عدلت حنين نفسها لتجلس على السرير، وخلعت المغذي من يدها. هز جاسر النائم على الكرسي بجوارها. "جاسر اصحي، جاسر." استيقظ الآخر على هزتها ليفتح عينيه بنعاس. "حنين، انتي كويسة؟ ردت حنين باستغراب: "أنا كويسة آه، هو احنا فين، وأنا بعمل إيه هنا؟ "احنا في المستشفى عشان انتي تعبانة!! "تعبانة مالي؟ بدأ جاسر يفوق ويستوعب أن حنين قاعدة قصاده وبتكلمه بهدوء. "حنين انت، انتي بتكلمي كده إزاي، أنا مش بحلم صح، حنين انتي فايقة."
"تحلم بإيه؟ ويعني إيه بتكلم إزاي؟ في إيه يا جاسر، وإحنا إيه اللي جابنا المستشفى؟ وإنت إزاي أصلاً مسافرتش ليه؟ ابتلع جاسر ريقه باستغراب وهو ينظر لها، قبل أن يحضنها بقوة دون أن يجيب على أي من أسئلتها. "ماله دا هو في إيه؟! دفعت حنين جاسر عنها بخفة وتعيد سؤالها. "مالك يا جاسر، وإنت مسافرتش ليه ومال شكلك متغير أوي كده؟ رد جاسر بهدوء: "أسافر فين يا حنين، هو انتي أخرجتي حاجة فكراها كانت إيه؟
"كنت إنت بتجهز شنطتك عشان خلاص هتسافر، وتسبني، وإنت بتحجج بجوازنا، ورافض تسمعني، هو انت نسيت؟ تنهد جاسر بإحباط: "أنا برضه اللي نسيت، يلا الحمد لله." وقفت حنين من سريرها وجذبها صور سليم، والتي قام جاسر بتعليقها بكل أنحاء الغرفة. نظرت حنين للصور وتحسستها برقة وعينها دمعت. "هو مين الطفل اللي في الصور دا أنا حاسة إني أعرفه، دا حلو أوي." قالتها حنين، وبدأت صور تتعرض في رأسها سريعة، لتضع حنين يدها على رأسها بألم. "آه."
جذبها جاسر سريعاً وخرج بها من الغرفة. "حنين انتي كويسة؟ هزت حنين رأسها بالإيجاب: "أه كويسة، هو مين دا يا جاسر؟ جذب نظرها المستشفى واستغرابها. "وإحنا فين هنا فهمني، وفين بابا وماما؟ "إحنا في المستشفى يا حنين، أنا شغال هنا." "يعني مش هنسافر خلاص؟ ونظرت حنين إلى ملابسها الخاصة بالمستشفى، ورفعت ذراعيها والتي يظهر عليها أثر القيود وجروح كثيرة. "و أنا لابسة كده ليه وشكل إيدي دا؟
قطعها جاسر بهدوء: "حنين حبيبتي، حصل حاجات كتير أوي، أنا هحكيلك عليها كلها بس مش دلوقتي، ممكن ماتسأليش على أي حاجة، النهاردة بس." نظرت حنين إليه وابتسمت وهي تحضنه فجأة. ابتسم جاسر ولف ذراعه حولها وشدد عليها بحضنه وهو يسألها باستغراب. "إيه دا؟ "معرفش، أنا حاسة إن انت وحشني أوي، وإني بقالي كتير أوي ماشوفتكش." حضنها جاسر أكثر. "حقك عليا يا نور عيني، مش هبعد عنك تاني لو إيه اللي حصل، يلا نمشي من هنا." "هتوديني على فين؟
"هنروح نجيب أحلى لبس بدل هدوم المستشفى دي، وهعيشك يوم عمرك ما تنسيه في حياتك يا نونا." اقتربت ممرضة منهم. "دكتور جاسر، انت فين؟ دكتور خالد بيسأل عليك." استغربت حنين الاسم. "مين دا؟ "دا مدير المستشفى يا حنين." ثم نظر إلى الممرضة: "روحي قوليله إني مش فاضي، وهبقى أكلمه بعدين، وحنين معايا وأنا إجازة بقى اليوم." "بس حضرتك... تركها جاسر وجذب حنين معه وخرج من المستشفى قبل أن تكمل كلامها وهو ماسك بيد حنين.
صعدوا إلى سيارة جاسر ووصله أمام مول صغير. نظر جاسر لحنين. "يلا عشان ننزل." نظرت حنين لنفسها ورفضت بشدة. "أنزل فين، باللبس دا لأ طبعاً، مش هنزل كده." "ما انتي هتغيري جوه، هنجيب حاجة مناسبة." ردت حنين برفض تام: "مش هنزل يا جاسر." "كده طيب انتي حرة." قالها ونزل من السيارة وذهب لبابها فتحه وشالها من داخل السيارة. صرخت حنين بصدمة: "جاسر انت بتعمل إيه، نزلني الناس بتتفرج علينا، كده غلط."
"اللي لي عندنا حاجة يجي ياخدها، دا أنا مصدقت." لفت حنين يدها لرقبته وهي بتضحك: "مصدقت إيه مش فاهمة." "مالكيش دعوة." "طب نزلني والله وهمشي معاك كويس." أنزلها جاسر بهدوء. "يلا قدامي." "حاضر يا سي السيد."
دخلوا مع بعض المول واختاروا سوا لها طقم غيرت لبس المستشفى، وخرجوا وبدأ يلفوا في أكتر من مكان وكأنهم بيعوضوا اللي فات. كل حاجة كانت تعجب حنين جاسر كان بيجيبهالها. وهم بيضحكوا وبيجري ورا بعض كأنهم لسه عيال صغيرة ومن غير ما يهتم واحد فيهم للناس اللي بتتفرج عليهم. كان جاسر ماشي ورا حنين ورماها كلها بشنط كتير في صندوق العربية وركب العربية مع حنين. "آه، أنا تعبت كل دا اشتريناه ليه."
"عشانك يا حبيبي، وبعدين تعبتي إيه، دا إحنا بس جبنا اللبس وأكلنا لسه هنخرج بقية." استغربت حنين: "نخرج!! هنروح فين، إحنا اتأخرنا جداً وبابا هيزعق لينا." "ممكن تنسي الدنيا كلها دلوقتي والمكان اللي تأمري بيه هنروحه." وضعت حنين يدها على رأسها بتفكير. "نروح فين يا حنين، نروح فين، الملاهي أنا عايزة أروح الملاهي." "طلباتك أوامر يا قم."
خد جاسر حنين للملاهي وفضلوا يلعبوا سوا، وانتهى اليوم وجاسر حاول يفهم أنها فقط تعرضت لحادث وأنها كانت بداخل غيبوبة لا أكثر وفقت منه. لم تقتنع حنين بما قاله، وبالذات بآثار الجروح على يدها، ولكنها قررت أن تصدق جاسر. عشق طفولتها. "انت قاعد عمال بتضحك على إيه؟ "جري إيه يا عم محمود هو حرام إن الواحد يضحك؟ "لأ يا بني تدوم الضحكة على قلبك برحتك." نظر له جاسر فجأة. "هو أنا إمتى هتجوز؟
رد محمود باستغراب: "هو انت بتسألني أنا، وأنا مالي ماتجوزت؟ تنهد جاسر بإحباط: "أومال أسأل مين، أنا هتجوز بنتك، أنا كان زماني اتجوزت من زمان ومعايا دلوقتي أربعة، خمس عيال." محمود بصدمة: "أربعة، خمس عيال!! دا إزاي؟ "كل سنة عيل، أنا عايز اتجوز."
صلاح كان واقف بمكتبه شارد بحزن، فمعتز أعاد الماضي إليه بقوة، ماضي لم ينساه من الأساس، وعود و وعود وعود، كان فاشل بتنفيذها ببراعة، ومعشوقته هي من دفعت الثمن. لو عاد الماضي مرة أخرى، ربما كانت حبيبته ما زالت معه. يعتبر نفسه وآدم مذنبين بالمجال الأول، والذين فشلوا أن يأخذوا حق زوجته منهم. "أبين زين وأضرب الودع وأشوف البخت أبين." "أشوفلك بختك يابيه."
نظر إلى تلك الفتاة الشابة الصغيرة وهي تبتسم له براءة، ملامحها الجميلة وبشرتها البيضاء الممزوجة بحمرة الشمس حكاية، أم عيونها الزمردية الزرقاء حكاية أخرى كافية لتسحر كل من ينظر لها وتجبره على تأمل تلك الحورية الجميلة دون ملل. قطع توهانه بجملها صوتها هادي. "ها يابيه أشوفلك بختك ومستقبلك، ولا بتصدقش الودع؟ ابتسم صلاح بخفة. "لأ مبصدقش الودع، لكن شوفيه أحب أعرف."
"يبقي مالوش لازمة يابيه طالما مابتصدقش، عديني أشوف غيرك عارف قيمة اللي بيقوله الودع وبيصدقه." "طب ما شوفيه يمكن تقنعيني وأصدق." "هتصدق لأني بعرف أقرأ الودع كويس، ما بيخيش أبداً." "تمام يا... "غرام اسمي غرام." فرشت الفتاة منديل الرمل الخاص بها على جانب الطريق وجلست بجانبه، ثم ووضعت على الرمل قواقع بحر مميزة ومختلفة، جذبت أكبرها ومدت يدها به لصلاح. "طيب خد يابيه وشوش الودع باسمك واللي عايزه يحصل وخايف ما يحصلش."
ضحك صلاح بخفة وهو يأخذ الحجر من بين يدها وعينه تتأمل بها وكأن الجمال تجسد أمامه، ويخشي أن يبعد عينيه عنها لتختفي. همس للحجر بيده، ومد لها يده مرة أخرى بالحجر، دون أن يبعد عينيه عنها. أخذت الفتاة الحجر منه، وهمست له بكلمات لم يسمعها المسحور أمامها، ثم أخذت كل القواقع وضمتهم معا لتحركهم بين يدها وتلقيهم على الرمل مرة أخرى وهي تتأمل بتوزيعهم عليه. ابتسمت الفتاة برقة وهي تنظر له. "انت متجوز؟ نظر صلاح إليها ليجيب بالرفض.
"لأ، هو الودع بيقول إني متجوز؟ "لأ مابيقولش، بيقول إن حظ كبير بالدنيا يابيه، وعندك من المال كتير، ولسه الرزق هيزيد ويزيد." ابتسم صلاح بخفة. "وايه تاني؟ "ربك هيكرمك بواحدة تعشقها وأول خلفة ليك، واد هيكون سندك في الدنيا." "امتى؟ هزت الفتاة كتفه بالرفض. "مابيبانش وقت، ممكن بعد سنة، اتنين، شهر معرفش." ضحك صلاح على طريقتها. "طيب كملي."
"هتتعب في حياتك فترة وتعيش وجع صعب عليك، بس هتتخطاه، وربك هيرضيك، بس لو قدرت على الصبر." "كل دا بيقوله الودع؟ "آه، مصدقش؟ "لأ مصدق، كملي." "خد بالك من أقرب الناس ليك مش بيحبلك الخير، وبيتمنى ليك الشر، غيرته منك قيده جوه نار، ماتنطفيش." "وايه تاني؟ "بيقول كمان إنك هترمى بياضك باللي يرضيني." رد صلاح باستفهام. "يعني إيه؟ "يعني فلوس يابيه، ارمي بياضك وارضيني لو الودع صدق معاك."
أخرج صلاح أوراق نقدية كثيرة من محفظته ووضعها فوق كيس الرمل أمامها. "كده كويس؟ نظرت غرام إلى المال ثم رفعت عينيها إليه. "كتير يابيه، سحبت ورقة واحدة من تلك الأوراق النقدية، شيل باقي فلوسك أنا كده خدت اللي يرضيني." ابتسم صلاح. "خليهم كلهم عشانك." جمعت الفتاة الأوراق النقدية على جنب وجمعت كيس الرمل بالقواقع ووضعته بحقيبتها. "مد يدك." رد صلاح يده أمامها لتضع غرام المال بيده.
"ما يلزمنيش يابيه باقي فلوسك، غرام مابتخدش غير حقها وبس، ويلا من هنا، خليني أشوف طريقي." قامت الفتاة وتركت صلاح ينظر في أثرها بدهشة وهي تكمل طريقها وصوتها مازال بالمكان. "أبين زين وأضرب الودع وأشوف البخت أشوف." ذهب صلاح إلى سيارته وهو ينظر لمساعده باستغراب. "مين دي؟ "دي واحدة من بنات الغجر يا بشمهندس، عاملين مخيم هنا قريب من المنطقة، عشان المولد كمان خمس أيام." صلاح باستنكار: "مولد وغجر هنا؟!
"آه، أصلهم بيبقوا مطلوبين وبذات القبيلة دي، لأن زي ما أنت شايف يا أستاذ صلاح، البنات عندهم جملهم ساحر." "مين دا اللي طلبهم؟ "معرفش بس بيبقى معاهم تصريح وبيعملوا حفلات هنا، ومش بيحضرها أي حد، أنت بس عشان لسه جديد على المنطقة." "تمام." "هو ممكن أسأل حضرتك، انت ليه قولتلها إنك مش متجوز؟ ضحك صلاح بخفة. "كنت عايز أشوف الودع بتاعها بيخيب ولا ما بيخيبش."
أكمل صلاح طريقه دون أن يلتفت لمساعده مرة أخرى، وهو يتذكر ابتسامة تلك الفتاة والتي سيطرت على عقله بالكامل، كلامها وملامحها وعينيها، رفضها للمال الذي وضعه لها، رغبته برؤيتها مرة أخرى. نظر صلاح لمساعده وقال بأمر. "أنا عايز أحضر الحفلة من دول، اتصرف."
مر ثلاثة أيام وذهب صلاح إلى المولد أو أقرب للحفل كما قال مساعده، فكانت مظاهره مختلفة تمام والدخول صعب إليها وذلك يرجع لمن بطبع يحضر من شخصيات يعرفها هو وأهم أيضاً، ولكنه لم يلتفت لأحد ولا لتلك الحفلة القائمة بالخارج والغريبة، والمخيمات المغلقة تحاوط المكان، كل ما يبحث عنه صاحبة العيون الزمردية. ففي الأيام السابقة كان يبحث عنها يومياً، إلى أن أتاه مساعده بدعوة للحفل.
سأل عنها ليجدها بالقرب من خيمة كبيرة ويلتف حولها بعض الرجال يقرأ لهم الودع، وأيقن أنه لسه هو وحده المسحور بها، ولكن قرر أنه وحده من سوف يمتلكها. كانت تجلس بزيها الغجري المزركش وتوشوش الودع، وتبتسم للجميع. شعر بالغضب من اقترب الرجال منها بحجة قراءة الطالع، كما فعل هو قبلهم. جلس أمامها. "أهلاً يا غرام." رفعت غرام عينيها له وابتسمت بتهكم. "أهلاً يابيه، هو انت كمان طلعت منهم؟ رد صلاح باستغراب. "من مين؟
قامت غرام من بينهم وتركت مكانها وهي تنظر إلى صلاح بتحدي. "من اللي يبانوا عليهم محترمين بالنهار ومتعلمين وبيرفضوا الدجل والشعوذة والعري، وبليل يدوروا على أي مكان زي هنا يتفرجوا علينا فيه، ويؤمنوا بينا ويثقوا بكلامنا وكأنه منزل وتظهروا على حقيقتكم." "بس أنا ما جتش عشان كده، أنا جيت عشانك." "طبعاً، طبعاً، أهلاً يابيه نورت خيمتنا المتواضعة، تحب نعملك إيه حجاب ولا عمل ينجح شغلك ولا سحر لحد واقف قصادك، ومش عارف تأذيه؟
"إيه اللي انتي بتقوليه دا؟ "دا اللي إحنا بنعمله في خيمتنا أنا وأمي، مالناش في حاجة تانية ولا رقص ولا مياعة، لو جيت عشانهم، شوف في الخيم اللي جنبنا، هتلاقي اللي يعجبك." صوت رجولي زعق فيها بغضب. "غرام بس." والتفت لصلاح يعتذر لي. "إحنا آسفين يابيه، لو غرام ضيقتك، تعالي معايا." "جايه، عن إذنك يابيه المكان مكانك، اتفرج براحتك، ما إحنا فرجة ليكم."
تركته غرام وذهبت مع ذلك الشخص وصلاح مصدوم من هجومها العنيف عليه، والتفت لتلك الخيمة التي دخلت بها مع الرجل بغضب يتضاعف بداخله. "إيه اللي حصل يا غرام، واقف تتخانقي مع راجل عيني عينك، انت عارف دا مين وممكن يكون واصل لحد فين، انتي اتجننتي؟ "لأ ماتجننتش ي احمد، وأنا مكلمتوش، هو كان بيدور على المكان الغلط وأنا وجهته للصح."
"غرام اعقلي بقى، وخلي اليومين اللي فاضلين لينا يعدوا على خير، ويلا جهزي عشان الدور عليكي والناس مستنينك على نار، دول دفعوا كتير، بعد ما أعلننا إنك انتي اللي هترقصي الليلة." صرخت غرام برفض. "أنا ما برقص قولتلكم، اطلع ارقص لهم انت، أكيد هتجيب لنا أكتر." جذب حمد ذراعها بغضب. "لسانك دا لو ما اتلمش، مش هتلومي غير نفسك يا غرام." كتمت ألمها من ضغط يده على ذراعها، وهي تنظر إليه بتحدي.
"ما هرقصش برضه، وأعلى ما في خيلك اركبه يا احمد." "ماتسمع الكلام يابت بقى، هو انتي تختلفي إيه عن باقي بنات القبيلة، اعقلي واسمعي الكلام." صرخت غرام بغضب. "كلامكم ماسخ وما يمشيش عليا، غرام غالية، غالية أوي، أغلى من أي حد، وما بعرضش جسمها للي يسوى واللي ما يسواش يتفرج عليه ولو هيدفع كنوز الدنيا وتترمي تحت رجليها ما هيحصلش." حمد بغضب: "هو إحنا لمتى هنتحايل عليكي، فاكرنا هنصبر عليكي كتير."
"سبها يا احمد، اسمعي يا غرام دي شغلتنا من سنين وعاداتنا، ورزقنا اللي بتعيشي منه، لو كل واحدة ركبت راسها زيك، نعيش منين؟ "أنا بشتغل وبجيب لكم فلوس أكتر من أي واحدة هنا، وكلامي مش هغيره وواضح للكل، رقص مابر قصش." "شكلك محتاجة تفوقي وصدقيني هتزعلي مني يا غرام، ما يغركيش إني بحبك وساكت على أفعالك." "بتحبني، واللي يحب حد يعرضه للناس تتفرج عليه ويقبض تمنه، بعد عني أحسن لك يا ابن المحجوب، عشان ما أحزنكش على حالك."
بعدت غرام عنه بقرف وهي بترفض أفكارهم. "وشغل مش هغير شغلتي، وكفاية إني بسرق الناس عيني عينك." "وهو حد بيضربهم على إيدهم عشان يدفعوا لينا؟ "لأ بس بنبيع لهم الوهم ياما، أقول إيه ما الكلام معاكم ما في منه فايدة، أنا هروح أشوف شغلي، وأشوف أي حد مغفل أضحك عليه بكلمتين وأخد فلوسه، عشان أرضيكم."
قالت غرام كلامها بتريقة واضحة، والكل مش عاجبه حالها وتمردها عليهم. رفع حمد إيده عليها عشان يضربها بس صلاح جذبها خلفه ووقف مقابل ليرفع صلاح حاجبه. "انت هتعمل إيه؟ "جري إيه يابيه إيه اللي دخلك هنا، ودي خطيبتي ومالكش دخل مابيننا." "خطيبتك عقربة يابعيد، ولا أعرفك." أنهت غرام جملتها وخرجت من الخيمة بدون الاهتمام بأحد، وتركت صلاح مع حمد وأمه. دقائق وخرج صلاح خلفها. "خلاص متقلقيش ماحدش هيغصبك على حاجة مش عايزاها تاني."
نظرت إليه غرام بسخرية. "ماحدش يقدر يغصب غرام على حاجة مش عايزاه، وانت ما حمتنيش عشان عقابهم أنا قده." "عقاب؟ "طبعاً وانت فاكر إن رفضي دا هيعدي بالساهل، بس مش مهم، انت إيه اللي جابك وريا؟ "مش بتقرأي الغيب؟ اعرفي لوحدك." "أنا شوفتك وانت واقف على الخيمة و أكيد سمعتني وأنا بقول بنبيع للناس الوهم، محدش يعلم الغيب غير اللي خلقنا." "تتجوزيني يا غرام." ضحكت غرام بصخب.
"أتجوزك مرة واحدة، هو انت تعرفني أصلاً عشان تطلب مني دا، دا أنت يدوب شوفتني مرتين." "مش مهم شوفتك قد إيه، أنا عايز أتزوجك، وأبعدك عن العالم دا، مش انتي رافضة؟ "للأسف ماينفعش، بنات الغجر، مابتجوزش من الغراب يا جدع، دا أنا لسه معرفش اسمك." "صلاح صادق، مهندس." "وأنا غرام، وزي ما أنت شايف اللي أنا عليه، عرفت إنه ماينفعش." "فكري." "فكر انت وارجع لعقلك يابيه. سلام." تركته غرام وذهبت تقوم بعملها.
مر آخر يومين للمخيم وصلاح مش عارف يوصل لغرام واختفت حتى حمد مش موجود، خاف يكون أصابها مكروه. وهو بيفتكر ضحكتها وهي بتقوله عقابهم أنا قده، بس عقاب إيه.
أتلم المخيم ومشوا من المنطقة، وغرام لسه عايشة بدماغ صلاح، مش عارف امتى سيطرت عليه وهو مش مقتنع بكلام العشق والغرام، دا اتجوز ميرفت بس عشان يكمل صورته الاجتماعية مقابل الناس، ولأنه دا الطبيعي وعاش معاها سنين من غير ما يتحرك فيه أي مشاعر لحد، بعكس غرام اللي خطفت قلبه من غير ما يحس واختفت بيه. مر شهور وصلاح لسه بيدور عليها لحد ما ظهرت قدامه من جديد بجانب شقته الجديد واللي بيوضبها، زي ما ظهرت لأول مرة بنفس المكان.
"صلاح." قرب صلاح منها وهي مدورة بيعد عن العين، واتصدم من مظهرها هدومها مبهدلة وسواد اللي حوالين عيونها وتعبها الواضح. "غرام إيه اللي حصلك، وانتي اختفيتي فين؟ "انت لسه عايز تتجوزني؟ "نعم! أنا بسألك انتي إيه اللي حصلك، واختفيتي فين الأول." "حمد سمعك وانت بتعرض عليا الجواز، ودا عادي بيحصل، بس لما سألني وقولتله وليه لأ، اتجنن وصمم إنه يتجوزني وحدد هو مع أمي معاد الفرح وكان بعد المخيم."
"أمي: إزاي تقولي لحمد إنك بتفكري بعرض الراجل الغريب، من امتى واحنا بنجوز بناتنا لحد برة يا غرام، من بكرة هيكون زفافك على حمد، ودا انتي اللي سرعتي بيه." "لأ يامي، أنا ماهتجوزش غير اللي يعجبني ويملي دماغي، وحمد دا ما يسواش في سوق الرجالة، أنا عايزة اللي يستتري ويصوني في بيته، مش اللي أدور وأصرف عليه ويفرجني للناس."
"أمي: ماتفوقي يا غرام واتعدلي، عوجك ذات، حتى الشغل بترفضيه، والجواز، وعايزة راجل غريب، انتي فاكرة كبرنا هيسكت لو حمد حكى لي، ما تجيبيش المرار عليكي يا غرام." "خلاص ياما ولا عايزة أتجوز دا ولا غيره، حلو كده ياما." "أمي: شكل أيامك مش فايتة يا غرام." "ما تفوتش ياما يحصل اللي يحصل."
"بلغ حمد باللي حصل وبذات إنك ضربته وهددته ورجع بيا القبيلة ولما أصروا على جوازي وأنا رفضت، وحاولت أهرب منهم اتحكم عليا بالحبس والأكل والشرب على قد اللي يخليني عايشة لحد ما أستسلم ليهم، وأنا وافقتهم ولما تجهز الزفاف، قدرت أهرب وأجيلك، هتقدر تحميني ولا أمشي؟ صلاح بصدمة. "أكيد هحميكي، أنا كنت بدور عليكي كتير وسألت عنك بس محدش فادني، أنا هجبلك حقك منهم، إزاي سكتي ما بلغتيش ليه عنهم، كان القانون حماكي."
"إحنا لينا قانون خاص بينا وما بنخضعش لقانون بلدكم ولا أي بلد تانية، سيبك من حقي أنا مش عايزاه، أنا جايه أسألك لو لسه عايز تتجوزني." "أكيد يا غرام، أنا لسه عند طلبي." "وأنا موافقة، بس لازم تحميني وتبعديني عنهم، أنا مش عايزة أكون شبههم، مش عايزة." "اهدي، اهدي يا غرام وتعالي معايا نطلع شقتي، ارتاحي فيها وغيري هدومك المبهدلة دي."
غرام بغضب: "أطلع معاك فين، أنا مش هروح معاك في حتة، غير وانت كاتب عليا وتثبت صدق كلامك، وتتجوزني." "تمام، بس هنروح للمأذون وانتي مبهدلة كده." "أه، هنجوز وأنا كده، بس ماينفعش مأذون." "ليه يا غرام مش قولتي لازم نتجوز الأول، هاتجوزك فين يعني؟ "أه تتجوزني، بس المأذون هيكتب لنا كيف وأنا عمري لسه ما وصلتش السن القانوني." صلاح بصدمة. "نعم، هو انتي عندك كام سنة؟ "مش صغيرة 17 سنة." بلع صلاح ريقه بصدمة وهو يبصلها.
"مستحيل إزاي، وحمد دا كان هيتجوزك إزاي؟ "قولتلك قوانينا غير." "أنا فكرتك أكبر من كده بكتير." "يعني مش عايزني دلوقتي، لإن صغيرة؟ "أنا ما قولتش كده، بس انتي فعلاً صغيرة أوي وما يبانش عليكي بس، عموما تعالي معايا بردوه هنروح للمأذون هنكتب كتابنا ويبقى يوثقه المأذون العقد لما تتمي السن القانوني."
"ماشي يا صلاح، بس قبل ما أروح معاك في حتة، هقولك حاجة جوزاك مني مش هيبقي سهل، هيجيب لك مشاكل كتير، وأهلي مش هيسبوني وأنا في حكم عشارتي أكون مذنب وحكمي الموت لإن كسرت قوانينهم وهربت منهم وهتجوز من غريب، وحكمي الموت عشان أكون عبرة لغيري، وما حدش يتجرأ عليهم زي." "ماتخفيش يا غرام ما حدش هيقدر يقرب منك انتي هتكون مرات صلاح صادق، ولو حد قرب يبقى بينهي حياته بنفسه."
"ماشي يا صلاح، بس أنا من دلوقتي ماليش حد غيرك، أنا هقبل اتجوزك وبأمنك على نفسي وحياتي وبحطها بين إيديك، أتمنى تصوني، وما تخلينيش في يوم أندم إني اخترتك." تردد صلاح ثواني وفكر يقول لها إنه متجوز وعنده طفل، ليبدأ معاها على نور كما هي صريحة معه، وأنه بالفعل حبها ولكن خاف أن ترفضه وتبعد مرة أخرى، وقرر يتجوزها ويخبي عليها، خدها عند المأذون وكتبوا الكتاب وعمل لها حفلة بسيطة كفرح، وطلع بها للقاهرة.
عاش صلاح شهور بين إسكندرية عند ميرفت والقاهرة عند غرام وهو بيتحجج بالشغل للاثنين واشترى الشقة باسم غرام. وكل يوم كان بيتعلق بغرام أكتر، وغرام قدرت تسيطر على عقله وحياته. عمره معترف بالحب بس معاها اختلفت كل قوانينه، وغرام كان بنسبالها صلاح راجل قدر يصونها ويحميها من حياتها القديمة وبعدها عن الناس اللي هي كرهتهم، أما غيرته عليها فكانت بتعشقها وحبته واتعلقت بيه، وزاد حبها له أضعاف بعدما حملت بطفلهم.
ولأن الحياة لا تكون وردية دائماً، خبط الباب فجأة على غرام، لتفتح وتصدم برجل تعرفه من الصور، آدم أخو زوجها الصغير. آدم كان بيشك بتصرفات أخوه وسافر المتكرر ليراقبه، ووصل لغرام سر صلاح الوحيد، وجمع كل المعلومات عنها قبل أن يذهب لها، وعندما خرج من شقتها كانت عفاريت الدنيا كلها تقفذ أمام غرام، والغضب يسيطر عليها، صلاح خدعها وكذب عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!