. ذهبت وهي في طريقها إلى المرحاض وجدته يفتح الباب ويخرج منه ينظر حوله وكأنه يبحث عن شيء.
أقتربت لتقف أمامه فقال دون النظر إليها:
“هو مافيش فوطة ولا ايه”
ابتعدت إلى أحد الجوانب تأتي بالمنشفة المعلقة على الحائط وعادت إليه مرة أخرى تمد يدها بها فنظر إليها بابتسامة هادئة وهو يدقق النظر بها بينما يأخذ المنشفة من يدها يجفف بها يده.
هتف بصوتٍ رخيم وهو يبتعد معها إلى أحد الجوانب البعيدة عن حركات العائلة:
“مالك؟ حاسس إنك زعلانة مني مع إنك امبارح كنتي كويسه واتغيرتي فجأة”
نظرت إلى عينيه الرمادية التي تتحرك وتنظر إلى وجهها. أبصرت شفتيه وهي تتحرك لتخرج الحديث من بينهما ولم تشعر بأي اهتمام به. أجابت وهي تجذب ذراعها من يده قائلة بابتسامة مصطنعة:
“مافيش حاجه بالعكس أنا زي ما أنا أه”
أكملت تتسائل وهي تبصره بدقة واهتمام كبير لترى ردوده المباشرة من حركاته ماذا ستقول:
“أنتَ كنت فين النهاردة”
وضع المنشفة مكانها خلف ظهرها وهو يستمع إلى سؤالها وأجاب عليها بمراوغة ظهرت لها لأنها تعلم أين كان:
“هكون فين يعني في الورشة”
تعلم أنه ليس صادق بل يراوغ ويكذب ولا تدري إلى متى سيظل هذا الوضع وإلى متى هي ستصمت عما رأته وعما تعلمه وإلى متى ستخفي أمر حملها منه. كل هذا يجعلها تموت ألف مرة ولا تستطيع الحديث وكأنها خرساء عن ما تريد. مرة أخرى هتفت تضيق عليه طريق الهرب بالإجابة:
“وقت الغدا يا جاد مكنتش تحت وكلمتك كتير مردتش عليا”
“آه صح أنا كنت في شغل بره الورشة”
نظرت إليه وهو يهتف بهذه الكلمات بطريقة مفاجأة وكأنه كان متناسيًا وتذكر الآن. يا له من ماكر، ابتسم لها وهو يبتعد عندما وجد سمير ينادي عليه وتركها تقف هنا تفكر في طريقته وحديثه. نظرته وظهور اهتمامه بها وبتغيرها المفاجئ اعتقادًا أنها ستسرد له ما بها.
حركت رأسها يمين ويسار وكأنها تنفض الأفكار عن عقلها وذهبت لتكمل في مساعدة الباقين لوضع العشاء.
وقد كان، وضعوا العشاء على السفرة بأشكال وأنواع كثيرة تليق باستدعاء العائلة بالكامل وكل فرد منهم له طبق خاص يحبه كـ جاد مثلًا الذي حضرت له زوجة عمه الحمام المحشي. جلس الجميع على الطاولة وبدأوا في تناول الطعام وتذوقه بعد الاستنشاق إلى هذه الروائح الشهية التي جلبتهم من الصالة قبل أن يتم وضع الطعام بالكامل.
أردفت والدة جاد بحماس وابتسامة عريضة بعدما ابتلعت الطعام من فمها:
“العزومة الجاية هتبقى تحت عندنا بقى.. ولون دي كانت المفروض تبدأ من عندنا بس الحج عطوة والحجة سعيدة فكروا قبلنا”
هتفت والدة سمير بجدية وهي تشير إليها بيدها تسرد ما حدث بينها وبين زوجها من حديث:
“والله يا أم جاد الفكرة فكرة الحج عطوة.. لقيته بيقولي كده ما تيجي يا أم سمير نعزم العيال وأخويا الحج ونقعد مع بعض شوية.. وأنا الصراحة ماصدقت قولت يلا”
أكملت فهيمة من خلفها باهتمام وجدية وهي تضع بعض الأرز في طبق زوجها:
“يجعله دايمًا عامر يارب والعزومه الجاية بقى عندنا تحت.. بس تجولي من الصبح آه أنا مش جدعه علشان اطبخ لوحدي زيك”
يبتلع سمير الطعام من فمه وأردف مُجيبًا على والدة عمه قائلًا وهو يبتسم:
“والمرة اللي بعديها عندي بقى يا مرات عمي”
كادت أن تُجيب ولكن والدته أسرعت تهتف قائلة:
“لأ المرة دي بدأت من عند الصغير بعد عمك رشوان بقى يبقى جاد هو الكبير”
كل هذا تحت أنظار جاد وزوجته يأكلون بصمت تام ويستمعون إلى الحديث الدائر بابتسامة دون تدخل وقد كان جاد في هذه اللحظات يتذكر حديث كاميليا وتبجحها به ومعه والأمر لا يبعد عن تفكيره ولو لحظة واحدة وكثير من الأفكار تلعب برأسه بطريقة بشعة وكأنها انتقلت من زوجته إليه.
ترك سمير الملعقة من يده وأخذ واحد من أصابع ورق العنب الشهية الذي يفضله عن أي طعام وقال وهو يقف على قدميه بسعادة وبنفس الوقت هناك غرور مصطنع:
“طب أنا بقى عندي خبر يخليكم تتعزموا عندي قبل عمي رشوان ذات نفسه”
ابتسم عمه وهنا استدعى انتباه جاد ونظر إليه بسعادة وقد علم أنه سيقول لهم بحمل زوجته وانتظارهم لمولود جديد. رفعت هدير وجهها عن الطبق ونظرت إلى زوجها الذي وجدته مهتم بالأمر وينظر إليه وعينيه بها لمعة سعادة تزينها بحب.
سأله والده بفضول وهو ويضحك لأنه يعلم ابنه جيدًا يبع الحديث بالمال:
“وايه هو الخبر ده بقى”
أبتعد عن المقعد وذهب يخرج من الغرفة بعد أن تناول طعامه قائلًا:
“خليه لما تخلصوا أكل علشان تحضنوا فيا كويس”
خرج من الغرفة ذاهبًا إلى المرحاض وتركهم في حيرة فنظروا إلى مريم بتسأل داخل عينيهم ولكنها أخفضت عينيها إلى طبق طعامها حتى لا يخجلها أحد منهم بسؤاله وتضطر أن تُجيب عليه قبل زوجها.
أبصر جاد زوجته وجدها لا تأكل جيدًا منذ أن جلسوا على السفرة. أخذ طبق من أمامهم به محاشي مختلفة الأنواع ووضعه أمامها قائلًا بصوتٍ حاني خافت:
“مبتاكليش ليه”
تركت الملعقة من يدها هي الأخرى ووقفت على قدميها قائلة بجدية:
“شبعت الحمدلله”
استرسلت بصوتٍ عالٍ نسبيًا ليستمع إليه عم زوجها قائلة بابتسامة عذبة رائعة:
“سفرة دايمة يا عمي”
أجابها بوجه بشوش وهو يبتسم إليها:
“يدوم عزك يا بنتي”
جلسوا جميعهم في صالة المنزل مع بعضهم البعض بين شاي مرة وأخرى عصير وفاكهة تدلف وتخرج والجو ملئ بالحماس والدفء الأسري رغم أن هناك من يشعر بالحزن الشديد يقطع خلاياه.
تسائلت سعيدة بفضول شديد ناظرة إلى ابنها وهي تجلس مقابلة له:
“ها يا سمير ايه الخبر اللي هتقوله”
وزع سمير نظره عليهم جميعًا وانتهى بزوجته مريم ثم هتف بسعادة وحماس كبير ظهر عليه ولمعة عينيه بحب خالص ونظرة غريبة:
“فيه ضيف جاي علينا كمان تمن شهور كده”
نظرت والدته إلى فهيمة للحظة لتستوعب ما الذي هتف به. هل هو حقيقي حقًا، حقيقي بهذه السرعة! ظلت هي هكذا ولكن سرعان ما وقفت زوجة عمه على قدميها تتقدم منه ومن زوجته تهتف بالمباركة وهي تعانقه بسعادة غامرة وكأنه جاد:
“يا ألف نهار أبيض يا ألف نهار مبروك… دا ايه الخبر ده يا سمير ألف مبروك يا حبيبي”
تركته وتقدمت من مريم التي وقفت على قدميها لتعانقها هي الأخرى مباركة لها تحت أنظار الجميع وقد أقترب سمير من والده يقبل يده وأعلى رأسه والآخر عانقه يتمتم له بسعادة كبيرة وفرحة قد ألقاها شخص ما على بيتهم ورحل.
ترك والده وأقترب من عمه يقبل يده وأعلى رأسه كما فعل مع والده بسعادة وحب واحترام قبل أي شيء واستمع إلى المباركة من زوجة ابن عمه أيضًا بابتسامة هادئة وحب ظاهر على ملامحها.
أقترب من والدته التي مازالت تجلس كما هي وتنظر إلى الجميع الذي يبارك له ولزوجته. وقف أمامها يهتف ضاحكًا:
“أنتِ جاتلك صدمة زيي لما عرفت ولا ايه.. لا أصحي مش كده”
ابتسمت والدته وادمعت عينيها بحنان فاقترب منها يقبلها ويحتضنها وبادلته بكامل الحنان الموجود داخلها وهي تهنئة. نظر إلى زوجته لتقوم بالتقدم منه وقد فعلت معها المثل تعانقها. دعت لهم كثيرًا هي ووالدة جاد التي تمنت لحظة كهذه خاصة بابنها. لحظة أن يعلم يحمل زوجته ووجود نسل له يأتي وينير العالم بوجوده. هذا آخر حلم بحياتها، أن يُنجب جاد.
أقترب سمير وابن عمه من بعضهم وقام باحتضانه ومعانقته بشدة وهو يراه يبتسم إليه بسعادة ليهتف جاد قائلًا:
“ألف مبروك يا ابن أبو الدهب”
أبتعد عنه إلى الخلف فقال سمير ببشاشة وود:
“عقبالك إن شاء الله يا كبير”
ابتسم جاد أكثر وهو يتمنى هذا من كل قلبه، لا يدري كيف هو هكذا ولكن من كل قلبه يريد طفل منها ومنذ زمن وهذه الفكرة مسيطرة عليه بالكامل.
أبصرها ليجدها هي الأخرى تنظر إليه بطريقة غريبة وعينيها بها لمعة غريبة كـ لمعة البكاء! تعاتبه! هذه النظرة نظرة عتاب كلي يعرفها جيدًا وحزن مخفي داخلها لسبب لا يعلمه ولا تريده أن يعلمه.
أخفضت بصرها إلى الهاتف ونظرت إلى الساعة لتجدها الحادية عشر مساء فوقفت على قدميها قائلة إليه وهو يقف جوارها:
“أنا هنزل قبل ما نروح أشوف ماما وجمال”
أومأ إليها بهدوء قائلًا:
“شوية وهنزل اعدي عليكي نمشي”
نظرت إلى عمه وزوجته بابتسامة واهتمام يظهر لهم وهي تعبر عن فرحتها بهذه الجمعة التي لم تكن جزء منها:
“ربنا يجعله دايمًا عامر يا عمي”
ابتسم إليها وأجابت زوجته سريعًا قبل منه قائلة:
“تسلمي وتعيشي يا حبيبتي”
“عن اذنكم هنزل أشوف ماما شوية”
أومأت إليها برأسها وانشغل سمير مع والده وعمه فقالت فهيمة:
“سلميلنا على أم جمال يا هدير”
تحركت إلى الخارج لتهبط إلى الأسفل فاستدارت بجدية:
“يوصل بإذن الله”
ثم رحلت إلى الخارج لتهبط إلى والدتها وشقيقها قليلًا تنظر على أحوالهم وترى شقيقها الذي انشغلت عنه بحياتها مع جاد التعيسة، المدمرة للأعصاب، الحارقة للقلوب، حياتها مع معذب الفؤاد.
***
بعد الذي فعله جاد مع كاميليا شعرت بالإهانة المُرة، ولكنها ليست تلك المرأة التي تصمت عما حدث وتعترف بخطأها بل ستكابر وتعانده أكثر وأكثر وستفعل كما قالت له وفي نظرها سيأتي إليها جاد راكعًا على قدميه لتسامحه عما بدر منه، ستجعله يدرس كم كان هو المخطئ وهي التي تحدثت عن الصحيح والذي من المفترض أن يحدث.
هي ليست تلك السهلة التي تفوت له مثل هذا الموقف وتتركه ينعم بعدما جرح كبريائها، لن تتركه وهذا قد حدث عندما بحثت خلفه وخلف كل من يخصه في ساعات.
بمصادرها الخاصة والتي تمتاز بها في مهنتها من الأساس كمذيعة شهيرة، علمت كل ما حدث في الحارة منذ أول يوم وقف به مسعد أمام الجميع يواجه جاد وعلمت السبب الرئيسي في ذلك وهو زوجته!
يريدها ذلك الذي اسمه مسعد ولا يريد غيرها، فعل الكثير لأجل ذلك ولكن لم يحالفه الحظ ووقف قبالته جاد بكامل قوته، كان غبي لم يستطع كيف يحدد نقطة الضعف لدى فريسته، حاول الاعتداء عليها ومن أنقذها هو زوجها أيضًا وكل ما حدث بينهم في الحارة من خلافات إلى اليوم بسبب زوجته الجميلة الرائعة التي لا يرى مثلها. حتى أنه فضلها عليها ذلك الأبلة المعتوه.
والآن الوحيد الذي تستطيع أن تستخدمه لصالحها في العد التنازلي هو مسعد وهي واثقة ثقة عمياء أنه سيفعل ذلك ويقف معاها أمام جاد وبمساعدته هو وحده تستطيع أن تأتي به إلى الأرضية وتضع رأسه تحت قدمها عندما تفعل ما وقع برأسها فور رحيله.
لن ينجوا من تخطيطها، لن ينجوا منها إلى الأبد وستكون الغصة العالقة بحلقه هو وزوجته إلى الأبد وبجوارها مسعد ينتقم لأجل سرقة إمرأة أرادها من قبله.
***
هبطت إلى الأسفل لتسلم على والدتها وشقيقها، ولتجلس معه قليلًا وقد كانت مقررة الحديث معه عن حياته وما يفعله بنفسه من أشياء تدمر وتسلب دون دراية إلى التهلكة ولكن منذ فترة قصيرة علمت من والدتها أنه أصبح شخص يعتمد عليه، وابتعد عن النوم خارج المنزل والسهر إلى صباح اليوم التالي وظهر عليه كثير من التغيرات الصالحة.
“عامل ايه يا جمال”
كانت جالسة جواره على الفراش في غرفته تنظر إليه وهي تراه قد فقد القليل من وزنه عما كان في السابق ولحيته كبيرة على غير العادة وحالته لا تسرها.
أجابها وعينيه بالأرضية لم يستطع أن يرفعها بها بعدما فعل آخر شيء معها دون أن تعلم:
“الحمد لله كويس”
ابتسمت إليه بهدوء بعدما عملت من والدتها تغيره المفاجئ، وقالت بفرحة:
“أمي بتقول إنك سبت الشغل مع مسعد وبتشتغل في مطعم ألف مبروك”
لم يرفع عينيه وبقيٰ كما هو ثم أجاب قائلًا بخجل:
“الله يبارك فيكي”
أقتربت منه أكثر ووضعت يدها على ركبته قائلة باهتمام شديد تنصحه بالابتعاد عن ذلك الشيطان الموجود بينهم على الأرض:
“خليك كده على طول يا جمال واوعى ترجع لمسعد تاني ده كل شغله حرام في حرام وربنا عمره ما هيكرمك طول ما أنتَ معاه”
أومأ برأسه وهو يجعلها تطمئن بحديثه الفاتر:
“متقلقيش أنا بعدت عنه نهائي”
ظهرت أسنانها البيضاء بسبب ابتسامتها الواسعة والتي خرجت لشقيقها حقيقية هذه المرة وقالت بمرح لتجعله يخرج من ذلك الهدوء الكئيب:
“أيوه كده أشتغل وخلينا ندورلك على عروسة بقلب جامد”
تهكم وهو يلوي شفتيه بسخرية قائلًا بنبرة حادة:
“ودي مين اللي هتوافق بيا من الحارة.. دول عارفين اللي بيحصل هنا بالحرف”
ربتت على ركبته بكف يدها وهي تُجيبه بالنفي لتجعله يتقبل نفسه ويعرف أنه إذا أراد التغير حقًا سيكون من أفضل البشر:
“لأ يا جمال مش عارفين.. محدش يعرف حاجه ولو يعرفوا، أنتَ أي بنت تتمناك بعد التغير اللي هتبقى فيه”
غير الحوار كليًا وهو يتسائل عن صديقتها التي كان يكن إليها الإعجاب وكان يشعر أنها تبادله لولا أنه لم يفهم ذلك إلا متأخرًا:
“رحمة ازيها.. بتكلميها؟.”
نظرت إليه بجدية وأرادت أن تجعله يبتعد بتفكيره عنها نهائيًا فهي الآن مخطوبة وستتزوج من صديق زوجها:
“أيوه بكلمها وهي كويسه ومرتاحه مع عبده أوي وفرحهم السنة الجاية”
بنبرة حزينة خاسرة معركة صغيرة كان يستطيع الفوز بها فقط لو أبصر جيدًا:
“ربنا يسعدها”
ابتسمت إليه قائلة وهي تنظر إليه:
“ويسعدك أنتَ كمان”
اعتدل في جلسته ورفع عينيه إليها على حين غرة ونظرته ثابته عليها وملامحه تحمل الندم الخالص الذي جعله منكسره وهتف:
“هدير أنا عايز أقولك على حاجه”
قضبت جبينها بحيرة وهي تراه يود الإعتراف لها بأمر ما:
“حاجة ايه”
كاد أن يتحدث ويهتف بكل ما فعله ولكن بعد نظرتها له تراجع بقلق وخوف غير قادر على التكملة:
“أنا… خلاص مش مهم”
“لأ قول”
أبعد نظرة عنها إلى الناحية الأخرى وداخل عقله صوتين الأول يقول له أن يبدأ الحياة الجديدة بكل صراحة وحب واحترام لكل من في حياته، والصوت الآخر يقول له قد سترك الله فلا تفضح نفسك ولكن سريعًا ومرة واحدة:
“أنا اللي سرقت دهبك”
ضيقت ما بين حاجبيها بدهشة واستغراب شديد وشعرت بالضجر لوهلة وهي تسائلة بريبة أن يكون قد فعلها حقًا:
“دهبي؟.. دهب ايه!. الغوشتين؟.”
ظهر الضعف على ملامحه وعينيه حزينه للغاية وملامحه أصبحت باهته وهو يقول:
“أيوه أنا اللي اخدتهم.. لكن هرجعهم والله هرجعهم متقلقيش”
أكمل بحزن أكبر وهو يبصر عينيها بخوف طفل أخذ من أحد زملائه قلمه عنوة وقد كانت الأم الأضعف وهي تنظر إليه:
“أنا بس اخدتهم علشان كان عليا فلوس لمسعد وكان بيهددني كان لازم يرجعوا ومكنش عندي طريقة غير دي”
نظرته وحديثه جعلوها ضعيفة للغاية وداخلها غضب مكبوت تجاه مسعد الذي لم يترك داخل شقيقها شيء جيد:
“لو طلبت مني كنت هديلك.. مش من جاد أنا معايا فلوس بتاعتي!”
ظهر لؤلؤ في عينيه العسلية وكأنه سيبكي:
“أنا آسف إني عملت كده قدام جوزك وصغرتك وفضحتك”
ظهر بعينيها هي الأخرى لؤلؤ أكثر منه وخرجت الدموع وهي تتحدث بضعف وقلة حيلة قائلة:
“جاد مهموش الغوشتين ومسألش عليهم ومش هيعرف حاجه ولا أنتَ هترجعهم وأنا مسمحاك بس بشرط أنك تتغير بجده”
هتف بصدق رأته به بقوة وجدية وشعرت بتغييره منذ هذه اللحظة:
“هتغير.. والله هتغير”
أقترب منها وفعلت المثل ليأخذها داخل أحضانه لأول مرة منذ وفاة والدهم، لأول مرة يأخذها شقيقها داخل أحضانه ويشعرها بتواجده، لطالما كانت الابنه الوسطى لوالدها ولكنها أخذت دور الأكبر إلى اليوم هذا. إلى اليوم وهي الابنة الكبرى لدى هذا البيت والمسؤولة عن كل صغير وكبير به. وقد كان هذا من أكبر أحلامها أن ترى شقيقها التالف يتغير ويعيش حياة طبيعية مثل البشر. وما أفسده جاد داخلها أصلحه جمال بجلسة صغيرة وكلمتين خرجوا منه بصدق.
***
بعد أسبوع
في وسط النهار وبعد أحداث كثيرة بينها وبين أثاث الشقة جلست على الأريكة بعد أن خلعت عباءتها البيتية لتسريح قليلًا وكذلك خلعت عنها حجابها لأنها كانت تقوم بوضع الملابس التي قامت بغسلها في شرفة الشقة لكي تقوم بتجفيفها.
جلست بملابسها التي كانت عبارة عن بنطال قصير يصل إلى ركبتيها وقميص بنصف كم يعلوه. لحظات لما تستطع أن تأخذ بها أنفاسها واستمعت إلى صوت عربات الشرطة التي تصدر ازعاج كبير والتي تؤكد وجود الشرطة في المكان.
دق قلبها بعنف ولهفة لا تدري لما ولكن هذا الصوت وحده يوتر الشخص ويجعله خائف إلى أبعد حد، صمتت الأصوات ولكن ظهر من خلفها حالة من الهرج والمرج في الحارة وهي تستمع إليهم من هنا!
وقفت على قدميها بقلق بالغ وأخذت عباءتها مرة أخرى ترتديها لتنظر من الشرفة وترى ما الذي يحدث ولمن تأتي هذه الشرطة. سارت في الصالة إلى الشرفة وهي تضع حجابها على رأسها بطريقة عشوائية ثم فتحت الباب ونظرت إلى الأسفل لترى عربة الشرطة تقف أمام منزلهم! وبالتحديد أمام ورشة جاد والأخرى ذو الصندوق الكبير الذي يكن بها المتهمين في الخلف قليلًا.
ما الذي يحدث لما هما هنا! لما يقفون هنا! وأين جاد. حقًا لم يستطيع عقلها إتمام تفكيره عندما رأتهم يمسكون بزوجها يخرجونه من الورشة وهو مسالم للأمر يخرج معهم بهدوء و عبده يصيح ومن خلفه طارق وحمادة وهذه والدته تخرج من منزلها تصيح بصوتٍ عالي وخوف.
كل هذا رأته عينيها في لحظة واحدة ولم تستوعب إلا وهي تصيح بإسمه بكامل قوتها من الأعلى وتنظر عليه بخوف وريبة احتلت قلبها:
“جــاد”
ثم لم ترى نفسها إلا وهي تركض بعباءتها البيتية والحجاب عليها ليس مهندم بل موضوع بطريقة غير صحيحة بالمرة لتخرج من الشقة وقلبها يدق عنفًا وخوفًا على معذب فؤادها الذي تناست كل ما فعله بها ومعها والآن فقط تذكرت أنه زوجها وحبيها ورفيق دربها الذي لن تتركه أبدًا.
رواية ندوب الهوى الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندا حسن
سلب منها معذب الفؤاد، الآن يسلبون منها شرفة!
لحظات مرت عليها كالدهر وهي تركض على درج المنزل لتهبط إليه بأقصى سرعة وتراه أمام عينيها، لم تفكر في أنها حامل في الشهور الأولى وعليها التروي أكثر من هذا، ولم تبطئ لكونها تعثرت أكثر من مرة في عباءتها وكادت أن تقع على وجهها. قلبها يدق بعنف ولهفة قلقة خائفة على معذب فؤادها. ألم تكن منفصلة عنه وقلبها يؤلمها لما فعله ويفعله؟ ألم تكن كارهة كذبه وحديثه؟ الآن لا يوجد شيء كهذا، فقط يوجد "جاد" زوجها وحبيبها، والجالس داخل قلبها ويأخذ أكبر مساحة به. تناست كل شيء وتذكرت كونه الحنون والرجل الوحيد بحياتها، يحبها ويهواها ويهوى راحتها على راحته. في لمح البصر خرجت ترى ما الذي يحدث ولما تأخذه الشرطة! لما تبعده عنها بهذه الطريقة أمام الجميع في لحظات!
خرجت من باب المنزل إلى الشارع أمام الورشة والجميع متجمهر ليشاهد ما يحدث. نظرت إليهم بقلق ولهفة وهي تتقدم منه بخوف، ثم صاحت تناديه بارتعاش وهي تقف خلفه:
"جاد!"
كان يعطي لها ظهره، يقف مع والدته التي بدأت في البكاء عندما علمت لما يأخذونه. استأذن من الضابط فقط لحظات ليجعلها تهدأ، ولم يكن سيجعله يفعل هذا إلا لأنه يعرفه ويعرف ابن عمه بالأكثر. استدار لينظر إليها وقلبه عذبه بعد الاستماع لصوتها الذي يرتعش. لم يتوقع ظهورها أمامه بهذه الملابس البيتية وهذا الحجاب الذي يخرج نصف خصلاتها إلى الخارج:
"اطلعي يا هدير."
أقتربت منه أكثر ولم تستمع إلى حديثه من الأساس قائلة بقلق ونظرة عينيها مثبتة على عينيه بعمق:
"رايح معاهم ليه؟ عايزينك ليه يا جاد؟"
ضغط على شفتيه ولم يكن يريد الصياح عليها في مثل هذا الوقت، فقدم يده اليمنى إلى حجابها جاذبة على خصلاتها للأمام قائلاً بحدة مخفية:
"مافيش حاجة يا هدير، اطلعي."
حركت عينيها عليه تحاول أن تستفهم ما الذي يحدث، وخلفه والدته تبكي بقوة وهو كان يذهب معهم. رأته ورأت "عبده" يصيح خلفه:
"مافيش إزاي؟ أومال رايح معاهم ليه؟"
وجدت "سمير" يقتحم الحديث وهو يدلف بينهم بلهفة وقلق، ويبدو عليه أثر النعاس وملابسه مكونة من بنطال قصير إلى الركبة وقميص داخلي. عادت للخلف خطوة وعينيها مثبتة عليه، واستمعت إلى "سمير" يهتف بقلق:
"في ايه يا جاد؟ واخدينك ليه؟"
أمام كل من يقف من الحارة في شارعهم، أجاب عليه بقوة وهو ينظر إليه، ولم يتغاضى عنها وعن وقفتها هنا:
"حد مبلغ عني إني بتاجر في البودرة."
حلت الدهشة على كل من استمعت أذنه إلى هذا الحديث. "جاد"! لم يجدوا إلا هو؟ فهو معروف بأخلاقه واحترامه وتربيته الحميدة. كيف له أن يفعل شيء كهذا؟ لقد تركوا من يفعل هذه الأشياء أمام الجميع وذهبوا إلى شخص بريء ومعروف بكونه شاب صالح من شباب الحارة القليلون!
نظر "سمير" إلى الضابط الذي كان على معرفة به، لم يعط سلامات ولا أي شيء، فقط بدأ حديثه بسؤال وبه اللهفة واضحة:
"فتشتوا يا صلاح باشا؟"
أومأ إليه برأسه إلى الأسفل دليل على فعل ذلك حقاً، ولأن "سمير" واثق في ابن عمه للغاية هتف بجدية وهو يشير بيده:
"طب مادام فتشتوا وملقتوش حاجة، واخدينه ليه؟"
أجابه الضابط بعملية بحتة وهو يقول مقترباً منه مستعداً للرحيل:
"للأسف يا سمير، لقينا، وعلشان كده جاد هيجي معانا."
شهقت بعنف وقوة واحتلت الدهشة كيانها، وهي تضع يدها الاثنين على فمها بعدما علمت أنهم وجدوا شيء من هذا السم داخل الورشة! خرجت دموع عينيها وهي تعلم أن هذا الأمر سيطول كثيراً مادام تم الإمساك به داخل ورشته. هو لا يفعل شيء كهذا، مستحيل، وهذه البودرة الموجودة ليست له، مؤكد هناك من وضعها قصداً للإمساك به وهو من قام بالتبليغ عنه، ولن يفعل هذا إلا شخص واحد الجميع يعرفه.
نظر إليها بضيق وهو يقف شامخ وكأن شيئاً لم يحدث من الأساس، على الأقل أمامها وأمام والدته التي مازالت تبكي وتضع يدها على كتفه تتمسك به. أشار لها بعينيه الرمادية أكثر من مرة أن تصعد إلى الأعلى، وهي تنظر إليه فقط! إلى داخل عينيه، وقلبها مشتعل وجسدها يرتجف بعنف وقوة ظاهرة بوضوح قد رآها وهو على بعد.
صاح الضابط موجهاً حديثه إلى "سمير" قبل أن يرحل مع "جاد" ورجال الشرطة:
"الموضوع محتاج محامي شاطر يا سمير، وبسرعة."
أومأ إليه عدة مرات برأسه وهو ينظر إليه بحزن وقلق، فكونه قد تم القبض عليه هنا وبداخل ورشته الخاصة هذه الممنوعات سيكون الأمر صعباً قليلاً، إلا أن وجدوا دليل قاطع على أنها ليست له.
سار الضابط مع رجاله ومعهم "جاد" الذي مازالت عينيه عليها ولم تبتعد حتى مع ابتعاد سيره وإشارته لها أكثر من مرة على أن تذهب وهي لا تفعل هذا. فقط تنظر إليه وعينيها تذرف الدموع دون توقف.
صاح "سمير" وهو يذهب خلفه إلى أن صعد عربة الشرطة:
"متقلقش يا جاد، هجيب المحامي وأجي وراك."
جلس جاد داخل العربة المفتوحة وأومأ إليه بجدية تامة، ثم أبعد عينيه من عليها وذهب بها إليها. يرى ملامحها التي بهتت في لحظات أكثر من السابق، ودقق في وجهها الشاحب الخائف. إنها كانت بعيدة عنه في الأيام السابقة. لم يفهم ما الذي بها وحاول الحديث معها أكثر من مرة، ولكنها أدعت الإرهاق المستمر وأشياء ليست لها علاقة ببعضها البعض. لم تدلف عقله، ولكن كان واضح كوضوح الشمس انفصالها الثابت عنه ونظراتها المعاتبة إياه. وأيضاً نظراتها الحزينة، وأحياناً كان ينظر إليها بالصدفة يراها تدقق النظر به وكأنها تتحدث مع داخلها عنه وتدقق بملامحه وما يحدث.
شعر أنه فعل شيء خاطئ كبير بعد ما تم الصلح بينهم وعادوا إلى الوضع الطبيعي، ولم يدري ما هو لأنه عن حق لم يفعل شيء. بل أنهى ما كان يزعجها طيلة الوقت. تركها على راحتها عندما لم يستطع فهم ما الذي يحدث، ولكن الآن تظهر عكس كل ما حدث، واللهفة والقلق على ملامحها أول تعبير ظهر يعبر عنها.
الشحوب وكأنه هناك أحد قد توفى تحبه. قلبها من الأساس يتحدث معه الآن يناجيه بلهفة وقلق عليه.
زوجته بها شيء يحبه إلى أبعد حد. كونها تنسى كل شيء بينهم في وقت الشدة وتقف جواره. تترك كل ما فعله وفعلته وكل ما يحدث من أشياء بشعة تدور داخل الموقف وتتمسك به في وقت ضعفه واحتياجه لها. ميزة لن يجدها بأي إمرأة أخرى سوى زوجته حبيبته. روحه الضائعة بخروجه من هنا في هذه العربة.
تحركت سيارة الشرطة وبدأت في الابتعاد، وهو مازال ينظر إليها وعقله يعمل مئة في المئة ويفكر بها وحدها. يبتعد ويبتعد ولا يدري متى العودة وقلبه يهوى عناق دافئ منها ثم يذهب.
عينيها لم تترك طيفه. رأيته وهو يخرج من الحارة بهذه الطريقة تجعل قلبها يؤلمها بطريقة لا توصف وجسدها يرتجف بعنف وهناك شعور غريب يراودها وكأن هناك من يأخذ من لحم جسدها بسكين حاد والدماء تسيل منها بغزارة.
عينيها لم تجف دموعها متعلقة به وبنظرة عينيه إليها. ابتعدت السيارة واختفت عن نظرها، لم تشبع عينيها منه ولم تتحدث إليه من الأساس. ذهب ولم تفعل ما تريد معه إلى الآن.
ذهب "سمير" من أمامهم إلى المنزل ليذهب إلى شقته يأخذ ملابسه ويذهب إلى "جاد" بعد أخذ محامي معه.
أسرعت والدته عي الأخرى في الصعود لمنزلها لتحدث والده وتخبره بما حدث حتى يذهب سريعاً إلى ابنه.
ذهبت "هدير" خلف "سمير" سريعاً تركض وهي تمسح وجهها بكف يدها ودلفت خلفه إلى المنزل وكان يصعد على الدرج بسرعة، فركضت هي الأخرى واستوقفته قائلة بلهفة وصوت عالي:
"سمير! خدني معاك."
وقف أمام باب شقتها واستدار لها يهتف بجدية وملامح وجهه منكمشة حائرة:
"لأ مش هينفع."
وضعت يدها على صدرها لتجعله يلين ويأخذها وصاحت بصوت خافت حزين وهي تأثر عليه ببكاء عينيها:
"علشان خاطري يا سمير خدني معاك."
قرب حاجبيه من بعضهم يشير بيده محاولاً إقناعها أنه لا يجوز فعل ذلك في ذلك الوقت بالتحديد:
"والله ما هينفع."
ظهرت اللهفة أكثر من السابق وتجمعت الدموع بعينيها أكثر متذكرة لحظة خروجه من منزلها صباحاً دون أن يفطر أو يتحدث معها لأنها بقيت نائمة ولم تراه:
"بالله عليك، علشان خاطري عايزة اطمن عليه."
أبتعد "سمير" خطوة للخلف حتى يرحل لأنها تستعطفه بطريقة بشعة لا يريد أن يلين لها:
"أنا هطمنك عليه والله بس مش هينفع."
أقتربت هي هذه الخطوة مرة أخرى لتقف قبالته أمام باب شقتها هي و "جاد" قائلة بعناد أكثر محاولة إقناعه هو بجديثها وذهابها معه:
"على ما أنت تلبس وتنزل هكون لبست وخلصت قبلك والله... علشان خاطري!"
هبطت شقيقتها لتقف على درج السلم عالياً وهي تستمع إلى حديثها ونظراتها إلى التي يخرج منها الألم واللهفة على زوجها، فصاحت قائلة بقوة وحزن:
"خدها يا سمير معاك، عايزة تطمن على جوزها."
رفع نظرة إليها بعد أن زفر بعمق وحدة وتحدث بقوة بعد أن عاد بنظرة إلى زوجة شقيقه:
"مش هينفع والله، أنا هكلم المحامي يروح هناك وأنا هحصله وهطمنك، لكن ماينفعش تدخلي القسم ومش هعرف أهتم بيكي، هتلخميني."
خرجت الدموع من عينيها وهي ترى إصراره على عدم ذهابها معه. رفعت حجابها إلى الأمام وتحدثت بضعف وقلة حيلة:
"مش هعمل حاجة والله، أشوفه بس واطمن عليه، أنا ملحقتش أكلمه."
تحدث هذه المرة بلين وود وهو يراها ويرى عينيها تذرف الدموع بلا توقف وكأنها تقول له أنت المتسبب، فقال محاولاً معها على طريقة زوجها:
"جاد لو شافك هناك أصلاً هيطربق الدنيا على دماغي. اسمعي بس كلامي وأنا هكلمك من هناك، ده لو جاد مرجعش معايا."
يكذب مثل ابن عمه ليجعلها تصمت ولا تذهب معه. إنه لن يأتي اليوم إلا إن حدثت معجزة وخرج معهم أو رأى المحامي ثغرة ما يستطيع إخراجه منها. صاحت بتهكم وقوة:
"أنت بتضحك عليا ولا على نفسك؟ دا واخدينه بالبودرة من ورشته."
أخذ نفس عميق ناظراً إليها. إنها معها حق. بل إنه كامل الحق، كيف سيخرج وهو بهذه الحالة، بل وهناك من يحبه إلى هذه الدرجة وقام بالتبليغ عنه وسريعاً أتت الشرطة!
"إن شاء الله خير..."
خير، أنا هطلع عشان متأخرش عليه.
ذهب من أمامها مروراً بزوجته التي هبطت الدرجات المتبقية لتقف جوار شقيقتها التي صاحت ببكاء وخوف:
- جاد مش هيخرج يا مريم.
نظرت إليها بشفقة وضعف انتقل إليها عبرها، أقتربت منها وعانقتها بقوة محاولة جعلها تهدأ عن ذلك البكاء والخوف والرهبة الضارة كثيراً عليها وقالت بحنان مربتة على ظهرها:
- متخافيش يا هدير، هيخرج بإذن الله.. جاد بريء.
اشتد البكاء عليها أكثر ولم يكن هذا السبب الوحيد لها، أنها تخرج كل مكنونات قلبها السابقة والمتحاملة أكثر من اللازم الآن، لتخرسه بعد هذه اللحظات وتتحلى بالقوة أمام الجميع وأمامه هو بالأخص، لتقف حواره تسانده وتجعله يشعر بالأمان والأمل في كل لحظة تمر عليه.. إلى متى ستكون معذب الفؤاد؟
***
ظهر "عادل" مع زوجته "شهيرة" على طاولة الطعام وهو يتحدث معها عن زوجته الأولى والغريبة "كاميليا"، في الفترة الأخيرة ابتعدت كامل البعد عنه ولم تعد تتحدث معه عن الطلاق بعدما كان هذا هو الحديث الأول والأخير بينهم وعن أنها تريد الإبتعاد عنه إلى الأبد والعودة إلى الحرية مرة أخرى تاركة إياه وحده وتأخذ منه القناة التلفزيونية التي عمل عليها ليجعلها بهذا الإسم وهذه الشهرة.
بل وأيضاً كانت تراه ولا تنظر إليه من الأساس، تبتعد بوجهها عنه أو تظل ناظرة إليه وعقلها مشغول بشيء آخر، عينيها مثبتة عليه مبتسمة بهيام وكأنها تحلم بشيء ما وملامحها تبدو حقيقية.
لم ينزعج من هذا بل أسعده الإبتعاد عنها ليتفرغ إلى حياته العملية وحياته مع زوجته "شهيرة" ويرتب إلى ما يريده بذهن صافي وعقل ناضج لا يوقعه في فخه الذي ينصبه إليها.
أقتربت نهايتها معه إلى حدها الأخير وهي من طلبت ذلك بكل أفعالها وحديثها وتلك النظرات الكريهة التي كانت تلقيها عليه مع بعض السموم عن كونه ليس له أي قيمة وليس شخص يستحق وجودها معه من الأساس بعد أن استمتعت بوقتها معه وأخذت ما تريد واشبعت الغريزة المرضية بداخلها، إن لم تذهب لكي تتعالج سيسوء الأمر أكثر.
أردفت زوجته وهي تقف أمام المقعد المقابل له وتضع له الطعام أمامه بملامح منكمشة خائفة:
- سكوتها مخوفني أوي يا عادل.
استهزأ بحديثها ورفع نظره إليها من على الطعام قائلاً ببرود يلوي شفتيه:
- ليه يعني؟
ردت معقبة وهي تجلس على المقعد مقابلة له قائلة بتوجس ورهبة مستغربة هدوءه:
- خايفة تكون بتدبرلك حاجة.. دي مش سهلة.
ابتسم بسخرية منمّتة وهو يضع حبة من الزيتون في فمه مجيباً إياها بتهكم واضح:
- دي أغبى واحدة ممكن تقابليها في حياتك وميتعملهاش حساب من أصله.
انكمشت ملامح وجهها رهبة أكثر من السابق وهي تراه يستهزئ بها وبما تستطيع فعله، مردفة برأي آخر عكس رأيه:
- لأ يتعملها ولو هي غبية فعلاً كانت فضلت تكلمني زي الأول لكن دي قطعت مرة واحدة تبقى عرفت حاجة أكيد.
هز رأسه ويده معاً واللامبالاة تسيطر على كامل ملامحه وحواسه وكان داخله شيء ما قد خطط له بالفعل يجعله لا يهابها إلى هذا الحد:
- ما تعرف وإيه المشكلة؟
قضبت جبينها بخوف أكثر وأكثر وهو مسالم تماماً وجعلها بحديثه وردوده تستغربه أكثر، تحدثت واضعة يدها على بطنها في نهاية الحديث:
- إيه المشكلة؟ عادل أنا خايفة عليك، خايفة تعمل حاجة تبوظ حياتنا.. أنت ناسي إن فيه طفل جاي في السكة؟
تقدم إلى الأمام واضعاً يده الاثنين على الطاولة قائلاً بثقة وحنان ناظراً في عينيها بحب يرى مدى الاختلاف بينهما:
- هيجي بالسلامة والدنيا هتبقى ميت فل وعشرة.. متشيليش هم.
حركت رأسها يميناً ويساراً بعد أن شكت به وشعرت أن هناك شيء سيفعله إن لم يكن فعله حقاً:
- أنا مش مرتحالك يا عادل، أنت ناوي على إيه؟
ابتسامة عريضة ظهرت على شفتيه بكامل الشغف لفعل ما أراده منذ زمن:
- على كل خير.
تساءلت مرة أخرى وعينيها تطالعه بغرابة:
- أيوه اللي هو إيه؟
وقف على على قدميه وتقدم منها وهي مازالت جالسة وهتف قائلاً بجدية والصدق لا يعرف للسانه طريق:
- اللي هو كل واحد ياخد جزاته.. مش كنتي عايزاني أنفذ طلبها وأطلقها؟ هطلقها أهو.
وقفت هي الأخرى بعد أن استمعت إليه بلهفة وفرحت كثيراً لأنه توصل إلى هذا الحل الذي كانت تريده زوجته الأولى منذ البداية:
- بجد؟ طب الحمدلله خليها تحل عننا بقى.
أقترب منها مقبلاً أعلى رأسها وعينيه مثبتة على الفراغ أمامه وعقله داخله افكار وحديث وكثير من الأشياء الذي يتخيلها تحدث ولكنه هتف بهدوء:
- هتحل.. وللأبد.
***
بعد إتمام مخطط كامل من عقل اثنين من أكبر مدبرين الأذى للغير جلسوا سوياً للاحتفال والاستمتاع بإتمام ما أرادوا في خلال أيام معدودة.
كانت هذه "كاميليا" التي شعرت بالإهانة والحرقة الكبيرة التي قبعت داخلها بسبب ما فعله "جاد" معها، توعدت له برد ما فعله وبأسوأ الطرق ولكنه لم يعطي للأمر أهمية كبيرة واستخف بها كثيراً.
قوتها وحدها لم تكن شيء، بل قوتها بعد التعرف على "مسعد" أصبحت شيء كبير وكبير للغاية أيضاً.
جلسة خالية من كل شيء سوى الكراهية والغل بينهم هم الاثنين يتبادلون فيها الأحاديث المؤذية لـ "جاد" وزوجته والآن هذه الجلسة للاستمتاع بالفرحة والنصر.
أظهرت الفرحة التي كانت داخلها ووجهها يتحدث عن تلك الشماتة التي تشعر بها تجاه "جاد" وبطريقة غريبة تلمع عينيها لما فعلته به:
- كان فاكر أنه جامد وإني مقدرش عليه.. أهو دلوقتي زمانه مذلول في السجن.
مع من تتحدث! العدو الأكبر لـ "جاد الله"، فكيف سيكون الحديث عنه غير بالسوء والكراهية المميتة. حرك رأسه بضيق ثم فرحة مردفاً:
- ياه يا مدام كاميليا مش هتصدقيني لو قولتلك أنا فرحان قد إيه.. جاد أخد مني الوحيدة اللي حبيتها وكتير حاولت أقدر عليه لكن كانت ضربته بموته.
مالت برأسها للناحية اليمنى وهي تشير إليه بيدها تريه أن الآن كل شيء أصبح تحت تصرفه وملك له بعد ذلك الإتحاد:
- اديك خلصت منه أهو والساحة بقت ليك والحارة كلها كمان.
لمعت عينيه بنظرة خبيثة شيطانية محبة إلى شيء مقزز يريده منها وحدها يتمنى لو توافق على حدوثه ويكن لها كل شيء:
- ياريت بس المطلوب هي.. هي ترضا عني بعد ما هو كرهها فيا وخلاها تفتكرني كداب وبتاع مزاج.
عقبت بلا مبالاة ونفي معه معتقدة أن "هدير" بنفسها ستشعر بالملل إن غاب عنها حبيب روحها:
- لأ متقلقش مهو لو أخد حكم مظبوط وده هيحصل هتمل وتسيبه.
بطريقة فظة يتحدث وتظهر أسنانه الصفراء مع لمعة عينيه الخضراء بشدة مخيفة ليظهر بشع وهو يروي بحرقة ما استلقاه من "جاد":
- عليا الطلاق أنا ما كنت مصدق نفسي لما كلمتيني، قولت معقول الواد ده معلم على كتير كده مطلعتش لوحدي.
رفعت أحد حاجبيها معترضة على ما قال فهي إلى الآن فقط تأخذ حقها منه ولن تظهر في طريقه مرة أخرى، إنه غير مناسب لها بعدما فعله:
- لأ لوحدك يا مسعد أنا بس بردله غلطة عملها كانت كبيرة شوية.
استهزأ بها داخله لأنه يتفهم كم هي تشعر بالحرقة والإهانة بسببه ولكنها تحاول أن تخفي ذلك عنه بسبب مكانتها الرفيعة التي تراها أعلى بكثير منهم:
- آه مهو واضح يا مدام.
تقدمت للأمام بجسدها على الطاولة، نفس الطاولة التي جلست عليها مع "جاد" أحبت أن يكون هذا المكان شاهد على كل شيء منذ البداية، غمزت له بعينيها الوقحة قائلة:
- وريني همتك بقى في الباقي يا مسعد.
بكامل الغرور أقترب هو الآخر مثلها يعقب على حديثها بفرحة ظاهرة على وجهه:
- النهاردة مش بكرة يا مدام متقلقيش.
ابتسمت بسخرية وفرحة مغمورة داخلها وهي تتخيل ما الذي يحدث اليوم لـ "جاد" ولحياته بالكامل الذي فضلها عنها:
- أيوه كده خليك حماسي.
كمثلها فعل هو الآخر وهو يتخيل نفسه ينجز أكبر مهمة بحياته وأفضل شيء على الإطلاق أراده منذ البداية منها وقد سلبه هو الأول منه وأباحه لنفسه، الآن سيسترد كل شيء:
- من الناحية دي اطمني وحطي في بطنك بطيخة صيفي دا أنا صبرت كتير.
وكأنها معتوهة أو تمر بشيء ما كهذا لتتحدث عن الله وحبه لـ "مسعد" الذي لا يفعل شيء سوى الحرام والمحظور:
- طلع ربنا بيحبك وبعتني ليك أهو علشان تاخد حقك اللي جاد سرقه منك.
ضغط بأسنانه الصفراء على شفتيه بقوة وهو يتخيل تمنيه لـ "جاد" قد حدث:
- بيحبني بس! ياه لو ينطس حكم عشر سنين ولا خمستاشر ومشوفش وش أمه تاني.
عادت للخلف بجسدها تستند إلى ظهر المقعد تضحك بصخب لرؤيته هكذا:
- بتحبه أوي أنت يا مسعد.
علق على حديثها مؤكداً إياه بقوة ساخرة:
- أوي أوي، فاكرة لما قابلتك أول مرة قولتلك إيه هموت من كتر حبه اللي في قلبي.
عادت معه بالذاكرة للخلف تتذكر أول مرة قابلته بها ليتم الإتفاق معه على كل شيء أرادوا فعله مع "جاد" لكي ينالوا منه وكل منهم يأخذ حقه الكاذب المعتبره حق بالفعل لديهم فقط لأنه دافع عن شرف فتاة وعرضها أمام "مسعد" وتزوجها ليكن زوجها الصالح وتكن خير من الله له في الدنيا، لأنه دافع عن عرضه وشرفه بها أمامه وجعله عبرة لمن يعتبر حتى يلملم ما تبقى من كرامته إن وجد من الأساس ويبتعد عنهم ولكنه كما يقولون كذب الكذبة وقام هو بتصديقها ليجعل من نفسه أمامها الضحية الكبرى والذي سلب منه عنوة فتاة أحبها ووافقت عليه.
والأخرى تراه حقها لأنه تعمد الإهانة لها وسبب لها حرقة كبيرة جلست داخل قلبها بعد حديثه عنها ورفضه لها لأجل أخرى وتناست أنه رد فعل طبيعي من رجل صالح يعرف دينه لفعلها الأول، ضايقها تمسكه بزوجته وكأنها هي من أخذته منها وتناست أن هذا هو الفعل الصحيح الذي يصدر من أي رجل محب لزوجته لا يريد أن يدمرها ويدمر بيته لأجل إمرأة غبية جاهلة بالدين والأخلاق والحياء عندها لم يمر عليها من الأساس.
- الواد ده ولو طولت أموته هعملها، دا سرق البت اللي كنت هتجوزها في غمضة عين.
استغربت حديثه الذي خرج منه بحرقة وهو ينظر إلى البعيد متذكر أخذ "جاد" لـ "هدير" في لحظات دون مجهود منه كما فعل هو:
- إزاي؟
نظر إليها بعينين كاذبة تؤلف قصص فقط ليظهر ملاك لا مثيل له أمام "جاد" الكاذب المخادع الذي سرق حبيبته:
- طلبتها من أخوها وأخوها وافق وهي وافقت وكنت خلاص رايح بعلبة الجاتوه.
ملّت دماغها من ناحيتي وقالها إني بتاع مزاج وهبهدلها مع نسواني.
تساءلت مضيقة ما بين حاجبيها، تود معرفة المزيد عما حدث بينهم، ولكن مع ذلك تعابير وجهه وحديثه لا تدلف عقلها من الأساس.
- وبعدين؟
لوى شفتيه للأمام دليل على عدم حدوث أمر هام قد يغير ما حدث، وأجاب قائلًا بجدية:
- ولا قبلين. روحت لأبوه، طلع متفق معاه وعملنا عركتين قدام الحارة كلها، وفي الآخر خطفها مني في لحظة واتجوزها ابن *****.
تصنعت الحزن وهي تمط شفتيها بشفقة كاذبة، مرددة بلين:
- مسكين أوي يا مسعد.
صاح هو بقوة وهو يراها تستهزئ به من خلال ملامحها وحديثها:
- لأ بس أنا مسكتش. أنا عملت معاه الناهية كام مرة كانت بتجيب أجله، حيلة أمه.
ابتسمت بسخرية وتهكم، قائلة:
- بس كنت بتنضرب بعدها.
ظهر الضيق على ملامحه وهو يتذكر ما الذي كان يفعله به "جاد" في كل مرة، ثم شعر بالفرح وهو يتخيل أنه في الأيام القادمة لن يكون له وجود من الأساس.
- مش مهم، المهم أشفي غليلي منه. وأهي جت الفرصة لحد عندي وهنفذ في خلال أيام ويبقى يوريني هيعمل إيه.
ابتسمت مرة أخرى، شاعرة أنه هو من يستطيع مساعدتها حقًا فيما تريد، وسيكون بسرعة كبيرة لأنه من داخل الحارة وله ألف طريقة وطريقة ليقوم بعمل شيء كهذا.
- تعجبني يا مسعد بجد.
أردفت ناظرة إليه بقوة، بعد أن استعادت ذكريات حديثها معه هنا أيضًا، وفي نفس هذا المكان، وعلى هذه الطاولة التي شهدت كل شيء منذ أول مرة ألقت بـ "جاد" إلى اليوم.
- فاكرة فاكرة.
***
ذهب "سمير" سريعًا خلف "جاد"، وقابله المحامي. لم يكن الأمر سهلًا أو مبشرًا حتى إليهم، فما حدث كان فوق المتوقع بكثير، واتهام مثل هذا بالدليل الواضح يكن قاطعًا لكل شيء، إلا إذا كان هناك من يعترف أن هذه الأشياء تخصه هو وليست ملك لـ "جاد"، أو أن يثبت المحامي أن هذه الأشياء لا تخصه. ودلفت إلى ورشته بطريقة غير سليمة، وعليه أن يكون معه الدليل لفعل ذلك.
وفي هذه الأثناء، كان جاد في الداخل يأخذ أقواله على المحضر الذي تم فتحه ضده. جلس على المقعد أمام الضابط بعد أن سمح له بفعل ذلك. كان "جاد" يمثل القدرة على التحمل والسيطرة على الموقف الذي هو به، ولكنه من الداخل يود أن ينفجر بسبب التشتت والحيرة الذي تعبث معه دون هوادة.
أسئلة عديدة يعلم أنها ستطرح عليه، هو نفسه يريد الإجابة عنها بوضوح تام، لأنه كمثل الجميع لا يفهم ما الذي يحدث وكيف وجدت هذه البودرة داخل ورشته.
يا الله، عقله سينفجر من كثرة التفكير. لا يستطيع التحمل وهو بهذه الحالة. وكلما حاول الابتعاد عن هذا الأمر وبقي مع واقعه للحظات، أتت صورته أمام عينيه ووجهه الحزين الشاحب يطارده.
غير عينيها الباكية ولمعتها الحزينة داخل الأعماق. يا لها من أيام صعبة تمر عليه مرة تلو الأخرى حتى من دون إنذار. تمتم داخله بهدوء وهو يزفر:
- اللهم لا اعتراض.
صدح صوت الضابط وهو يسأله بجدية شديدة وعملية تحلى بها وهو ينظر إليه بقوة:
- قولي يا جاد، البودرة اللي كانت في الورشة دي بتاعتك؟
الضابط نفسه يعلم أن جاد لا يفعلها، فهو على معرفة مسبقة بابن عمه أكثر منه، ولكنه يعلم من يكونون وكيف هي تربيتهم، فلا يصدق ذلك من الأساس، وأنه عمله ويقوم به مع مراعاة المعرفة بينهم.
أجابه "جاد" وهو ينظر إليه باحترام، قائلًا بتأكيد:
- لأ طبعًا مش بتاعتي.
وضع الضابط يده الاثنين على المكتب مقتربًا إلى الأمام وهو يقول:
- بس دي كانت عندك في الورشة يا جاد، وأنت عارف ده معناه إيه.
أومأ برأسه دليلًا على تفهمه لما يقوله، وأكمل هو بتوضيح:
- عارف، بس الورشة بيدخلها ناس أشكال وألوان. والبودرة مكنتش مثلًا في مكتبي ولا عربيتي، دي كانت في الأرض عند الخردة، وأكيد لو بتاعتي مش هرميها كده.
أومأ الضابط له بتفهم، قائلًا بجدية:
- طب أنت مابتشكش في حد من اللي شغالين معاك؟ يمكن شاب طايش منهم.
أسرع يجيبه بلهفة، نافيًا حديثه عن من يعملون معه، فهم على خلق عالية ويعرفهم منذ سنوات، ليس الآن ليلقي عليهم شيئًا كهذا.
- لأ لأ، مستحيل يكون حد منهم. دول شباب مش بتاعت كده أبدًا، دول على الدوغري.
نظر إليه الضابط بأسف وهو يقول بجدية وخجل:
- للأسف هتتحبس أربع أيام على ذمة التحقيق. أنت متبلغ عنك، وللأسف بردو لقينا البودرة عندك.
تساءل "جاد" مضيقًا ما بين حاجبيه ومثبتًا عينيه الرمادية على الآخر:
- هو مين اللي بلغ عني؟
- كاميليا عبد السلام.
ها هو الآن قد فهم ما الذي يحدث، إذا هي من فعل ذلك. هي من قامت بالتبليغ عنه، ومن قبلها مؤكد كانت أنهت خطتها لتكون على أكمل وجه.
يا لها من امرأة خبيثة شيطانية. الغل ينهش داخلها والحقد سبيلها الوحيد للعيش، ولكن يقسم بربه العظيم إن بقي بعمره يوم واحد، لن يتركها إلا عندما يأخذ حقه منها.
بعد قليل من الوقت، خرج المحامي الذي كان قد دلف إليهم ومعه "جاد". الموضوع بيده الاثنين قيود حديدية تعيق حركة يديه حتى لا يتمكن من الهرب. هل يفعلها؟
لم يكن الأمر مبشرًا أبدًا. عندما نظر المحامي إلى والده وابن عمه، الذي تساءل بلهفة وقلق عندما وجدهم يخرجون:
- عملتوا إيه يا متر؟
أجابه الآخر بعملية شديدة ووجهه عليه علامات الانزعاج مثلهم تمامًا:
- جاد متبلغ عنه إنه بيتاجر في البودرة، وللأسف اتمسكت عنده في الورشة، ومش كمية صغيرة يعني، تعاطي ولا حاجة.
رفع والده عينيه على ابنه الذي يقف مهمومًا يستمع إلى هذا الحديث الذي أصبح مؤكدًا. عاد بعينه إلى المحامي، قائلًا بنبرة متلهفة قلقة:
- طب وبعدين يا متر؟
- جاد هيفضل هنا على ذمة التحقيقات. هيستدعوا اللي شغالين معاه في الورشة، وهنشوف الكاميرا اللي موجودة على باب الورشة بره، يمكن نقدر نلاقي أي حاجة تحسن موقفه.
تساءل مكملًا حديثه:
- اللي شغالين معاه دول إيه نظامهم؟ سلوكهم إيه يعني؟
هتف "جاد" مجيبًا إياه بنبرة رجولية خشنة وهو يرفع عينيه عليه، قائلًا:
- مش هما لأ يا متر، دول زي إخواتي وأكتر. الحركة دي معموله بفعل فاعل.
وضع "سمير" يده على ذراعه، يربت عليه بقوة وحنان مخفي بينهم، يمده بالدعم والطمأنينة.
- متقلقش يا جاد، إن شاء الله خير.
ابتسم له عنوة عنه، معقبًا على حديثه بلين ونبرة خافتة:
- بإذن الله.
نظر إلى والده الذي رأى الضعف حليفه والحزن يسيطر عليه، فقال بمرح وخفة كعادته، الطبع غلاب كما قيل حقًا:
- مالك يا أبو جاد من أولها كده؟ دا لسه التقيل ورا يا حج.
نظر إليه بضعف حقيقي وهو يرى ابنه يسلب منه، وهو الآخر مسلوب الإرادة، لا يستطيع فعل أي شيء، ولا يعلم من الذي قد يكون يكرهه إلى هذه الدرجة ليقوم بفعل ذلك به. أكمل "جاد" قائلًا بنبرة رجولية خائفة حنونة على من يحب:
- خد بالك من أمي وهدير يا حج.
أبعد نظره إلى "سمير"، قائلًا وملامح وجهه مكرمشة بحزن:
- خد بالك منهم يا سمير.
ضغط "سمير" على شفتيه وعينيه تود أن تدمع وتبكي وتفعل أكثر من ذلك في هذا الموقف الصعب عليه. دائمًا كان "جاد" أخيه الأكبر ويد العون له، كيف الآن يأخذ مكانه.
- أنت بتقول إيه يا جدع، بكرة هتطلع وهتاخد بالك منهم، واديني قولت بكرة خليك فاكر.
ابتسم "جاد" بهدوء، فتحدث العسكري الذي كان يقف معه بتأفف وضيق لأنه وقف كثيرًا، يكفي هكذا فقد حلل المال الذي أخذه من "سمير" ليستطيعوا الحديث معه.
***
حل المساء عليهم في المنزل، وإلى الآن لم يخبرهم أحد بأي شيء. حاولت "مريم" الاتصال بزوجها كثيرًا من المرات، ولكنه لا يجيب عليها أبدًا. هو في هذه الأثناء كان عند المحامي ومعه كلا من "عبده" و "طارق" و "حمادة" وعمه أيضًا. ازداد القلق في قلوب الجميع، وحاولت "هدير" أكثر من مرة هي ووالدته أن يذهبوا إلى قسم الشرطة وحدهم، ولكن منعهم الجميع من فعل ذلك.
القلق نهش قلوبهم جميعًا، والخوف قبع داخلهم كمثل الغراء عندما يلصق بشيء يصر على عدم الخروج منه. قلبها يؤلمها بطريقة غبية، ولأول مرة تشعر بهذا الشعور البشع. الخوف وعدم الأمان. كان بالنسبة إليها الأمان والمأمن. السكن والسكينة. كل شيء كان لها يجسد في زوجها. الطمأنينة والراحة كانت به هو فقط، مهما كان يحدث بينهم من جدال وبعاد عن بعضهم، إلا أنه يظل هكذا إلى المنتهى.
أشار إليها عقلها أن "مسعد" من فعل ذلك به، لأنه الوحيد القادر على جلب كمية كبيرة كهذه من البودرة، وهو الوحيد الذي يكره "جاد" من بين الجميع في الحارة، ولا يوجد غيره يبغضه.
كم أنه رجل حقير لا يعرف للرحمة طريق. خبيث ووقح، لا يحترم سنه وزوجاته ولا حتى أولاده. يفعل الحرام أمام الجميع دون خجل، لا منهم ولا من الله، ويفعل الممنوع أيضًا كالحرام، ويقع بها "جاد".
ما هذا الافتراء!
جلست على سجادة الصلاة كثيرًا من المرات في يومها تبكي وهي تدعي إلى الله كثيرًا أن يعطي لروحهم السلام، وأن يطمئن قلبها ويرد لها زوجها سليمًا معافى من محنته هذه. وستترك كل شيء خلف ظهرها وتكن الأمان والحب والراحة فقط له، ولن تكدر صفو حياتهم مرة أخرى مهما حدث.
وبسبب حملها الذي قد نسيته، توعكت معدتها وقامت بالتقيؤ أمام الجميع، والذين أشفقوا عليها كثيرًا وهم يرون خوفها وقلقها، لهفتها وحبها لزوجها.
رحلت والدته التي لم تجف دموعها أبدًا جوار زوجته، وقد كان قلبها يحترق من الداخل خوفًا ورهبة على ابن قلبها ووحيد عمرها، حبيبها الصالح وولدها البكري الذي لا يوجد غيره. كأنه سُلب منها إلى أحد الأماكن التي لا يوجد بها شراب ولا طعام ولا حتى هواء يتنفسه. قلب الأم داخلها مفتور حزنًا على ابنها.
رحلت معها والدة "سمير" التي قررت عدم تركها إلى حين يعود والد "جاد". وذهبت معهم أيضًا والدة "هدير" إلى منزلها بعد أن تأخر الوقت.
بقيت "مريم" مع شقيقتها دقائق بعدهم تحاول أن تكون جوارها تواسيها في محنتها وتحنن قلبها المحروق على زوجها، ولكن "هدير" طلبت منها الصعود إلى شقتها وتتركها وحدها، طالبة منها عندما يعود "سمير" تخبرها فورًا.
جلست في غرفة النوم على الفراش في مكان نومه وعينيها تذرف الدموع بقوة دون توقف، تتسابق في الخروج على وجنتيها الوردية من شدة البكاء، وأنفها الذي ازداد احمرارًا لما يحدث معها.
وجهها شاحب كشحوب الأموات، عينيها يخرج منها الحزن مع الدموع بعد أن انطفئ بريقها اللامع كبريق عينيه الرمادية الساحرة.
أمسكت الهاتف بيدها واليد الأخرى تتحسس بأصابعها صورته الرائعة وهو على دراجته النارية يبتسم باتساع وعينيه تلمع بحب وشغف وسعادة هائلة، شفتيه ترتسم بدقة وحرافية رائعة، وكل ما به رائع محبب إلى قلبها.
إنه "جاد الله" معذب الفؤاد إلى الممات. أول مرة تشعر بابتعاده أنها ضائعة، طفلة ضلت الطريق وليس هناك سبيل للعودة أو التقدم خطوة دون أمانها وسندها، روحها وكل ما تملك. إلى هذه الدرجة تحبه! بل وصلت إلى أسمى درجات الحب، تخطت العشق والغرام، مرت بالشغف والهوى، والآن لا تدري إلى أي درجة توصلت.
دق الباب على حين غرة، انتفضت من مكانها سريعًا، خرجت من الصالة تأخذ حجابها معتقدة أنه "جاد" زوجها، والآن فهمت لما تأخروا كل هذا! لكي يأتي معهم. وضعت الحجاب على رأسها تلفه بعشوائية، ربما يكن "سمير" معه في الخارج.
سارت بسرعة وخطوات واسعة لتفتح له باب الشقة، وازداد توعك معدتها من الفرحة التي أتت بعد حزن هائل، لتتجسد صورة الحزن والرهبة الحقيقية أمامها بعد أن فتحت باب الشقة!
وقف "مسعد" بابتسامة عريضة كريهة تبغضها وتبغض رؤيته وكل ما به. أغلقت الباب إلى آخره تمسكه بيدها، ولم يبقى شيء ظاهر سوى هي أمامه تقول بقوة وغضب:
- أنت عايز إيه؟ غور من هنا.
كادت أن تغلق الباب ولكنه أعاق ذلك بكف يده العريض ضاغطًا على الباب ليبقى كما هو، مجيبًا إياها باستفزاز وسخرية:
- بالراحة مش كده يا برنسس؟ أنا جاي أطمن على الأسطى جاد. شدة وتزول.
اتسعت عينيها بشراسة وقوة وكرمشت ملامح وجهها بغضب حقيقي وهي تصيح بوجهه:
- امشي من هنا يا كلب. صحيح يقتل القتيل ويمشي في جنازته.
مرة أخرى يدفع الباب وهي تغلقه، رفعت نظرها عليه برهبة واستغراب كلي لما يفعله، وهو عينيه أتت بها من الأسفل إلى الأعلى والعكس، تستقر في نهاية المطاف على وجهها الحزين الباهت، ولكن ذلك لن يمنعه عما يريد. فهي تثير جنونه وكل ما به بتلك البشرة الرائعة المطبوع عليها نقوش فريدة من نوعها، عينيها وجمالها، شفتيها وما بها من أشياء يشتاق إليها منذ زمن.
دفع الباب مرة واحدة بقوة وهي تنظر إليه باستغراب، ولم تعتقد أنه ربما يفعل ذلك لتعود بجسدها للخلف عنوة عنها بقوة كبيرة مذهولة مما يحدث، وسريعًا دلف هو إلى الداخل مغلقًا الباب خلفه، ناظرًا إليها نظرة شيطانية خبيثة تصر على تحقيق ما يريد حتى لو كان الأمر سينتهي بموته.
- أنت بتعمل إيه يا زبالة؟ أطلع بره. امشي يا حيوان.
ابتسم ببرود تام معبرًا عن الذي بداخله وهو ينظر إليها، معقبًا على حديثها:
- مش كل مرة يا برنسس. مش كل مرة تسلم الجرة.
نظرته! عينيه المخيفة! أسنانه الصفراء! وجسده ووقفته وكل شيء به يثير خوفها، رهبتها! كل شيء يثير ضعفها وقلة حيلتها والآن بالتحديد!
استدارت تركض إلى الخلف معتقدة أنها تستطيع فتح باب الشرفة قبل الوصول إليها، ولكنها من الأساس لم تستطع الابتعاد خطوتين متتاليتين، فقد أمسك بها من الخلف رافعًا جسدها عن الأرضية بيده الموضوعة على خصرها والأخرى على فمها تكتم صوتها الذي كان يريد الخروج لتعبير عن ألمه وما يمر به.
دموع عينيها مرة أخرى تتوالى في الخروج بغزارة محاولة تحريك نفسها لتبتعد عنه وهي تضربه بيدها الاثنين، ولكنه صلب، جبل صلب صمم على ما يريده متحاملًا على نفسه إلى النهاية.
في المرة الأولى من أنقذها "جاد" حبيب روحها. الآن أمانها ليس هنا. روحها سُلبَت منها عند خروجه من الحارة. الطمأنينة ركضت بعيدًا عنها في هذه اللحظات العصيبة التي تتكرر مرة أخرى ولكن دون وجود المنقذ الوحيد الذي يستطيع التصدي لذلك الذئب البشري. روحها تزهق إلى السماء وقلبها يدق بعنف وقوة وكأنه على وشك الوقوف عن العمل لتلقى حتفها.
رواية ندوب الهوى الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ندا حسن
قبل شهور مضت تعرضت إلى محاولة انتهاك لروحها، وجسدها، قبل شهور تعرضت لمحاولة الذبح ببطء شديد وبرود رهيب من قبل الطرف الآخر..
كادت أن تموت الحياة بداخلها وتحيا النيران المشتعلة اعتراضًا على الأمر، تحيا الأحزان، تحيا الخذلان والقهر، كادت أن تقتل مرحها وشراستها، سعادتها وابتسامتها، فقط لأجل حدث تعرضت إليه وحمدًا لله قد مضى كل هذا بعد أن تقدمت هبة من الله والذي كان “جاد الله” اسمه على مسمى، تقدم بكامل العنف القابع داخله ليقوم بانقاذها وطمئن قلبها، قام بإرجاع الحياة لها ورسم الابتسامة على ثغرها مرة أخرى وكأن شيء لم يكن..
الآن بعد أن أصبحت زوجة له قد ذهب إلى البعيد وعاد مرة أخرى الذئب الذي يريد انتهاك حق ليس له بل مُحرم عليه ومع ذلك لا يريد التنازل عن فعله..
زوجها ليس معها، الأمن والأمان، الطمأنينة والراحة، ليس معها!..
هي وحدها بين أيدي من لا يرحم مهما قالت ومهما فعلت..
ألقى بها بكامل العنف على الأريكة بالصالة وكأنه ينتقم منها قبل أن يفعل أي شيء، رفضها له، تحديها له، وقوفها أمامه بتلك الشراسة التي تنبع من داخلها، تفضيلها لرجل آخر عليه مزقه إلى أشلاء، كل ذلك جعل منه رجل يريد أن يأخذ حقه منها إن كان بالرضا أو العنف التام..
مال عليها فحاولت دفعها بيدها الاثنتين ومازالت عينيها تهطل بالدموع الغزيرة وكأنها أمطار في موسمها تهبط، أمسك بيدها الاثنتين بيد واحدة والأخرى وضعها داخل جيبه يخرج منه شيء ما فصرخت بعنف وقوة هائلة لكي يخرج صوتها إلى الشارع أو يصعد إلى شقيقتها في الأعلى..
ولكنه لم يترك لها الفرصة لفعل ذلك وترك يديها متبادلًا معها ووضع يده على فمها وفي تلك اللحظة أخرج قطعة قماش صغيرة من جيب بنطاله فحاولت دفعها بقوة وهي تبكي ويدها ترتعش بشدة..
لم ولن تكن بتلك القوة التي تدفعه عنها وهي بهذه الحالة، يدها ترتعش بقوة بل جسدها بالكامل الارتجاف يكسوه، عينيها مشوشة من كثرة البكاء ولا تستطيع حتى الصراخ..
تركها تفعل ما يحلو لها بهذه الطريقة الهشة خائرة القوى، وقام هو بوضع قطعة القماش على فمها ليتأكد من عدم صراخها، حاول ربطها أكثر من مرة وهي تمانع حدوث ذلك بدفعها عنها وتحريك رأسها بقوة..
تحامل أكثر من اللازم لكي يفعل ذلك، ولن يذهب قبل أن يأخذ كل ما يريد، دفعته بقوة بيدها في صدره وهو مائل عليها فعاد للخلف لحظة وبها حاولت الجلوس لتبتعد عنه وصرخت مرة أخرى ولكنه منعها بطريقة بشعة وهو يدفعها بقوة ثم هبط بكف يده العريض على وجنتها بكامل قوته لتصدر الصفعة صوتًا حادًا عاليًا ألمها مع أثرها بطريقة أبشع مما تتصور..
ازدادت في البكاء الحاد وصوتها يتصاعد إلى الأعلى ولا تستطيع إبعاده، وضع قطعة القماش على فمها مرة أخرى وهي مازالت تحاول المقاومة ولكنه هذه المرة فعلها..
عاد إلى الخلف ناظرًا إليها بشماته وهي أسفل يده يتمسك بيدها الاثنتين جيدًا يهتف بصوتٍ شيطاني حقير:
- كده مش هتقدري تعملي حاجة.
وقع الحجاب عنها يلتف حول عنقها وظهرت خصلاتها منذ لحظات، ارتفعت عباءتها عنها إلى منتصف قدميها وهي تحاول الإبتعاد بالقوة عنه، حرك عينيه عليها من الأسفل إلى الأعلى ولعابه يسيل لهذا المظهر الشهي المُحرم عليه:
- مش قولتلك هناكل الشهد سوا… كنتي تقدري تاكليه معايا بالرضا مش بالغصب.
ابتسم بسخرية مُميتة وقهرته داخله لا يريد أن يظهرها لها:
- بس أنتِ اتنكتي عليا وروحتي لابن أبو الدهب.. ابقي خليه ينفعك بقى.
وجهها بالكامل أحمر قاتم مختنق بعنف، البكاء جعلها تختنق أكثر وأكثر وقلبها يدق بعنف هائل خائف، مرتعبة مما يريد فعله وليس هناك من يمنعه بعد أن كمم فمها حتى لا يخرج صوتها..
قلبها يا الله، قلبها سيقف من شدة الرعب إن حدث هذا، “جاد” حبيب عمرها، كيف سيكون إن حدث هذا؟ وهي كيف ستتحمل؟..
أغمضت عينيها بقوة والدموع لا تريد التوقف وحركة جسدها المتشنج تساعدها في الخروج وما عليها غير الدعاء بمعجزة من معجزات الله التي حدثت معها ومع زوجها سابقًا تحدث الآن..
شعرت به يمسك يديها الاثنتين بيد واحدة والأخرى تجذب حجابها من حول عنقها، فتحت عينيها سريعًا تنظر إلى ما يفعله، جذبه عنها بعنف ووضعه حول يديها الاثنتين لتحاول جذبهما برهبةً ورعب يتخلل كل عضو بها..
قام بوضع حجابها حول يديها الاثنتين تحت المقاومة الهشة الخائفة، يقيد حركتها بالقوة الكبيرة منه، عاد للخلف ينظر إلى قدميها البيضاء التي تظهر بسخاء ليراها تنظر إليه بقهر محاولة مد يدها إلى قدميها ترفع العباءة عليها ولكن لا تفلح في فعل ذلك..
جلس على الطاولة أمام الأريكة وابتسم بتشفي ناظرًا إلى قهرها ورعبها منه، السعادة داخله لا تقدر بثمن ولا يستطيع وصفها مهما قال، سعادة لا تضاهي أي شيء:
- فين بقى أوضة النوم؟..
تساءل وهو يوزع بصره في أنحاء الشقة أثناء ما هي تحاول فك الرباط على فمها بيدها المقيدة، يراها تفعل هذا ولكنه على يقين أنها لن تستطيع فوقف على قدميه يذهب إلى الغرف قائلًا بسخرية:
- هكتشف بنفسي يا برنسة.
سخطت بحرقة وقهر لا تستطيع وصفه، قلبها لا تفهم أهو سيقف أم لا؟.
خوف ورهبة، حزن وأشياء أخرى لا تستطيع فهمها ألا وهي جميعها تتلخص في الموت، الموت البطيء يتقدم إليها عن طريق “مسعد” في كل مرة..
تحاول بكل الطرق الممكنة لها أن تبعد القماش عن فمها لتصرخ، لتبكي بصوت على الأقل!..
حاولت فك قيود يدها أو حتى تجلس!..
لا تستطيع الجلوس بسبب حمل بطنها الصغير وأيضًا تلك الرعشة والتوتر لا يجعلها تفعل أي شيء..
وجدته يتقدم منها بابتسامة عريضة مُرتسمة على وجهه الحقير وتظهر أسنانه الصفراء قائلًا بتشفي:
- لقيت الأوضة.. على فكرة بقى ذوقك مش حلو لا في الرجالة ولا الأوض.
تقدم ليقف أمامها ثم مال عليها وهي تنظر إليه برعب وقد وضع يده الاثنتين أسفلها على حين غرة يرفعها عن الأريكة مكملًا بنبرة يملؤها الحماس المُحرم والرغبة الكريهة:
- بس أنا النهاردة هخليكي تجربي حاجة تانية خالص.
حركت نفسها بعنف على يده ولكنه لم يتأثر بالمرة، هي لا تأثر به يغلبها بكل سهولة ولكنه لو كان “جاد” لفعلها في بنطاله من نظرة واحدة تحمل الشراسة له..
دلف بها إلى الغرفة ثم ألقاها على الفراش الخاص بها هي وزوجها بنفس ذلك العنف في المرة الأولى، ناظرًا إليها بقوة والرغبة بها تكسو ملامحه الكريهة بعد أن رأى قدميها البيضاء التي ارتفعت عنهما العباءة أكثر من السابق..
تركها تحاول الإبتعاد إلى آخر الفراش بجسدها وتحاول فك ربطة فمها لتفعل أي شيء، هناك قلة حيلة رهيبة تشعر بها، العجز يسيطر عليها والحزن يقتلها لأنها لا تستطيع الحفاظ على نفسها في غياب زوجها..
وتلك الربطة تكاد تهشم فمها..
لقد رحل اليوم فقط لا تستطيع الحفاظ على نفسها لأجله ولأجلها؟.
لا تستطيع المقاومة لتبقى زوجته هو وحده وحلاله هو وحده، لتبقى إمرأة نقية عفيفة، بضع ساعات ذهب بها لا تستطيع أن تكون تلك الزوجة الشرسة التي ظهرت إليه سابقًا، شعور بالندم والخذلان، القهر والذل، كثيرًا من المشاعر السيئة تطاردها وقلبها لا يتحمل أي شيء من هذا..
وبدأ هو في فك أزرار قميصه ببطء وبرود وكأنه يقتلها خاصة بتلك النظرة الواثقة بأنه سيفعل ما يريد، أبعد قميصه عنه ليبقى بالقميص الداخلي، أقترب منها وصعد على الفراش يجلس فوقها مبتسمًا بقوة ولعابه يسيل لهفتهً للنيل منها ومن زوجها السارق..
احتل الرعب المكانة الأكبر بها عندما وجدته يفعل ذلك، عقلها وقف عن العمل وقلبها ازدادت نبضاته أكثر وأكثر يقول أنه سيخرج من مكانه في الحال.
في تلك اللحظات في الخارج كان “سمير” يصعد الدرج بعد أن عاد هو وعمه من عند المحامي الخاص بـ “جاد” وقف أمام شقة ابن عمه للحظات وهو يفكر هل يدخل إلى زوجته ليخبرها بما حدث؟.
أم يصعد إلى شقته ويجعل “مريم” تهبط إليها أو تصعد هي لأن الوقت أصبح متأخر ولن يكون ذلك جيدًا إن دلف إليها..
سيصعد يخبر زوجته بما حدث بالكامل ثم يجعلها تخبر شقيقتها أو من الأفضل يحادثها هو في الهاتف ليجعلها تطمئن، صعد على الدرج بهدوء مُكملًا إلى الدور الثاني ذاهبًا إلى شقته، وتفكيره بالكامل منصب على شقيقه وابن عمه الذي ظهر موقفه ضعيف في هذه القضية التي حلت عليه من العدم..
لو كان “جاد” غير ذلك الرجل الذي هو عليه لم يكن سيحزن هكذا ولكن “جاد” من أتقى الرجال هنا، من أفضلهم، لا يحب الكذب ولا الخداع، يسير على طريق مستقيم به وحده الصواب يفعله وأن شكك أنه ليس صواب يبتعد عنه في الحال..
ولكنه على يقين أن هذا ابتلاء وسيمر، وقف “سمير” على أعتاب باب شقته، أخرج المفتاح من جيبه ثم فتح الباب وهم بالدخول..
قبل تلك اللحظة بثوانٍ معدودة جذبت “هدير” قدمها اليمنى إليها تقوم بثنيها وهو فوقها يبتعد بمسافة إصبع واحد ولكنها فعلتها!..
وعلى حين غرة ولم تحدد إلى أين توجه قدمها قامت بضربه بقوة خارقة لم تأتي إليها إلا عندما علمت أنها حتمًا النهاية..
النهاية المُرة إن لم تحاول إنقاذ شرفها وشرف زوجها، فعلتها ولحظه السيء أتت الضربة القوية هذه أسفل الحزام ليصرخ بعنف مبتعدًا للخلف بقوة جعلته يقع من فوق الفراش مصطدم بالأرضية بقوة على ظهره..
انتهزت الفرصة سريعًا وابتعدت بجسدها إلى مكان نوم زوجها ناحية الباب وهي تحاول أن تفك عنها ربطة فمها، حركت رأسها على الفراش بقوة عدة مرات ربما تستطيع فعلها بذلك ثم جذبتها مرةٍ واحدة بقوة رهيبة ألمتها كثيرًا، لتصرخ في نفس اللحظة التي أبعدت عنها قطعة القماش بقوة هائلة لدرجة أنها شعرت بتقطع أحبالها الصوتية، ضربت تلك المزهرية المنيرة بيدها الاثنتين من على الكومود لتقع متهشمة مصدرة صوتًا عاليًا مع صوتها الصارخ الحاد..
ما كاد “سمير” إلا أن يغلق الباب خلفه ولكنه استمع إلى تلك الصرخة المنبعثة من الأسفل مع صوت تحطيم شيء، نظر خلفه باستغراب وهو يرى زوجته تتقدم منه بلهفة متسائلة عن هذا الصوت الذي استمعت إليه يأتي من ناحية باب الشقة ولكنه قابلها بالدهشة إلى حين استمع صوت زوجة شقيقه تهتف بصراخ وقوة مستغيثة:
- الحقوني…. يا ناس الحقوني.
ترك باب الشقة الذي كان يمسكه بيده وفي لمح البصر خرج منها راكضًا على الدرج وزوجته خلفه تهبط بسرعة كبيرة تشعر بالقلق والخوف على شقيقتها التي استمعت إلى صوتها الصارخ خارجة بملابسها البيتية وخصلات شعرها ظاهرة بالكامل..
وقف أمام باب الشقة يهتف بصوتٍ صارخ قوي:
- هـديـر… هـديـر.
أجابته من الداخل ببكاء حاد وصوت عالي قوي لكي يستمع إليه في الخارج وهي تحمد الله داخلها بلهفة وفرح لا تستطيع الشعور به:
- الحقني يا سمير… بسرعة.
حاول “سمير” كسر الباب بجسده ولكنه لا يستطيع، عاد إلى الخلف مرة بعد مرة في محاولة منه ليفعلها ولكن الباب متين للغاية، وقفت “مريم” على أول درجة جوار الباب واضعة يدها على فمها بخوف على شقيقتها وتتخيل بأبشع الطرق ما الذي من الممكن أن يكون يحدث معها في الداخل.
بينما هو تألم بقوة وكثرة واضعًا يده أسفل الحزام ومازال ينام على الأرضية فكانت الضربة قوية للغاية عليه، لكنه استمع إلى صوت “سمير” في الخارج فوقف ببطء شديد والألم مرتسم على ملامح وجهه بالكامل متقدمًا منها بضعف..
جذبها إليه من خصلات شعرها بعنف وقوة لتجلس على الفراش ثم بيده الحرة صفعها مرة أخرى بقوة أكثر من السابق لتطلق صرخة مدوية يستمع إليها من بالخارج..
وقع قلب “مريم” و “سمير” بين قدميهم خائفين من الذي يحدث لها بالداخل ثم عاد إلى الخلف بقوة ليقوم بدفع الباب..
جذبها “مسعد” من خصلاتها بقسوة وهو يقوم بتبديل يده الأخرى ليستطيع صفعها جيدًا وقد فعلها حقًا ثم ألقاها على الفراش مصمم على التكملة وهو يعلم أن “سمير” بالخارج، ولكن كل هذا لن يذهب هدرًا..
أمسك بمقدمة عباءتها وبكامل قوته جذبها لتنشق نصفين محاولًا الإقتراب منها أكثر ولكنها تقاومه بكل قوتها صارخة في أذنه بحدة وقسوة:
- جاد هيحرقك من على وش الدنيا يا زبالة يا حيوان.
صرخ هو الآخر في وجهها صافعًا إياها أكثر من صفعة متتالية وهو يقول بحرقة:
- جاد هيتعفن في السجن.
وما كاد ينهي جملته إلا واستمع إلى صوت تكسير الباب وهناك من يقف فوق رأسه..
نظر “سمير” بصدمة كبيرة إليها ولم يجعل عينيه تستمر بالنظر على زوجة شقيقه،
تقدم بعنف وقوة يبعد الأفكار عن عقله الآن، متقدمًا منه وجذبه من على الفراش لكمًا إياه بعنف وقوة، ثم جذبه للخارج لكي يستطيع فعل ما يريد بعيد عنها وعن هيئتها هذه.
وفي لحظتها كانت “مريم” تحاول فك قيد يدها والبكاء يغرق وجهها كما شقيقتها بالضبط.
خرج إلى الصالة ليحاول “مسعد” ضربه في وجهه، ولكن “سمير” لم يجعله يفعل هذا وبدأ في ضربه بقسوة وقوة كشقيقه بالضبط عندما يحضر.
الدماء تغلي بعروقه على تلك الهيئة وهذا المظهر القذر الذي رآه.
أخذ يلكمه بقوة في كل مكان بجسده وهو يتذكر حديث ابن عمه، هل لأنه ذهب لساعات فقط لم يستطع هو الحفاظ على أهل بيته؟
دفع “سمير” “مسعد” بكل قوته إلى الحائط لتصطدم رأسه به وتخرج الدماء منها في الحال، أرهقه كثيرًا ضربه له.
لقد أخرج كل الكبت الذي كان يشعر به تجاه كل شيء ولم يترك لـ“مسعد” الفرصة للدفاع عن نفسه.
وقع على الأرضية يفتح عينيه ويغلقها مرة بعد مرة فابتعد “سمير” سريعًا إلى باب الشقة يغلقه ثم صرخ بقوة على زوجته يناديها:
- مـريـم.. مـريـم!
خرجت إليه تبكي بقوة ونظرت إلى “مسعد” الملقى أرضًا لتضع يدها على فمها مصدومة بعنف وقلق:
- يالهوي ده مات!
تحدث بحدة وقوة وهو يأخذ أنفاسه بصعوبة كبيرة:
- خلي أختك بسرعة تغير هدومها...
وجدها تقف ولم تتحرك تتساءل بعينيها عن السبب بغباء حقيقي ليصدح صوته يصرخ بغضب:
- بسرعة بقولك.. وخليها تجيب ذهبها كله يلا!
دلفت إلى شقيقتها لتفعل كما قال، لكن “هدير” كانت في وضع لا تحسد عليه أبدًا، لم يكن بها عقل لتفعل هذا ولم تكن تستطيع تحريك أي عضو بها فتولت “مريم” هذه المهمة وبدلت لها عباءتها وهي تحاول أن تخفف عنها بأي حديث تقوله.
والأخرى داخلها نيران لن يستطيع أحد إطفائها سوى “جاد”.
أخذتها وذهبت للخارج، نظر إليها “سمير” متقدمًا منها قائلًا بجدية وقوة محاولًا تقدير موقفها:
- علشان خاطري يا هدير اصحي معايا وكأن مسعد معملش معاكي أي حاجة.
عندما نظرت إليه لتحاول فهم ما الذي يريده قال بجدية:
- ادخلي هاتي كل دهبك، ولو في أي فلوس هاتيها.
وجد الاثنين ينظرون إليها بدهشة فعاد بنظرة إلى “مسعد” الذي بدأ يتحرك، ليقول بجدية لا تحتمل النقاش:
- يلا مفيش وقت!
أومأت إليه بهدوء ودلفت إلى الداخل مرة أخرى لتأتي بما طلب فصاح إلى زوجته:
- حطي طرحة على شعرك واطلعي البلكونة صوتي!
قابلته بعدم فهم، ونظرة غريبة، منهكة، تحاول الاستفسار بعينيها ولكنه لم يعطِ لها الفرصة وقال بقوة:
- يلا يا مريم!
ذهبت لتأتي بالحجاب وتقدمت منه “هدير” بصندوق الذهب وبعض النقود الخاصة بـ“جاد” فوضعه على الأرضية جوار “مسعد” بعد أن فتحه وجعله يقع مفتوحًا، وألقى بالنقود أيضًا جواره ثم أشار لزوجته بفعل ما قاله.
تقدمت “مريم” بفتح الشرفة ثم خرجت وأخذت في الصراخ عاليًا ليستمع إليها جميع من يمر من الشارع:
- الحقونا.. يالهوي!
أخذت تصرخ بعنف وقوة حقيقية وكأنه ليس مزيفًا، خرجت أم “جاد” في الناحية الأخرى إليها في شقتها تقف في الشرفة تتساءل بلهفة وقلق وأتى على جنبها ابنها “جاد”:
- إيه يا مريم.. جاد حصله حاجة؟ في إيه أنتِ فيلم؟
لم تعطِها فرصة للرد وهي تسأل كثير من الأسئلة ورأت والدتها تخرج إلى الشارع هي الأخرى والكثير اجتمع في الشارع ومنهم من صعد إلى الأعلى عندهم ومنهم من بقي في شرفة لتقول بخوف:
- مسعد اتهجم علينا!
نظرت والدة “جاد” بقوة واندهاش حقيقي بعد الاستماع إلى هذه الكلمات!
كيف قام بالتهجم عليهم وهم وحدهم في المنزل؟ كيف يتجرأ ويدلف منزل “جاد أبو الدهب” في غيابه؟ كيف يوسوس له عقله أن يتقدم بخطوة أو نصف إلى هذه الناحية!
كثير من الحديث والأفكار داخل عقلها وعقل الجميع كوالدتها التي صعدت إليهم وكوالدة “سمير” التي هبطت من منزلها سريعًا بعد هذه الكلمات التي وقعت على مسامعها.
صعد من يهمه الأمر بالحارة ومن يود المساعدة ومسكوا بمسعد في الجرم المشهود، نائم على الأرضية بعد الكثير من ضربات “سمير” الظاهرة عليه بوضوح جلي، صندوق الذهب ملقى على الأرضية ومعه المال أيضًا، وبيده بعض منهم!
يا له من تفكير.
هدير تجلس على الأريكة دون حديث.. دون نظرة.. دون حركة، دمية تجلس على الأريكة وكأنها ليست موجودة بالمرة، تفكيرها لا يتركها تشعر بالراحة أبدًا، أليس من المفترض أن تسعد لكونها تخلصت منه!
الآن هي تريد من الجميع أن يخرج من هنا لتقوم بالصراخ إلى الصباح بكل قوتها.. لتقوم بالبكاء الحاد.
تريد أن تبقى وحدها.. أن يبتعد الجميع ولا ينظر إليها أحد كما الآن، وكأنهم يشكون فيما حدث يوزعون نظراتهم عليها بغرابة ودقة.
وأمام الجميع وبصوت عالي تحدث “سمير” بأنه قد تهجم على البيت وكانت به فقط زوجة شقيقه التي لم تستطع التصدي له وحدها، وهو من تقدم في الوقت المناسب للإمساك به.
بعض من الناس لم يدلف عقلهم أن “مسعد” كان يسرق لا.. إنه كان هنا لغرض آخر وهو زوجة “جاد الله”، السبب الوحيد الذي يجعله يصعد إلى هنا بكامل قواه العقلية هو “هدير” ابنة “الهابط” غير ذلك فلا.
حاولت والدة “جاد” أن تطمئن على “هدير” بعدما علمتها من “سمير” ولكنها لا تستجيب للحديث معها! ولا حتى مع غيرها.
لم تجب والدتها ولا تعطي نظرة إلى شقيقتها.. ضيقت ما بين حاجبيها باستغراب وشك لما قد يكون حدث منه معها!
هي ليست غبية!
الفتاة تجلس كالصنم لا تتحرك لا تنظر لا ترمش بعينيها حتى، لا تفعل أي حركة أو رد فعل على حديثهم.
ما بها؟
قالت “مريم” لجميع من تقدم من جيران وأصدقاء يطمئنوا عليها بأنها تعرضت لصدمات كثيرة اليوم فلا تشعر بالراحة أبدًا بل كانت حالتها النفسية سيئة للغاية فلا تستطيع أن تجيب على أحد.
والدة “هدير” شعرت هي الأخرى أن هناك شيء قد حدث مع ابنتها، فهي هكذا ليست على ما يرام أبدًا، لقد كانوا هنا قبل أن يحدث هذا، كانت حزينة على فراق زوجها لها ولكن لم يكن بهذا القدر.
مؤكد أنه أول أن يؤذيها بشيء ما من أفعاله القذرة.
كانت خطة سريعة ولا أروع من “سمير”، فكر مسرعًا بشيء ما يستطع أن يفعله بمسعد بعد ضربه إليه وليكن بالقانون هذه المرة بعيد عن زوجة شقيقه فلم يكن يريد أن يمسها حديث أو تلميح وقد كان حقًا.
قام “سمير” بالتبليغ سريعًا وأتت الشرطة في حضور الجميع وألقت القبض على مسعد بتهمة التعدي والسرقة وقد تحدث “سمير” مع “هدير” عن كل شيء من المفترض أنه حدث منذ دخول “مسعد” إليها وأخذه الذهب الذي لم يحدث من الأساس إلى أن أتى “سمير” من الخارج واستمع إليهم.
ما طلبه من زوجته كان غاية في الذكاء ليصعد أفراد من الحارة وينظرون إلى المشهد أمامهم ثم يقوموا بالتصديق أن “مسعد” سارق ووقع بالجرم فيقوموا بالشهادة ضده إذا طُلب لأنه رآه وهو في منزل “جاد” معه الذهب والمال محطم الرأس والجسد بعد ضرب “سمير” له.
أمام الجميع “مسعد الشباط” سارق، لقد تم القبض عليه متلبس.. واقع في جريمة بشعة قذرة أكثر من جرائمه الذي من المفترض أن يحاسب عليها في مثل هذا الوقت.
ألا يمر عليه مثل من حفر حفرة لأخيه؟
الجزاء من جنس العمل، وهذه البداية على كل ما فعله منذ أول يوم وقعت عينه على الحرام واستمر به وتكبر عن العودة إلى الله بل استمر في المكابرة إلى أن وقعت عينه على ما لا يحل له وعندما علم أنه لن يكون له مهما حدث كان بأكثر الأشياء بشاعة إلا وهي الفضيحة لاثنين لم يفعلوا شيء له سوى أنهم قابلوا عاصفته المحملة بكل ما هو حرام الله بالرفض التام.
ليقوم بكل ما يريد بعيدًا عن أمور دينه الصحيحة ولكن.
أقترب الميعاد للغاية والمحاكمة تنصب من الله في هذه اللحظات لكل من كابر وسار في طريق ليس طريقه، لكل من استلذ من الحرام أكثر من الحلال.
العقاب أتى للجميع والجميع عليه أن يتحمل.
بينما من وقع في اختيار صعب عليه أن يصبر ويحكم قلبه وعقله وإيمانه ومعه يقينه بالله ليستطيع أن يجتاز ذلك الاختبار وبأعلى الدرجات التي تجعله يكمل الدرب بصدر رحب وسعادة لا نهائية تحقق كل ما يريد بثقة وعزيمة تأتي من الله عز وجل مكافأة لمن امتنع عن الحرام وملذاته وأصر على تذوق الحلال الكثير.
مر اليوم!.. لا لم يمر بعد ولن يمر أي يوم ولا ليلة واحدة في غيابه عنها.. وستكون هذه أطول الليالي وأكثرها حرقة وحزن.
رحل الجميع بعد انتهاء ما حدث، طلبت والدة “هدير” منها أن تأخذها معها إلى بيتهم ولكنها رفضت رفض قاطع غير قابل للنقاش أو الإعادة مرة أخرى، لن تترك بيتهم وعشهم، لن تترك مكان تواجد رائحته وروحه.
لن تبتعد عن مكان وجود حبيبها وحتى لو كانت بالذكرى، وإن حدث فتذهب إلى بيت والده لترى كل شيء به هناك قد تركته هنا.
جعل “سمير” الجميع يرحل وقال أنه سيترك معها زوجته حتى لا تكون بمفردها مرة أخرى.
الآن تجلس بينهم غائبة عن وعيها وهي مستيقظة.. تفكر فيما حدث بقهر وخذلان بشع.. تسترجع لحظة دخول “سمير” ورؤيته لها.. تتذكر كل ما فعله “مسعد” بها.
جلست مريم على الأريكة مقابلة لها لا تستطيع أن تتحدث معها في أي شيء فهي لا تستجيب من الأساس، عقلها مشوش بطريقة مرهقة، تنظر إلى الأرضية بثبات وبعينيها كامل الحزن القابع بقلبها، حزنها مما حدث بينها وبين جاد في الفترة الأخيرة، حزنها على غيابه عنها ووقوعه في هذه المصيبة، حزنها على ما مرت به بين أيدي حقير بشع لا يعرف الله.
كل هذا وأكثر حزن ليكون الوحيد الذي يقف معها في وحدتها وشدتها مصاحب لأصدقائه معه حتى لا يكون وحده.. مصاحب للقهر والخذلان، الضعف والبكاء، الخوف والرهبة.. لم يترك أي شعور سيء إلا وأتى به معه ليكونوا معها في غياب معذب الفؤاد.
دلف “سمير” من الشرفة حيث أنه كان يقوم بإجراء مكالمة هاتفية، نظر إلى زوجة شقيقه ثم إلى زوجته بحزن يبادلها تلك النظرات المشفقة على شقيقتها متقدمًا ليجلس جوارها.
عندما شعرت بوجود “سمير” أخيرًا رفعت نظرها عليه بلهفة وقلق تترقب لاستماع أي معلومة عنه، تناست كل ما كانت تفكر به منذ لحظة وهتفت متسائلة والقلق ينهش قلبها:
- عملتوا إيه مع جاد يا سمير؟.. هيخرج إمتى؟
ابتلع ما وقف بجوفه ثم شعر بمرارته البشعة، كبشاعته عندما يقول لها أن زوجها لن يأتي الآن بل ولا يعرف متى سيأتي!
حاول أن يكون هادئ قدر الإمكان ثابت في حديثه:
- التحقيقات شغالة وإن شاء الله خير.
أقتربت بجسدها للأمام مضيقة ما بين حاجبيها باستغراب ودهشة لحديثه الذي يظهر وكأنه يطمئن شخص غريب عنه!
أردفت بقوة:
- يعني إيه الكلام ده؟ أنا عايزة أفهم انتوا عملتوا إيه!
تنهد بعمق وهو يجيبها بهدوء متقدمًا للأمام محاولًا بث الاطمئنان بها:
- جاد اتحبس على ذمة التحقيق بس إن شاء الله هيخرج متقلقيش.. المحامي طمني.
سألت مرة أخرى وعينيها تنظر إليه بثبات غير قادرة على تحريكها إلا عندما ترى تعابيره وتفهم منها إن كان يكذب أم لا:
- هيخرج إمتى؟
بقلة حيلة أجابها وفي نفس الوقت لا يريد أن يتحدث معها ويتعمق في ذلك فتفهم أن موقفه صعب للغاية:
- مش عارف بس هيخرج.. مش هيتحاكم، جاد بريء وهيخرج منها.
صاحت بقوة وحِدة، شراسة قليلة ظهرت منها وكأنها لم تكن تصارع الموت منذ قليل، حياة أخرى انفجرت بداخلها عندما خُص الأمر زوجها:
- يعني إيه الكلام ده أنا عايزة أفهم اللي حصل.. المحامي قال إيه؟ هو قال إيه؟ الظابط قال إيه؟ أنا مش عايزاك تطمني قولي اللي حصل يا سمير!
أجابها على حديثها بجدية متفهم حالتها بعد مرورها بيوم عصيب منذ بدايته إلى الآن:
- والله ده اللي حصل جاد اتحبس على ذمة التحقيق مفيش أكتر من كده وهنروح بكرة تاني.
مررت حديثه عما حدث وعما قاله لأنه لا يعطيها الحقيقة الكاملة وأردفت بحزم وجدية شديدة مشيرة إليه بيدها:
- أنا عايزة أروح معاكم ومتقوليش لأ يا إما هروح لوحدي… أنا عايزة أشوفه!
أومأ إليها بعدما رأى نظرتها وإصرارها على الذهاب، فلو رفض ستذهب وحدها حقًا فهي مجنونة وستكون في مأزق إن تركها وحدها:
- حاضر يا هدير… حاضر!
وقف على قدميه بعد أن تنهد مرة أخرى والحمل وقع على عاتقه في لحظات معدودة، قال بجدية:
- أنا هطلع أنا خلي مريم معاكي الليلة دي!
أردفت بجدية هي الأخرى تبادله قائلة:
- لأ أنا كويسة مش محتاجة حاجة!
تحدثت “مريم” بعد أن تقدمت وهي تستمع إليهم، محاولة إقناعها بالجلوس معها حتى إلى الصباح فقط ثم بعد ذلك لن تبقى:
- خليني معاكي بس...
قاطعتها بحزم وجدية غير قابلة لوجودها هنا، لتكون معه وحدها.
لتعبر عما داخلها وحدها دون تطفل أحد عليها:
- لأ يا مريم اطلعي بيتك أنا كويسة وهقفل الباب كويسة متقلقوش.
هتف “سمير” بهدوء:
- لو احتاجتي حاجة كلمينا يا هدير.
أومأت إليه بهدوء يماثله وصمت تريد أن تنعم به فأكمل وهو يسير متجهًا إلى باب الشقة:
- تصبحي على خير.
وقفت “مريم” خلف زوجها ثم تقدمت من شقيقتها قائلة بحنان وقلق عليها:
- متأكدة إنك كويسة؟.. أنا عايزة أقعد معاكي يا هدير هيكون أحسن.
أجابتها بحزم وقوة:
- أنا كويسة يا مريم متقلقيش اطلعي.
خرجت “مريم” خلف زوجها وتركتها وحدها، لم تكن تريد ذلك فهي تعلم أنها ليست على ما يرام، ليست بخير أبدًا، عينيها تتحدث نيابة عن شفتيها وكل ما بها ينطق بالألم والقهر الذي تعرضت له، تشعر بكم الحزن الذي يجتاحها، قلبها يشتعل لأجل شقيقتها وعينيها بُهتت بحزن طاغي لما تواجهه منذ وفاة والدهما، إلى اليوم لم تستطع أن تشعر بالراحة قليلًا حتى بعد زواجها من “جاد”..
أترى كم الحزن الذي تشعر به لأجلها! هناك منه أضعاف مضاعفة في قلب شقيقتها، هناك ما لم تعرفه هي يومًا، تشفق عليها وتود لو تحمل عنها القليل من الألم والضعف، تود لو تحمل عنها القليل مما تمر به ولكنها لا تسمح لها بذلك.. لا تسمح لها بالبقاء معها حتى..
كيف يمكنها أن تساعدها في مثل هذه المصيبة التي تمر بها.. ليست وحدها بل هذه مصيبة وقعت على العائلة بأكملها تهدد جمعهم، تهدد وجودهم مع بعضهم، تهدد كل جميل كان بينهم..
وقفت “هدير” من خلفهم وتقدمت بعد خروجهم تغلق الباب عليها بأحكام، أغلقته بالمفتاح عدة مرات وتركته في المزلاج، استدارت تستند على الباب تنظر إلى الشقة الفارغة عليها من كل اتجاه.. حان وقت الانهيار لقد صمدت أمام الجميع كثيرًا..
دون صوت!. دون حركة واحدة تصدر منها خرجت الدموع بصمت تام من عينيها العسلية باكية على نفسها قبل “هدير” عينيها تبكي لأجل ما شاهدته ووقعت به، وقعت على الأرضية تجلس خلف الباب وشعور القهر يلازمها، الرهبة والضعف الشديد.. والخوف زحف إلى قلبها بمهارة عالية، إنها لم تشعر بالخوف يومًا، وجوده كان يغنيها عن كل شعور سيء، رغم كل ما مرت به معه إلا أنه كان كل شيء لها ومازال، لن تزعجه مرة أخرى عند عودته، ستكون هي مكان راحته وأمانه.. ستكون كل ما يحتاجه حتى وإن كان على حساب نفسها..
“جاد” رجل لا يقدر بثمن، ليس هناك مثله ولن يكون هناك، في جلستها وأثناء تفكيرها به عادت إلى رأسها صورة لها وذلك الحيوان يقوم بالتهجم عليها وهنا ازداد البكاء والقهر، كيف له أن يقوم بفعل شيء كهذا وهي امرأة ضعيفة للغاية!.. تظهر شراستها في الحديث والصوت العالي غير ذلك فلا يوجد.. لو لم يأتي “سمير” لكانت الآن مع الموتى!.. لن تستطيع إبعاده ولن تستطيع فعل أي شيء معه، قوته تضاعفها أكثر من اللازم، كيف له أن يكون هكذا، رجل كبير ولديه زوجات وأطفال، كيف له أن يكون هكذا؟.. كيف له أن يستحل ما حرمه الله عليه ويسرق حلال رجل آخر؟ كيف له أن يهتك عرضها بهذه الطريقة البشعة الحقيرة، التي لو كانت حدثت كانت ماتت من بعدها..
حمدًا لله على نعمته، في كل آخر لحظة يرسل لها المنقذ ليغير حياتها ويسترد ما كان سيقع منها في وادي الذئاب..
وقفت على قدميها تمسح على وجهها بحدة بكفي يدها، تقدمت إلى الداخل تسير متجهة إلى غرفة النوم، دلفت إليها ووقفت أمام الفراش تنظر إليه بغل وكره بسبب ذلك البغيض الذي جلس عليه، تقدمت وبقوة جذبت الملاءة الموضوعة على الفراش وألقتها بعنف على الأرضية، ثم جذبت مفروشات الوسادة هي الأخرى وتركت الفراش هكذا..
استدارت وأخذت العباءة التي كانت ترتديها وقميصه القذر ثم وضعته معهم وأخذتهم إلى الخارج تضعهم في سلة القمامة!.. لا يجوز أن يبقى رائحة أو ملمس لرجل آخر في بيت “جاد الله”..
عادت تدلف إلى المرحاض ثم وقفت أسفل صنبور المياه بعد أن تخلصت من ملابسها، تتهاوى المياه عليها من أعلى رأسها إلى أسفل قدميها، تود التخلص من أي لمسة قد تكون حدثت من قبله، تود محو كل ما حدث لتستطيع مقابلة زوجها في الغد دون أن يكون هناك ذكرى تشوب عقلها أو جسدها..
أخذت تمسح بيدها بقوة على وجهها تمحي أثر صفعاته التي تركت علامات واضحة بقوة، تمحي كل جرح ترك ندبة من خلفه..
انتهت من كل ذلك وخرجت ترتدي ملابسها وأخذت زجاجة العطر الخاصة به ونثرت منها في أنحاء الغرفة لتكون رائحته في كل مكان، مرة أخرى تتقدم إلى الخزانة تفتحها تأخذ منها قميصًا لزوجها الحبيب به رائحته الرجولية المعهودة منه، وتقدمت إلى الفراش تصعد عليه تأخذ قميصه في أحضانها تستنشق رائحته وكأنه ينام معها وجوارها.. لم يرحل لأي مكان مازالت الدموع تخرج ولن تتوقف الليلة!..
❈-❈-❈
“اليوم التالي”
ذهبت “هدير” مع “سمير” لزيارة “جاد”، هو يوم واحد فقط الذي غاب به عنها ولكنه بالنسبة إليها كعام مضى دون رؤيته والنظر إلى رمادية عينيه الساحرة، عام مضى لم تشعر بالراحة والسكينة جواره..
جلست مقابل “سمير” أمام مكتب الضابط الذي خرج من الغرفة وتركهم ينتظرون “جاد” لرؤيته والتحدث معه وإليه، والتشبع من نظراته وكلماته..
لحظات تمر كالأيام والاشتياق قاتل والانتظار مرهق، تنظر على الباب المغلق منتظرة لحظة دخوله إليهم، عينيها تتخيل رؤيته يدلف الآن، لم يدلف! الآن سيكون هنا!.. لا، مازالت تتخيل محاولة قتل هذه الدقائق واللحظات الكريهة لتراه.. لتقع عينيها على معذب الفؤاد..
وفي تلك اللحظة بالضبط حضر على ذكر معذب الفؤاد وفُتح الباب ليطل منه بهيئته التي مازالت أجمل من الجمال نفسه مهما حدث به..
وقف “سمير” سريعًا يتقدم منه يحتضنه بقوة ليبادله الآخر العناق ناظرًا إلى زوجته التي مازالت تجلس باشتياق جلي غريب غرابة ما يحدث هذه الفترة..
- عامل إيه يا جاد.
ابتسم “جاد” بهدوء وكأن ليس هناك شيء يزعجه ولم يشعر بالخوف أبدًا مجيبًا إياه:
- الحمد لله بخير.
عاد “سمير” للخلف قائلًا بجدية وأمل يود أن يبثه فيه هو الآخر:
- متقلقش خير إن شاء الله.. المحامي طمني يا جاد وبإذن الله هتطلع من هنا.
أومأ إليه برأسه عدة مرات متتالية ونظراته تبتعد منه إلى حبيبته التي تريد أن تنال جزءًا منه هي الأخرى، هتف “سمير” مرة أخرى:
- مش محتاج أي حاجة يا جاد؟.. إحنا جبنا معانا حاجات بس أنتَ لو محتاج حاجة قول.
عاد بنظره إليه بعد أن ابتعد عن زوجته قائلًا بجدية وضيق مضحك:
- يا ض مش عايز حاجة أخفى من وشي بقى.
أنهى حديثه بغمزة عين تحمل مراوغته الرائعة المفتقدين لها جميعًا، ابتسم “سمير” بتفهم ثم استأذن منهم ذاهبًا إلى الخارج..
وقفت على قدميها فور خروجه، تنظر إليه بعينين دامعتين، حزينة، مرهقة لأبعد حد، أقترب منها بهدوء ناظرًا إليها باشتياق قاتل وحب كبير يتضاخم داخله، الابتسامة على وجهه لم تبتعد عنه، جسده كما هو وطوله كما هو لم يحدث له شيء هو على ما يرام وهيئته كما هي إذا لا يحدث ما تراه في التلفاز مؤكد.. أي غباء هذا الذي تفكر به!..
أقترب إلى أن وقف أمامها مباشرةً فلم تعطي إليه الفرصة لا بالحديث ولا أي شيء آخر، ألقت نفسها داخل أحضانه تنعم بها فقد حرمت منها وبالقوة، وجدها تدس نفسها داخله تتشبث به كطفلة خائفة من أحد يأخذها من والدها عنوة..
حاوطها بذراعيه الصلبة بقوة كبيرة يقربها إليه أكثر شاعرًا بالدفء والحنان ينبثق من ذلك العناق، ولم يكن يحتاج إلا لهذا..
تنهد بصوتٍ مسموع وهو يشتد بيده عليها ليشعر بالحب أكثر والراحة تتضاعف معه، ليشعر بأنه في منزله مع زوجته في وسط أهله، وليكون كل ما يمر به كابوس شاهده عندما خرج من أحضانها..
شعر بها تبكي وترتعش على عضلة قلبه، ترتعش وشهقاتها تظهر مرة وتختفي الأخرى ومازالت تتشبث به بقوة غير تاركه له مجال ينظر إليها حتى..
أنزل يده من حولها وحاول إبعادها لينظر إلى ملامحها ويتحدث معها ولكنها متمسكة به بقوة شديدة ولا تريد الابتعاد عن ذلك الأمان المنبعث منه..
أردف بصوتٍ رخيم وهو يحاول جذبها بعيدًا عنه ليرى وجهها:
- هدير!.. بُصي لي.
حركت رأسها بالنفي على صدره فابتسم بهدوء قائلًا بمرح محاولًا إخراجها مما هي به:
- ياه للدرجة دي مش طايقة تبصي في وشي.
عَدَتْ للخلف بهدوء ووجهها ينظر إلى الأرضية فرفعه بيده بحنان بالغ يرى تلك الوردة الحزينة الباهتة، التي بهتت أكثر عندما تركها وذهب، وضع إصبعه الإبهام على وجهها يمسح دموعها بحنان:
- بلاش عياط.. أنتِ شيفاني هنعدم يعني!
هتفت بسرعة وقوة ناظرة إليه بحدة وهي تبعد يده عنها:
- بعد الشر عليك.
ضحك وظهرت أسنانه بقوة يهتف بحماس:
- أيوه كده هي دي مراتي.
أظهرت الضعف الذي داخلها وقلة حيلتها في غيابه وعدم الأمان الذي هجم عليها:
- وحشتني أوي يا جاد.. مش عارفة أقعد من غيرك، حاسة إني خايفة ومرعوبة مش حاسة بالأمان وأنتَ بعيد عني.
أقترب يضع وجهها بين كفي يده قائلًا بحنان بالغ وعينيه تتحرك على عينيها بعمق:
- وأنتِ كمان وحشتيني أوي بس أنا مش عايزك تخافي الكل معاكي هناك محدش يقدر يكلمك وبعدين أنا سايب راجل ورايا… أومال كنتي منشفاها عليا ليه الله.
أكمل حديثه مازحًا مستنكرًا ما كانت تفعله معه، فأجابت بقوة وهي تتذكر أفعاله ثم بضعف ولين:
- مهو من عمايلك.. بس خلاص أعمل اللي تعمله والله مش هتكلم نهائي.
عينيه ترسل إليها كلمات الحب كل لحظة والأخرى غير شفتيه التي تحركت باغراء لها قائلة:
- مش هعمل حاجة يا هدير… غير إني أحبك.
ابتسمت وهي تندمج في الحديث محاولة تناسي كل شيء والوجود معه فقط، تساءلت باستفهام:
- تفتكر مين عمل كده يا جاد.
أخذ يده الاثنتين مبتعدًا للخلف قليلًا ناظرًا في الفراغ بعد أن أدار رأسه بشرود:
- لأ مفتكرش أنا عارف ومتأكد.
تساءلت باستغراب جاد وهي تراه يعلم من الذي فعلها، أهو “مسعد”؟
- مين؟
- كاميليا.
إجابته لم تكن في الحسبان، لم ترد عليه بل أكملت نظرها بذهول تام وصدمة كبيرة احتلتها، “كاميليا” من كانت تخاف منها! التي كانت تخاف أن تسرق زوجها هي من زجت به في السجن:
- مالك مذهولة ليه.. والله هي.
مرة أخرى تتساءل بصدمة وعينيها متسعة تنظر إليه:
- ليه؟
تنهد بعمق يجيبها متذكرًا ما الذي كانت تريده تلك الغبية غريبة الأطوار التي لا تعرف دين ولا أخلاق:
- كانت نيتها وحشة زي ما قولتي ولما رفضت نيتها السودة اللي زيها دي لبستني قضية أهو.
- وكانت عايزة إيه.
لم يفد بشيء الحديث عنها، إنها رحلت وحدث ما حدث ولكن إن خرج من هنا فلن يكن هذا هو تفكيره، سيتغير لا محال:
- مش هيفيد بحاجة الكلام ده.
أعادت سؤالها مرة أخرى مصرة على معرفتها ما الذي كانت تريده منه وقام برفضه ثم بعد ذلك يدعوها إلى أن تجعله يسجن في مثل هذه القضية:
- كانت عايزة إيه يا جاد.
بمنتهى البرود أجابها:
- اتجوزها… ارتاحتي!..
اتسعت عينيها أكثر بصدمة أكبر لأنها على علم بأن تلك المرأة متزوجة بالفعل:
- دي متجوزة!..
أردف بضيق وضجر، لا يريد الحديث عنها، لا يريد ذلك:
- ست مجنونة، وأنا مش عايز أتكلم عنها ممكن؟، قوليلي عاملة إيه كويسة؟.
تنهدت بحزن تجيبه وهي تقترب منه:
- هبقى كويسة إزاي وأنتَ بعيد.
ابتسم قائلًا بمرح ومزاح محاولًا الخروج بها من هذا الجو الحزين الذي يسيطر عليهم:
- بلاش دراما بقى شكلك مبسوطة أصلًا.
استنكرت حديثه وضربته في صدره بخفة تهتف:
- أخص عليك دا أنا هموت علشانك.
مرة أخرى يقول بمرح يغمز لها بعينيه متذكرًا حديثهم في السابق:
- أوعي أنطس حكم جامد تقومي تطلقي وتاخدي فلوسي.
- أنت رخم أوي على فكرة.
أقترب يضع يده الاثنتين خلف خصرها يقربها إليه يقف أمامها يمزح بمرح خافيًا آلامَه في هذه اللحظات:
- ما أنتِ عارفة كده يا وحش.
وضعت يدها الاثنتين هي الأخرى على صدره تبتسم بسعادة متذكرة مناداته لها بهذا الاسم الذي افتقدته:
- تصدق وحشتني الكلمة دي.
بعينيه الرمادية يغمز إليها ملقيًا عليها كلماته ذات المعاني الكثيرة:
- أطلع من هنا بس ونصفي اللي بينا ده وهخليكي تفتكري كل حاجة كان بيعملها الوحش معاكي.
نفت حديثه عن كون هناك تصفية بينهم، فهي لو كانت تريد معاقبته بعد ما علمته الآن منه وبعد أخذه منها لن يكون هناك تصفيات أبدًا:
- لأ نصفي إيه.. أنا خلاص نسيت أي حاجة حصلت ومش فاكرة غير إني بحبك.
أقترب منها “جاد” يطبع قبلة رقيقة على شفتيها بعد الاستماع إلى كل هذه الكلمات التي تستفزه كثيرًا وتطالبه بفعل المزيد ولكنه لا يستطيع فعل ذلك.. نظر إلى وجهها بعمق وهو يعود للخلف ثم هتف عندما لاحظ احمرار وجنتها عن الأخرى وكأن هناك علامات بها:
- وشك ماله أحمر كده.
ليس عليها أن تتوتر، إنه يتساءل فقط، إن توترت سيفهم كل شيء لأنه يعرفها جيدًا،
تصطنع أنها لم ترى هذا وأنه من الأساس ليس هناك شيء.
نظر مرة أخرى بدقة على وجنتها، يشعر بأن هناك إحمرار حقًا، وقال مجيبًا إياها باستغراب وجهل ما بها:
- مش عارف أحمر كده
تعمقت بعينيه ونظرتها حنونة وصوتها هادئ يقتله:
- لأ عادي يا جاد مفيش حاجة
مرة أخرى ينظر إليها بعمق وشغف مجنون وداخله يحترق لأجل ذلك البعد الذي بدأ منذ أيام ليس الآن فقط.
أقترب مرة أخرى يقبلها تحت اعتراض منها قائلة:
- حد يفتح الباب
بكامل البرود واللامبالاة أجابها مقتربًا أكثر تاركًا كل شيء خلفه مقررًا فعل ما يريده:
- اللي يفتح يفتح هي موته ولا أكتر
عاد ليفعل ما نوى فعله محاولًا أخذ ما يريد قدر المستطاع فبعد هذه المرة لا يدري ستحدث مرة أخرى أم لا..
على الأغلب لن تحدث ثانيةً..
فلا يوجد شيء يبشر بالخير أبدًا..
إلا إن حدثت معجزة أخرجته من هنا..
رواية ندوب الهوى الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ندا حسن
عادت هدير مع سمير مرة أخرى إلى الحارة بعد أن التقوا بـ جاد. تود فقط لو يعود معها إلى المنزل. طلب صغير للغاية لن يكلف فعله، تريده فقط، ولكن للقدر رأي آخر. رأي يقتلها كل ثانية وأخرى تمر عليها بدونه. وليس هناك أي مؤشرات تدل على خروجه الآن. إذًا ما الذي سيحدث؟ وإلى متى سيكون في هذه الورطة؟ مُتهم بشيء بشع كهذا وهو نقي لا يفعله أبدًا، بريء والجميع متأكد من ذلك. ما الحل؟
تذهب إلى كاميليا؟ تطلب منها السماح وكما فعلت ذلك تعفو عنه وتعود عما برأسها؟ ولكن كيف؟ لقد تم القبض عليه وبحوزته هذه الأشياء. ما الذي تفعله هي إذًا؟ من المستحيل أن تعترف عن نفسها بأنها من فعلت ذلك.
لقد توقعت أن يكون مسعد من فعلها لينتقم لنفسه بعد الذي فعله به جاد كثيرًا من المرات وأمام الجميع. لم يخطر على خلدها أن هذه الحية هي من فعلت ذلك.
يجب أن يكون هناك حل. جاد بريء مُتهم بشيء لم يفعله. مؤكد سيكون الله معه وسيخرج عن قريب. هذا اختبار كما قال لها وعليهم التحلي بالصبر والدعاء المستمر. عليهم التقرب من الله، وأن يكون هناك يقين وإيمان بأن كل شيء سيكون على ما يرام مادام الله معه وبجواره. مادام هو لم يفعل إلا الخير لن يعطيه الله سوى أكثر من الخير خيرًا.
دلفت هدير منزل والده بعد أن صعدت إليه لتكون بالقرب من والدته وجعلها تطمئن على ولدها. فهي منذ الذي حدث وإلى الآن وبعد الآن تشعر بالحزن والقهر الشديد على ولدها ولوعة الفراق والخوف تدب داخل قلبها بشدة.
دلفت إليها بعد أن فتحت الباب لها. فابتسمت هدير أمامها بعذوبة ووجه بشوش كما قال لها زوجها لتجعلها تطمئن دون خوف بعد الآن. أقتربت منها والدته فهيمة بلهفة بعد أن رأت تلك الابتسامة على وجهها تهتف بحماس:
"ايه جاد هيخرج؟"
أقتربت منها وأغلقت الباب ثم دلفت معها إلى الداخل تقول بنفس الابتسامة والهدوء:
"قولي يارب"
جلست على الأريكة مقابلة لها وحددت نظرات عينيها على وجهها قائلة بهدوء:
"بقول والله يا هدير.. بقول يا بنتي"
ثم مرة أخرى تكمل حديثها بقوة تنتظر منها كلمات تجعلها تشعر بالفرح وتخرج من ذلك الحزن تنتظر عودة ولدها إليها مرة أخرى:
"قوليلي أنتِ بقى.. هيخرج؟"
بادلتها زوجة ابنها النظرات في البداية بهدوء وخجل وهي لا تود أن تكسر بخاطرها. تحدثت بجدية ثم وضعت كف يدها أمام مقدمة صدرها تهتف بإيمان:
"جاد بريء يا ماما فهيمة وأنا عندي إيمان ويقين إنه هيخرج في أسرع وقت"
تسائلت بيأس ونظرة أمل خائبة بعد حديثها وقد فهمت أن الوضع بقي كما هو عليه:
"يعني مفيش أخبار تانية"
انتقلت لتجلس جوارها ثم أخذت كف يدها بين يداها الاثنين تقول بهدوء وهناك أمل يعبث داخلها منذ أن رأته ووقعت عينيها عليه:
"لأ يا ماما فهيمة بس جاد قالي اطمنك وأنا والله مطمنة وحاسه إنه هيخرج متقلقيش.. ربنا مش هيسيبه لوحده أبدًا"
حركت رأسها من الأعلى إلى الأسفل متحدثة:
"ونعم بالله يا بنتي"
رفعت نظراتها مرة أخرى تتسائل بلهفة وقلق زائد وقلبها يدق لأجل فرحة عمرها الغائب عنها:
"طب هو عامل ايه؟ كويس كده وحلو"
ابتسمت لها زوجته مُجيبة إياها:
"كويس وزي الفل ومش ناقصة حاجه غير شوفتك"
أدمعت عيناها بقوة وهي تنظر إلى الأرضية تبتعد عنها بنظرها تهتف بقلة حيلة وحزن طاغي:
"يا قلب أمك يا ضنايا"
قضبت هدير جبينها ونظرت إليها بحزن هي الأخرى وقلبها يدق عنفًا وقد كان ارتاح قليلًا ولكن حديث والدته لا يود ذلك. أقتربت منها أكثر قائلة باستنكار:
"في ايه بس هو أنا بقولك كده علشان تعيط"
رفعت نظرها إلى سقف الغرفة تهتف باستهجان وضيق:
"كان مستخبلنا فين بس ده كله يارب"
ردفت هدير قائلة بحنان وترجي لكي تصمت عن ما تقوله وتتفائل خير بعودته:
"خلاص بالله عليكي يا ماما فهيمة أنا جاية من عنده فرحانه ومتفائلة.. بإذن الله هيخرج"
مرة أخرى بقلب أم يحترق خوفًا ولهفتًا على فرحة عمرها وولدها الوحيد دعت قائلة:
"يارب.. يارب يخرج وأشوفه قدام عنيا النهاردة قبل بكرة ويرجع بيته وسط أهله ويفرحه بشبابه قادر يا كريم يارب"
آمنت على حديثها داعية الله داخلها مثلها بالضبط ثم قالت بيقين وأمل وهي تنظر إليها لتجعلها تطمئن وتبعد ذلك الحزن عنها:
"آمين يارب، هيرجع… هيرجع إن شاء الله"
أكملت بابتسامة ومرح حاولت تصنعه فقط إكرامًا لزوجها وحبيبها وكي تمنع الحزن عن قلب والدته حبيبته:
"ولحد ما يرجع بقى أنا هقعد معاكم هنا"
تسائلت باستغراب ودهشة فهي قد طلبت منها ذلك كثيرًا ولم توافق:
"بصحيح؟"
أومأت برأسها مؤكدة عدة مرات مُبتسمة:
"آه والله أنا استأذنت جاد وهو وافق وقالي إنه كان عايز كده كمان"
تسائلت والدته فهيمة هذه المرة تضيق عينيها بعد أن قالت أن جاد أراد ذلك:
"هو عرف باللي عمله مسعد؟"
أسرعت هدير تُجيبها بالنفي مؤكدة على عدم معرفته وأنه لا يجب أن يعرف من الأساس:
"لأ.. لأ مايعرفش حاجه ومش هقوله أي حاجه"
أومأت والدته مؤكدة حديثها هي الأخرى قائلة بحزن:
"عندك حق كفاية اللي هو فيه"
نظرت هدير بعينيها في الأنحاء المتاحة لها في جلستها وتسائلت بجدية عن والده:
"اومال فين الحج"
أجابتها وهي تعتدل في جلستها محركة يدها وهي تتحدث:
"نزل يشوف المحلات مع الحج عطوة حالهم وقف وسمير بيجري من هنا لهنا علشان جاد"
أكملت وهي ترفع يدها الاثنين أمام وجهها تهتف بحرقة كبيرة داخلها:
"منه لله اللي كان السبب في وقف حالنا، الورشة اتقفلت وضنايا اتحبس.. إلهي يوقف حالك يا اللي كنت السبب في الخراب ده"
ربتت هدير على فخذها مُتمتمة:
"إن شاء الله خير.. بإذن الله"
حركت والدته جسدها وهي تهم بالوقوف:
"أنا هقوم أصلي يابنتي وادعي لجاد ربنا ياخد بايده"
تعلقت هدير بحديثها تؤكد عليها ذلك فدعوة الأم معروف أثرها في الحياة والممات:
"آه ادعيله يا ماما فهيمة ادعيله ربنا يفك كربه.."
أكدت حديثها بوجه باهت وقلب مفتور ولسان ليس عليه سوى الدعاء لابنها:
"بدعيله من غير حاجه يا بنتي"
وقفت هدير هي الأخرى بعد أن رأتها تقف أمامها تتجه إلى المرحاض لكي تقوم بالوضوء والصلاة وقالت بجدية:
"أنا هروح الشقة أجيب لبس ليا وهاجي أقعد في اوضة جاد"
غرفة حبيبها وروحها وكل ما تملك، لقد كان ينام بها عندما مرض والده، ليس من فترة بعيدة مؤكد رائحته داخلها تعم الأرجاء وحتى لو لأ ستأتي بقميص له وعطره ليبقوا معها إلى حين عودته.
أردفت والدته بحب وهي تبتسم لها ابتسامة مصطنعة بالكامل وهي تعرف ذلك ولكن هذا تحسن جيد:
"ماشي يا حبيبتي براحتك"
ابتعدت هدير ذاهبة إلى باب الشقة وحقيبتها معها تتقدم منه لتذهب إلى شقتها:
"عن اذنك"
ستأتي بما تريد منها ولتأتي بما تريده ويخصه هو ثم تعود إلى هنا تجلس مع والديه حتى لا يشعرون بغيابه عنهم، لتكون مكانه إلى حين عودته، مؤكد لن تكون مثله ولكن فقط لتخفف عنهم كما طلب منها وطلبه سيف على رقبتها ستنفذ ما أراد ومهما كان هو.
❈-❈-❈
مرة أخرى يعود سمير مع محامي جاد إلى النيابة العامة والفرحة داخل قلبه تدق طبولها بقوة كبيرة وعنف شديد ولا يرى أحد أمامه بعد رؤيته لشريط الكاميرا الموضوعة على ورشة جاد من الخارج.
والذي أتوا به منذ الصباح وأظهر دلوف عبده وهو يقوم بفتح الورشة قبل جاد ثم بعدها أتى إليه جاد ساعة وأخرى ولم يأتي أحد من العاملين معهم فخرجوا هم الاثنين من الورشة معًا، غابوا عنها ما يقارب الربع ساعة والورشة لم يدلفها أحد إلى حين.
إلى حين ظهور مسعد والذي كان واضح للغاية من حسن حظ جاد وهو يقف أمام بابها يتلفت يمين ويسار ناظرًا إلى الأعلى والأسفل خائفًا أن يراه أحد ونظر إلى الكاميرا بوضوح دون دراية أن هناك كاميرا مخفية من الأساس وقد استغل وجودهم داخل المقهى الشعبي بعد أن تأكد من ذلك بنفسه وتأكد أن ليس هناك أحد بها ثم وهو يقف على الباب من الداخل بعد أن تقدم ومازالت الكاميرا تستطيع أن تأتي به قام بالقاء ذلك الكيس الأبيض الذي وجدوه بين أدوات عمل جاد وكان به البودرة ذلك السم المشؤوم.
ومن بعدها سار رافعًا رأسه بعد أن نفض يديه وخطى خطواته بعنجهية وغرور وذهب من أمام الكاميرا، يا له من خبيث ماكر، الشر يأتي من عنده بنظرة أو بكلمة، ألقى هذا السم في قلب جاد لكي يتخلص منه وينال ما أراد أخذًا حق ليس حقه ولكن عندما قرر فعلتها لم يخيل له شيطانه أن ابن عمه سيكون هنا مكانه وأن زوجته لن تستسلم له بهذه السهولة بل سيرى كل مُر على يدهم وقد حدث بعد تسليمه واتهامه بالتعدي على المنزل وسرقته في وجود الشهود من الحارة وزوجته وشقيقتها وابن عمه الذي تولى مكانه من بعده إلى حين عودته والآن ستكثف العقوبة حتى يعلم أن البيوت لها حرمة الجميع يقف عندها ومن قبلها. عليه أن يتعلم ما لم تعلمه له الحياة في بقية سنوات عمره الذي سيقضيها داخل السجن بعد كل ما فعله.
❈-❈-❈
ذهبت إلى شقتها تأتي باغراضها التي ستحتاج إليها في جلستها مع أهله إلى حين عودته، إنها متفائلة هذه المرة عن حق تشعر أن الله لن يخذله ولن يتركه وحده بين هذه الحفرة العميقة الذي وقع بها.
سيخرج وسيعود إلى مكانه وبيته وأهله رافعًا رأسه بين الجميع، وضعت يدها على أدويتها وهي تأخذها، تذكرت أمر حملها الذي إلى الآن لا يعرفه! عليه أن يعرف في أول مقابلة له ستخبره لن تخفي الأمر عنه أكثر من ذلك، وكيف هي نسيت هذا الأمر من الأساس وكيف نسيت إخباره اليوم على الأقل كان هذا سيكون الأمل له فوق أمله في الخروج.
لقد نسيت من الأساس أمر حملها وكل ما تذكرته هو جاد فقط، ذكرتها شقيقتها سائلة إياها لما لم تخبره وتخبر الجميع ولكنها اعترضت في ذلك اليوم قبل القبض على جاد مستمرة في تعذيبه ولم تكن تعلم ما الذي فعله مع كاميليا.
لقد أصرت عليه أن يقص عليها كل ما حدث بينهم وما قالته وما أجاب به وفعل ذلك وشعرت بكم كبير من الخجل من نفسها لما ظنته أن هناك ما يخفيه عنها، تثق به ولا تثق بأحد غيره وتعلم أنه من المستحيل أن يؤذيها ولكن غيرتها وكذبه وتلك المرأة احتلوا عقلها وجعلوها تفعل شيء مثل هذا، تحرمه من معرفة أنه سيكون والد لطفل.
كل ذلك في لحظاته كان صعب للغاية عليها ولا تستطيع تقبله وكرد فعل منها أخفت ذلك عنه لتعلم ما الذي سيفعله وما الذي يريده ولكنه أخجلها عندما علمت أنه قابلها فقط لحذف كل شيء حتى قبل أن يكون موجود، الجمت الصدمة لسانها وجعلتها تتناسى أخباره وهي هناك معه ولكن هي ليست حزينة بل تشعر بالأمل وستقول له وهو هنا في بيته ومنزله وسيكون هذا عن قريب ليشعره بالفرحة الأكثر من كل شيء، عهد تأخذه على نفسها الآن أنها لن تزعجه مهما حدث وستكون نعمة الزوجة الصالحة له، كل ما مر عليهم اكتشفت أنه حدث بسبب عدم الحديث والمواجهة، لقد كان جاد كتوم في كثير من الأوقات على عكسها ولكنها أيضًا أحيانًا كانت تفعل ذلك ومن اليوم فلتعتبر أنه قد مُحيا وهناك بداية جديدة لهم سويًا.
دق جرس الباب فوقفت على قدميها متجهة لتفتحه وعندما فتحته ظهر من خلفه جمال شقيقها ينظر إليها بلهفة وقلق مرتسم على ملامحه ثم دلف خطوة وتحدث:
"هدير صحيح جاد اتقبض عليه؟"
لقد كان في الإسكندرية في نفس اليوم الذي تم القبض به على جاد أخبرها قبل رحيله أنه ذاهب بسبب نقله لفرع المطعم الآخر هناك والذي يعمل به، أشارت إليه بالدخول وتحدثت وهي تغلق الباب:
"أيوه يا جمال اتقبض عليه بتهمة التجارة في الزفتة البودرة"
رفعت نظرها عليه وهي تجلس على الأريكة مقابلة إياه تسائلة باستغراب بعد أن استوعبت أنه لم يكن هنا:
"أنتَ رجعت ليه وعرفت منين"
أعتدل في جلسته وتحدث بجدية رجل عاقل قائلًا:
"أنا لسه عارف النهاردة الصبح من أمي وأنا بكلمها مكنتش كلمتها من ساعة ما وصلت علشان تلفوني باظ وعلى ما غيرته ولما عرفت جيت جري"
نظرت إلى الأرضية بحزن مُردفة:
"سبت شغلك وجيت ليه بس وأنتَ يعني هتعمل ايه يا جمال"
وضع عينيه عليها بعمق ودقة قائلًا بنبرة واثقة ثابتة:
"لأ هعمل وهعمل كتير يا هدير وجاد هيخرج"
رفعت نظرها إليه بعد أن استمعت نبرته الغريبة عليها، الواثقة بخروج جاد وبأنه سيقوم بعمل شيء، تسائلت بجدية مثبتة عينيها عليه كالغريق الذي يريد النجاة بأي شيء أمامه:
"هتعمل ايه يعني"
وقف على قدميه بعد سؤالها وتقدم ليجلس جوارها ناظرًا إليها بقوة يهتف بشيء لم تتوقعه أبدًا:
"أنا شوفت مسعد وهو داخل ورشة جاد قبل ما أمشي وكان معاه كيس وخرج من غيره ومكنش فيه حد في الورشة لأني وأنا ماشي عديت على جاد وعبده وهما في القهوة.."
اتسعت عينيها بقوة وهي تعتدل بجسدها لتنظر إليه أكثر بوضوح تستمع لما يقوله بقوة وتفهمه عن حق، كيف مسعد؟ وماذا عن كاميليا؟ تحدثت بجدية وقوة:
"بتقول ايه؟ قول تاني وبالتفصيل"
أشار بيده وهو يروي لها ما حدث في ذلك اليوم عندما كان ذاهب إلى الإسكندرية، نظر إليها أكثر وبدقة تحدث:
"كنت خارج من البيت ويدوب مشيت كم خطوة ببص ورايا لقيت مسعد داخل ورشة جاد ومعاه كيس في أيده، استغربت أنه داخل كده عند جاد من غير حساب بس بعدها على طول مافيش دقيقة عدت وخرج فاضي كملت طريقي وأنا ماشي لقيت جاد وعبده في القهوة ورميت عليهم السلام وقولت يمكن حمادة وطارق هناك وهما اللي قابلوا مسعد بس مجاش في دماغي أي حاجه من اللي حصل"
دون تفكير أو ذهول منها أن مسعد من فعل ذلك، دون لحظة واحدة تفكر في شقيقها أو أي أحد آخر، ودون لحظة صدمة وقفت تصرخ بهمجية قائلة وهي تبحث عن حقيبتها:
"تلفوني، تلفوني فين… الشنطة فين"
وقف هو الآخر وهو يراها تصيح هكذا تركض إلى الغرفة بالداخل ثم خرجت وبيدها الهاتف تلهث بعنف والابتسامة تظهر على شفتيها مرة وتختفي الأخرى، سألها باستغراب:
"طب بتعملي ايه"
وضعت الهاتف على أذنها بعد العبث به بيدين ترتجف بشدة وقالت بسعادة ولهفة وقلق وحب ومشاعر لا تدري ما هي ولما توجد الآن:
"بكلم سمير.. سمير لازم يعرف علشان يقول للمحامي ويروحوا النيابة"
أجاب عليها من الطرف الآخر معتقدًا أنها علمت بما حدث ولكنها لم تعطيه الفرصة للتحدث قائلة بلهفة وتخبط:
"سمير جمال أخويا رجع.. بيقول إنه شاف مسعد داخل الورشة يوم جاد ما اتقبض عليه وكان معاه كيس.. هو أكيد نفس الكيس اللي فيه البودرة وأكيد هو اللي عملها"
ابتسم الآخر من على الناحية الأخرى بسعادة غامرة وهو يُجيبها بلهفة مثلها وحماس لما هو آتي:
"وأنا معايا شريط كامل لمسعد وهو بيحط البودرة جوا الورشة.. الكاميرا جابته يا هدير وإحنا في النيابة دلوقتي"
أدمعت عينيها بشدة، وضعت يدها الأخرى على موضع قلبها الذي ازدادت ضرباته عنفًا وفرحةً تكاد أن تقتلها، وتسائلت بلهفة وشفتين ترتعش:
"بالله عليك بجد؟"
"-والله العظيم بجد"
مرة أخرى تسائلت بعد أن بللت شفتيها بلسانها وقالت بلهفة وحنين:
"يعني جاد هيخرج؟"
أردف من الناحية الأخرى بسعادة يود أن يجعلها تطمئن وترتاح إلى الآن فقد تعبت كثيرًا:
"كلها شوية إجراءات لو طولت آخرها بكرة وهيبقى عندك"
صمتت ولم تتحدث فقط ذرفت عينيها الدموع بكثرة شاعرة بالسعادة المطلقة فقال سمير من الناحية الأخرى:
"المهم ابعتيلنا جمال دلوقتي على النيابة"
مسحت دموعها بكف يدها قائلة بحماس:
"عنيا"
أغلقت الهاتف ونظرت إلى شقيقها مبتسمة بسعادة وفرحة عارمة وكأنها الآن بين السحاب ثم هتفت مسرعة وهي تقترب منه:
"سمير في النيابة ومعاه تسجيلات الكاميرا ومسعد فيها وهو بيحط الحاجه"
ابتسم بعمق حتى ظهرت أسنانه بقوة يهتف بالشكر لله:
"الحمدلله"
"-يلا روح بسرعة على النيابة سمير هيحتاجك"
أختفى من أمامها ووصل إلى باب الشقة ناطقًا وهو عند عتبته:
"فوريرة"
أغلق الباب خلفه بقوة فوقفت هي في منتصف الصالة تبتسم بسعادة واضعة يدها على قلبها والأخرى على بطنها مرحبة بمولودها الذي سيعرف والده بأمره عن قريب بعد أن يستقبلوه بفرحة.
على حين غرة أطلقت من بين شفتيها الزغاريد خلف بعضها بصوتٍ عالٍ ونفس طويل وسارت إلى الشرفة وفمها لم يصمت عن اطلاقهم، فتحتها ووقفت في الشرفة تكمل ما بدأته بفرحة كبيرة وكل من مر ينظر إليها باستغراب وخرجت والدته مقابلة لها تنظر إليها من شرفتها وفوقها زوجة عمه وهي مستمرة.
تسائلت والدته ووجهها يبتسم متوقعة ما الذي ستقوله عن خروج ابنها:
"في ايه يا هدير، جاد خرج؟"
نظرت إليها وبصوتٍ عالٍ وابتسامة مشرقة زفت إليها الخبر قائلة:
"النهاردة.. بكرة بالكتير وهيكون هنا… جاد بريء واثبتوا براءته خلاص"
على الناحية الأخرى وفور الاستماع إلى هذه الكلمات بدأت والدته بإطلاق الزغاريد مثلها ومن الأعلى زوجة عمه ووالدتها في الأسفل بعد الاستماع إلى حديثها.
فرحة عارمة اجتاحت القلوب بعد معرفة خبر خروج جاد الرجل التقي الصالح، انهالت عليهم المباركات من الجميع في الأسفل وفي شرفات المنازل وكم كان جاد محبوب منهم.
أغلقت هدير الشرفة وأخذت عباءة بيتيه فقط لها وخرجت ذاهبة إلى منزل والدته لتقوم هي بالاتصال بوالده وتبليغه بما حدث ليذهب الحزن منه وليبتعد عنهم فهذا يكفي وبعدها تصلي ركعتين شكر إلى الله على نعمة الكثيرة هذه.
متناسبة أمر التفكير في مسعد وكيف كاميليا هي من بلغت عنه.
❈-❈-❈
"في المساء"
ذهبت الشمس وعم الظلام على الأرض ومن عليها، ينير القمر محاولًا محو تلك الظلمة المتوحشة ولكن لا يستطيع فعلها وحده والبشر هنا يخفون ما كان أعظم داخل قلوبهم السوداء الذي تتماشى مع ظلمة السماء.
بصيص نور يحاول الدلوف إلى تلك القلوب كالنجوم في السماء ولكن حرارة القلوب ونارها المتشابهة مع الجحيم تمنع ذلك النور.
يظنون أنهم إلى الأبد سيعيشون بذلك السواد، من عاد عنه قد فلح ومن أصر عليه قد وقع في فخ من أعماله. الله مُطلع ويرى كل شيء وإن غفا المحسنون عما يحدث لهم فالله سيعود بحقوقهم.
ومهما كان خطأك في الحياة فهي لها آخر ونهاية والآن قد حانت نهاية شر قد وُلد من داخل قلب أعمى بالحقد لا يعرف الحلال بصير بالحرام الممنوع وكما هو الممنوع مرغوب.
ولكن إلى اليوم لم تستطع الحصول عليه ولن تستطيع مهما حدث فمن تربى على ذكر الله لن يخرج عن طريقه أبدًا لن يترك طريق ينيره ضوء القمر كهدية من الله ليسير في طريق عتمة حالكة متعبة للأنظار.
وهو كان ذلك النقي الذي لم يقع بشرها، لقد خُدع وأخطأ ولكن حمدًا لله على ما توصل إليه قبل فوات الأوان، عودته تعني له كل شيء.
في ظلمة الليل الذي تحدث عنها الجميع خرجت من سيارتها أمام إحدى العمارات السكنية الراقية، ومن الناحية الأخرى مكان مقعد السائق وعجلة القيادة خرج رجل آخر غير زوجها، فارع الطول وجسده رياضي ضخم، أغلق باب السيارة سريعًا وتوجه إليها بخطى واسعة عندما وجدها تستند على الباب بيدها الاثنين غير قادرة على غلقه وتترنح بقوة كأنها ستقع على الأرضية.
أمسك بها واضعًا يده حول خصرها والأخرى أغلق بها الباب ثم بهدوء سار معها إلى مدخل العمارة وهي تتبسم بطريقة غريبة وترقص بيدها عاليًا على أنغام صوتها البشع وكأنها، ثملة.
ثملة وتسير مع رجل غير زوجها، تدلف مكان ليس لها وسيغلق عليهم في مكان واحد وكم من الذنوب والمعاصي قد حملت في تلك الدقائق المعدودة.
من بعيد في نفس تلك الظلمة كان زوجها عادل يجلس في سيارته يتابع خطواتها معه إلى الداخل ثم نظر إلى السيارة بهدوء غريب وببطء شديد بدأت الابتسامة تظهر على وجهه.
لما يبتسم! لأجل صعود زوجته مكان مغلق مع رجل آخر وهي ترتدي ملابس فاضحة وفي غير وعيها. ابتسامته صفراء وكأن خلفها مكائد ومصائب يرتبها لها ولكن مهما كان ما حدث بينهم ومهما كانت إمرأة سيئة لا يجوز أن يفعل ذلك، لا يجوز أن يتخلى عن رجولته بهذه الطريقة المهينة تاركًا زوجته مع غيره في هذا الوقت وهذه الأثناء، بتلك الحالة الغريبة! ربما يكن معتاد منها على هذه الثمالة ولكن ليس هذا الوقت المناسب لتصفية الحسابات وليست هذه الطريقة أبدًا فهذه طريقة دنيئة لا تخرج من رجل يحمل صفات الرجولة الحقيقية أبدًا.
وبتلك النظرات والحركات التي يقوم بها مع هذه الابتسامة قد ظهر أنه هو من فعلها وهو من أراد أن يجعلها تقع في شر أعمالها بفضيحة كبرى أمام المتجمع بأكمله وليكن هو في موضع الضحية وبهكذا قد يكون نال منها بأبشع الطرق وأخذ حق مظلوم لا يدري بما خطط له.
❈-❈-❈
تم الإفراج عن جاد الله رشوان أبو الدهب ما لم يكن مطلوب على ذمة قضايا أخرى، كلمات بسيطة أدمعت لها الأعين، ورقصت لها القلوب الهشة من شدة فرحتها، وأصلبت الضعيف المنكسر بعودة حاميه.
كان معهم محامي ليس بهين التعامل معه، بذلك الدليل وكلمات جمال الشاهد على ما حدث من مسعد واعترافات كل من يعمل بالورشة وبعض الأشخاص من الحارة الذين تحدثوا عن الاسطى جاد بكل احترام وود.
ذكره الجميع بكم هو رجل يعرف الله، لا يريد سوى حلاله، أخلاقه عاليه، ولسانه طيب وليس من طبعه أن يفعل شيء كهذا بل كان دائمًا يحارب صاحب الأساس في هذا العمل وتحت أعين الجميع.
وبكلمات المحامي وخبرته في تلك الأمور وإثبات براءة جاد قد تم الإفراج عنه واحتجاز مسعد المحتجز من الأساس في قضية التهجم على البيت وسرقته.
بعض الإجراءات فقط التي سيقوم بعملها ثم يفرج عنه ويعود إلى حارته وموطنه الأصلي ويجلس داخل بيته مع أهله وزوجته رافعًا رأسه أمام الجميع قائلًا أنه مازال نقي.
حمد جاد الله كثيرًا ولم يكن السبب الأكبر أنه خرج! بل كان السبب في سعادته الكبيرة هو وقوعه في هذه الورطة التي أخذت مسعد بها، لو لم يكن حدث ذلك لكان مسعد حي يرزق في الخارج يخرب حياته ويلقي كلمات ليست لها داعي ولا تفعل معه أي شيء سوى أنها تعكر صفو مزاجه فقد كان هذا تدبير آخر من الله لينعم به عليه مع هذه النعم الكثيرة التي في حياته والتي أيضًا يعجز عن وصفها وشكر الله عليها ولكن هناك ما يعكر صفوه ويريد تفسير له، كيف مسعد من وضعها وكاميليا من قامت بالتبليغ عنه.
الجميع يطير سعادة وفرحة وأمل بعدما علموا بهذا الخبر، انتقلت هدير إلى منزل والد زوجها وأتت شقيقتها هي الأخرى وزوجة عمه يجلسون مع والدته في انتظاره بعد أن بلغهم سمير أنه تم الإفراج عنه، قامت هدير بملئ الشارع من أوله إلى آخره بالزغاريد والفرحة على وجهها تنطق، لم تعد الكلمات تعبر عن أي شيء داخلها، جسدها يحكي ونظرتها تسرد وحركاتها تقول ما لم تقوله من قبل، أكل هذا التأثير منك يا جاد الله.
زوجها وحبيبها، والدها وشقيقها، كل ما يلزمها بالحياة هو، ستحاول أن تفعل له كل ما أراد ولن ترد له طلب ولن تزعجه مهما حدث فقد أظهر لها بعدما قص عليها ما حدث منه ردًا على كاميليا كم هي بشعة في التفكير به.
ستكون كل ما أراد وستمحي كل ما مضى هذه المرة، حقًا هذه آخر مرة ستزعجه بها وستجعل حياتهم القادمة أفضل بكثير مما قد مر عليهم.
أما من كانت سعادته لا تضاهي شيء حقًا هي والدته، ولدها الوحيد وكبيرها وحبيبها، فرحة عمرها وكل ما انجبته من الدنيا كاد أن يسرق منها تحت أنظار الجميع في سكوت تام وليس هناك أي شيء تفعله لتعود به إلى أحضانها. الآن حمدًا لله كثيرًا وأبدا.
حمد كثير على هذه الدموع الخارجة من الأعين وتلك الدقات العنيفة من القلب الخارجة بصوت عالي فرحة لأجل عودته حبيب عمرها وفلذة كبدها، لأجل عودته ليفتح ورشته ويفعل صوت للشارع والحارة ولكل مكان بهذه البلد بوجوده.
لن نكون قادرين على سرد كم من شخص فرح وكيف كانت فرحته ولكن قادرين على قول أن الجميع طارت رؤوسهم في السماء مع الطيور ثم سحبت قلوبهم في البحار غير قادرين عن التعبير كيف تكون هذه الفرحة العارمة وكيف تصف.
❈-❈-❈
بعد نصف ساعة فقط من صعود زوجته إلى ذلك البيت بتلك العمارة قد حضرت عربات الشرطة للقبض عليها متلبسة في قضية شرف فعلها هو ولكن برضاء تام منها.
كان كل شيء من تخطيطه، قام بكل شيء بدقة عالية وحرافية ممتازة كي لا يكون هناك أي ثقب يقع به وتخرج منه زوجته المصون. كما قالت عنه طموح ويعمل بكثرة ليكون الأفضل وقد كان، عقله يعمل باستمرار ليخرج بحلول غير متوقعة وقد تركها تفعل ما يحلو لها إلى اليوم لتكن الضربة القاضية.
وقف في الأسفل رافضًا الصعود معهم متصنعًا الألم وكم أن رجولته مُهانه مطعون بها بسبب فعلة زوجته الدنيئة، علامات الانكسار مرتسمة على وجهه بوضوح شديد وكأنها حقيقية للغاية ولن تشكك بكونها مشاعر مزيفة.
وكم كان بارع في فعل ذلك وأصبح صوته ضعيف للغاية غير قادر على المواجهة.
الآن المواجهة الأصعب!، حضر قدر كبير من الصحافة المعروفة بالكاميرا يترقبون هبوط المذيعة الشهيرة كاميليا عبد السلام من منزل رجل آخر غير زوجها في قضية شرف. ليكون حديث الموسم.
بعد أن رآهم يتقدمون إلى أمام البنية دلف سيارته وبقى داخلها كي لا يزعجه أحد وهو لا يود التصريح بأي شيء الآن، تفكير شيطاني مميت استعمله بعد أن نفذ كل صبره منه تجاهها.
أخذ عقله في تذكر الأيام السنوات التي مضت عليه معها في عذاب مستمر وكأنه عقاب مميت من الله، إمرأة غبية كريهة لا تفكر إلا بنفسها والجميع في سلة القمامة. لا يهمها إلا المظهر العام والشكل الخارجي، تريد أن تنظر إلى أي ذكر يسير أمامها وحتى لو كانت جواره، لا يهمها كونه زوجها وهي إمرأة متزوجة في عصمته، لا يهمها أي من كل ذلك فقط يهمها ما تريد ومهما كان ما هو، يتنافى مع الإسلام لا يهم يتنافى مع العادات لا يهم المهم أنه يرضيها ويجعلها تشعر بالراحة والسعادة كالذي تفعله في الأعلى بالضبط.
إهانته منها كانت من أشد العقوبات، أن يكون رجل حاضر كامل ويقف أمامها لتقول كم كان فقير لا يساوي أي شيء وهي من فعلت له كل ما هو به الآن، أن تقول له أنه ليس له أهل ولا أحد يعرف له هوية من أبشع الأشياء الذي حصل عليها. هو من الأساس لم يحصل على شيء بشع إلا منها وحدها، الآن عليها أن تجني كل ما فعلته به، تعب كثيرًا إلى أن أخذ هذه الخطوة وأخذ في التخطيط ليفعلها ثم التنفيذ، كم ستبكي الآن! يوم! اثنين! عام! اثنين! ستبكي إلى المُنتهى فهذه فضيحة الموسم والتي سيتحدث عنها الجميع قريب وغريب وإن بقيٰ لها أحد التعامل معه فهكذا سيكون الله يحبها.
ابتسم بسخرية فمن الأساس لا أحد يطيقها بعنجهيتها وغرورها المعروف.
ضجة عالية جذبت عقله المنشغل لينظر من خلال زجاج السيارة ويرى عناصر الشرطة تهبط بها من أعلى درج العمارة الخارجي ملتفة في شرشف فراش كبير ومعها ذلك الرجل كمثلها بالضبط، يا له من شعور غريب، شعور بالانتشاء واللذة، يراها تبكي ووجهها ملطخ بكُحل الأعين أثر البكاء، عينيها بالأرضية وتتمسك بذلك الشرشف بكل قوتها وعدسات الكاميرا جميعها تصور بوضوح.
لم ولن يقدر أحد ذلك الموقف كي يبتعد بل الجميع يتنافس للحصول عليه أولًا ليرتفع محلقًا في سماء الإبداع والتميز بعد حصوله على صورة ومعلومة كهذه لـ كاميليا عبد السلام.
الجميع الآن يشكر الشخص الذي أعطى لهم الإخبارية بأن ذلك يحدث الآن ولم يكن سواه الذي تخلى عن النخوة بداخله وترك رجولته جانبًا لكي يأخذ حقه بأبشع الطرق منها راددًا حقوق ناس أخرى غيره.
صعدت في عربة الشرطة منكسرة عينيها لم ترتفع ولو لحظة واحدة ثم ذهبت من أمامه في لمح البصر والصحافة من خلفها.
عليه الآن أن يفكر في زوجته الأخرى حبيبته وأم أولاده القادمين. فقد انتهت حكاية كاميليا معه هنا ومع الجميع بعد أن أخذت العقاب الأكبر في التاريخ، أخذ الله حق جاد وزوجته دون أدنى اهتمام ولا مجهود منه والله يرد الحقوق إلى أصحابها.
❈-❈-❈
"اليوم التالي"
أخذت الإجراءات في الأمس وقت طويل فتم تأجيل خروج جاد إلى اليوم، وقد عاد سمير بالأمس فرحًا مُبتسمًا بسعادة ليجعل الجميع يطمئن بعد تأجيل خروجه، كان محقًا ليفعل ذلك بحديث ونظرات وحركات فرحة فقد شعروا بالاحباط مرة أخرى ولكنه قال للجميع بجدية أنه سيخرج اليوم بالتأكيد.
نامت هدير ليلة أمس في منزل والده داخل غرفته ومكانه بعد أن أغلقت شقتها جيدًا وتوجهت إليهم، من الصباح الباكر استيقظت هي ووالدته ليقوموا بطبخ كل المأكولات التي يحبها تعويضًا عن اليومين الذي قضاهم خارج منزله وموطنه الأصلي، مستعدين لاستقباله على أكمل وجه والفرحة لا تستطيع أن تصف كيف تكون داخل قلوبهم.
دق باب المنزل وهما في المطبخ، خرجت هدير إلى الصالة أخذه حجابها من على الكنبة ولفته على رأسها بأحكام ثم توجهت إلى الباب تفتحه بهدوء ناظرة إلى الأرضية وببطء ترفع عينيها لترى من الطارق.
وعلى حين غرة كانت عينيها تتعمق داخل عينيه الرمادية الساحرة السالبة عقلها وقلبها وكل عرق نابض بها، ارتسمت الابتسامة على وجهها باتساع وأدمعت عينيها بقوة تاركة الباب الذي كانت تتمسك به متقدمة منه بقوة ملقيه نفسها داخل أحضانه متشبثة به بقوة شديدة.
دفنت وجهها جوار عنقه تضغط على أحتضانه قائلة بصوت خافت حاني يحثه على عدم تركها إلى الأبد:
"وحشتني يا حبيبي"
تعمق هو الآخر باحتضانها ضاغطًا على خصرها وذراعيه ملتفه عليه مُجيبًا هو الآخر بصوتٍ رخيم:
"وحشتيني أكتر يا وحش"
عادت للخلف بهدوء وعينيها متعلقة على كل انش بوجهه تحفره داخلها أكثر وأكثر، بادلها تلك النظرات العاشقة المشتاقة إلى أرواح ابتعدت عن موضعها المعروف لتترك داخلهم ألم الفراق المُعذب للقلوب.
أردفت بنبرة لينة مريحة خافتة وهي تضع وجهه بين كفي يدها كطفل صغير تحدثه والدته:
"الدنيا دي مالهاش أي لازمه من غيرك يا جاد"
وضع كف يده فوق يدها الموضوعة على وجهه وابتسم بهدوء وما كاد ألا يُجيب عليها ولكنه استمع إلى صوت حمحمة سمير من خلفهم بصوت رجولي واضح وقد تناسى وجوده من الأساس، إنه هنا معه منذ لحظة وصوله، أبعد يده وابتسم بسخرية قائلًا وهو يستدير إليه:
"خلاص عرفنا إنك هنا"
ابتسمت هي الأخرى لعودة تلك المناوشات التي كانت تحدث بينهم بين الضحك والمرح وابتعدت عن الباب دالفه للداخل راكضًا وهي تصيح بصوتٍ عالٍ:
"جاد رجع يا ماما فهيمة.. جاد رجع"
وقفت أمام باب المطبخ تنظر إليها بابتسامة عريضة والدمع داخل عينيها فرحًا، تركت والدته سريعًا ما كان بيدها وتقدمت للخارج تتخطاها قائلة بقوة وعدم تصديق:
"ابني.. ضنايا رجع"
خرجت هي الأخرى ركضًا لتراه يتقدم إلى الداخل هو وابن عمه، بكامل قوتها أطلقت الزغاريد خلف بعضها بصوتٍ عالٍ ثم ركضت ناحيته بقوة ملقيه نفسها داخل أحضانه وقلبها يرتعش بقوة وكامل جسدها من خلفه قائلة ببكاء وحنان والدة افتقدت ولدها:
"يا حبيب عمري… يا فرحة عمري يا جاد"
قبل أعلى رأسها وهي يحتضنها قائلًا بعتاب:
"طب بتعيطي ليه دلوقتي"
أجابته ضاحكة والدمع يخرج من عينيها بغزارة قائلة ومازالت تتشبث به:
"دي دموع الفرح يا واد"
ضحك بقوة رافعًا رأسه للأعلى، مازالت تنعته بطفل:
"مش هتبطلي واد دي بقى"
عادت للخلف تضربه بخفه على ذراعه مُبتسمة بسعادة لا يوجد بعدها سعادة إلا واحدة فقط:
"هتفضل واد طول عمرك يا واد"
ضيق ما بين حاجبيها بحنان بالغ قائلة بهدوء وفرح:
"حمدالله على سلامتك يا حبيبي نورت بيتكم"
مرة أخرى قبل أعلى رأسها مُبتسمًا وهو يعلم ما الذي بداخل الجميع ناحيته وأولهم والدته:
"الله يسلمك يا أم جاد"
أبعدت نظرها إلى سمير قائلة بسعادة وحماس كبير:
"يلا يا سمير روح هات مراتك على ما أكلم عمك رشوان يجيب أبوك ويجي الغدا عندنا النهاردة على حس جاد"
هتف سمير مُجيبًا باقتراح أخر لكي ينعم هذا الرجل ببعض الراحة بعد هذه الرحلة الشاقة:
"يا مرات عمي ادي لـ جاد فرصة يريح شوية الأول"
أستدار ينظر إلى سمير قائلًا بنبرة أصبحت مُرهقة بعد وصوله إلى هذه النقطة:
"لأ أنا هروح بس أخد دش كده اظبط بيه نفسي وأغير هدومي وهاجي على طول على ما الحج يوصل"
ربتت على كتفه بيدها بحنان:
"طيب يا حبيبي يلا روح وارتاح شوية لسه بدري على الغدا"
أستدارت تنظر إلى زوجته قائلة:
"يلا يا هدير معاه وهنادي على أم سمير تنزل معايا"
تقدمت منهم ووقفت قبالته مُجيبة بلهفة حقًا تريد أن تكون معه وحدها:
"ماشي يا ماما فهيمة"
هتفت والدته مرة أخرى بحنان وحب بالغ وهي تقترب منه تعانقه مرة أخرى تستنشق عبير رجولته وحضوره:
"يلا يا حبيبي.. حمدالله على سلامتك يا قلب أمك انشالله آخر مرة تخرج فيها من بيتك ومكانك"
بادلها العناق بقوة مربتًا على ظهرها بابتسامة كبيرة ناظرًا إلى زوجته غامزًا لها بعينيه:
"إن شاء الله يا أم جاد"
خرج جاد من المنزل ومعه زوجته بعد أن هندمت ملابسها لتلائم الخروج للبيت الآخر والظهور في الشارع، بينما صعد سمير إلى منزل والدته في الأعلى.
دَلفت إلى شقتها وأنارت الأضواء بهدوء وهو يدلف من خلفها بهدوء شاعرًا أن روحه قد عادت بعودته إلى مملكته ومكانه الوحيد الذي شهد على كم السعادة الخالصة التي شعر بها مع حبيبة عمره.
أغلق هو الباب وتقدم ينظر إليها بعد أن وقفت هي الأخرى تنتظر تقدمه منها، ناظرة إليه بعينيها العسلية متعلقة بكل حركة تصدر منه، تشبع عينيها بالنظر إليه ورؤيته البهيئة.
تقدم بهدوء وعينيه الرمادية متعلقة بها بقوة وعمق، وقف أمامها لا يفصل بينهم شيء يوزع نظرة على كامل وجهها، عينيها العسلية، نمشها الرائع الخلاب، شفتيها التي احتوته كثيرًا. إنه يفتقدها منذ أيام كثيرة مرت عليهم وهم مبتعدين عن بعضهم بقوة، حمدًا لله أنها تناست حزنها الذي لا يعلم سببه وابتسمت له وللحياة مرة أخرى.
وضع وجهها بين كفيه برقة يقترب منها بوجهه مشتاقًا للمسة منها، أقترب من شفتيها بخاصته مقبلًا إياها بعمق وحنان لين وهدوء معتاد منه.
عاد للخلف بعد قبلته التي أخذت وقت طويل وأخفض يده الاثنين إلى خصرها مقتربًا منها قاطعًا المسافة نهائيًا.
وضعت يدها اليمنى على وجنته بحنان خالص ناظرة إليه بحب ليس معهود على أي حد غيرهم تهتف بنبرة خافتة لينة رقيقة:
"حمدالله على سلامتك يا حبيبي"
ابتسم إليها وأقترب مرة أخرى طابعًا أعلى جبينها قبلة حنونة بريئة قائلًا بحماس ومرح:
"الله يسلمك يا وَحش… بس ايه الحلاوة والطعامه دي… دا فرق سرعات عن آخر مرة خرجت فيها من هنا"
رفعت يدها هي الأخرى ووضعتها على ذراعيه قائلة بهدوء وجدية تامة بعد أن فهمت كل ما حدث وقررت أنها لن تُعيده مرة أخرى:
"أكيد يا جاد.. أنا عرفت كل حاجه ولازم بقى ننسى اللي حصل ونبدأ صفحة جديدة"
غمزها بعينيه الرمادية ضاحكًا:
"اعتبريه حصل"
أبعدت يدها عنه محاولة العودة للخلف وهو محاوطها بذراعيه تهتف مقترحة:
"طيب خد دش وهطلعلك هدوم علشان عايزة أتكلم معاك وأقولك حاجه مهمة"
ضيق ما بين حاجبيه متسائلًا باستغراب وعينيه عليها بدقة:
"حاجة ايه"
أشارت برأسها مؤكدة أنها ستتحدث عندما يخرج فقط وحركت شفتيها مُجيبة:
"يلا بس أما تخرج هقولك"
أومأ إليها برأسه ثم تقدم إلى الداخل متوجهًا إلى المرحاض فهو في حاجه شديدة لأن يأخذ قسطًا من الراحة أسفل المياة ليريح جسده عما تعرض إليه في اليومين الماضيين.
خرج من المرحاض بعد أن ارتدا ملابسه الداخلية التي قامت بإعطاءه إياهم، كان يضع المنشفة على رأسه يحركها بقوة بيده لكي تجف خصلات رأسه سريعًا.
وقف أمامها يبتسم مانعًا نفسه عن الخطر الذي يفكر به فهناك أشخاص بانتظاره، تحركت تفاحة آدم على أثر ابتلاع ما وقف بجوفه بعد رؤيتها، مد يده إلى البنطال يأخذه من على الفراش يرتديه:
"ها ايه بقى الحاجه المهمة"
نظرت إليه بعمق داخل عينيه وناداته بإسمه برقة ونظرتها مطولة عليه:
"جاد!"
أستغربها وهو يراها تنظر إليه بعمق تناديه هكذا، تقدم من الفراش جالسًا عليه وأجاب محركًا شفتيه ببرود أخذًا المنشفة مرة أخرى يجفف خصلاته بعد أن ارتدى البنطال:
"نعم"
"-أنا حامل"
أبتعدت يده عن المنشفة التي وقعت على الأرضية جوار قدمه وعينيه ثبتت عليها متسعة بصدمة كبيرة بعد أن قالت كلمتين لم يكونوا في الحسبان أبدًا.
رواية ندوب الهوى الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ندا حسن
فراق مرة أخرى؟
هل استمع إلى ما قالته بشكل صحيح؟ هل قالت أنها حامل! تحمل داخل أحشائها طفل لها وله؟ هل قالت هذا أم لأ؟
نظر إليها بعينين مُتسعتين بقوة والصدمة وقعت فوق رأسه جعلته لا يستطيع أن يفعل أي شيء سوى النظر إليها بعمق شديد منتظرًا منها أن تكمل أو أن تقوم بفعل أي شيء يخرجه عن صمته.
رفع حاجبيه للأعلى دون حديث وحرك عينيه بحركة تعرفها دليل على أنه يريد تأكيد الحديث مرة أخرى لكي يستوعب أنه صحيح.
تقدمت بهدوء منه ووقفت أمامه وهو جالس على الفراش يرفع رأسه لينظر إليها بتركيز واستمع إليها تهتف بنبرة خافتة ووجهها يبتسم بهدوء:
"أنا حامل يا جاد."
أخفض وجهه إلى الأرضية ووضع كف يده على جبينه يمسح عليه بقوة، هذا صحيح! لقد أكدت حديثها، أنها حامل، تحمل طفل داخلها منه هو! سيكون والده! إنه سيكون أب عن قريب.
سيتحقق حلمه البعيد صعب المنال الذي تأخر عنه، ولكنه لم ييأس وعلم أنه له وقت وميعاد يأتي به مقدر له من الله. لقد كان هذا أكثر شيء يريده. أكثر وأول شيء يريده من الدنيا بعد وجوده مع زوجته وحبيبته، يريد ولدًا منه ومنها يحمل جمالها وصفاتها الرقيقة يكن له السند والعون في الحياة.
قلبه يدق بعنف شديد ووجهه أصبح يتصبب عرقًا وهو للتو خارج من المرحاض بعد أن استحم، يشعر أن الجو حار كثيرًا وقلبه يزيد عليه الضغط بهذه السرعة التي يخفق بها.
من الأساس لما هذا الشعور الغريب والحركات الأغرب التي تصدر من جسده دون قصد. ما هذا الشعور وما هذه الرغبة المُلحة في ظهور دموع عينيه. لقد كان حلم بعيد وأكثر ما تمناه ولكن ليس لدرجة البكاء، ما هذا الضعف، ولما لا يستطيع تحديد كلمات أو أي شيء يقوله أو يفعله. لما هو هكذا!
تغلب على نفسه ورفع بصره إليها مرة أخرى ينظر إلى عينيها المنتظرة منه أي رد فعل بعد أن قالت له خبر سعيد مثل هذا، ثم بعد رفعة رأسه وقف بجسده أمامها ومسح على وجهه بكف يده ثم تحدث بخفوت ونظرة مترقبة منتظرة التأكيد الأكبر:
"بجد؟ يعني بجد أنتِ حامل؟"
أومأت برأسها عدة مرات مُبتسمة تؤكد له ما يريد التأكيد منه كي يبتسم للحياة مرة أخرى ويتناسى معها كل ما مر عليهم من حزن وقهر. أقترب منها للغاية مقدمًا يده اليمنى واضعًا إياها على بطنها ناظرًا إليها ثم صعد بعينيه مرة أخرى لعسليتها قائلًا بحبٍ:
"في هنا نوم."
مرة أخرى تومأ له بعد أن اتسعت ابتسامتها وظهرت أسنانها البيضاء من بين شفتيها الوردية.
على حين غرة ودون تفكير مسبق منه وجد نفسه بكل قوة يمد يده الاثنين إلى خصرها مقتربًا منها للغاية ممسكًا إياها بأحكام رافعها بقوة يقوم بالدوران بها حول نفسه وهو يبتسم بسعادة كبيرة غامرة ممزقة لاشلاءه من كثرة الفرحة.
حاوطت عنقه بيدها الاثنين وهي تتمسك به جيدًا بعدما شعرت بأن قدميها تُرفع في الهواء وكامل جسدها يدور معه بخفه وسعادة لا توصف، أصدرت ضحكات عالية رنانة بصوتها الجميل والمحبب إلى أذنه، مقررًا هو وهي مع بعضهم البعض أن ينعمون بهذه السعادة لبعض اللحظات. اللحظات فقط!
وقف ثابتًا مرة واحدة ثم بهدوء أخفضها إلى الأرضية ولكنها لم تبتعد ولم تنظر إليه، لم تحرك يدها المعانقه إياه بل بقيت كما هي تحاوط عنقه بيدها الاثنين وأقتربت منه تضع رأسها على صدره تلهث بعنف وقوة مُبتسمة بسعادة.
قربها إليه أكثر وهو يعانق خصرها قائلًا بنبرة فرحة صاخبة بالحب والحياة:
"ياه يا هدير.. من زمان أوي وأنا نفسي أسمع الكلمتين دول."
شدد على عناقها مُكملًا بحماس وشغف حضر إليه في لحظاته الأولى ليكن معه منذ البداية:
"ألف مبروك يا وَحش."
أجابته ومازالت كما هي تحاوط عنقه تقترب منه ولم تبتعد قائلة بود ونبرة لينه رقيقة:
"الله يبارك فيك يا حبيبي."
رفع إحدى يديه المحاوطه إياها إلى خصلات شعرها يتلمسها بحنان خالص ويستنشق عبيرها بحب كبير لا مثيل له، ثم أردف مُتسائلّا ومازالت الابتسامة على شفتيه:
"عرفتي امتى؟"
وقع هذا السؤال على مسامعها ثم هوى قلبها بخوف خلفه، لم تتوقع أن يسأل ولم تفكر في الإجابة، ما الذي ستقوله؟ تخبره بالحقيقة وتبدأ معه صفحة غير الأخرى المليئة بالكتمان أم تخفي هذا وسيكون آخر شيء!، عادت للخلف ثم نظرت إليه بعينين خائفتين وقد ظهر عليها هذا:
"من عشر أيام."
لم يستوعب أنها تكن علمت منذ عشرة أيام ولم تخبره فعاد مرة أخرى يقول باستغراب ينظر إلى عينيها بقوة:
"هو ايه اللي مش عشر أيام؟"
أنزلت يدها الاثنين من حول عنقه ووقفت أمامه ثابتة فقط تنظر إلى عينيه بخوف وصدق ورهبة داخلها من أن تسوء الأمور بينهم مرة أخرى:
"عرفت إني حامل من عشر أيام."
أخفض يده الاثنين من عليها ووقف هو الآخر ثابت مذهولًا يبادلها النظرات المصدومة مما هتفت به، كيف لها أن تكون تعلم منذ هذه المدة وهو الآن فقط يعلم؟ أليس له الحق فيه مثلها!، تسائل مرة أخرى باستغراب أكبر من السابق قائلًا بنبرة خشنة:
"يعني ايه من عشر أيام؟، وأنا ليه معرفش غير دلوقتي."
وجدها تنظر إليه بصمت، ربما تفكر الآن لما قد فلت منها لسانها وهتفت بالحقيقة، كان من المفترض أن تبدأ هي بالجديد وتلقي بكل ما حدث في الماضي بعيدًا. لم تُجيب عليه وتنظر إليه فقط نظرة لم يفهم ما هي؟ معاتبة! خائفة! حزينة! لما تغيرت الآن.
"مالك يا هدير ما تردي؟ بقولك ليه مقولتيش."
"كنت خايفة."
ضيق ما بين حاجبيه وإلى الآن لم يفهم أي مما تقوله، ليقوم هو بالسؤال مرة أخرى:
"خايفة من ايه يا هدير؟ هو ده حاجه تخوف؟ أنتِ مش عارفه أنا مستنى الخبر ده من امتى؟ مش عارفة إزاي دا أنتِ أكتر واحدة عارفة."
عادت للخلف خطوتين تدير ظهرها إليه قائلة بسرعة وخوف وداخلها تود لو تعود بها الأيام فالندم الآن لا يفيدها:
"كنت خايفة تبعد عني وتسيبني يا جاد."
تقدم هو ما ابتعدته وجذبها من ذراعها إليه بقوة لتستدير كما كانت وتجعله يفهم ما الذي تقوله دون داعي:
"اسيبك إزاي؟ أنتِ مجنونة يا هدير ولا ايه.. ما تفهميني ايه اللي بيحصل."
أخفضت بصرها في الأرضية وتمسكت بيدها تقوم بالضغط عليها بقوة عائدة إلى تلك الحركة من جديد ثم رفعت نظرها إليه قائلة بقوة محاولة التحلي بالشجاعة:
"أنا هقولك كل حاجه بس بالله عليك يا جاد تفهمني وماتحكمش عليا بسبب غلطة زي دي."
أتى بآخر ما عنده، صاح بقوة بعد أن أخذت كل الصبر الذي بداخله وشوشت عقله بحديث ليس له داعي من الأساس وهو لا يفهمه:
"غلطة ايه وبتاع ايه ما تتكلمي يا هدير الله."
ضغطت على يدها بقوة وشعرت أن قدميها ترتجف، فهي على وشك الإعتراف بأكبر خطأ ارتكبته في حق نفسها وزوجها خصوصًا بعد أن علمت أنه بريء من كل ما تخيلته. تقدمت تجلس على الفراش فاستدار بجسده معها ليكن مقابلًا لها:
"أنا عرفت إني حامل من عشر أيام يا جاد.. محبتش أنك تعرف غير لما أتأكد لأن ساعات بيبقى فيه غلط فمكنتش عايزة اعشمك."
بطيئة وتسرد إليه ببطء فتحدث مشيرًا بيده يحثها على التكملة بعصبية:
"ها كملي."
تكون الدموع بعينيها مما أدهشه وجعله يشعر بالذهول منها ومن تصرفاتها ولكن عندما استمع إلى صوتها الخافت المتقطع بدأ في الفهم لما هي هكذا:
"لما روحت مع مريم كشفت أنا كمان واتاكدت إني حامل.. كنت فرحانه أوي والله العظيم وكنت عايزة اشوفك لما تسمع الخبر، كان نفسي أشوف رد فعلك زي دلوقتي، كان نفسي أشوف الفرحة عليك.. أنا مكنتش فرحانة ليا قد ما فرحانة ليك لأن اللي نفسك فيه خلاص اتحقق."
خرجت دموع عينيها على وجنتيها وثقل حديثها أكثر وهو مازال ينظر إليها بصمت يود فهم ما الذي حدث وما الذي فعلته ولا يود أن يكون ما توصل إليه:
"كنت خلاص هقولك والفرحة مش سيعاني بس أنتَ سرقت مني الفرحة دي يا جاد."
أشار إلى نفسه بذهول وصدمة متسائلًا باستنكار:
"أنا؟"
رفعت نظرها إليه بقوة وهي تبكي بغزارة دون صوت قائلة بتأكيد:
"أيوه أنتَ… خبيت عني أنك لسه على تواصل مع كاميليا بل بالعكس قولتلي أنك قطعت معاها خالص بس لما قومت تفتح الباب وصلك رسايل منها فيها المكان اللي هتتقابلوا فيه وغيره.. عقلي فكر في حاجات كتير بشعة ومن غير إرادة مني شوفت المكالمات ولقيتك مكلمها بعد ما نزلت من عندي يا جاد… سألتك وانكرت يعني بتكدب عليا وبدل ما كنت هقولك إني حامل قولتلك بس على مريم."
تذكر! تذكر ذلك اليوم وتلك اللحظات عندما كانت غاية في الرقة والدلال والسعادة كانت من كل جانب عليهما وهي من بدأت بذلك ثم دون سابق إنذار تحولت مئة وثمانون درجة وكأنها إمرأة أخرى غير الذي كان يجلس معها ومن بعدها بقيت على هذا الحال بعيدة عنه ولا تريد الإقتراب منه أبدًا ولا تطيل معه الحديث وكثيرًا حاول معها ولكنها ترفض بشدة.
إذًا كل ما حدث فقط لأجل أنها رأت الرسائل والمكالمة، ولكن الرسائل لم تكن مقروءة.. مؤكد قراتها من الخارج، لها كامل الحق في أن تحزن وتشعر بالغصب والغيرة وكل شيء ولكن إن تخفي عنه أنها حامل! أليس هذا صعب!
يتذكر أيضًا كيف أخبرته أن شقيقتها حامل، بطريقة لم يفهمها، بحدة وقوة ونظرتها ثابتة وألقت الكلمات عليه دون سابق إنذار، يتذكر ذلك جيدًا وفهم الآن ما المغذى منه.
وقف أمامها ناظرًا إليها بضعف انتقل إليه عبر النظرات المتبادلة بينهم يتسائل بقلة حيلة وما وصل إليه قاتل ودون رحمة:
"وقولتلي مريم حامل وقتها بالطريقة الناشفة دي علشان توجعيني! علشان اتوجع أن سمير مراته حامل وأنا لأ مع أن نفسي في عيل من زمان حتى من قبل ما اتجوزك وأنا منايا أشوف عيل ليا."
وقفت على قدميها سريعًا تتمسك بيده قائلة بضعف وعينيها تذرف الدموع دون توقف نافية ما فكر به وما هتفه:
"أقسملك بالله أبدًا.. اوجعك؟ أنا اوجعك يا جاد، دا أنا أموت فداك والله العظيم، عمري والله يا جاد ما أفكر في وجعك دا بيبقى ليا الضعف.. أنتَ إزاي تقول كده."
جذب يده منها متحدثًا بحدة وهو ينظر إليها شاعرًا بأنها طعنته داخل قلبه دون رحمة:
"وهي تتفهم إزاي غير كده؟ ها تتفهم إزاي، لحد امبارح وقبل لحظة مكنتش مدي للموضوع أهمية أصلًا ولا افتكره بس أنتِ اللي فكرتيني بيه وأنتِ فعلًا كنتي قاصدة إنك تقولي بالطريقة دي علشان توجعيني."
تسعت عينيها وازدادت في البكاء وهي تراه يتفهم الأمر بطريقة خاطئة تزيده سوء وتعقيدًا:
"والله العظيم أبدًا بقولك مقدرش اوجعك.. أنا اللي بتوجع يا جاد مش أنتِ."
حرك عينيه على كامل وجهها ناظرًا إلى بكائها بقوة متسائلًا بجدية ونبرة حادة:
"وكنتي ناوية تخبي عليا لحد امتى؟"
أجابته بقوة هذه المرة وقلبها يتذكر قبل عقلها تلك النيران التي كانت تشتغل داخله غيرة وحزن منه وعليه:
"لحد ما أفهم ايه اللي كان بيحصل من ورايا."
صرخ "جاد" بعنف فجأةً وهو يبتعد للخلف:
"بردو بتقولي من ورايا؟"
أقتربت ببطء ورفعت يدها تضم أصابعها أمامه تبكي بحرقة وها قد عاد من الموت لتدلف معه إلى موت أشد منه:
"أفهمني يا جاد.. أفهمني شوية أنا سألتك وأنتَ كدبت عليا مع إن أنتَ اللي مكلمها مش هي وليه على تواصل معاها ومن ورايا يا جاد أنا انصدمت وده أقل واجب.. جوزي اللي مش بيخبي عني حاجه اللي بيحبني مرة واحدة اتغير معايا كده وبيكلم واحدة من دون أي أسباب مقنعة وبيكدب عليا وهي أصلًا ست مش سالكة.. معرفتش أنا أعمل ايه والله يا جاد بس كنت حزينة والقهرة كانت هتموتني."
أقتربت ووضعت يدها على ذراعه تبكي بقوة أكبر مُكملة:
"كنت خايفة وزعلانه وحاسه بحاجات كتيرة مش عارفة اشرحهالك بس فكر فيا أنا وحط نفسك مكاني، كنت بقوم بالليل كام مرة علشان أبص عليك واتاكد إنك نايم جنبي… جاد أنا كنت مرعوبة."
ابتسم بسخرية محركًا شفتيه بذهول وهو يقول ويصطنع الابتسام:
"يعني كمان بتشكي فيا."
نفت حديثه بكامل قوتها وهي تشير بيدها بالنفي:
"لأ والله عمري ما شكيت فيك.. أنا بثق فيك أكتر من نفسي بس أنا مكنتش واثقة فيها هي.. مكنتش حاسة بالأمان من ناحيتها وكلامي طلع صح يا جاد."
نظر إليها يتعمق في عسليتها الباكية، ورمادية عينيه ودت لو بكت مثلها، نظر إلى كل ما قالته بعينيه مرة أخرى ولم يريد أن يستمعه، أردف بنبرة خافتة منكسرة:
"أنتِ أكتر واحدة عارفه قد ايه أنا نفسي أخلف، وأكتر واحدة عارفه قد ايه أنا بحبك ولو خيروني بين نفسي وبينك هختارك أنتِ.. عارف أنك معاكي حق تغيري عليا وتزعلي مني لما كدبت عليكي وتفكري في حاجات كتير وأنا عارف عقلك مايتوصاش.. اسمحلك بكل ده عادي مفيش مشكلة."
صمت قليلًا وأخفض بصره للأرضية ثم رفع عينيه مرة أخرى ووضع يديه الاثنين داخل جيب بنطاله ووقف شامخًا لا يدري كيف فعلها وتحدث بصوت عارٍ من كل شيء ويوضح أكثر ما به وهو العتاب:
"لكن أنك تشكي فيا وتخبي عني حملك! بأمانة ده صعب.. مع إني قولتلك قبل كده إن عمري ما أبص لواحدة غيرك ومش علشانك كمان أنا أصلًا عمري ما عيني اترفعت في واحدة يا هدير.. وعمرها ما هتحصل بس إزاي أنا بخونك!"
"بس الخيانة الحقيقية بقى هو اللي عملتيه إنك تخبي عني حاجه من حقي زي ما هي من حقك ده اللي اسمه خيانة ومش هسامح فيه يا هدير."
تقدم إلى الفراش يخرج يده من جيبه أخذًا القميص الخاص به لكي يرتديه قائلًا بجدية وهو يتجه للخارج مرة أخرى:
"البسي يلا في ناس مستنيانا."
خرج من الغرفة وجذب الباب خلفه بقوة مصدرًا صوتًا عاليًا وغرضه الأول من ذلك ألا تخرج خلفه لأنه الآن لا يريد أن يتحدث في هذا الأمر حتى لا يحدث أشياء لا يريدها.
ترك لها الغرفة وخرج يرتدي قميصه في الصالة ضاغطًا على أعصابه التالفة من الأساس والتي تقف على المحك وتريد الإنفجار في الجميع لكي ترتاح بعد هذا العذاب.
لم يكن يعتقد أنها تفعل به هذا، حامل منه وبطفل له وتخفي عليه وهي تعلم أنه يريد ذلك أكثر من أي شيء آخر، تشكك به وبأخلاقه وبحبه لها، تمحي الثقة التي بينهما هكذا في لمح البصر.
لقد كذب عليها لن ينكر ذلك مهما حدث ولها الحق في الحزن والإبتعاد والغيرة وغيرهم ولكن أن تفعل به هذا!
ذهب إلى النيابة وتعرض لأمر ليس له به يد وتقدمت إليه هناك وتحدثت معه عن كثير من الأمور وحتى لم تكلف خاطرها بقول أنها حامل لتعطي له أي أمل ولتخفف عن نفسها ما فعلته.
لقد قال لها كل شيء حقًا لما هي لم تقول له!
لقد قهرت قلبه ومزقت روحه إلى أشلاء بعد أن فهم أنها لا تثق به بل تشكك بكل ما يقدمه منذ دلوف هذه المرأة الغبية الكريهة التي إلى حياتهم عن طريق مساعدة نبيلة منه.
الأمر لن يمر هكذا على قلبه وعقله. لن يمر بهذه السهولة. عقله سيُجن!
وهي بالداخل لم تستمع إلى حديثه بل جلست على الأرضية بعد خروجه تخرج كل ما داخلها من بكاء والندم يتأكل قلبها وعقلها، لما فعلت به ذلك؟ لما؟
ولكنها أيضًا ليست مذنبة لقد شعرت بالصدمة في ذلك الوقت وهو من عليه العتاب لأنه كذب عليها، هو من عليه العتاب لأنه من فعل كل هذا دون أن يخبرها!
تبكي لأن كلما اقتربوا من بعضهم حدث ما لا يحمد عقباه وتم البعد بينهم بنجاح وكأنها عملية جارية التنفيذ كل فترة صغيرة لا تتكون من أيام حتى.
ما العمل الآن يا هدير؟ ما الذي سيجعله يعفو عنك بعد ما فعلتيه وحطمتي قلبه بتفكيرك الغبي.
❈-❈-❈
توجه معها إلى منزل والده بعد أن ارتدى ملابسه كاملة وهندم مظهره ليليق به، وكذلك فعلت هي بعد قليل من الوقت الذي استغرقته في البكاء، ارتدت عباءة بيتية واسعة تناسب فرحتها بعودة زوجها فلا أحد يعلم ما الذي يدور بينهم، سلم على والدتها في الأسفل بحرارة مبتسمة له بسعادة معبرة له عن كم الفرحة التي حصلت عليها عندما علمت بخروجه داعية له ولابنتها كثيرًا بالخير والسعادة.
صعد إلى شقة والده بوجه جامد لا يشوبه أى تعابير مفهومة بل كان يسير معها وينظر إليها بكامل الجدية وكأنه يرفض أي نظرة غير تلك أو أي تعبير آخر منها.
تصعد خلفه بوجه شاحب غير ذلك الذي قابلته به مختلف عنه بفرق شاسع وكأنه من السماء إلى الأرض، عقلها لا يستوعب ما الذي حدث في لحظات بينهم لكي يمحي كل هذه الفرحة التي حصلت عليها، اعتقادًا منها أن كل حزن مر ولن يكن هناك غيره بالأخص بعد القبض على "مسعد" الذي كان يعكر صفوهم.
دق الباب ووقف للحظات شامخًا ثم فتح إليه "سمير" يبتسم بمرح كعادته قائلًا بسخرية:
"أنتَ نسيت أننا هنا علشانك ولا ايه، كل ده بتغير."
غمزه في آخر جملة هتف بها فنظر إليه "جاد" بقوة ولم تتحرك تعابير وجهه متقدمًا للداخل وهو يقول ببرود:
"معلش ريحت شوية."
استغربه "سمير" واستغرب إجابته الغريبة الباردة، حرك عينيه ورأسه عليه وهو يراه يدلف إلى الداخل ثم نظر إلى زوجته التي دلفت من بعده متوجهه إلى المطبخ، حرك شفتيه باستغراب ثم أغلق الباب ودلف هو الآخر.
دلف "جاد" على والده وعمه في صالة المنزل وتقدم من والده الذي كان الأقرب له ينحني بجذعه أخذًا كف يده رافعة إلى شفتيه يقبله برضاء وهدوء ووجه مُبتسم بلا تعابير تدل على فرحته، وقف والده على قدميه وجذبه إليه يعانقه بقوة شاعرًا أن روحه قد عادت إليه من جديد بعد عودة ابنه إلى موطنه ومكانه الوحيد الذي يشعر فيه بالأمان.
أردف "رشوان" بابتسامة وهو يعود للخلف مربتًا على كتفه بسعادة كبيرة:
"حمدالله على السلامة يا بشمهندس."
"الله يسلمك يا حج."
أقترب من عمه هو الآخر بعد والده أخذًا يده إلى فمه كما والده بالضبط يقبلها ثم قابله عمه بعناق كبير مشددًا عليه يهتف بحماس:
"حمدالله على سلامتك يسطا جاد.. البيت من غيرك مش بيت عيلة والله يا بني."
نظر إليه وهو يبتعد قائلًا بنبرة جادة:
"البيت بيت عيلة طول ما انتوا فيه يا عم."
ربت عمه على ذراعه بحنان مُبتسمًا إليه مُشيرًا بيده لكي يجلس معه إلى حين تحضير الطعام، فجلس "جاد" مقابلًا لهم على الأريكة ودلف "سمير" هو الآخر يجلس بجواره بعدما عاد من عند زوجته التي كان يعبث معها في الداخل.
بعد قليل من الوقت دلف الجميع إلى سفرة الطعام التي كانت ممتلئة بكثير من خيرات الله، وكل ما لذ وطاب موجود عليها، وليمة كبيرة وكثير من الأصناف محضرة لعودة الابن الكبير إلى بيته سالمًا معافى.
أردف "سمير" بمرح قائلًا:
"أبسط يا عم كل الأكل ده معمول علشانك."
ابتلع "جاد" ما في فمه من طعام وقال باستهزاء:
"هبسط أكتر من كده أروح فين."
أردفت والدة "سمير" بحنان كوالدته بالضبط فرحة لعودته التي لم تطول بهم:
"الحمد لله أنك رجعت بالسلامة يابني."
أكملت والدته من خلفها قبل أن يُجيب حتى مردفة بقوة وضيق لأجل ما كان يفعله البغيض الآخر:
"الحمد لله رجع وخدوا المخفي التاني ده.. والله أنا ما فرحانه في ده كله غير علشان خدوه من هنا جاته الهم."
مرة أخرى تُجيبها "سعيدة" بيقين وهي تحرك فمها قائلة:
"شيطانه اللي وزه يا أم جاد علشان يتمسك ويختفي بشره من هنا."
"على قولك شيطانه بصحيح."
لما يذكرونه الآن؟ جلسه عائلية من المفترض أن تكون سعيدة، عادت عليها بحزن وهذا واضح وبشدة ولكن لما يزيد الحزن أكثر من هذا ألا يكفي؟ ألا يكفي ليجعلوها تتذكر ذلك الحقير الندل الذي جعلها ترى أبشع الأشياء على يده.
أكملت والدة "جاد" ناظرة إلى "مريم" بابتسامة متسائلة عن أحوالها في وجود طفل داخل أحشائها:
"قوليلي عامله ايه يا مريم في الحمل.. كويسه يا حبيبتي."
رفعت "مريم" بصرها إليها من على الطعام قائلة:
"الحمدلله بخير."
الجميع يأكل بصمت وهم الاثنين استلموا هذه الأحاديث ولن يصمتوا الآن، زفرت "هدير" بهدوء وهي تستمع إلى زوجة عمه تهتف بحيرة تتسائل:
"بس مش عارفة بقى يا أم جاد هتروح الكلية إزاي."
أردفت "مريم" بعد أن تركت الملعقة من يدها ونظرت إليها بجدية قائلة ما قررت فعله هي وزوجها معًا:
"لأ ما أنا اتفقت مع سمير إني هأجل السنة دي."
ابتسمت والدته بهذا القرار فهي كانت تريد لها الراحة حتى تلد بسلام ولا يسير التعب بجسدها:
"والله زينة العقل يابنتي كويس علشان متجهديش نفسك."
استمع "جاد" إلى والدته تقول بتمني موجهه حديثها إلى زوجته:
"عقبالك يا هدير يا حبيبتي."
ترك هو الآخر الملعقة من يده ونظر إليها بجدية شديدة ثم عاد ينظر إلى والدته من بعدها قائلًا بتساؤل ساخرًا:
"ايه هو انتوا متعرفوش؟"
أكمل تلك السخرية التي استغربها البعض وهي الوحيدة التي تعرف سببها ناظرًا إليهم واحد تلو الآخر:
"معلش أنا ناسي إني لسه عارف أنا كمان… هدير حامل."
قال آخر كلمتين ببرود تام وملامحه حادة لا تظهر الفرحة بل كانت جامدة، جامدة بشكل لا يوصف ولم يعبر عن فرحته كـ يوم معرفة خبر حمل زوجة أخيه.
هتفت والدته بحماس وعينيها متسعة بصدمة تريد التأكيد على هذا الحديث:
"بجد والنبي صحيح؟ حامل!"
حرك رأسه بخفة يبتسم بسخرية:
"وأنا هكدب يعني يا أم جاد."
صاحت بقوة وهي تقف على قدميها تلتف حول الطاولة لتصل إليه وإلى زوجته:
"يا ألف نهار أبيض دا يوم المنى يا أخواتي."
أقتربت منها وهي جالسة ومنعتها من الوقوف تقبلها من وجنتيها الاثنين ووجهها ينطق بالفرحة العارمة والسعادة الأكبر بحياتها، توجهت إلى ابنها هو الآخر والذي وقف لأجل والدته تعانقه بحرارة مُبتسمة تهنئه بذلك الخبر.
أردف والده بابتسامة وقلبه يرقص فرحًا لأجل ابنه ولأجل نفسه ولكنه مازال على الثبات:
"اقعدي يا أم جاد إحنا على الأكل.. نخلص ونقوم نموته بالاحضان."
ابتسم الجميع والقوا عليه المباركة والتهنئة هو وزوجته بابتسامات فرحة سعيدة تظهر عليهم من أول صغيرهم إلى كبيرهم ولكن هذه الفرحة لم تكن على وجه "جاد" وزوجته بل كانت ابتسامه مصطنعة تظهر فقط عند النظر لوجه أحد منهم.
نظرت "مريم" إلى شقيقتها التي اخفضت وجهها على سفرة الطعام وكم يظهر عليها الحزن، الهدوء الغريب ونظراتها غير المعتادة وقد تغيرت مئة وثمانون درجة حقًا، لم تكن هكذا فهي كادت أن ترقص من فرط السعادة.
حقًا تستغرب أكثر شيء أنها لم تكن قالت لـ "جاد"، كيف فعلت هذا؟ لما لم تقول له أنها حامل بطفل منه وهي تعرف أنه يموت ليسمع شيء كهذا!
رفع بصره عليها ليراها تقلب في الطعام بالملعقة ووجها شاحب وحزين، هذا ليس بيده بل هي من فعلت كل ذلك وهو من عليه الحزن والإبتعاد ليست هي بالمرة.
وفي نفس الوقت يصعب عليه تكملة مشوار البعد هذا الذي ارهقه وقطع ما داخله إلى أشلاء، لقد كان مقرر القرب إلى درجة لا توصف، كيف حدث كل هذا!؟
❈-❈-❈
"في المساء"
كانت انتهت جلسة العائلة الطويلة المليئة بالمرح والسعادة والإجابات العفوية النقية من الجميع، ما عدا اثنين نعرفهم جيدًا، تلقى هو وزوجته المباركات والجميع فرح بقدر لا يوصف لأجله ولأجل قدوم طفل آخر على العائلة يأتي إليهم بالبهجة والرزق والسعادة. طفلين معًا في طريقهم إلى عائلة "أبو الدهب"! هذا كرم كبير من الله ورزق لا يقدر بثمن أبدًا.
عادوا من منزل والده وتوجه إلى التلفاز منذ أن أتى لا يتحدث معها ولا يقوم بأي شيء يدل على أن معه أحد في المنزل من الأساس، وقف مرة وتقدم يفعل كوب شاي إلى نفسه دون حديث، يفعلها دائمًا تعرف ولكن هو الآن غير، مرة أخرى يتقدم ليأتي بالماء ووضعه جواره.
مرة يرفع الهاتف يتفقد ما به ثم ينتقل إلى التلفاز وكأنها غير موجودة بالمرة ولكن.. لن يستمر ذلك وهي لن تصمت أكثر من هذا عليها أن تنهي كل ما حدث وتنعم ببعض الراحة معه لقد شعرت بالتعب الشديد بسبب ما يحدث لهم.
جلست جواره على الأريكة وأخذت الريموت من على الطاولة أغلقت التلفاز أمامه ثم مدت يدها إلى جواره أخذت الهاتف ووضعته خلفها، تقدمت بجسدها منه تقابله بوجهها وهو يعطي إليها جانبه حيث أنه كان ينظر إلى التلفاز.
أمسكت كف يده بين راحتي يدها وأردفت برجاء ونبرة خافتة متوسلة منه القبول:
"ممكن نتكلم شوية بهدوء وبعدين أعمل اللي يريحك؟"
لم تقابل منه أي رد سوى أنه استدار بوجهه ينظر إليها بعمق بعينين باهتة معاتبة إياها بشدة فقالت مُكملة برجاء وحزن:
"جاد بالله عليك ياخي كفاية لحد كده.. أنا تعبت من الزعل والبعد.. يا جاد نفسي نعيش زي أي اتنين وأحس إني فرحانه شوية.. نفسي نرجع زي زمان."
استدار هو الآخر بجسده ليقابلها قائلًا باستنكار مشيرًا إلى نفسه باليد الأخرى:
"وهو أنا اللي مانع ده؟ ولا أنتِ شيفاني مبسوط."
كرمشت ملامح وجهها محاولة شرح له وجهة النظر الخاصة بها وموضحة أكثر ما الذي يفعله، مطالبة إياه بالعودة إلى الحب والمرح الذي كان بيهم:
"لأ مش أنتَ اللي مانعه ولا مبسوط بس بتساعد فيه يا جاد… كل شوية حاجه تحصل فتبعد من غير حتى عتاب ولا كلام.. البُعد بس اللي بتعرف تعمله وده مش حل يا حبيبي.. البعد عمره ما كان حل."
بادلها النظرات ولكن كانت مختلفة عنها كثيرًا، كانت نظرته جادة ناحيتها وأردف بجدية وقوة:
"أنا ببعد علشان مزعلكيش مش علشان ده حل… أنتِ جربتي قبل كده القرب في الزعل والعصبية عامل إزاي."
ضغطت على يده بين يديها الاثنين وأقتربت بجسدها معتقدة أن بحديثه ومحاورته سيتخطى هذا معها كما تريد:
"طب خلاص بقى بالله عليك.. علشان خاطري يا جاد لو بتحبني بصحيح.. إنسى اللي فات وخلينا نفكر في اللي جاي."
ضحك بسخرية وأبعد وجهه للناحية الأخرى ثم عاد مرة أخرى ينظر إليها مضيقًا عينيه عليها يتسائل بتهكم:
"أنساه إزاي يعني؟ أنسى إنك شكيتي فيا وخونتيني؟ ولا أنسى إنك خبيتي عني حملك واستغفلتيني ولا….."
قاطعته قبل أن يستكمل حديثه عن أخطائها الذي فعلتها تجاهه ساخرًا من حديثها الذي يقول له أن يتناسى ويمضي، أردفت بقوة هي الأخرى تحاول قدر الإمكان أن تجعله يفهم:
"متكملش.. كفاية كده، أنا استحملت كتير وأنتَ كمان بس الزيادة فيه غلط وأنا فهمتك، وقتها والله العظيم حسيت إني مشلولة مش عارفه أفكر ولا أعمل أي حاجه، والله لقيت نفسي بخبي عليك وخلاص.. كنت خايفة يا جاد قدر اللي أنا كنت فيه!"
جذب يده من بين يدها واعتدل بكامل جسده رافعًا قدمه اليمنى على الأريكة والأخرى على الأرضية متسائلًا باستنكار وذهول:
"خايفة من ايه؟ أنتِ هبلة؟ اللي بتقوليه ده دليل على إنك لا واثقة فيا ولا واثقة في نفسك حتى."
أجابته بقوة تدافع عن نفسها أمام هذا الحديث:
"قولتلك هي الوحيدة اللي مكنتش واثقة فيها وكلامي طلع صح يعني كان ليا حق."
جادلها وهو يشير بيده ناحيتها وصوته حاد:
"لأ مالكيش حق لأني أعرف أوقفها وأظن عملت كده."
نظرت إليه بعينين متسعة مُجيبة بقوة مرة أخرى تقول إن حديثه ليس صحيح فهو وهي قد تمادوا كثيرًا:
"بس أنتَ اللي سمحتلها من الأول تدخل بينا ومعملتش أي حاجه تمنع ده وأنتَ اللي سبتها تدخل حياتك بدون داعي."
برر موقفه ناحيتها بجدية وصدق تام لأنه عن حق كان يتعامل معها بتربيته وأخلاقه هو وليس مثلها:
"دخلت حياتي بقلة ذوق واقتحمتها وأنا كنت برجعها باصلي وتربيتي بس هي اللي كانت قليلة التربية.. مش ذنبي إني احترمت أنها ست ومكنتش عايز أي إهانة."
تنفست بعمق قائلة بـ إرهاق شعرت به من هذا النقاش الغريب ووزعت نظراتها بالكامل على ملامحه متوسلة إياه:
"يبقى خلاص أنا عديت اللي حصل ولا كأنه كان موجود من أصله نسيت إنك كدبت وأنها دخلت حياتنا وأنك قابلتها وكل حاجه.. أنتَ بقى يا جاد ده دورك."
أجابها بقوة ناظرًا إليها بحدة معترضًا على ما قالته:
"لأ مش دوري.. مش دوري اللي عملتيه مالوش مبرر، مش علشان غيرانه ولا زعلانه مني تعملي كده.. ده مش مبرر أبدًا وبأمانة بقى غلطاتك كلها غبية."
تسائلت بقلة حيلة بعد أن أغلق كل الطرق لحل هذه المعضلة:
"يعني أنتَ عايز تقول ايه دلوقتي يا جاد."
أبعد نظره عنها إلى الناحية الأخرى مردفًا بضيق:
"مش عايز أقول حاجه."
قدمت يدها إلى وجهه جاذبة إياه بحدة لينظر إليها، صاحت بضيق وضجر كبير داخلها من تصرفاته الغبية الكريهة غير مقدر ما الذي تفعله لأجل أن يكونوا في سعادة سويًا:
"أنا بقى هقول.. أنتَ مش مقدر أي حاجه بتحصلي ولا مقدر كام موقف عديته واعتذرت فيه عن أسباب تافهه لمجرد إني عايزاك قريب مني ومش عايزة أجرب البعد تاني.. ايه نسيت عملت ايه لما صوري نزلت في الحارة غصب عني؟ نسيت يا جاد؟ وكنت غلطان في حقي لأني أصلًا ضحية؟ نسيت حاولت كام مرة معاك وأنا بهين نفسي علشان منبعدش.. وعد مواقف كتير أنتَ عارفها وأنا عرفاها."
أدمعت عينيها وتكون اللؤلؤ داخلها ليصبح أمامها غمامة تعيق نظرتها الكاملة إليه ولكنها لم تتوقف هنا بل أخرجت كل ما أرادت قوله له:
"اللي أنا عملته رد فعل لفعلك أنتَ.. أنتَ اللي بدأت وده كان رد فعل طبيعي وأقل من الطبيعي لواحدة شايفة جوزها كداب وبيدافع بايده وسنانه عن واحدة مايعرفهاش، الثقة اللي بتتكلم عنها أنتَ اللي كنت بتمحيها بنفسك أجبها منين؟ ها قولي بس أجبها منين وأنتَ أصلًا بتكدب عليا وتصرفاتك كلها غلط وعلشان واحدة؟"
هبطت دموع عينيها على وجنتيها بقوة خلف بعضهم البعض ووقفت على قدميها مرة واحدة مكملة بحدة وعتاب ظاهر في حديثها ونبرتها الباكيه:
"أنا فهمتك كل حاجه وشرحتلك كل حاجه.. خلاص كاميليا هانم طلعت من حياتنا هي ومسعد اللي معرفش عرفها إزاي.. مافيش مشاكل غير غلطتي فتبعد بقى؟.. براحتك يا جاد.. براحتك خالص."
أدارت وجهها إلى الصالة وكادت أن تذهب فأمسك بيدها شاعرًا أنها تحاول معه بكل قوتها لتمحي ذلك الخطأ وتبدأ من جديد، ظاهر عليها وبشدة أنها تريد نسيان كل ما مضى، أردف بصوتٍ جاد ثم لين:
"استني هنا.. بُعد ايه ده اللي أنا عايزة، أنا مش محتاج حد في حياتي غيرك أصلًا بس.."
تسائلت مضيقة ما بين حاجبيها:
"بس ايه بقى؟"
ترك يدها ونظر إلى عينيها بثبات قائلًا:
"الموقف صعب يا هدير وأنا محتاج وقت علشان أصفى بأمانة."
بادلته نظرته وربما يكن معه حق هي أيضًا أخذت وقت ولم تعود عما حدث إلا عندما وقع في أزمته الماضية:
"ماشي يا جاد خليني معاك للآخر."
أومأ إليها برأسه وأبعد نظرة فسارت هي إلى الخارج، يفكر بها وبحديثها، هي محقة، لها حق فيما حدث ولكن ما فعلته صعب، لقد سرقت منه فرحته بعد أن أعطتها إياه، لقد كان يرى السحاب وهو يلتف حول نفسه بها ثم مرة أخرى جعلته يهبط على الأرض بكامل قوته ليتلقى صدمة صعبة عليه للغاية.
ربما معها حق عليه أن يبدأ من جديد ويحاول مع نفسه أن يمر الأمر دون فجوة أخرى بينهم فمؤكد لن تمر حياتهم هكذا بين الحزن والبعاد.
❈-❈-❈
"بعد مرور يومين"
بعد أن وجد "مسعد" نفسه يحمل قضايا كثيرة وحده قرر الإعتراف على "كاميليا" شريكته في آخر مصيبة قد فعلها مقرًا بكل شيء قد حدث بينهم وقال أنها من اعترضت طريقه مطالبة منه المساعدة في أمر "جاد" ولم يبخل عليها بفعل ذلك.
حمل مسعد الكثير وحده لأن كل ما قدم ضده كان له دليل قاطع أنه بالفعل قد حدث من قِبله، التعدي على منزل "جاد" ومحاولة سرقة ما به كان له شهود من الحارة ومن داخل البيت، محاولة وضعه ذلك السم لـ "جاد" بورشته لكي يتم القبض عليه وهو بريء وأخذ حكم لن يقل عن سنوات عديدة يذهب بها شبابه.
قد تحول كل هذا إليه في لمح البصر والله ليس بغافل عما يفعلون، لقد كان بيده كثير من الفرص كي يعود إلى طريق الله تاركًا ما يغضبه مُبتعدًا عن ذلك الحرام أخذًا القدر الكافي من الحلال الذي يود نيله الجميع ولكنه رفضه رفض قاطع.
تاركًا أولاده وبيوته الثلاثة تأكل من ما حرمه الله. والآن هذا جزاءه، عليه أن يناله بعد كل ما فعله من تخريب في حياة البشر واستحلال عرضهم، سينال ما كان يريد أن يناله غيره، ومن حفر حفرة لأخيه وقع فيها، الآن سيتعفن داخل السجن.
وكاميليا إلى الآن تحاول بكل قوتها أن تقول أنها لم تفعل شيء، ومن هذا "جاد" ومن "مسعد" الذي تحدث عنها وقال أنه يعرفها؟ حاولت بكل الطرق أن تنكر ما قاله ولكن "مسعد" ولأول مرة كان ذكي وقد أدلى بذلك المكان الذي تقابلوا به وتم رؤية الكاميرا الخاصة بذلك المكان وظهرت كاميليا مع "مسعد" وقبله "جاد" وثبتت التهمة عليها وهي تحاول الفرار منها بكل الطرق.
أما قضية الشرف التي وضعت بها من قبل زوجها لم يكن لديها حيلة في الخروج منها، لقد كانت مثبتة بالكامل وذلك الذي كانت معه أعترف عليها باشياء لم تحدث حقًا قائلًا بأنها تراه من الحين إلى الآخر ودائمًا يتقابل معها في هذا المنزل ومن هنا علمت أن "عادل" هو من فعل كل ذلك في فترة انشغالها بـ "جاد" الغبي الذي جعلها تخسر كل شيء.
لم يكن يستحق كل ذلك الإهتمام منها. هناك الكثير أفضل منه وأغنى ويستحقون نظرتها أما هو فسيظل ميكانيكي سيارات قذر.
تخلى عنها الجميع وكتبت عنها جميع الصحف فقد كان حقًا خبر الموسم حتى إنه وصل إلى مسامع "جاد" وزوجته وحمد الله أنه قد حدث فهنا قد فهم الجميع ما الذي ربط "مسعد" بـ "كاميليا" وكيف هو من وضع البودرة وهي من قامت بالتبليغ.
بعد قلة حياءها وتلك القذارة التي كانت تعيش بها متناسية أنها إمرأة متزوجة في عصمة رجل، متناسية أن هناك رب مطلع يرى كل شيء، متناسية أنها لم تغض بصرها عن رجل لا يحل لها، تناست كل أمور دينها ولم تتذكر سوى أنها إمرأة تحب أن يكون معها رجل وسيم مفتول العضلات تتباهى به في تلك البيئة المليئة بالأشياء المحرمة أمام من تريد أن تجعل الغيرة تشتعل داخلهم.
الآن بعد كل ذلك تنال عقابها مثل السابق الذي اتفق معها على تدمير حياة من يعرفون الله، الآن تنال عقابها بعد أن تخلى عنها الجميع وتركوها وحدها ولم يمد لها أي أحد تعرفه من علاقاتها المزيفة يد العون بل أبتعد الجميع. الآن ستتعفن بالسجن كما "مسعد" بالضبط.
بينما كان هناك من يُعاقب كان هناك أيضًا من يبدأ حياة جديدة، عاتبت "شهيرة" زوجها بقوة معترضة على ما فعله بزوجته السابقة، لم يكن يحق له أن ينتقم منها بهذه الطريقة البشعة المهينة إلى حد كبير، فقد تخلى عن كل شيء بداخله من رحمة وأحضر رجل آخر قاسي جاحد ليستطيع أن يمحي كل العيش الذي كان بينهم ويفعل بها ذلك.
برر موقفه بكثير من الأشياء التي فعلتها به وتركها تقول ما يحلو لها ثم مرة أخرى تعود ففعل ما فعله ومضي الأمر والآن خرجت من حياتهم تلك البغيضة التي كانت تعكر صفوهم ليعيشون في راحة منتظرين ذلك المولود الذي بداخلها وعندما يأتي سيعم عليهم الحب أكثر وأكثر.
❈-❈-❈
وقف "جاد" في منتصف الورشة يستمع إلى حديث العاملين ويرى فرحتهم الكبيرة بعودته وإعادة تشغيل الورشة مرة أخرى.
تحدث طارق وهو ينتقل إلى ركن آخر بالورشة ناظرًا إلى "جاد" يقول بجدية ويقين:
"والله يسطا جاد دا زي ما يكون ربنا عمل كده علشان اللي اسمه مسعد دا يتسجن."
أردف "حمادة" يُجيب عليه من بعيد وهو يقف أمام صندوق سيارة يعمل على تصليحها:
"والله يا طارق نفس اللي كنت بفكر فيه."
أجابه الآخر يبتسم ساخرًا بقوة وهو يلوي شفتيه:
"من أعمالهم سُلط عليهم."
أكمل حديثه بعفوية مطلقة وهو يتوجه إلى "جاد" الذي جلس على المقعد أمامهم يستمع إلى ذلك الحديث بوجه مُبتسم بارد:
"وبدل قضية يبقوا اتنين وتلاتة بعد ما اتهجم على البيت."
اعتدل "جاد" في جلسته ونظر إليه عن قرب بدقة متسائلًا باستغراب وعينيه الرمادية متعلقة عليه، الآن للأول مرة يستمع هذا الحديث:
"بيت مين؟"
لم يُجيب عليه أحد منهم ونظروا إلى بعضهم البعض بصمت تام وقد ظهر على وجههم الشحوب التام وكأن الإجابة قاتلة، أردف هو مرة أخرى باستغراب أكبر منتظر منهم إجابة:
"مالكم سكتوا ليه؟ بقول بيت مين اللي مسعد اتهجم عليه."
أبتعد "طارق" إلى الخلف وعينيه بالأرض ثم تقدم حمادة من عمله مرة أخرى ولم يتحدث أحد منهم ولم يجيبوا عليه، وقف "جاد" على قدميه صارخًا بعنف:
"ما تنطق ياض أنتَ وهون."
نظر إليه "طارق" متحدثًا بجدية ناظرًا إليه بخوف:
"اهدا يسطا جاد."
"طب ما تردوا علي."
تحدث حمادة بضيق وانزعاج من حديث "طارق" الثرثار الذي اوقعهم بالخطأ على الرغم من أن "سمير" قد قال لهم أن "جاد" يجب ألا يعلم بما حدث من قِبل "مسعد":
"عجبك كده؟"
أجابه الآخر بضيق أشد منه لأن الحديث خرج من بين شفتيه دون قصد:
"مش قصدي."
بعد أن استمع حديثهم شعر بنيران داخله تود أن تحرقه أما يحرقها هو، رأى نفسه كـ الأبلة بينهم هم الاثنين وكل منهم يتحدث وهو لا يدري بشيء، ولكن هناك شعور داخله يقول له أن ذلك بيته!
"قسمًا بالله هتصرف تصرف غبي معاكم ما تردوا عليا!.. بيتي؟"
"أيوه يسطا جاد بيتك."
تقدم إليه يهتف وقلبه يؤلمه خوفًا من أن يكون ما أتى بخلده:
"بيت أبويا ولا ده."
ما كان من الآخر إلا أن يخفض رأسه هاتفًا بالحقيقة:
"ده."
تسائل مرة أخرى ووقع قلبه بين قدميه رعبًا من الاستماع للقادم:
"مين كان فيه؟"
لم يُجيب عليه فتقدم منه "جاد" يمسكه من ياقة قميصه بعنف صارخًا به:
"انطق ياض."
تركه "جاد" بحدة وابتعد للخلف وعقله لم يستوعب ما الذي قاله هذا الأبلة والآخر مثله؟ كيف تهجم على بيته وهو غائب، وكيف هي فقط التي بالبيت وأين "سمير" الذي أوصاه عنها؟ أين والده وشقيقتها؟ أين كان الجميع عندما تهجم على بيته ذلك الحقير وهو غائب.
وكيف هي لم تقول له؟ إلى الآن لم تتحدث بالأمر ولم تخبره! فقط كل ما تقوله أن يبدأ معها حياة صريحة وكل ما يحدث إن كان له أو لها يجب على الآخر أن يعرفه!
ترى ما الذي فعله بها؟ ما الذي قام به في المنزل وهي وحدها؟ كيف هو لا يعرف كيف؟
اشتعلت النيران داخله أكثر من أي وقت مضى، وازدادت وتيرة أنفاسه بقوة وعنف، تضخم صدره العريض بسبب صعوده وهبوطه المستمر وعقله وقف عن العمل تمامًا.
وقف عندها هي فقط! إلى الآن هي تكذب وهناك الكثير مخفي عنه، ليس فقط الحمل الذي كاد أن يتناسى ما حدث به، هناك غيره الكثير تخفيه ومازالت تفعل ذلك وتقول أنها المجني عليها من قبله وتظهر كم البراءة والحنان الذي بداخلها وتقدم يد العون لكي يتخطى كل شيء وهي من الأساس الغبية الوحيدة هنا.
الغبية التي تخفي عنه كل شيء يحدث معها وكأنه ليس بزوجها، وكأنه رجل غريب عنها، ولكن هذه المرة لن يكون لين كالمرات السابقة. حقًا عليها أن تقابل عاصفته.
رواية ندوب الهوى الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ندا حسن
جالسة على الأريكة في صالة الشقة بهدوء تام تتابع التلفاز بينما هناك طعام على النيران في المطبخ تنتظر نضجه.
استمعت إلى صوت المفتاح الذي استدار في باب الشقة ثم من بعدها فُتح.
نظرت إليه وجدته هو يدلف وأغلق الباب من خلفه بعنف شديد وتقدم إلى الداخل وعينيه تقع عليها ولم تتحرك وتعابيره لا تبشر بالخير أبدًا.
"ما به؟ ما الذي من الممكن أن يكون حدث؟ لما ينظر إليها بهذه الطريقة؟، عينيه ليس لها أي لون تستطيع تحديده وتشعر كأنه غاضب، شفتيه مضمومه وصوت أنفاسه عاليه تستمع إليها بوضوح وهو يتقدم منها، تعرفه عندما يكن غاضب وهو هكذا الآن ولكن لما ينظر إليها هكذا ولما يتقدم بهذه الطريقة؟ هل هي من أغضبته!"
وقف أمامها بجدية تامة، قدم كف يده العريض إليها يتمسك بذراعها بحدة وعنف جاذبًا إياها بقوة لتقف أمامه تواجهه.
جذبها بحدة شديدة فمالت عليه تستند بيدها الأخرى باستغراب جُلي وعينيها تتسائل بخوف ما الذي من الممكن أن تكون فعلته هي دون عملها!
"مسعد الشباط اتهجم على البيت؟"
اتسعت عينيها بصدمة وخوف بعد أن قال هذا الحديث، كيف علم عن هذا فالجميع قال إنه يجب ألا يعرف شيء.
كيف هي مستغربة، فهم في حارة لا يخفى بها شيء.
صرخ بها بعنف وهو يراها تنظر إليه هكذا تستوعب أن الأبلة قد علم:
"انطقي.. مسعد جه هنا"
أومأت إليه برأسها عدة مرات متتالية وعينيها متعلقة به بخوف ومظهره لا يبشر بالخير بعدما كان هدأ.
أكمل متسائلًا ومازالت يده تتمسك بها بقوة وعنف:
"دخل هنا؟"
"أيوة"
تسائل ثانيةً بجدية شديدة وخوف ظاهر فقط في عينيه وكأنه لا يريد أن يعلم ما يدور داخل رأسه، يريده غير ذلك:
"وكنتي لوحدك؟"
أومأت إليه مرة أخرى وهي تبعد يدها اليمنى عن صدره تضعها على كفه العريض الذي يتمسك بذراعها الأيسر:
"عمل ايه؟ وكان عايز ايه.. وسمير كان فين"
خفضت بصرها للأرض وحقًا لا تريد تذكر أي من هذا، بدأت في الكذب حتى يبتعد وتهدأ عاصفته التي تظهر وكأنها لن تهدأ أبدًا.
"معملش حاجه وسمير مكانش موجود في البيت"
تشعر أنها تكذب، يعلم متى تكذب وكيف تفعلها والآن هي تكذب.
ضغط على يدها بقوة كبيرة جاذبًا وجهها إليه بيده الأخرى لتنظر إليه وهو يتحدث قائلًا بنبرة حادة:
"لأ لو مفكرة إنك هتعرفي تكدبي عليا هيبقى يومك أسود وهطلع القديم والجديد عليكي.. انطق"
تسائلت بمراوغة وكذب معتقدة أنها إذا استمرت في فعل ذلك سيعتقد أنها تتحدث بالصدق:
"أقول ايه؟ مفيش حاجه حصلت علشان أقولها"
أقترب بجسده منها بحدة وعينيه الرمادية قد ذهبت إلى مكان آخر لا يعرف من هو “جاد” والآن عينيه حمراء وكأن بها لهب من شدة الغضب:
"لأ فيه وهتقولي كل حاجه.. سامعه"
ضغطت على كف يده بيدها محاولة إبعاده مكرمشه ملامح وجهها تحاول أن تأخذ الحديث إلى طريق آخر:
"طب سيب دراعي يا جاد.. أنتَ ماسكني كده ليه"
يعلم ما الذي تحاول فعله، هذه ميزة الأزواج المحبين لبعضهم الذين يعرفون تفاصيلهم أكثر من أي أحد آخر، وهو كان على دراية بما تريد فعله.
أمسك بذراعها الآخر بيده الأخرى بحدة أكبر ضاغطًا على ذراعيها الاثنين:
"اتكلمي يا هدير مخليش عفاريتي تحضر عليكي… مسعد كان عايز ايه"
كرمشت ملامح وجهها أكثر من السابق بعد أن شعرت بالألم بسبب مسكته المؤلمة هذه ثم قالت بنبرة متضايقة بقوة:
"كان جاي يشمت فيا.. ارتحت؟ جاي يشمت إنك مسجون ومش هتطلع من السجن وهتقضي عمرك فيه"
تسائل بحيرة وعينيه تتحرك على عسليتها بدقة وقلبه يدق عنفًا داخل قفصه الصدري:
"عملك حاجه؟.."
أجابته في لحظة إتمام سؤاله بقوة كبيرة ووجهها أمامه ينظر إليه بحدة:
"لأ معملش"
أجابها هو الآخر بيقين قوي وكأنه متأكد من أن “مسعد” قد فعل لها شيء على الرغم من أن العاملين معه قالوا أنه كان يسرق من المنزل ولكن هذا الحديث لم ولن يدلف عقله:
"لأ عمل وأنا عارف إنه عمل يبقى تتكلمي وتحكيلي اللي حصل بالحرف الواحد أحسن من اللي هيحصل لو فضلتي على طبعك الو** ده"
أردفت بقوة وعينيها مُتسعة بغير تصديق وهي تستمع لحديثه الذي لم يكن بالحسبان، فهي قد أخفت عنه ما حدث فقط خوفًا عليه، ولا تريد له الحزن والشعور بالعجز:
"طبع ايه؟. طبع ايه ده.. أنا غلطت إني خايفة عليك، كده غلطت علشان خايفة عليك يا جاد"
صاح بقوة قائلًا بنبرة حادة ناظرًا إليها بغضب يحرك ذراعيها أسفل يديه بحدة وقسوة:
"آه غلطتي ومش كده وبس أنتِ بتلبسيني العمة، بتخليني قرطاس لب قدام الناس لما يدخل يتهجم عليكي في بيتي وأنا معرفش أعمل حاجه"
أجابته هي الأخرى بقوة وصوتٍ عالٍ للغاية محاولة دفعة بعيد عنها فهو يتحدث بعقل طفل صغير أو ربما الصدمة مما حدث أثرت عليه:
"وهو أنتَ كنت هنا ما بلاش غباء بقى"
ترك يدها الاثنين وبيده اليمنى أمسك فكها ضاغطًا عليه بعنف وقوة صارخًا بصوتٍ عالٍ حاد والغضب قد تمكنه:
"اخرسي خالص.. أنتِ كمان بتعلي صوتك.. كمان-عملك ايه اتكلم"
دفعت يده بقوة عنها ونظرت إليه باستغراب جُلي.
ما هذا الذي وقعوا به، لو كان أحد السحرة قد فعل لهم سحر لا يُفك لم تكن حياتهم بهذا الشكل أبدًا لقد تخطوا جميع الحدود ولا يعرفون كيف تكون العيشة بسلام:
"اللي أنتَ قولته اتهجم عليا"
تسائل بنفاذ صبر:
"إزاي"
تجمعت الدموع بعينيها وهي تراه يُصر على معرفة ما الذي حدث ويجعلها تستعيد ذكريات ذلك اليوم المشؤوم:
"خلاص يا جاد الله يخليك كفاية بقى"
أردف بقسوة شديدة ووجه جامد حاد بملامحه ليس به أي تعابير قائلًا:
"اتكلمي"
وجدها تنظر إليه بصدمة وعينيها مُتسعة مستغربة من تحوله هكذا إلى شخص آخر لا تعرفه بالمرة، فأكمل قسوته عليها قائلًا بجدية طاغية هي تعرفها:
"ردي يا هدير وإلا قسمًا بالله… ولا بلاش حلفان أنتِ عرفاني من غير حلفان"
خرجت دموع عينيها ونظرت إليه بضعف شديد ثم أبعدت نظرها عنه قائلة بانكسار وقلة حيلة:
"اتهجم عليا يا جاد… زقني على الكنبة هنا وربط ايدي وبوقي علشان معرفش أصوت ولا أعمل حاجه"
تسائل وهو ينظر إلى دموعها السائلة على وجنتيها، ولكنه الآن لن يحن إليها إلا عندما يدري بكل ما حدث في غيابه والجميع يخفيه عنه، لن يواسيها ولن يقترب منها، سيتخطى كل الحدود اليوم:
"وبعدين"
أغمضت عينيها بقوة فخرجت الدموع بغزارة ثم فتحتهما قائلة:
"دخلني.. دخلني جوا في الاوضه"
أقترب منها مرة أخرى يتمسك بذراعها كمنذ لحظات، ضاغطًا عليه بحدة جاعلها تنظر إليه وهو يتسائل بقوة:
"في الاوضه فين؟.. اوضتنا؟"
أومأت إليه برأسها وعينيها وكأنها أخذت التصريح بالبكاء المستمر وكأنها أيضًا لم تكتفي بالبكاء في الأيام الماضية.
"كملي"
تألمت بقوة وهو يضغط على ذراعها بغل واضح على ملامح وجهه بعد الاستماع إلى حديثها الذي يقتل أي رجل من الممكن أن يستمع إليه:
"وبس يا جاد حاول إنه يتهجم عليا بس ضربته وفكيت الربطة اللي على بوقي وصوت.. سمير سمعني هو ومريم ولحقوني"
ضيق عينيه الرمادية ذات اللون المختفي عنها، تصاعدت أنفاسه الحادة أكثر وهو يقول بإصرار وحدة والغضب قد عمى عيناه عن أي شيء:
"يعني ايه لحقوكي.. ها يعني ايه؟ لأ مش فاهم فهميني كده بالراحة علشان أنتِ يوم أهلك أسود"
خرج صوت بكائها وهي تنظر إليه بضعف قائلة بنبرة خافتة حزينة منكسرة:
"أنتَ بتيجي عليا تاني يا جاد.. بتيجي عليا وبردو أنا المجني عليه"
أصر على موقفه ولم يرق قلبه ناحيتها أبدًا، أي رجل غيره لن يكن هذا رد فعله عندما يعلم أن هناك رجل قذر تهجم على زوجته داخل بيته وفي فراشه، وهو آخر من يعلم، تريد المواساة وأن يكون معها أليس كذلك؟ إذًا لما أخفت ذلك عنه، لما!؟ ما الذي يفعله عندما يعلم بهذا الحديث، داخله براكين تحرقه:
"ردي عليا.. اتهجم عليكي إزاي وعمل ايه"
أردفت ببكاء حاد وضعف شديد في نبرتها:
"مُصر يعني تقهر فيا.. مُصر"
"آه مُصر"
جذبت يدها بحدة شديدة ووقفت أمامه معتدلة ووجهها ملطخ بالدموع الكثيرة وشفتيها حمراء من شدة البكاء، صاحت بقوة محاولة أن تقص عليه ما حدث بقسوة كما هو قاسي عليها:
"ماشي يا سيدي.. فتحت الباب لقيته في وشي حاولت اقفله زقه وزقتي ودخل وقفل وراه، جريت علشان أفتح البلكونة وأصوت لحقني وشالني وهو كاتم بوقي ورماني هنا على الكنبة دي بكل قوته ملحقتش أصوت ولا أخرج الصوت مني وكتم بوقي بقماشة وربط ايدي بطرحتي…"
اشتعل الغضب داخله أكثر وأكثر، رأى خصلاتها! رأى شعرها الأسود! مرة أخرى له هذا وعلى الحقيقة، اشتعلت نيران الغضب والغيرة الحرة داخله، قلبه يغلي في قدر مياة على نيران مشتعلة بقوة:
"بطرحتك؟ شاف شعرك قصدك"
صاحت بقوة مُجيبة إياه بتأكيد وهي تحرك رأسها للأمام بعنف:
"آه شافه، مش ده اللي عايز تسمعه، آه شاف شعري والعباية اترفعت وشاف رجلي كلها ولما دخلني جوا قطعلي العباية عايز تسمع ايه تاني"
صرخ بها بقوة وصوتٍ عالٍ لن تستغرب إن كان من بالخارج سمعه، وجسده بالكامل متشنج بعصبية وغضب:
"اخرسي بقى.. اخرسي"
عاندته بقوة كبيرة وهي تصيح مثله مُجيبة إياه بحديث أكثر حرقة من السابق:
"لأ مش هخرس مش ده اللي عايز تسمعه؟ أقولك إنه ضربني وقلع شعري في أيده؟ ولا أقول إن كل ده على سريرك"
أبتعد للخلف وصرخ بها بقوة جعلتها ترتعد خوفًا وصمتت وهي التي كانت تريد التكملة:
"اخرسي يا هدير"
تركها وذهب دالفًا إلى غرفة نومهم بعنف وهمجية واضحة، ذهبت خلفه سريعًا تدلف الغرفة لتراه يرفع الملاءة عن الفراش بعنف كبير ملقيًا الوسادة على الأرضية وكأنه في حالة اللاوعي:
"أنتَ بتعمل ايه؟"
دفع الفراش بقدمه بعنف وقوة كبيرة قائلًا بجدية تامة وقلبه لا يستطيع السيطرة على دقاته ولا حتى يستطيع السيطرة على نفسه وهناك داخله حرب كبيرة ستنتهي بموته:
"السرير ده هيتغير.. والركنة هتتغير"
تفت باستهجان وضيق وهي تتقدم منه قائلة بحدة:
"ليه كل ده أنا شيلت الفرش في وقتها ورميته"
صرخ بها وهو الآخر وتقدم منها بقوة وهمجية جعلتها ترتعد منه ومن حركاته الغريبة الغير متوقعة منه، صرخ بعنف وحدة قائلًا أشياء يجب ألا يقولها:
"ده اللي ربنا قدرك عليه؟. ده اللي عرفتي تعمليه بس سمحتيله يدخل عليكي ويعمل كل ده"
نظرت إليه بذهول وبعينين دامعتين توقفوا عن البكاء من أثر الصدمة التي ألقاها عليها دون رحمة، أهي كانت موافقة على ذلك؟ أهي من جعلته يفعل ذلك بها؟ إنه قد جن من المؤكد فهذا ليس حديث شخص عاقل.
صاحت بقوة هي الأخرى تماثله:
"عادي؟.. أنتَ اتجننت، يعني أنا كنت قادرة عليه وسكتت؟ أنا اضربت منه بما فيه الكفاية ومقدرتش عليه ولولا سمير مكنتش هبقى واقفة معاك كده"
أشار بيده مستمر بالصراخ عليها وكأنها هي من فعلت كل ذلك:
"وهو كان فين من البداية.. وسابك لوحدك ليه"
أردفت بنبرة حادة ناظرة إليه بغضب بعد أن جعلها تفقد كل العقل الذي كان بها، بعد أن كانت تريد احتواء الموقف مقدرة ما الذي يمر به:
"كان بيجري وراك عند المحامي هو ده جزاته"
صرخ بعنف قائلًا وهو يتقدم بكامل قوته وعنفوانه من المرأة ثم بيده الاثنين أطاح بكل ما عليها من زينه لها وزجاجات عطر تخصهم، أطاح بكل ما كان موجود عليها ليصدر صوتًا حادًا عنيفًا على أثرها ولتبقى فارغة بعد أن كسرت كل الزجاجات التي كانت موجودة وتناثرت شظايا الزجاج في الغرفة.
"يلعن أبو دي عيشة"
صرخت هي الأخرى بعنف وقوة واضعة يدها الاثنين على أذنيها بعد أن استمعت للصوت الذي ازعجها وجعلها تشعر بالآلام.
مرة أخرى يقترب على حين غرة وهو غاضب بشدة وعقلها يقول لها أن عليها أن تتفادى كل ما يأتي منه فقط في هذا الوقت.
هذا أسوأ موقف قد يكون مر عليهم إلى الآن:
"اخرسي بقى مش عايز اسمع صوتك.. عملالي فيها مصلحة اجتماعية ومن ساعة ما جيت وأنتِ واكله دماغي عن الصراحة وإزاي نقرب بالصدق"
لقد حركاتها عندما كانت تتحدث بهذا الحديث إليه لكي تكون حياتهم أفضل بعد أن تعلم من الدروس الذي مضت بهم:
"بلاش تخبي يا جاد وأنا مش هخبي ولو حصل أي حاجه زعلتك أو زعلتني نتكلم.. بلاش نبعد يا جاد بلاش الغلط يا جاد وأهم حاجه الصراحة يا جاد"
صرخ مرة أخرى مغتاظًا منها وهو يراها تنظر بالأرضية وتبكي واضعة يدها الاثنين على أذنها:
"هي فين الصراحة دي… هي فين"
هدأت نبرته قليلًا ولكنها مازالت حادة جارحة وهو يقول لها:
"كل مرة تعملي عمله أسود من اللي قبلها يا شيخه حرام على دينك بقى أنا تعبت"
أخفضت يدها من على أذنها ونظرت إليه بقوة غير مبالية بما يفعله فيكفي إلى هنا، وقفت أمامه على أعتاب باب الغرفة بعد أن عادت للخلف وهو يرمى بكل ما على المرأة وصاحت مُشيرة إلى نفسها بيدها ببكاء حاد يمزق انياط قلب المستمع ولكنه لم يكن هو هذه المرة:
"مش واخد بالك إني تعبت أكتر منك؟ مش واخد بالك إن أنا اللي حصل فيا كده بالغصب مش بالرضا؟ مش واخد بالك إنك جاي عليا بزيادة.. زي المرة اللي فاتت بالظبط بدل ما تقف جنبي واقف قصادي"
أردف بقوة وجدية شديدة واقفًا قبالتها ناظرًا إليها من الأعلى إلى الأسفل مستمر في قسوة قلبه التي لأول مرة يخضع لها، ولكن الأمر صعب عليه كثيرًا حقًا، لأ يستطيع أن يكون هادئ أو يقف جوارها:
"وهفضل واقف قصادك لحد ما تتعدلي.. قولت لنفسي ياض يا جاد كفاية خصام اللي حصل حصل وعدا أفرح باللي جاي وكنت ناوي أطلع على صلح وكفاية لحد كده لكن اكتشف أن الهانم هي والكل مستغفلاني كأني عيل صغير بيلعب في الشارع مش هيعرف يجيب حقه"
تسائلت بقوة مضيقة ما بين حاجبيها باستنكار:
"تجيبه من مين؟ مسعد في السجن خلاص"
أومأ إليها بكره شديد وحقد ظهر على ملامحه على ذكر اسم ذلك الحقير:
"صح مسعد في السجن"
تقدم ليمر ذاهبًا إلى الخارج ودفعها بيده في جانب صدرها بحدة وقوة كبيرة لتصطدم بالباب بظهرها بعنف وذهب هو وقد استمعت إلى صوت باب الشقة الذي أغلق بعنف وقوة.
بكت بكثرة وهي تشعر أن عينيها ستجف إلى الأبد فقد بكيت كثيرًا في تلك الفترة الماضية.
لما كل ذلك يحدث لهما؟ لما لا تستطيع أن تشعر بالراحة قليلًا، تقدر ما الذي يمر به بعد أن علم بأن هناك من أقترب من زوجته وداخل بيته، تعلم أنه يشعر بالعجز وكثير من الأشياء التي سيكون من الصعب أن تفهمها.
ولكنه كان قاسي للغاية غير مقدر أي شيء تمر به، وكأنها هي من جعلت ذلك الحيوان يدلف بينهم ويفعل كل ذلك، حديثه يقول إنها كانت تستطيع فعل أكثر من ذلك ولكنها لم تفعل.
لم يشعر بها وهي تبكي عليه وتناجيه لكي يأتي إليها.
قسوته هذه المرة كانت أكبر من كل شيء متناسيًا كل الحب الموجود داخل قلبها له، تناسى كل شيء بينهم وتذكر كل خطأ فعلته ليقسو ويتكبر بضمير يشعر بالراحة.
خرج “جاد” من الشقة وقلبه يغلي داخله، نيران مشتعلة تطوف حول عقله تجعله لا يستطيع التفكير، جسده متشنج غاضب بحدة، وعصبيته تعمي عينيه، لو قابل أي أحد الآن مهما كان من هو سينفعل عليه وسيؤدي بما بينهم.
لقد تعرض لكثير من الصدامات في الأيام الماضية وهو إلى الآن لا يستطيع المواجهة بكل هذا الجمود وآخرهم زوجته!
لقد حاول ذلك الحيوان الإعتداء عليها ودلف منزله في غيابه، لم يكن يتجرأ أبدًا على فعلها وهو هنا في الحارة أو حتى في أي مكان خارجها ولكنه كان على يقين أنه لن يخرج فاستغل الفرصة وأراد أن يسلب حق “جاد” بها.
فقط لأنه ذهب ساعات فعل هو كل هذا؟ لم يستطع أحد الدفاع عنها وحتى هي لم تستطع الدفاع عن نفسها! يعلم أن الأمر صعب عليها للغاية ومؤكد كانت خائفة بل مرعوبة فما حدث في الماضي يعاد مرة أخرى ولكن وهو بعيد عنها.
ومع ذلك لا يستطيع أن يغفر لها فعلتها هذه المرة، لن يستطيع فعلها أبدًا ومهما مر عليهم من الوقت فهي مرة أخرى تخفي عليه أمر أكبر وأبشع من حملها.
تخفي عنه أن هناك رجل آخر دلف بيته ورأى ما حل له هو فقط منها، رجل صعد على فراشه وجلس عليه بكل أريحية وقابلها بالضرب وأفعال دنيئة.
ما الذي تنتظره منه أن يخفف عنها ويقف جوارها! لا ليس هو هذا الرجل إنه الآن يشتعل غضبًا ورجولته تصرخ داخله على ما حدث لزوجته وهو لا يعلم ولا يستطيع أخذ حقها وحق نفسه.
عنفوانه يدعوه لفعل أي شيء يجعله يخرج الكبت الذي بداخله.
ويريد الحديث مع ابن عمه الذي أمنه على بيته وأهل بيته ولكنه لم يكن أهل لهذه الأمانة.
ترك زوجته وحدها في المنزل ولم يكن هو به حتى شقيقتها لا يدري أين كانت في مثل هذا الوقت ولما لم تكن معها.
هبط الدرج بعصبية وعنف شديد ثم وهو يسير في ردهة المنزل ليخرج دلف “سمير” من الباب وقابلة قبل الخروج إلى الشارع.
عندما رآه “جاد” أمامه صاح بعنف وقوة دون مقدمات:
"كنت فين يا سمير لما مسعد اتهجم على مراتي"
ينظر إليه الآخر باستغراب وعينيه مثبتة عليه بقوة، داخل عقله يفكر من أين علم بهذا الحديث:
"وأنتَ عرفت منين؟"
استنكر سؤاله وقال بحدة متهكم بسخرية شديدة عليه:
"ايه مكنتش عايزاني أعرف علشان تداري على خيبتك"
ملامح “سمير” بالكامل كانت عبارة عن تساؤل مستمر وعقله لا يستوعب لما “جاد” يتحدث معه بهذه الطريقة ولما ينظر إليه هكذا، وعن أي خيبة يتحدث:
"خيبة ايه يا جاد"
أقترب منه خطوة ناظرًا إليه بقوة وداخله عنف لم يخرج إلى الآن وشيطانه يدعوه لإخراجه عليه:
"خيبة ايه؟ أنا ياض مش قولتلك خلي بالك من مراتي وحتى لو مقولتش هو أنتَ مش موجود وعارف المفروض تعمل ايه"
أكمل بسخرية مُهينة لرجولة “سمير” الذي لم يكن يستحق منه هذا:
"علشان بعدت شوية يحصل فيها كده.. ايه مش سايب راجل هنا معاها"
تضايق “سمير” من حديثه الغير مرغوب به وأقترب منه خطوة هو الآخر قائلًا بحدة مثله مدافعًا عن نفسه:
"لأ راجل يا جاد وأنتَض عارف كده كويس.. أنا في الوقت ده كنت عند المحامي بحاول معاه نلاقي حاجه يطلعك بيها يعني مكنتش بلعب"
أجابه بصوت عالي مُردفًا:
"ولزومه ايه بقى يطلعني دا الموت كان أهون"
أشار إلى نفسه بضيق واستهجان وقد أثر حديث ابن عمه به ولكنه إلى الآن يقدر الذي هو به، فقال بجدية:
"أنا لما رجعت عملت اللي عليا وكل اللي أقدر عليه ومخلتش أي مخلوق يجيب سيرة مراتك وطلعتها من الموضوع"
ضيق عينيه الرمادية الغاضبة عليه قائلًا بتوضيح أكثر وصوته حاد عنيف لأن من الواضح أن ابن عمه طفل صغير أحمق يظن أن ما فعله قد دلف عقول الناس:
"وهي دي بقى المشكلة! أنتَ بتضحك على نفسك ولا عليا؟ الحارة كلها عارفه مسعد كان عندي بيعمل ايه بلا سرقة بلا بتاع"
أردف بقوة هو الآخر مثله يُجيب عليه موضحًا ما الذي فعله لأنه هو الآخر ربما أحمق وأتي بكامل العنف القابع داخله يخرجه عليه:
"وأنا كنت أعمل ايه يا جاد.. ده التصرف الوحيد اللي كان صح وعملته في وقتها ولميت الدنيا فمتجيش أنتَ تزعق معايا كده وتقولي كنت فين ومكنتش فين"
تضايق “جاد” هو الآخر من حديثه، هو الآن لا يريد أن يقف قبالته أحد فقط عليهم الاستماع، أقترب مربتًا على جانب صدره بظهر يده بعنف وقوة وهو يصيح بغضب:
"لأ هزعق وستين هزعق ولا أنتَ مش فارقلك أن واحد وسخ زي ده يدخل بيت أخوك ويدوس على شرفه"
تنهد “سمير” بصوت عالي وحاول أن يكون هو الهادئ الآن لأن “جاد” في حالة لا يحسد عليها، نظر إلى يده التي تمتد إليه بقوة ثم قال باستغراب وذهول وقد جرحه حديثه بعنف، كيف لا يفرق معه أخيه؟:
"مش فارقلي؟.. مالها نبرتك متغيرة عليا يا جاد"
عاد للخلف صارخًا بعنف:
"علشان تستاهل.. كلكم تستاهلوا محسسني إني عيل صغير وكل واحد بيخبي عني حاجه شكل.. ما تجيبلوا الرضعة أحسن"
هتف “سمير” بقوة قائلًا ناظرًا إليه:
"أنا عملت اللي عليا قدام ربنا بلاش قدامك ولو كنت أعرف أعمل أكتر وأقتله كنت عملتها بس مش هيفيد وإننا نخبي عليك فده علشان زعلك يسطا جاد وعلشان الحالة اللي أنتَ فيها دلوقتي وكلنا عارفين إن لو كان مسعد بره السجن وأنتَ عرفت كان زمانه ميت وأنتَ بتتحاكم"
أجابه “جاد” مُبتعدًا عنه بقوة وحرقة داخل قلبه لا يستطيع أن يتعايش معها ولو لحظة واحدة:
"ياريت كان بره.. بس ملحوقه"
تحرك “سمير” للداخل يهم بالصعود إلى الأعلى قائلًا بحزن شديد ظهر في حديثه:
"عن اذنك يا ابن عمي علشان شكلك دلوقتي مش عارف أنتَ بتقول ايه"
لم يبالي بما استمع إليه وكان قلبه مقرر أن يكون قاسي على الجميع يحمل كل ما بداخله من جحود وقسوة:
"لأ أنا عارف أنا بقول ايه كويس وبقول إنك مكنتش قد الثقة اللي ادتهالك"
استدار “سمير” بقوة مدافعًا عن نفسه مرة أخرى بقوة أكبر من السابق لعلى ذلك الأحمق يصمت:
"كنت قدها وأنتَ عارف كده كويس وأنا هسكت علشان مقدر اللي أنتَ فيه"
أقترب منه “جاد” وهو معمي العينين وقد كان غضبه حارق لا يستطيع فعل أي شيء الآن سوى أنه مُتعصب وغاضب:
"لأ متقدرش اللي أنا فيه.. مش عايزك تقدر ورد عليا وريني كده يلا"
صعد “سمير” على الدرج وتركه فقد فهم أنه الآن يريد العراك أو أي شيء يجعله يخرج ما بداخله وهذا لن يكن أفضل شيء أبدًا، قال بنبرة حادة:
"خلاص يا جاد كفاية لحد هنا الكلام اللي جاي هيزعلنا"
أجابه الآخر بحزن طاغي عليه من كل جانب:
"مظنش إن فيه حاجه ممكن تزعل أكتر من كده"
صعد “سمير” إلى الأعلى وخرج “جاد” إلى الشارع وداخله قوة هائلة تدعوه لقتل أحدهم.
صعد “سمير” إلى الأعلى ودلف إلى شقته، عقله مشوش للغاية بسبب ما حدث قبل قليل بينه وبين ابن عمه، أول ما يشغل تفكيره من الذي أخبره بما حدث من “مسعد”؟ زوجته مستحيل أن تقول له شيء كهذا إنها كانت من أول الأشخاص الذين ودوا إخفاء الأمر عنه، ولكن صحيح في هذه الحارة لا يحدث شيء إلا وعلمه الجميع وبالأخص من يخفون عنه.
مؤكد أنه سألها عما حدث وقد سردت عليه، كان يبدو عليه الضيق الشديد والعصبية المفرطة.
حتى من قبل أن يتحدث معه وربما قد فعل معها مثله تمامًا وأقام الحد عليها.
ولكن الأهم من كل هذا وما جعله يحزن وبشدة هو نظرة ابن عمه له، هل يراه ليس رجل حقًا؟ إنه عندما دلف إليها “مسعد” كان هو عند المحامي الخاص به مهموم للغاية ولا يدري ما الذي يستطيع فعله لأجله، إذًا هو لم يكن يلهو ويلعب بل كان في أمر هام وخاص بحياته أيضًا.
وعندما أتى لم يكن يريد أن يدلف إليها في وقت متأخر من الليل ويعتبر نفسه بهذا جيد للغاية لأنه لا يجوز فعلها مهما كانت درجة القرابة بينهم وهو على علم بذلك ويعلم أن غيرته على زوجته عمياء مهما كان ما يحدث.
ثم علم ما حدث لم يتأخر لحظة واحدة وبادر بالحلول في لحظات بعد أن أخذها من بين يدي ذلك الحقير ولم يستطع أن يفعل معها شيء حمدًا لله ثم سريعًا فكر وجعله يدلف إلى السجن بما فعله ولكن لم يأتي باسمها أيضًا وكان الأمر بعيد عنها.
ما الذي كان سيفعله أكثر من هذا؟ هو يرى نفسه فعل كل ما استطاع فعله لما يلومه الآن؟
لما يعنفه بهذه الطريقة البشعة التي لم تكن بينهم في يوم من الأيام؟
لقد أحزنه بشدة حقًا هذا التفكير وأحزنه أكثر حديثه الذي ألقاه عليه وهو يعلم كيف يكون تأثيره ولكن مع كل ذلك هو يقدر ما الذي يمر به، إلى اليوم لم يشعر بالراحة أبدًا، إلى اليوم منذ زواجه وكل دقيقة والأخرى تقع عليه مصيبة من أين أتت لا يدري!
وما حدث له ولزوجته كان صعب للغاية حقًا وليس هناك من يستطيع تحمله ولو كان رجل آخر لاحترق ما بداخله وخارجه ولكنه يعلم ابنه عمه جيدًا أنه كتوم إلى رجة مُرهقة.
سيلتمس له العذر لأنه في حالة صعبة وموقف أصعب من أي شيء.
صاحت زوجته بقوة كبيرة وهي تضربه بكف يدها على وجنته بخفه ناظرة إليه بذهول:
"سميـر"
أبعد نظرة المثبت في الفراغ إليها قائلًا بقوة يبادلها نفس الذهول الذي تنظر به:
"في ايه"
أجابت بحدة وهي تعتدل في جلستها لتكن مواجهة إياه جالسة جواره على الأريكة في صالة شقتهم:
"أنتَ اللي في ايه بقالي ساعة بكلمك وأنتَ في دنيا تانية خالص"
عاد بنظرة إلى الفراغ مرة أخرى وترك وجهها الذي كان يقابله قائلًا بشرود وهدوء:
"بفكر يا مريم"
وضعت كف يدها أسفل ذقنها قائلة ببرود معتقدة أنه يفكر بها:
"وبتفكر في مين بقى"
أجابها بقوة ونبرة ثابتة حادة ومازالت عينيه على الفراغ يهتف:
"جاد"
عادت للخف برأسها وأبعدت يدها مرة أخرى قائلة بجدية متسائلة:
"وبتفكر في جاد ليه"
رفع بصره عليها ليراها بملامحها تتسائل فقال هو بهدوء وكأن شيء لم يحدث.
ولكنه في الأصل قد تخطى الصدمة:
"جاد عرف كل اللي مسعد عمله مع هدير.. وطلع عفاريته عليا علشان سبتها لوحدها وكنت فين وإزاي ومش إزاي وكل الكلام ده"
أردفت بعينين متسعة بقوة بعد أن اعتدلت مرة أخرى مقتربة منه متسائلة:
"وهو جاد عرف منين اللي مسعد عمله؟.. محدش يعرف غيري أنا وأنتَ وهدير والباقي كلهم مفكرين إنه كان بيسرق.."
هتف قائلًا بوضوح ونبرة عقلانية متفهمة لما حدث وما يحدث:
"الناس مش هبلة يا مريم ولا حتى جاد أهبل علشان يصدق كلمتين زي دول هو عارف كويس مسعد عايز ايه من مراته وأكيد هو استجوبها كمان دا نازل من عندها شايط وبيخانق دبان وشه"
صاحت بحدة بعد أن قال لها هكذا، فشقيقتها ليس لها يد بما حدث حتى ينفعل عليها ولا زوجها أيضًا فهو فهل كل ما استطاع فعله:
"وهي ايه ذنبها وأنتَ كمان ايه ذنبك.. يروح يخانق مسعد هو اللي عمل كل ده مش انت"
سألها باستنكار مشيرًا إليها بيده:
"وأنتِ مالك اتحمقتي كده"
أجابته بقوة موضحة:
"مهو الكلام اللي بتقوله يعصب"
اعتدل ينظر إليها بوجهه وكامل جسده يقابلها، أردف بهدوء وقوة في نفس الوقت بنبرة ثابتة موضحة لما “جاد” يفعل هكذا:
"جاد راجل يا مريم واللي حصل من مسعد مش بالسهل إنه يعديه ولو أي واحد تاني فيه صفات الرجولة والغيرة على أهل بيته مش هيعديه ودلوقتي مسعد اتحبس يعني لا هيعرف ياخد منه لا حق ولا باطل فبيطلع عصبيته علينا وإحنا من واجبنا ناحيته نستحمل"
أومأت إليه برأسها وعينيها عليه تتفهم ما الذي قاله وقد أعجبها حديثه وبشدة وكونه لم يتخلى عن ابن عمه حتى بعد حديثه الذي قاله له:
"عندك حق.. بس أنتَ متزعلش منه"
ابتسم بسخرية محركًا شفتيه وأشار إلى نفسه بيده قائلًا باستنكار:
"أنا أزعل من جاد؟ أنتِ لسه عرفانا النهاردة ولا ايه؟.."
ربتت على ذراعه مُبتسمة بسعادة وود قائلة وجهها بشوش يحمل الفرحة:
"ربنا يخليكم لبعض يا سمير"
أخذ كف يدها من على ذراعه مقبلًا إياه ثم أردف بحنان وحب بالغ قائلًا:
"ويخليكي ليا يا أم عشق ويخلي عشق كمان"
ابتسمت وهي تقترب منه تميل برأسها على كتفه قائلة بسعادة:
"ياريت يا أبو عشق"
أخذ كف يدها من على ذراعه مقبلًا إياه ثم أردف بحنان وحب بالغ قائلًا:
"ويخليكي ليا يا أم عشق ويخلي عشق كمان"
ابتسمت وهي تقترب منه تميل برأسها على كتفه قائلة بسعادة:
"ياريت يا أبو عشق"
صمتت للحظة وهو يلتف بذراعه حولها ليحاوطها بيده مقربًا إياها منه بقوة، ثم تسائلت قائلة بابتسامة:
"مش ناوي تقولي اشمعنى عشق اللي عايز تسميه؟.. ده لو جات بنت يعني"
أبعدها عنه ونظر إلى وجهها بقوة قائلًا باستغراب وعينيه مثبتة عليها:
"أنتِ غبية للدرجة دي يا مريم ولا ايه؟"
غمزها بعينيه وابتسم بشدة مُكملًا:
"علشان تشهد على العشق اللي بينا يا بت وتكملة"
أكمل هذه المرة بوجه عابس لأنها دائمًا تقول أنها لن تكون فتاة:
"وآه هتيجي بنت وهسميها عشق بس أنتِ متقاطعيش"
جذبها مرة أخرى بيده لتعود إلى مكانها تستد على كتفه برأسها وهو بحاوطها بيده فابتسمت بعمق قائلة:
"طيب يا أبو عشق"
وبقيت كما هي بين يده وداخل أحضانه ترمي برأسها على كتفه وكأنها ترمي بحمولها عليه، الحب والزواج ممن تحب أفضل شيء قد يمر بك في حياتك.
أن تشعر المرأة بالأمان والطمأنينة مع رجل في مثل هذا الوقت الذي نمر به ربما يكون شيء صعب قليلًا ولكن كل منهم أتى بكامل الأصل الذي بداخله ثم على أطباق من ذهب قدموه لبعضهم لتكن حياتهم هكذا.
مبشرة بكل الخير.
“في المساء”
جلس “جاد” في الصالون منذ أن صعد إليها.
لم يتحدث معها ولم يعيرها أدنى انتباه وهو الذي كان قد قرر العودة عما حدث سابقًا والبدء من جديد على نهجها الذي يحتوى على الصراحة الكاملة بينهم ولكنها هي أيضًا من أخلفت كل شيء وكانت تود البدء وهو لا يعلم ما الذي حدث معها في غيابه.
كانت تريد أن تجعله ذلك الأبلة أمام جميع الناس بالحارة وأمام نفسه قبل أي شخص.
لما كل ذلك؟ خوفًا عليه؟ ألا تدري أن قلبه يحترق بنيران الغيرة والحرقة على ما حدث؟ ألا تدري أن هناك نصل حاد دُفع بقوة هائلة ليبقى في المنتصف بالضبط!
يا الله عقله وقلبه وروحه، كل عرق نابض به وكل عضو يحيى يدعوه لفعل شيء لن يندم عليه أبدًا وبذلك سيكون أخذ حقه ولكن مرة أخرى يعود عنه لأن هذا ليس من طبعه.
غيرته على أهل بيته تحرقه بقوة هائلة غير معتادة.
فما سردته له عما فعله ذلك الحيوان نهش داخله وحطمه وفعل منه أشلاء لا تساوي شيء.
كذبها عليه ومداراة الأمر جعله يعود كما كان وأحضر كل خطأ قد فعلته ليكبر الوضع الأحمق الذي هم به وليبتعد عنها إلى حين أن يعود عندما يقول عقله وقلبه وهم لن يتفقوا معًا أبدًا على هذه النقطة.
الآن “مسعد” بالسجن ولن يخرج منه بسهولة فهو يحاكم على عدة قضايا وليست واحدة بعد أن أعترف عليه بعض من الشباب مثل “جمال” سابقًا أنه يتاجر في الممنو’عات.
سيقضي بقية حياته في السجن هذا إن كان له بقية من الأصل.
ربما يكون كل ما حدث هذا لأجل أن ينال “مسعد” عقابه بهذه الطريقة.
هو إلى الآن يحترق بسببه ولن يستطيع أن يجعل الأمر يمضي هكذا ولكن لن يعترض على أمر الله وقضاءه وهذا عقاب ليس بعده عقاب بل أن الله يأخذ بحقه وحق الجميع منه هو وهذه المرأة الأخرى.
أمسك ريموت التلفاز وأغلقه ثم وقف على قدميه يميل على الطاولة أخذًا هاتفه وتقدم إلى غرفة الأطفال المجاورة لغرفة الصالون، دلف إليها بعد أن أغلق الباب إلى المنتصف ووضع الهاتف على الكومود الموجود في منتصف الفراشين الصغيرين، جلس على فراش منهم ثم خلع عنه قميصه ليبقى بالقميص الداخلي.
نام على الفراش واستدار يعطي الباب ظهره وترك كل شيء بعيد عن رأسه مقررًا النوم قليلًا فهو إلى الآن لم ينعم بالراحة منذ أن أتى.
خرجت من غرفة النوم لتذهب إليه في الصالون ولكنها وجدت أضواء الغرفة مغلقة وهو ليس بها، نظرت إلي غرفة الأطفال الذي كان بابها مفتوح إلى المنتصف ووجدته ينام بالداخل.
هذا تعبير واضح وصريح عن كونه يريد الإبتعاد عنها! في ظل كل ما حدث بينهم منذ أول يوم دلفت فيه بيته هو لم يبتعد عن فراشهم يوم واحد!
أهذا ابتعاد أم ما الذي يحاول فعله!
أشعلت الأضواء ودلفت إلى الغرفة، جلست على الفراش في الناحية التي ينظر إليها بوجهه، أمسكت كف يده العريض وعلى أثر ذلك فتح عينيه الرمادية المُرهقة ناظرًا إليها ثم حاول يجذب يده منها ولكنها ضغطت عليه جاذبه كف يده إلى بطنها قائلة بدموع حبيسة داخل عينيها ونبرة خافتة ضائعة معه ولا تدري الذي تفعل صحيح أم لا بعد عاصفته الهوجاء:
"بلاش علشاني أنا!.. وحيات أغلى حاجة عندك.. وحيات اللي في بطني كفاية كده أنا تعبت"
تنظر إليها مطولًا ويده موضوعه على بطنها ويدها هي الأخرى أعلاها، أطال النظر إليها ثم صاح بحدة:
"وأنا تعبت أكتر منك"
ضيقت ما بين حاجبيها برجاء وحنان تود لو تخرجه إليه تعتذر عما بدر منها كله وجعله حزين هكذا:
"طب خلاص يا جاد محلولة.. كفاية كده بقى بالله عليك"
ولكنه هذه المرة كان أشد قسوة من أي موقف قد مر عليهم بحياتهم.
هو من الأساس ليس به صفة القسوة ولكنه رغمًا عنه تحلى بها:
"هو فعلًا كفاية بس مش بالساهل كده"
تسائلت باستنكار وضعف وهي تراه يسحب يده منها ويدعو ما يفعله بالسهل وكأنه لا يرى ما الذي يحدث بينهم:
"كل ده وساهل يا جاد؟ كل ده وساهل؟"
مرة أخرى ينظر إليها مطولًا بعينيه الرمادية يرى كل تعابير وجهها وتسرده عليه ملامحها دون حديثه منها وهو ممدد على الفراش:
"لمي كل حاجة ليكي هنا في الشقة"
توسعت عينيها بقوة وصدمة كبيرة بعد أن استمعت إلى كلماته التي خرجت من فمه بكامل البساطة والسهولة!
"ايه؟"
بنفس النظرة المُثبتة عليها أجاب بقوة وقد قرر ما الذي سيفعله وانجزه بالفعل عندما هبط من هنا بعد الشجار الذي حدث بينهم:
"اي هدوم خاصة بيكي ولا أي حاجه تخصك دخليها الدولاب أو حطيها هنا واقفلي باب الاوضه"
أردفت بنبرة خافتة تتسائل:
"ليه كل ده"
هتف وهو يبعد عينيه عنها إلى الفراغ قائلًا بقوة وجدية شديدة وقد أخذ القرار ولا يريد النقاش به:
"بكرة جاي صنايعية يشيلوا السرير وهيركبوا غيره والركنة كمان"
هذا الاهدار محرم أكيد.
لما كل هذا لأجل جلوس “مسعد” عليه.
تعلم أن الأمر صعب وهي لم تتحمله ولكنها قد فعلت ما تستطيع فعله لما يريد تغير الأثاث بالكامل:
"الموضوع مش مستاهل كل ده صدقني.. العفش لسه جديد حرام كدا"
استدار بوجهه إليها يصيح بقوة وعنف لأنه لا يستطيع الجلوس على أي من الأشياء التي لمسها ذلك الحيوان في بيته:
"لأ مش حرام ودي حاجتي وأنا حر فيها.. أنا اللي هدفع وأنا اللي هرمي مايخصكي"
عادت للخف برأسها عندما وجدته يصيح بعنف وقالت بنبرة لينة هادئة ليهدأ قليلًا:
"براحتك… اللي شايفه صح أعمله"
صاح مرة أخرى بقوة أكبر من السابق وقد جعلها كل هذا تعود للخف بقرار مصالحته:
"من بكرا الصبح تنزلي عند أمك ومترجعيش غير لما أقولك"
"حاضر"
اعتدل في نومته على الفراش الصغير وأدار ظهره إليها يستعد للنوم بعد أن قال لها ما يود قوله ولا يريد بعد ذلك شيء يزعجه أكثر من ذلك ولكنها وضعت يدها على ظهره منادية بإسمه بصوت رقيق هادئ:
"جاد!"
استدار بعنف ملتقطًا يدها من عليه صارخًا بحدة واستهجان ونظرته عليها ثاقبة:
"بصي بقى أنا أصلًا مش طايق نفسي فعلشان تقعدي تزني على دماغي ده هيرجع ليكي أنتِ بالسواد كله فـ سيبيني أنام أحسن"
ترك يدها بعنف واستدار مرة أخرى ينام يعطي لها ظهره، نظرت إليه بصدمة وذهول كيف تحول هكذا!
في كل موقف يكون صعب عليه هو بالتحديد يفعل هكذا.
وهذا أثبت إليها أنه بالفعل لا يستطيع التخطي.
“بعد أسبوع”
بدل “جاد” منذ أسبوع فراشه الذي كان ينام عليه معها بعد أن كرهه بشدة بسبب ذلك البغيض على قلبه، وكذلك الركنية ثم انتقل في اليوم التالي لينام جوارها كالعادة.
اتضح لها أنه انتقل إلى الغرفة الثانية فقط لأجل الفراش، لم يود أن ينام عليه فذهب إلى الغرفة الأخرى ينام بها إلى حين تغيره.
حمدت الله أنه كان لأجل ذلك فقط، فقد شعرت عندما ذهب إلى الغرفة الأخرى وتركها أنه يستطيع البعد عنها وتركها وحدها ولكنه بعد أن عاد مرة أخرى كما كان تأكدت أنه مازال كما هو على وضعه يبغى القرب منها إلى أقرب حد.
ولكن مع ذلك هو إلى الآن لا يحادثها جيدًا ولم يعود كما كان في السابق بل يمارس العقاب معها على أكمل وجه وهي إلى الآن تود لو يعود زوجها وحبيب عمرها ويتناسى كل ما حدث.
قلق في نومه في منتصف الليل، مد يده إلى مكان وجودها في الفراش وهو مغمض العينين فلم يشعر بها بل هبطت راحة يده على الفراش في فراغ تام.
فتح عينيه الرمادية ببطء والنعاس يؤثر عليه ولكنه قلق ولا يدري لماذا.
فتح عينيه جيدًا ليراها في الغرفة ولكنها لم تكن موجودة، جلس نصف جلسه على الفراش يمسح على وجهه بكف يده ثم تثائب.
اعتدل في جلسته عندما استمع إلى صوت آنات خافتة تأتي من الخارج، فتح عينيه على وسعيهما ثم هبط من على الفراش واقفًا على قدميه وأتجه للخارج ليرى ما الذي تفعله أو ما الذي يحدث.
وجد الضوء يخرج من المرحاض الذي بابه مغلق وصوت المياة الخارجة من الصنبور بحدة يستمعه بالخارج مع صوت آناتها الموجعة لقلبه.
وقع قلبه بين قدميه عندما استمع إليها وشعر أن هناك شيء ما ليس على ما يرام، تقدم سريعًا ودق بيده على باب المرحاض قائلًا بنبرة ينهشها القلق:
"هدير!.. هدير مالك"
لم تُجيبه واستمرت أذنه في الاستماع إلى صوتها المُتألم فصاح مرة أخرى بعنف وقلبه لا يتحمل الوقوف هكذا ولا يدري ما بها:
"افتحي الباب ده يا هدير"
اختفى صوت المياة ثم ببطء فتحت باب المرحاض فدفعه هو سريعًا ولا يطيق الإنتظار، وجدها تقف قبالته منحنية على نفسها ووجهها مغرق بالمياة أو هذا عرق!!
تضع يدها على بطنها!
أقترب منها بسرعة والقلق يظهر في لهفته عليها وهو يتسائل بقوة:
"مالك يا هدير"
أمسك ذراعيها الاثنين مُحكمًا مسكته عليها، مظهرها لا يروقه أبدًا فأجابت قائلة بنبرة خافتة ضعيفة متألمة:
"عندي مغص في بطني"
أسندها معتدلًا يسير جوارها متجهًا بها إلى غرفة نومهم وهو يقول بلهفة وعينيه لم تهبط من عليها:
"طب تعالي البسي ننزل نشوف مالك"
أشارت بيدها نافية وهي تسير جواره إلى أن دلفت الغرفة وأجلسها على الفراش:
"لأ يا جاد أنا أخدت علاجي خلاص شوية وهبقى كويسه"
جذب قميصه من على مقعد المرأة وهو يرتديه قائلًا بجدية وقوة لتفعل ما يقول ومن يراه الآن يقسم أن ذلك ليس نفس الرجل الذي يقسو عليها منذ أسبوع وأكثر:
"كويسه ايه؟.. مش شايفة نفسك قومي البسي بقولك"
تمددت على الفراش بظهرها وأردفت مُجيبة إياه:
"متقلقش يا جاد هبقى كويسه أنا متعودة على كده"
أقترب منها متسائلًا باستنكار وذهول ينظر إلى عينيها بعمق وهو يقف أمامها بينما هي تنام على الفراش:
"متعودة على كده إزاي؟.. وساكته ليه أصلًا"
أمسكت يده بهدوء ضاغطة عليها قائلة بابتسامة بسيطة مرهقة وهي ترى خوفه عليها ظاهر بوضوح هكذا بعد أن كان لا يتحدث معها من الأساس:
"ساكته ايه يا جاد هو أنا مش كنت عند الدكتورة امبارح ولا نسيت.. وباخد العلاج وأهو بدأت أبقى كويسه"
جلس على حافة الفراش أمامها ويده بين يدها ثم هتف بقلق جُلي وقد تناسى كل شيء حدث وكل ما قالته وفعلته وكل ما قاله وفعله فقط عندما شعر أنها تعاني من شيء ما:
"متأكدة؟"
أومأت إليه برأسها وعينيها عليه بعمق مُبتسمة بهدوء فرحة لأنه قد عاد يتحدث معها مرة أخرى وهذا سيكون بداية عودة زوجها إليها وتناست من الأساس أنها تتألم:
"آه والله.. وهبقى كويسه أكتر لو عفيت عني ورجعتلي"
بنبرة رجولية رخيمة، وبنظرة من عينيه الساحرة جعل كل شيء يمضي من بينهم وأقترب ببعض الكلمات التي هتف بها فقط عندما شعر بأنها تتألم:
"أنا مقدرش استغنى عنك مهما حصل يا هدير.. أنتِ روحي"
لم يُجيب عليها أكثر من ذلك ولم يفكر في أي شيء سوى أنه يقترب منها يبادر بعناق كبير أخذها فيه وهي نائمة على الفراش مائلًا عليها يود هو الآخر لو يمحي كل شيء ويبدأ من جديد.
أطال العناق كثيرًا وهي أحاطت عنقه بيديها الاثنين تقترب منه بقوة بعد أن أدمعت عينيها بشدة لكونه لم يستطع أن يكسر خاطرها ويبتعد وهي بهذه الحالة.
أدمعت عينيها لكونه تناسى كل شيء وأقترب منها ماحيًا كل ما مر عليهم وأظهر إليها كم الحب الذي داخله عندما خرجت لهفته وقلقه.
قلبه لم يكن يستطع من الأساس الإبتعاد عنها في هذه الأيام ولا غيرها ولكنه كان في نفس الوقت مجروح جرح غائر وهذه المرة قد شُفي بالكامل ولم يترك خلفه ندوب.
وهذه هي علاقة الأزواج المحبين لبعضهم البعض، هذه العلاقة المبارك فيها من الله عز وجل ولا يحدث ويكن الله مع أحد إلا أن كان بار به وبكل شيء يفعله في حياته.
وقد كان جاد ونعم الزوج لها وهي كانت ونعمة الزوجة له بعيدًا عن كل ما حدث بحياتهم من بعد وألم وصراخ، هذه مناوشات تحدث بين كل رجل وامرأة وفي كل بيت، الأهم من كل هذا أن تكون النهاية تُشفي القلوب المرهقة، أن يعود إليها في نهاية الليل يلقي نفسه في أحضانها بعد شجار طوال وصراخ أعلى.
كل منهم كان قد فعل ما يستطيع عليه ليقترب من الله ويأخذ حلاله مبتعدًا عن حرامه إلى الأبد.
الآن هذا موسم الحصاد، حصاد السعادة الآتية بعد كل هذه الندوب الموجعة عند النظر إليها لتذكرهم بجروحهم الغائرة.
الآن سعادة، سعادة فقط.
رواية ندوب الهوى الفصل الثلاثون 30 - بقلم ندا حسن
الجميع في منزل “رشوان أبو الدهب”، “جاد” وعائلته الصغيرة، وكذلك “سمير” بعائلته الأكبر قليلًا ووالديهم، في غداء عائلي كالعادة، كل أسبوع يكون الغداء عند أحد منهم، المرة السابقة كان عند “جاد” والآن دور والده.
ركضت “عشق” الصغيرة ابنة “سمير” في صالة المنزل بسرعة كبيرة وهي في الأساس قصيرة جدًا، فكان مظهرها مضحك رائع في نفس الوقت.
صعدت على الأريكة الجالس عليها “جاد” ووقفت خلف ظهره وبيدها سيارة بريموت ثم صاحت وهي تلهث:
- الحقني يا بابا جاد.
وجدها تدلف عليه في جلسته مقتحمة إياها ثم وقفت خلف ظهره، يستمع إلى صوت لهاثها بقوة فتحدث بجدية بعد أن استدار لها:
- في إيه يا عشقق.
قالت بوجه بريء للغاية عابس حزنًا لأن ابن عمها يريد أخذ السيارة منها:
- آدم عايز ياخد مني العربية.
استمع إلى صوت ابنه الصغير في الخلف يهتف بضيق طفل صغير يجعله يموت ضحكًا عندما يراه:
- بابا خليها تديني العربية.
نظر إليه بجدية وهتف هو الآخر بعد ابنه المضحك قائلًا باقتراح أفضل:
- طب ما تلعبوا بيها سوا.
صاح ابنه بوجه عابس أكثر منها بعدما قال والده أن يلعب معها بأشيائها الخاصة بالفتيات والتي تضايقه وبشدة:
- العربية بتاعتي يا بابا وهي معاها العروسة، ينفع يعني ألعب بالعروسة؟
لوى “جاد” شفتيه يفكر في حديثه المقنع ثم أجابه بصدق:
- بأمانة لأ.
وضع ابنه الصغير يده الاثنين أمام صدره بطريقة رافضة الذي تفعله هذه الفتاة الصغيرة الغريبة والتي دائمًا تفتعل المشاكل بينهم:
- طب خلاص قولها تجيب العربية.
حرك رأسه بخفة إلى الناحية الأخرى جواره والتي كانت تقف بها “عشق” بعد أن اقتربت للخارج قليلًا لترى “آدم”:
- اديله العربية والعبي بالعروسة يا عشق.
وضعت السيارة خلف ظهرها بسرعة فوق خصلات شعرها الطويلة وهتفت باستنكار مُصطنع وكأن من يتحدث فتاة كبيرة وليست طفلة:
- بابا جاد أنتَ بتقف مع ابنك ضد.
ينظر إليها بقوة وعمق، أنه يعلم حديثها الأكبر منها ودائمًا يستمع إليه ولكنها في مرة من المرات ستجعله يُجن:
- ضدك؟.. إيه الكلام الكبير ده.
حركت شفتيها بضجر وهي تتحدث مردفة:
- آه ضدي فيها إيه يعني لو لعبت بالعربية بتاعته شوية ما أنتَ جايبله كتير.
أجابها وهو ينظر إليها من الأعلى إلى الأسفل باستهزاء وهي تكاد لا ترى من الأساس:
- ما أنا جايبلك كتير بردو زيه.
وضعت يدها الحرة في وسط خصرها ونظرت إليه مضيقة عينيها:
- بس أنا سبتهم في بيتنا وعايزة ألعب بيها دلوقتي معاه.
ابتسم “جاد” وظهرت أسنانه من بين شفتيه وهو يُجيب قائلًا بجدية ثم استدار يكمل مع ابنه:
- كلام يحترم بردو.. ألعب معاها يا آدم معلش.
زفر “آدم” بقوة وهو غاضب منها ومن تصرفاتها الطفولية التي تزعجه للغاية، صاح بضيق وضجر:
- يوه.. مش لاعب خليهالك بقى.. أنا رايح أقعد عند جدو.
ذهب الطفل بخطى ثابتة نحو الشرفة الذي يجلس بها جده “رشوان” مع جده “عطوة” وهو كان من محبي الجلسة معهم ويحب جده “رشوان” بطريقة لا توصف.
صاحت “عشق” من خلفه بقوة وهي تناديه ثم جلست على الأريكة جوار عمها لتختفي أكثر وهتفت بطريقة نسائية كبيرة ليست كطفلة:
- استنى يا آدم.. عاجبك كده عمايل ابنك دي.. مش عارفه طالع قفل كده لمين يا بابا جاد.
نظر إليها بذهول وهو ينظر إلى طريقتها في الحديث والتي تدهشه كل يوم أكثر من السابق ثم صاح بسخرية مُميتة:
- آه ما أنتِ بنت سمير هيطلع منك إيه يعني.
ذهبت سريعًا بعد أن وقفت على الأرضية لتدلف إلى الشرفة تحاول أن تتحدث مع “آدم” الذي يعتبر قاطعها للتو، أتى والدها “سمير” من الداخل وهو يهتف بسخرية هو الآخر موجهًا حديثه لابن عمه بعد أن استمع إليه:
- ومالها بنت سمير بقى يا أبو آدم مش عجباك؟
ضحك “جاد” بسخافة وطريقة سمجة للغاية ثم أجابه قائلًا بنبرة لعوب:
- وأنا أقدر أقول كده برد.
نظر إليه “سمير” بقوة مضيقًا عينيه عليها ثم هتف:
- بحسب يعني.
أقترب ليجلس جواره على الأريكة ثم مال عليه يقول بنبرة خافتة لكي لا يستمع إليه أحد ولكن جدية:
- بقولك إيه مش هننزل الچم بعد بكرة في الخباسة كده.
تحدث الآخر سريعًا بلهفة وهو يجعله يصمت، فزوجته إن استمعت لهذا لن تصمت أبدًا:
- بس اسكت هدير لو سمعت إني نازل هتشبط في رقبتي.
هذه المرة قال “سمير” بجدية وهو يشير إليه:
- يا عم ما أنتَ اللي مش راحم نفسك شغل.. مش الناس عايزينك بردو.
غمزه بعد أن قال آخر جملة له بطريقة وقحة لا يحب “جاد” أن يتبادلها معه بهذه الطريقة فصاح بقوة وهو يبعده بكف يده ضاربًا فخذه:
- طب لم نفسك ياض وقوم من هنا.
أبعد يده عنه بقوة وضجر وهو يصيح كما قالت ابنته على “آدم”:
- يا عم كده وأنتَ قفل.
نظر إليه “جاد” وقد فهم من أين أتت الصغيرة ابنته بهذا الحديث، أنها تقول عنه هكذا ترمي بالحديث عليه هو الآخر إذًا بالمعنى الحرفي أن ولده نسخة منه وعقله مغلق!
وجد ابنة “سمير” الصغيرة والمسماه بـ “غرام” تسير في الصالة آتية من المطبخ وتحاول بكل قوتها أن تثير بثبات كي لا تقع، أردف بحبٍ وحنان وهو يفتح لها ذراعيه:
- أيوه حبيبة عمو جت يا أهي.
تحدث “سمير” بانزعاج وضجر يوضح له أن هذه الطفلة مثله ليست كوالدها تحب الحياة بل تحب البكاء دومًا:
- أيوه بالظبط أهي دي اللي تمشي معاك أنتَ وابنك نكدية وقفل زيكم.
وجدها تركض ناحيته وهي تبتسم بسعادة كبيرة ثم أقتربت منه وأخذها الآخر بين ذراعيه يحتضنها بحنان ورقة خاصة بها وحدها:
- اخرس ياض.. حبيبة عمو القمر.
وجد شقيقتها الكبرى “عشق” تقف أمامه تضرب بيدها على قدمه مناديه بإسمه:
- بابا جاد!
أجابها بهدوء:
- نعم.
أردفت بنبرة خافتة بعد أن حاولت مع “آدم” ولكنه لا يريد الحديث معها، وهي لا تحب ذلك بل تحبه كثيرًا وتريد اللعب معه:
- قول لـ آدم يصالحني.
زفر هو الآخر بقوة ثم وضع “غرام” على قدمه ممسكًا بها:
- يادي النيلة عليا.
ابتسم “سمير” بسخرية يشمت به فصاح الآخر بصوت عالي مناديًا على ابنه لكي ينهي ذلك النزاع بينهم والذي يتعب له أعصابه:
- ولا يا آدم.
دلف ابنه من الشرفة ووقف أمامه على بعد خطوات واضعًا يده أمام صدره وكأنه هو بالضبط ومظهره رائع وجميل، شعره الكثيف مصفف بعناية جيدًا ووجه أبيض نقي كوالدته وعينيه الرمادية الساحرة هذه أكثر من والده نفسه، أجاب بضيق وعدم رضا:
- نعم. هتف وهو ينظر إليه بجدية ربما يستمع لحديثه هذه المرة ويبعد ابنة “سمير” عنه، فهي ابنته على حق كما يقولون:
- صالح عشق وخلصنا وألعبوا سوا.
هتف الآخر بجدية مثل والده واستدار ثم دلف إلى الشرفة مرة أخرى والذي ظهر منها جدهم:
- أنا قاعد مع جدو مش هلعب.
نظر إلى الأخرى ليراها تنظر في أثره بضيق شديد ووجهه عابس ثم عادت بنظرها إليه مرة أخرى منتظرة منه الحديث أو فعل أي شيء، فقال بجدية:
- بقولك إيه روحي لجدو رشوان وهو يخليه يصالحك.
ابتسم والدة ثم أشار لها بيده وقال:
- تعالي يا عشق.. تعالي يا آدم.
دلف مرة أخرى إلى الشرفة وجلس على مقعدة المقابل لأخيه، وقف الاثنين أمامه فقال بجدية وهو مُبتسم بهدوء:
- يلا صالحها وألعب معاها علشان متزعلش.
استمع إلى حديث جده الذي لا يستطيع أن يزعجه أبدًا أو يجعله يحزن منه، فاستدار ينظر إليها ثم بنظرة طفل بريء جميلة هتف بنبرة لينة هادئة:
- خلاص صالحتك بس مش هلعب بلعب البنات.
ابتسمت بقوة وأقتربت منه تحتضنه قائلة بوجهها الصافي البريء الذي يشبه ملامح والدها كثيرًا:
- ماشي.
أردف عمه “عطوة” من داخل الشرفة بصوت عالي موجهًا حديثه إلى “جاد”:
- استعجل الأكل يا جاد إحنا جوعنا.
- حاضر يا عمي.
وقف على قدميه ثم وضع “غرام” الصغيرة التي كانت تتشبث به على قدم والدها وهتف بهدوء:
- أمسك ياض بنتك.
ذهب إلى المطبخ بعد أن ترك الفتاة الصغيرة مع والدها، وقف على أعتاب باب المطبخ لتقابله الرائحة الشهية مثل كل مرة، وقف ينظر إلى الأصناف المحضرة في الداخل وإلى زوجته الحبيبة، ثم صاح إلى والدته:
- إيه يا أم جاد الأكل فين؟
قالت والدته بجدية شديدة وهي تضع في الأطباق قطع من المعكرونة الشهية:
- تعالى شيل يلا رص على السفرة.
تسائل بسخرية وهو يميل على باب المطبخ بجسده:
- كمان؟
أومأت إليه برأسها وأكملت بجدية موجهه حديثها إلى “مريم” التي تقف وبطنها ممتدة أمامها بدرجة كبيرة حيث أنها كانت في شهرها السابع من الحمل الثالث لها:
- آه يلا.. روحي أنتِ يا مريم ارتاحي.
أخذت هدير طبقين من على الطاولة التي وضعت في المطبخ مؤخرًا ثم توجهت إليه وهي تبتسم وكان بدوره هو عندما وجدها تتقدم منه عاد للخلف قليلًا خارج المطبخ كي يستطيع الحديث معها على طريقته الخاصة بعيد عن مسامعهم:
- خد يلا.
ابتسم بقوة غامزًا لها بعينيه الرمادية الساحرة لقبها وعقلها وكل ما بها، وأردف بنبرة لعوب خافتة خبيثة:
- إيه الحلاوة دي وَحش، بالذمة في حد قمر كده ولا حلو كده ولا جميل كده.
رفعت كتفيها بدلال واخفضتهم مرة أخرى قائلة بغرور والابتسامة على وجهها تكاد تخفي ملامحها:
- الله ما أنا قدامك أهو يبقى فيه طبعًا.
حرك رأسه بخفة يمينًا ويسارًا مضيقًا عينيه عليها قائلًا بسخرية وتهكم:
- غرور من هنا لآخر المجرة يابت الهابط.
رفعت حاجبيها هذه المرة متسائلة بقوة بعد أن أتى على ذكر اسم عائلتها بطريقته الساخرة هذه:
- وماله الهابط بقى يا سطا جاد.
غمزها مرة أخرى وهو يقترب منها مُتناسيًا أين هم ولم يتذكر سوى أنها أمامه كالقمر حقًا في ليلة سطوعه لينير الأرض بأكملها:
- قمر… قمر.
استمعوا إلى صوت والدته الحاد من الداخل والتي وجدتهم يقفون يتهامسون متناسيين أين هم:
- شهلي يا هدير أنتِ وجاد كده مش هنتغدا.
أجابت “هدير” سريعًا وهي تقدم له الأطباق الذي بيدها لكي يأخذها إلى غرفة السفرة:
- حاضر حاضر.. يلا خد دول.
هتف “سمير” من الصالة بصوت عالي ساخر ليشاكس ابن عمه:
- أساعدك يسطا جاد.
أخذ منها الأطباق وعادت هي إلى المطبخ وتوجه هو الآخر إلى غرفة سفرة الطعام وصاح بقوة وضجر:
- خليك متلقح مكانك.
أردف الآخر بقوة مرة أخرى وصوت عالي ضاحكًا بقوة:
- كان غرضي خير والله.
أجاب عليه “جاد” بقوة مثله ليصل إليه صوته في الخارج يتحدث بضيق وانزعاج يبادله إياه ليشاكسه مثلما يفعل به:
- مش عايز من وشك حاجة خليك مكانك.
- بشوقك.
نظر إلى زوجته التي كانت تجلس جواره ببطنها المنتفخة للغاية والتي يظهر عليها الإرهاق أيضًا وقال بابتسامة عريضة مُحاولًا التخفيف عنها:
- إنما إيه الحلاوة دي يا مريومة.. هي اللي بتحمل على طول بتحلو كده؟
نظرت إليه بعينين متسعة والضيق يحتل كامل ملامحها مما هي به، لقد أجلت سنة دراسية منذ أن كانت تحمل أول مولود لها إلى الآن وهي على وشك ولادة الثالث! كيف فعلت هذا؟
- تعرف تسكت يا سمير علشان أنا مش طايقة نفسي.
يعلم أنها متضايقة لأجل ما وقعت به، ثلاث أطفال ووالدهم وهي تعيلهم، يحب دائمًا أن يشاكسها هي الأخرى ويضايقها في جلستها، هذا يشعره بالراحة:
- وأنا مالي طيب وبعدين هو حد ضربك على ايدك وقالك احدفي اتنين ورا بعض والتالت وراهم.
صاحت بقوة وهي تصارع عينيها التي تود البكاء:
- أنا عايزة ضرب الجزمة فعلًا أسكت بقى.
ضحك بقوة عليها ثم وضع الفتاة الصغيرة فوق قدميها وقال باستفزاز:
- هدي نفسك يا مُزه.
أتى صوت “جاد” الذي وقف على بداية الصالة يصيح بجدية وحماس لكي يصل صوته إلى والده وعمه في الشرفة، ثم أكمل حديثه وهو ينظر إلى “سمير” بضيق:
- يلا يا حج يلا يا عمي.. خليك أنتَ هنا، يلا يا مريم قومي وسيبيه.
وقف “سمير” هو الآخر على قدميه مثلها ورأى تقدم والده وعمه إلى الداخل فاقترب منه يهتف:
- دا أنتَ راجل نتن بصحيح.
جلس الجميع على طاولة الطعام، “رشوان” وزوجته وأخيه وزوجته التي كانت تطعم ابنة ولدها الكبيرة “عشق” على ركبتيها، و “جاد” وزوجته التي كانت أيضًا تطعم ولدها “آدم” تقابلها شقيقتها وزوجها الذي حمل “غرام على يده وهو يأكل كي تستطيع زوجته الجلوس براحه وتتناول طعامها جيدًا.
كان جو أسري ملئ بالراحة الشديدة والهدوء الداخلي المنبعث للخارج ليعم السلام على الجميع. كان جو ملئ بالحماس والذي كان يفعله “جاد” و “سمير” مع بعضهم البعض أمام الجميع متصنعين الضيق من بعضهم ثم في لحظة يتحدوا ليقفوا ضد أزواجهن في بعض الحديث الذي لا يليق بهم.
بعد كثير من الأيام التي مرت عليهم بكامل العذاب والبعد والاحتراق من كثرة الاشتياق، الآن كان يجب أن ينعمون ببعض الراحة والهدوء في حياتهم. ومنذ ذلك اليوم من خمسة سنوات حلت على سماء حياتهم غمامة سعيدة للغاية لا تمطر إلا فرحة وسعادة ويكون بها بعض الرعد الخفيف الذي لابد منه في أي حياة.
ولكن لا يستطيع ذلك الرعد أن يأثر عليهم فالحب والمطر النقي المنبعث من السماء الصافية أكبر وأعظم بكثير منه فكان دوره ضعيف للغاية وهم الأكثر استخدامًا.
قد تغيرت حياة جميع العائلة من حينها داعين الله عز وجل أن يديم عليهم هذه النعم وهذا الرزق الكبير الذي يلقى عليهم كل يوم، وكأنه مكافأة لما مروا به سابقًا.
وقفت “هدير” على قدميها وأجلست ابنها في مكانها على المقعد جوار والده ثم قالت بابتسامة عريضة ووجه بشوش:
- سفرة دايمه يا حج إن شاء الله.
ابتسم إليها مبادلًا إياها ذلك الحب ثم وقفت شقيقتها هي الأخرى تهتف مثلها بابتسامة تعلو ثغرها:
- نعيش ونأكل في خيركم يارب.
مضغ “سمير” الطعام الذي كان في فمه وهتف بنبرة خافتة وهو ينظر إلى زوجته المبتسمة بقوة وكأنها ليست تمر بفترة صعبة تخرج عليه كل ما بها من ضيق وانزعاج:
- كهن نسوان بصحيح بتاكلوا بعقولهم حلاوة.
استمع إليه “جاد” فاقترب للأمام قائلًا بحدة:
- وأنتَ مالك ما تخرس واطفح ورق العنب بتاعك.
جلس الجميع في الصالة بعد تناول الطعام والانتهاء من تنضيف كل شيء، أقترب “آدم” من والده وفي يده ثمرة برتقالة أخذها من طبق الفاكهة الكبير:
- بابا قشرلي البرتقانة دي.
كان بيده كوب من الشاي يرتشف منه فوجه حديثه إلى زوجته التي تمسك بالسكين في يدها تقوم بتقشير البرتقال لمن يريد:
- قشريله يا هدير.
رفعت بصرها إليه لترى ما الذي يتحدث عنه فلم تكن منتبه ثم أومأت إليه بجدية مشيرة إلى ولدها بالتقدم:
- حاضر.. تعالى يا آدم.
أقتربت “عشق” منها هي الأخرى وبيدها برتقالة مثل “آدم” تقدمها إليها قائلة بلين ورقة فتاة صغيرة الآن ليس كما منذ قليل:
- وأنا يا ماما هدير.
- حاضر يا عشق.
كان صوت “غرام” المنزعج يعم الغرفة منذ دقائق وتحاول والدتها معها أن تجعلها تصمت ولكن ليس هناك فائدة، أخذتها جدتها لتجعلها تصمت وسارت بها في أنحاء الصالة ولكنها على وضعها فقال “سمير” بضيق حقيقي:
- اعملي رضعة لبنتك يا مريم بدل الزن ده.
وقفت “مريم” في لحظتها لأنها من الأساس كانت تهم لفعل ذلك:
- طيب كنت قايمة أصلًا.
أومأ إليها ثم مال برأسه ناحية جاد وهتف بنبرة خافتة كي لا يستمع أحد مرة أخرى:
- في ماتش بعد عشر دقايق نسيبهم وننزل ولا نسمعه هنا؟
مال عليه “جاد” هو الآخر وأخفض صوته مثله حتى لا تستمع إليه زوجته التي لا تستطيع أن جلس معه منذ أيام:
- هنا فين في زن العيال ده إحنا ننزل على القهوة أحسن.
- ده رأي برد.
وقال “جاد” مرة أخرى بجدية بعد أن قرروا ما الذي سيفعلوه، وقف على قدميه بجدية شديدة وكأنه يهبط إلى عمله حقًا وأردف بصوت عالي ليستمع إليه الجميع:
- أنا هنزل الأول.. عن اذنكم بقى علشان عندي شغل.
ثم ذهب إلى الخارج وتركهم يكملون الجلسة مع بعضهم ولكن لحظات مضت عليهم ووقف “سمير” هو الآخر يقول:
- أنا هنزل أشوف جاد كنت عايزة في حاجة ونسيت أقوله.
أردفت زوجته أمامه الجميع بسخرية أحرجته وهي تسير إليه ناحية الباب:
- أنزل يا سمير.. قال يعني مش عارفين إن فيه ماتش ورايحين تسمعوه.
تسائل باستغراب بعد أن حمحم بخشونة ليخفي إحراجه بعد هذه الكذبة أمام والده وعمه:
- واضحين للدرجادي؟
أومأت إليه بجدية وجوارها شقيقتها فعلت المثل فحمحم مرة أخرى ثم هتف قائلًا وهو يتجه إلى الخارج ليهبط إلى ابن عمه:
- طب عن اذنكم بقى.
ثم ذهب هو الآخر وتركهم مع بعضهم يكملون الجلسة وحدهم إلى حين انتهاء السهرة ثم يصعد كل منهم يأخذ زوجته وأولاده ويذهبون إلى بيوتهم.
❈-❈-❈
في خلال هذه السنوات التي مرت عليهم تغير الجميع إلى الأفضل وأصبحت حياتهم أفضل من السابق بكثير، سوى كان بالعمل والأسرة، أو الحب والهدوء الذي عم عليهم مع السلام الداخلي لقلوبهم والإيمان والتقوى المقدمة كهدية من الله عز وجل ليملئ بها قلوبهم.
ومن هؤلاء الذي قد تغيروا كان هناك شخص واحد قد تغير.. لا ليس تغير هذا بل تحول مئة وثمانون درجة إلى الأفضل وكأنه شخص آخر من الأساس.
“جمال” شقيقهم الذي كان يجعلهم يشعرون بالألم طوال الوقت، الذي تطاول كثيرًا بالحديث وبالفعل على أسرته، جمال الذي فعل كثير من الأشياء سابقًا وعندما يتذكرها الآن يخفض رأسه إلى الأرضية فقط خجلًا من نفسه وليس من أحد آخر.
منذ أن ذهب ليعمل في مطعم بـ الإسكندرية وقد ثبتت أقدامه به وأفاد به نفسه قبل الجميع ثم والدته.
لقد عافر كثيرًا مرة هنا ومرة هناك، مرة ينخفض بمركزه عندما ينتقل لمكان آخر ومرة يرتفع به ويكون أجره أكبر من السابق ليرضيه ويستطيع به أن يعيش مكرم هو ووالدته.
والدته التي قد أتى لها بمنزل آخر غير الشقة التي تجلس بها في منزل والد “جاد” منذ ثلاث سنوات تقريبًا اشترى “جمال” بيت صغير مكون من طابقين فقط في الشارع الخلفي لشارعهم في الحارة، هذا بعد أن تعب كثيرًا وحافظ على المال الذي كان يجنيه بالحلال وقد بارك الله له فيه وجعله يكفي ليبتاع منزل كهذا ومهما كان صغير فسيكون له ثمن غالي.
انتقل بأثاث والدته كله من الشقة التي في البيت الآخر وقاموا بفرش الدور الأرضي لها وبقيٰ معها بعض الأشهر القليلة ثم قام بخطبة فتاة من حارة أخرى كانت بالنسبة له مناسبة للغاية فهي من عائلة بسيطة مثله، جميلة إلى حد كبير ورقيقة وتُعرف بأخلاقها واحترامها وقد عُرف هو الآخر باحترامه وأخلاقه في الفترة الأخيرة التي وجدوه الناس بها شخص آخر غير الذي يعرفونه.
أردفت “مريم” بنبرة جدية وهي تجلس على الأريكة في منزل والدتها الآخر رافعة صوتها قليلًا ليصل إليهم في المطبخ:
- سمير خمسة وجاي يا ماما.
أردفت الأخرى من الداخل تُجيبها بصوت عالي لتستمتع إليها في الخارج:
- طيب يا مريم إحنا خلصنا أهوا.
استدارت تنظر إلى ابنتها الكبرى التي كانت تساعدها في المطبخ منذ أن أتت وقالت بجدية مقترحة:
- ما تروحي تكلمي جوزك أنتِ كمان يا هدير خليه يجي.
وضعت الصينية الساخنة التي أخرجتها من الفرن سريعًا على رخامة المطبخ وقالت:
- يا ماما جاد مش هيتأخر دي خطوة.
مرة أخرى هتفت والدتها تُصر على حديثها بأن تتحدث مع زوجها لكي يأتي:
- الله طب ما تكلميه يا بنتي.
ابتعدت عنها للخلف ثم أجابتها بهدوء لكي تهدأ وتصمت قليلًا حتى ينتهوا من الطعام:
- حاضر بس نخلص وأكلمه يا ماما.
خرجت زوجة “جمال” من المطبخ والتي تُدعى “حنان” وصاحت وهي على أعتاب الباب بقوة تسأل “آدم” الذي كان يجلس على أعتاب باب غرفة أخرى في الشقة ويقع تحت أنظارها:
- آدم سيليا معاك؟
وقف “آدم” على قدميه وأتى ناحيتها قائلًا بنبرة طفولية هادئة مُشيرًا إلى الغرفة الذي كان يجلس بها:
- أيوه يا طنط حنان هناك أهي بتلعب مع عشق.
انخفضت للأسفل قليلّا بجسدها مُقتربة منه وقالت بحنان وحب وهي تفهمه أن الفتاة صغيرة وتريد اهتمام ليس كمثلهم:
- خلي بالك منها علشان هي لسه صغنونه ومتعرفش حاجة.
أجاب وهو ينظر إليها بعمق معتقدًا أنه يتفهم حديثها:
- آه ماهي زي غرام.
نفت حديثه وهي توضح له أكثر قائلة بجدية:
- لأ غرام أكبر منها.. إنما سيليا لسه صغيرة.
أو ينظر الآخر إلى الغرفة الذي كان بها معهم هم الثلاثة ورأى “عشق” تجلس مع “سيليا” ابنة خاله “جمال” فهتف وهو يتجه إليهم بنبرة رجل واثق:
- ماشي أنا هروح ألعب معاهم متخافيش وهخلي بالي منهم كلهم.
ابتسمت إليه قائلة بحب وهي تقف على قدميها مرة أخرى:
- شاطر يا آدم.
أردفت “مريم” ناظرة إلى زوجة أخيها تتسائل عنه بعدما تركهم وذهب:
- اومال جمال خرج راح فين يا حنان مش هو اللي عازمنا الله.. بقى يعزمنا ويمشي ويسبنا.
هتفت الأخرى نافية حديثها قائلة بهدوء وابتسامة صغيرة على ثغرها:
- لأ ممشيش ده طلع فوق قالي هجيب حاجة وأنزل.
أردفت “هدير” من الداخل بقوة وصوت عالي لتستمتع إليها زوجة أخيها في الخارج وهي تقول بجدية:
- طب إحنا خلصنا أهو اطلعي شوفيه كده علشان هكلم جاد يجي وسمير على وصول.
أومأت إليها الأخرى وأردفت بتأكيد على حديثها ثم ذهبت تسير إلى باب الشقة وخرجت منه متجه إلى الأعلى:
- حاضر.
خرجت “هدير” من المطبخ وأخذت هاتفها من جوار “مريم” ثم فتحته وقامت بالاتصال بزوجها لكي تستعجله بالوصول إليهم:
- ألو أيوه يا جاد.. ما تيجي يلا.
أغلقت الهاتف بعد أن أكد عليها أنه قادم ثم دلفت إلى المطبخ وهي تصيح إلى والدتها بقوة:
- يلا يا ماما جاد جاي أهي.
بعد أن دلفت إلى المطبخ دق باب المنزل فوقفت “مريم” على قدميها ولفت حجابها على رأسها بأحكام ثم تقدمت بهدوء لتفتح الباب، بعد أن فتحته وجدته زوجها الذي مال على وجنتها مقبلًا إياها بسرعة غامزها بعينيه وابتسم إليها بحب كبير ومرح لا يخلو من تصرفاته.
افسحت له الطريق ليدلف إلى الداخل وبعد أن دلف ورأته ابنته الكبيرة “عشق” التي تحبه كثيرًا انطلقت تركض ناحيته ففتح لها ذراعيه وأخذها بينهم يرفعها عن الأرضية وهو يقف بشموخ ومالت هي عليه تقبله من وجنته قبلة بريئة رقيقة منها.
لحظة فقط ودق الباب مرة أخرى لتفتح “مريم” ودلف شقيقها وخلفه زوجته، دلفت زوجته إلى المطبخ بعد أن رميت السلام على “سمير” مطمئنة على أحواله وتقدم هو إليه يعانقه بقوة يسلم عليه بحرارة.
أتى “جاد” هو الآخر بعد لحظات ففتح له “جمال” يسلم عليه بحرارة هو الآخر، دلف إلى داخل غرفة أخرى صغيرة للضيوف غير الصالة، ثم لحظات بينهم في الحديث ووقف على قدميه يود الذهاب إلى المرحاض لغسل يديه.
مر على المطبخ ناظرًا داخله بطرف عينيه، لم يرى إلا هي بالداخل وتقف بعباءة ضيقة للغاية قديمة لا تناسبها، وخصلات شعرها ترفعها بدبوس كبير وليس عليها حجاب.
دلف إليها المطبخ وأردف من خلف ظهرها بقوة وجدية شديدة مستغرب من مظهرها هذا:
- إيه اللي أنتِ عملاه ده.
استمعت إلى صوته خلفها فاستدارت سريعًا تنظر إليه ولم تفهم ما الذي يتحدث عنه فأشار لها برأسها وعينيه على مظهرها، قالت سريعًا تنفي ما توصل إليه عقله مردفة بلهفة:
- مخرجتش بره والله وسمير جوا ولا حتى عديت من قدام المطبخ أنا زي ما أنا هنا وجايبه عباية تانية معايا.
تقدم للداخل قليلًا وأردف قائلًا بنبرة خشنة وهو يقف أمامها بعينين رمادية حادة:
- ولما أنتِ معاكي غيرها لابسه دي ليه.
أردفت بصدق وجدية:
- من ساعة ما جيت يا جاد وأنا بساعدهم في المطبخ فقولت ألبس دي علشان مفيش حد هنا.
أومأ إليها برأسه قائلًا:
- ماشي روحي بقى غيري هدومك دي والبسي طرحة.
- حاضر.
ذهب إلى الخارج مرة أخرى يتوجه للمرحاض كما كان ذاهب من البداية بعد أن ألقى تعليماته على زوجته المصون.
دلفت والدتها وزوجة أخيها إلى المطبخ ليقوموا بوضع الطعام لتناوله، ولكنها أردفت قائلة وهي تتجه نحو باب المطبخ لتخرج منه وتفعل ما قاله لها زوجها:
- ماما أنا هدخل البس عبايتي وانتوا حطوا ليهم الأول وإحنا ناكل بره.
- طيب ما.
بعد أن تناولوا الطعام وجلسوا سويًا بعض الوقت في هدوء وراحة لم تكن معتادة سابقًا ولكنها قد حدثت بفضل الله بعد أن ألهم شقيقهم على طريق النور والخير الذي يأخذ منه كل ما هو حلال بقدر كافي له.
ذهب “جاد” إلى عمله مرة أخرى وكذلك “سمير” وتركوا زوجاتهم في بيت شقيقهم يجلسون سويًا بعض الوقت الأكثر من هذا يخلدون لحظات جميلة داخل ذاكرتهم غير تلك المليئة بالألم.
أردف “جمال” بصوت عالي وهو في صالة المنزل يهتف بإسم شقيقته “هدير” مناديًا إياها، خرجت إليه فأخذها ودلف إلى إحدى الغرف وأغلق الباب من خلفه.
نظرت إليه بعمق واستغراب ترى ما الذي يفعله، وجدته يخرج من جيبه قطعة قماش صغيرة وتقريبًا داخلها شيء، قدمها إليها وهو بقى أمامها قائلًا بنبرة جادة:
- خدي دول حقك وحاجتك.
أبصرت قطعة القماش ثم رفعت بصرها عليه وتسائلت باستغراب:
- إيه دول.
نهد بهدوء، أخفض وجهه إلى الأرضية بخجل ثم رفعه إليها مرة أخرى قائلًا بصوت خافت خجل مما فعله:
- الغوايش اللي اخدتها منك.. عارف إني اتأخرت عليكي بس أنتِ كنتي شايفة الظروف.
وضعت كف يدها على يده المقدمة إليها وعادت بها للخلف وهي تقول باستنكار ورفض تام:
- أنتَ اتجننت ولا إيه أنا مش هاخد الغوايش دي.
لم يكن هو على استعداد أن تجعله يأخذهم مرة أخرى، فهذا حقها ومالها ومال زوجها وهو من اغتلسه منها بالسرقة وعليه أن يعود به إلى أصحابه:
- عليا الطلاق لازم تاخديهم.
صدح صوتها بحدة بعد أن استمعت يمينه الذي انهته عنه سابقًا كثيرًا:
- قولتلك مليون مرة بلاش تحلف على حاجة بالطلاق أنتَ مش بتتعلم.
أجابها بهدوء وجدية ثم أكمل بخجل وهو يمد يده إليها مرة أخرى مُردفًا:
- ياستي معلش.. خدي بقى الغوايش بتاعتك مش كفاية إني صغرت قدام جوزك.
ابتسمت بسخرية جلية مستنكرة مُجيبة إياه بصدق تهتف بما حدث حقًا:
- جوزي؟ تصدق بالله جاد ما سألني عليهم ولا مرة ولا يعرف أنا معايا دهب إيه ولا معايش إيه.
أومأ برأسه وقال بهدوء:
- عارف إنه كريم ومش بيدقق.
نظرت إليه بدقة، ضيقت ما بين حاجبيها مثبتة عينيها عليه تتسائل:
- يعني أنتَ أمورك تمام يا جمال؟ لو محتاج فلوس خليهم والله أنا مش عيزاهم.
أردف هو ضاحكًا قم أكمل بجدية ورضا تام ظاهر في كامل حديثه:
- وتوقعي طلاقي؟ وبعدين الحمدلله مستورة أوي.
أمسك بكف يدها ثم وضع فيه الأسوار وأجابته هي بابتسامة راضية عنه وعن ما يفعله:
- دايمًا يا حبيبي.. دايمًا.
فُتح الباب بقوة كبيرة على حين غرة وظهرت منه “مريم” ببطنها المنتفخة الممتدة أمامها قبل دخولها هي، قالت بصوت عالي يحمل داخله الحماس وملامحها تدقق عليهم:
- بتعملوا إيه قفشتكم.
ابتعدت “هدير” للخلف بوجه عابس مصطنع قائلة بمرح ومزاح:
- ها قد أتت مفرقة الجماعات.
أشارت إلى بطنها بيدها تهتف بسخرية على حالها قائلة بتهكم:
- أنا؟ طب بالذمة يا جمال يا خويا أنا بمنظري ده أعرف أفرق حباية رز عن التانية.
ابتسم جمال بهدوء فاقتربت هي للداخل تقف جوارهم فقال بصدق:
- بصراحة لأ.
هتفت بمرح مُجيبة عليهم وهي الأخرى تبتسم:
- اومال إيه بقى بتظلموني ليه وأنا إنسان غلبان.
أقترب منهم جمال يقف في المنتصف بينهم وحاوط كل منهن بيده، عانقهم بيده الاثنين عناق أخوي لم يحدث من قبل ولكنه يحدث الآن ودائمًا، بعد كثير من الفراق والألم، بعد اشتياق وعذاب كثيرًا، عوض الله الجميع بما يستحق بعد معافرة كبيرة وعاقب من يستحق على عمله من تخريب في نفوس البشر.
- ربنا يخليكم ليا يارب.
وضعت “مريم” يدها على صدره ومالت برأسها عليه مردفة:
- ويخليك لينا يا جمال.
والأخرى كمثل قائلة بابتسامة عريضة وفرحة كبيرة تدق داخل قلبها بعد أن استقرت الحياة بهم في مطاف واحد كان الأفضل من الأفضل نفسه:
- يديمك في حياتنا نعمة يا أبو سيليا.
وقفت والدتهم على أعتاب باب الغرفة ناظرة إليهم بعينين دامعة، متى كانت تتمنى أن ترى هذا!؟ منذ زمن بعيد وهي تتمنى أن ترى ابنها الأكبر بينهم يحتويهم ويكن لهم العون والسند في الحياة، والآن وبعد كثير من الأعوام الذي مضت هو هكذا يلبي طلبها ويقف جوارهم ويكن لهم خير الأخ والصديق.
رحيل “مسعد” عن حياتهم غير بها الكثير والكثير وكأنه كان الشيطان الذي يوسوس في النفوس ثم من بعد اختفائه عادت النفوس ملائكه، ليعم الخير والسعادة، الفرح والراحة وكل ما هو يطيب خاطر الإنسان ويجعله مطمئن، عاد كل ما هو جميل من عند الله الذي يعطيهم أكثر مما يستحقون، بعد ذلك الصبر، صبرًا جميلًا من بعده حياة.
❈-❈-❈
“اليوم التالي”
وقفت “هدير” في مطبخ شقتها تُنهي تحضير الطعام بعد أن استمعت إلى انتهاء الصلاة في المسجد والآن سيكون زوجها وولدها الصغير متوجهين إلى المنزل.
لحظات خلف الأخرى تعد الطعام بحب وليس بيدها، ترشه سعادة بعيده عن ملح الطعام، تدندن بفرحة الحياة وابتسامتها السعيدة المقدمة إليها بعد أن نالت ما تستحقه منها على حق.
خرجت إلى الصالة بعد أن فتح باب الشقة واستمعت إلى أصواتهم في الخارج، نظرت إليهم بحب كبير وراحة لا نهائية شعرت بها عندما أبصرت زوجها يقف على أعتاب باب الشقة بهذه العباءة البيضاء الخاصة بصلاة يوم الجمعة، ذقنه مهذبة ووجهه بشوش، شعره مصفف بعناية وملامحه تبتسم بالكامل، كل هذا غير عينيه الساحرة التي تجعلها تموت داخلها.
أقترب الصغير منها ركضًا يبتسم بسعادة وكان هو الآخر يرتدي عباءة صغيرة بيضاء كوالده قد أتى بها جده “رشوان” إليه، كان الصغير يشبه والده بالمعنى الحرفي، عينيه رمادية مثله ولكنها حادة قليلًا تظهر بوضوح أكثر من “جاد”، أنفه مثله وشفتيه وكل ما بوجهه يشبهه ولكن طريقته وحديثه لا يشبه إلا جده “رشوان”.
أقترب منها يهتف بصوت عالي وبفرحة كبيرة:
- صليت.. صليت يا هدير.
أقتربت منه جالسة على عقبيها على الأرضية وقبلته من وجنته بقوة مبتسمة بسعادة هي الأخرى قائلة بمزاح أم ودلالها الذي لا يعجبه:
- ياختي كبرت وبقت تصلي يا ولاد.
عاد للخلف قليلًا ناظرًا إليها بقوة وهتف بنبرة منزعجة:
- ياختي مين وكبرت مين يا ماما أنا آدم.
استدار ينظر إلى والده بقوة مُردفّا بضيق يشكي إليه من والدته الذي تزعجه دائمًا بحديثها كجدته بالضبط:
- ينفع يا بابا تقولي ياختي بيضة قدام عشق تقول عليا إيه يعني.
أقترب “جاد” للداخل وهو يبتسم قائلًا بنبرة جادة لكي يشاكسها:
- لأ طبعًا غلط.. أنتَ راجل إزاي تقولك كده.
صاح الآخر بطريقة طفولية جميلة للغاية وهو يظهر انزعاجه لهم:
- الله طب ما تقولها.
صاح والده هو الآخر يجاريه في حديثه قائلًا:
- منا بقول أهو.
وقفت هي على قدميها ثم أشارت لهم هم الاثنين وقالت بجدية شديدة لكي تقوم بوضع الطعام كي يأكلون سويًا:
- طيب يا حلو أنتَ وهو غيروا علشان ناكل.
أقترب منها “آدم” مرة أخرى وهنا قال بنبرة خافتة بريئة سائلًا عن طلبه الذي قال لها أن تقوم بعمله واتضح أنه يحب أكل هذه الأصناف كعمه بالضبط:
- عملتي محشي يا ماما زي ما قولتلك.
ابتسمت إليه وأومأت برأسها مُجيبة إياه بحب مكملة بجدية لكي يبدل ملابسه:
- عملت يا روح ماما يلا غير بقى.. هدومك جوه على السرير أنا مطلعاها.
بعد أن دلف الصغير للداخل أقترب منها “جاد” مُبتسمًا وهو ينظر إلى قميصها ذو اللون الأسود، طويل يصل إلى قدميها ولكنه يلتصق عليها بطريقة تتلف أعصابه، به فتحه من الجانب ككل ما عندها لتغريه أكثر وأكثر وهو من الأساس لا يحتاج لكل ذلك.
عنقها بالكامل يظهر ويتنافى مع لون القميص بطريقة ترهقه فهي تتمتع بلون بشرة بيضاء بشدة، وخصلاتها التي عقصتها للأعلى وفي كل الأحوال هي ترهقه فقط من نظرة عين.
هتف بخبث ومكر وهو يقف قبالتها ناظرًا إليها بقوة:
- إنما إيه الحلاوة دي يا وَحش.. مكنش فيه حفلة امبارح ولا حاجة.
أقتربت هي الأخرى تضع يدها على كتفه قائلة بسخرية واستنكار مُضحك:
- وهو أنا ببقى حلوة بعد الحفلة بس ولا إيه.
تسائل بنبرة لينة مُريحة هادئة توضح كم السعادة التي ينعم بها معها وفي ظل وجودها جواره كل هذه السنوات:
- مين قال كده أنتَ جميل في كل وقت يا جميل.
ابتسمت إليه بهدوء بعد أن ثبت حديثها بحديثه المصاحب لمعاني كثيرة داخله:
- طب يلا روح غير علشان نتغدا بقى.
غمزها بعينيه الرمادية الساحرة متسائلًا بنبرة خبيثة ماكرة منتظر إجابة يود سماعها:
- طب وبعد الغدا.. ها.
أردفت هي بنبرة لينة متدلله بوضوح وقوة كبيرة وهي تهبط بيدها من عليه تمر على صدره:
- ما تخلص يا جاد بقى.
أشعلت النيران داخله وهي من الأساس مشتعلة دون تدخل أحد، ولكنه لا يتحمل أكثر من هذا، كل هذه الرقة والجمال الذي يواجهه يوميًا:
- يقطع جاد على سنين جاد.
ضحكت بصوت عالي وقالت مُستنكرة:
- الله طب وليه كده.
أقترب أكثر يقول بنبرة خافتة:
- جمالك يا وَحش محيرني.
خرج “آدم” من الغرفة إلى غرفة السفرة معتقدًا أنها وضعت الطعام ولكنه لم يجد شيء استدار يصيح بقوة كبيرة وصوت صارخ:
- فين الأكل ده يا ماما.
نظرت إليه على الطرف الآخر وهتفت بقوة متناسية من الأساس أن هناك طعام عليها أن تضعه:
- أيوه حاضر يا آدم أهو يا حبيبي.
نظرت إليه هو الآخر مرة ثانية وقالت بصوت خافت خجل ووجهها يحمل الجمال كله والرقة التي لا يوجد مثلها:
- اخلص بقى.
أبتعد ذاهبًا إلى غرفة النوم وهو يغمز إليها مُجيبًا بقوة وتوعد:
- لينا كلام تاني يا وَحش.
ثم اختفى داخل الغرفة ودلفت هي الأخرى إلى المطبخ لتأتي بالطعام إلى غرفة السفرة ليتناولوه سويًا في ظل جو أسري محبب إليهم بعد حديث جاد ومشاكسة ابنه، في ظل محبتها لهم ورؤيتها للسعادة داخل بيتها.
❈-❈-❈
“في المساء”
وقف في صالة المنزل شامخًا وهتف بصوتٍ عالٍ قليلًا لكي تستمع إليه والهاتف بيده:
- أنا في بلكونة الصالة.. هاتي الشاي وتعالي.
أجابته من الداخل بنبرة عالية:
- ماشي.
ذهب هو إلى الشرفة، فتحها ودلف إليها بهدوء ثم أغلق الباب خلفه وجلس في الداخل على المقعد والهاتف بيده يجري اتصال بأحد ما، بينما هي كانت في الداخل تحضر كوبين من الشاي لهما سويًا في جلسة صفاء بينهم.
دقائق وانتهت من تحضيره ثم أخذت كوبين الشاي على صينية صغيرة بعد أن ارتدت عباءة بيتية وأحكمت الحجاب على رأسها وذهبت إليه في الشرفة.
فتحت بابها بهدوء ودلفت إليه تجلس على المقعد المقابل له ووضعت الصينية على سور الشرفة، وجدته يتحدث في الهاتف وكان يُنهي المكالمة، وضع الهاتف على سور الشرفة جوار الصينية بعد أن أنهى المكالمة فتسائلت بجدية:
- كنت بتكلم مين؟
تحدث بنبرة عادية ينظر إليها بهدوء:
- ده عبده والجماعة بيسلموا عليكي.
ابتسمت بهدوء وظهر الاشتياق على ملامحها فقد رحل “عبده” من هنا بعد أن تزوج من “رحمة” صديقتها، كانت الظروف بالنسبة إليه صعبة للغاية فقرر البحث عن محافظة أخرى يتوفر بها عمل أفضل من هذا له لأن عمله مع “جاد” في النهاية لن يجني له ما يكفي أسرة كاملة.
- عليك وعليهم السلام.. ربنا يصلح حالهم.
مد يده وأخذ كوب شاي ثم قدمه إليها أولًا فأخذته منه، ثم مد يده ثانية وأتى بكوب إليه يرتشف منه بهدوء قال بجدية:
- كنتي خلي آدم ينام في اوضة الأطفال.
عادت للخف بظهرها تستند إلى ظهر المقعد وعقبت على حديثه قائلة بهدوء ولين وهي تتذكر صغيرها نائم عليها بكل براءة:
- بعد ما نام جوه نقلته.
ارتشف من كوب الشاي ثم أخفضه من على فمه قائلًا باقتراح يود تنفيذه اليوم قبل غد:
- المفروض يتعود ينام فيها.
اعترضت مكرمشه ملامحها ناظرة إليه بقوة وصوتها هادئ كما هو تنظر إليه بجدية:
- لأ لسه شوية يا جاد مقدرش اسيبه لوحده دلوقتي.
استنكر إجابتها عليه، تتركه هو وحده هذا لا يهم لكن أن تترك ابنها الصغير فلا إنه صغير وأنتَ الأكبر عليك التحمل وأن تجعل عقلك أكبر من هذا:
- بس تسيبني أنا مش كده.
سألته باستنكار مُشيره بيدها الحرة من كوب الشاي:
- وأنا سيبتك امتى؟
ضيق عينيه الرمادية ذات اللمعة الرائعة عليها وقال بسخرية ويبدو حقًا منزعج من هذا الوضع الذي لا يجعله يأخذ راحته معها:
- مش بينام في نص السرير بينا.
صدحت ضحكتها في المكان وهي تراه منزعج هكذا وكأنه هو طفل صغير يغير من أخيه الذي تفضله عليه والدته:
- معلش يا جاد اعتبره زي ابنك.
هتف بجدية ينبهها أنهم يجلسون في الشرفة أي في الشارع:
- صوتك في إيه.
أومأت إليه برأسها فعاد مرة أخرى إلى موضوعه غامزًا لها بعينيه مُبتسمًا وكأنه يقدم إليها معروف وينتظر المكافأة:
- علشان خاطرك بس.
أردفت قائلة بابتسامة هادئة ترتسم على ثغرها الوردي الصغير:
- طب أشرب الشاي وخلصنا عايزة أقولك أخبار حلوة.
أخفض الكوب مرة أخرى بعد أن ارتشف منه وتسائل باستغراب وعينيه مثبتة عليها:
- أخبار؟.. أخبار إيه دي؟
أجابته بجدية والإبتسامة على وجهها ثم رفعت كوب الشاي ترتشف منه بهدوء مثله:
- اشرب الشاي وندخل جوه وأقولك.
تسائل بنبرة جادة يستغرب حديثها:
- اشمعنى.
علقت على حديثه بقوة لأنه لا يطيق الإنتظار أبدًا ويريد أن يعرف كل شيء في وقته، كما عودته في الفترة الأخيرة، أن كل شيء بينهم واضح وصريح وكأنهم كتابين مفتوحين أمام بعضهم:
- كده يا جاد كده.
لوى شفتيه ببرود وأكمل ارتشاف الشاي قائلًا:
- طيب ياستي براحتك.
دقائق مرت عليهم وهم في الشرفة ينتقلون من هنا إلى هنا في الحديث ثم دلفوا إلى الداخل بعد أن أغلق “جاد” الشرفة وتقدمت زوجته بالصينية إلى المطبخ لتضعها به، دلف هو إلى غرفة نومهم ينتظر قدومها وهي خرجت من المطبخ إلى غرفة الأطفال الصغيرة لتطمئن على صغيرها.
دلفت إلى غرفة نومهم وكان هو يجلس نصف جلسة يستند بظهره إلى ظهر الفراش، وقفت أمام المرآة ثم أبعدت عنها هذا الحجاب والعباءة هي الأخرى ليظهر من أسفلها ذلك القميص القصير.
ترتدي قميص قصير لونه أحمر ناري يصل إلى منتصف قدميها البيضاء الناعمة، به رسومات صغيرة للغاية تجعله يظهر بشكل مغري عليها، بحملات أكتاف رفيعة للغاية.
تركت لخصلات شعرها العنان خلف ظهرها ثم استدارت تنظر إليه بابتسامة بعد أن رأته من خلال المرآة مثبت بصره عليها منذ أن دلفت إليه.
أقتربت وجلست على حافة الفراش جواره ثم أمسكت كف يده بين يدها الاثنين وفي لحظة خاطفة كانت تضعه على بطنها قائلة بشغف وحب:
- جاد… أنا حامل.
اعتدل في جلسته وأبتعد عن ظهر الفراش يجلس باستقامه أمامها وعينيه الرمادية تتحرك على عينيها بسرعة فلم يكن يتخيل ذلك الآن فهي لم تأخذ أي وسيلة فقط استمر الإنتظار ليس كما شقيقتها وتسائل بصوت خافت:
- بجد.
أومأت إليه برأسها وعينيها تضحك بسعادة ثم أكملت ضاحكة كي تذكره بما حدث سابقًا ولكن هذه المرة على طريقة المزاح:
- أيوه.. ولسه عارفه امبارح علشان متسألش السؤال ده تاني.
كرمش ملامحه وأجابها بتهكم:
- قلبك أسود أوي.
ضحكت بصوتٍ عالٍ وهي تنظر إليه فمال عليها يعانق إياها بشدة قائلًا بسعادة وحب ثم أكمل بمرح:
- ألف مبروك…. عقبال التالت والرابع والخامس.
أبعدته للخلف وقاطعت حديثه الذي وجدته يستمر به وكأنها ستفعل ذلك حقًا:
- إيه هما اتنين كفاية.
أخذ يدها بين كفيه برقة يضغط عليها وقال بجدية وهو ينظر داخل عينيها بقوة وود لو فعل ما يهتف به معها حقًا، هنا سيكون أمتلك كل ما في الدنيا:
- كفاية أوي بس نقدر نربيهم التربية الصح.
وضعت يدها الأخرى على وجنته تحرك إصبعها الإبهام عليه بحنان ودلال ظهر في كل تعابيرها التي تخرج منها دون أدنى مجهود:
- طالما أنتَ أبوهم يبقى هيتربوا أحسن تربية يا جاد.
رفع يدها إلى فمه يقبلها بسعادة بالغة وفرحة كبيرة أخذها على هيئة خبر سعيد منها، لقد أمتلك كل شيء حقًا ما الذي يريده بعد:
- مبروك يا أحلى حاجة حصلت في حياتي.
أقتربت منه قائلة بحب ونظرتها متعلقة به:
- يتربوا في عزك يا ابن أبو الدهب.
بعد أن طال الإنتظار لينجب مرة أخرى لم يكن طامع كثيرًا في ذلك.. كان يوده ولو قال أكثر من السابق سيكون حقيقه ولكنه لم يكن يريد أن يكون من طامعي الدنيا فيأخذ كل شيء ولا يترك شيء للجنة يأخذه معها:
- الواحد يحبك أكتر من كده إيه بس.
رفعت حاجبيها إلى الأعلى معقبة باستغراب:
- للدرجة دي.
- ياه… وأبعد كمان وكمان وكمان.. بأمانة بحبك حب مش موجود في الدنيا دي ولا عمري اتخيل إنه يكون موجود.
صاحت بقوة هذه المرة تريده أن يعرف أنها تحبه فوق حب المحبين حبًا فلا يتخيل نفسه يحبها أكثر مما تحبه:
- ليه إن شاء الله وأنا إيه منا بحبك أنا كمان وشيفاك كل حياتي.
ضغط على يدها بقوة وعينيه الرمادية الرائعة مثبتة على عينيها العسلية يردف لها بكل الحب والصدق الذي داخله، يلقي عليها كل العشق والإخلاص الذي اجناه معها قائلًا بشغف غير مبالغ فيه:
- هدير أنتِ روحي وعمري كله.. أنتِ النفس اللي مخليني عايش.
ابتسمت إليه بهدوء بعد أن ثبت حديثها بحديثه المصاحب لمعاني كثيرة داخله:
- وأنتَ ندوب.. ندوب فضلت مكان الجروح علشان كل ما أشوفها أضحك وأحمد ربنا أنها حصلت علشان تبقى أنتَ ليا يا أحسن راجل في الكون كله.
لم يكن يريد منها أكثر من هذه الكلمات لتكون إشارة له في البدء مرة أخرى للسير على طريق الحب والسعادة، أقترب منها بوجهه وجسده مشتاقًا إليها وكأنها منذ زمن بعيدة عنه، أقترب مقبلًا شفتيها برقة وحنان بالغ وكأنه يعامل قطعة حرير غالية الثمن لا تخص إلا الملكات المتوجة، ولم تكن تريد هي أكثر من أمير المملكة ليقترب منها ويسرد عليها بطريقته الخاصة كم يحبها ويجعلها تجلس داخل قلبه متربعة على العرش.
رأيت الندوب كم هي جميلة؟.. منذ البداية تطاردنا الجروح، تنزف دماء كثيرة وبغزارة تجعلنا نرى الحياة أسوأ بكثير مما هي عليه، تشوه جسدنا وتجعله بصورة بشعة للغاية، تترك ذكريات محفورة في القلب والعقل وما نبض داخلك، كلما تذكرت منها شيء صرخت، رأيت الجروح الكريهة؟ هي التي تركت لك “ندوب الهوى” لتذكرك بكل ما مضى من ألم وآنين يتحول لضحكات ساخرة وهي ترى الحب والهوى يسيطر عليها من كل جانب.
تذكر!!.. أن الله هو العون في كل طيب وخير، مادمت على الطريق المستقيم، مادمت تريد الحلال في حياتك يُنيرها كضوء القمر الساطع.
❈-❈-❈
“تمت بحمد الله”