الفصل 6 | من 11 فصل

رواية نجمة في سمائي الفصل السادس 6 - بقلم دعاء احمد

المشاهدات
17
كلمة
4,971
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

خرجت شمس من فيلا دوريدار بعد أن حزمت أمرها وقررت المغادرة، فهي لن تتحمل إهانة أي شخص لها. رغم لطف السيدة صفاء معها وطيبة قلبها، إلا أنها تشعر بالكثير من الغضب منه ومن تلك المدعوة «هند» التي كلما حاولت التعاطف معها والشفقة عليها، تأتي هند وتفتعل مصيبة جديدة تجعلها تكرهه أكثر. في وقت متأخر من الليل، تسير فتاة جميلة وحدها في الطرقات تبحث عن وجهتها، وكأن هناك قبضة قوية تعتصر قلبها. شعور الضيق يسيطر عليها.

أخذت شمس نفساً عميقاً وهي تجلس على الرصيف. زفرت بحزن وهي تضع يدها على قلبها. لا تعرف أين ستذهب الآن. المؤكد أن بيت الطالبات تم إغلاقه نظراً لتأخر الوقت، ولا تعرف أي مكان آخر. حتى الأموال التي تملكها لن تكفي للمبيت في أي فندق. ابتسمت تلقائياً وهي تتذكر وصية أبيها: حين يضيق صدرها ويملأه الحزن، حين تنغلق الأبواب بوجهها، عليها أن تذكر الله. ظلت تتلو بعض الآيات القرآنية بهدوء وترددها بداخلها كي يطمئن قلبها.

نهضت من مكانها وهي تسير بالطرقات، لكن توقفت فجأة حين رأت سيارة تقترب منها. ابتلعت ما بحلقها بخوف نهش بقلبها وهي ترى تلك السيارة التي تعرفها جيداً، وما هي إلا ملك لحمزة دويدار. أسرعت في خطواتها وهي لا تريد رؤيته ولا حتى التحدث معه. لكن كيف عرف بخروجها من القصر؟ لا يهم ذلك ولا يهم أي شيء آخر، فقد حسمت أمرها ولن تعود مجددًا. كان يجلس في سيارته يقودها بغضب ويزيد من السرعة حتى يلحق بها.

بداخله غضب كبير منها، كيف لها أن تسمح لنفسها بالمغادرة؟ كيف لها أن ترحل دون الالتفات له حتى؟ من سمح لها بالمغادرة؟ يرغب الآن في احتضانها بقوة وتكسير عظامها، فكل عضلة بجسده تئن شوقاً لاحتضانها. لوهلة، تخيل فكرة أنها تريد المغادرة وتركها دون أن تشفق على قلبه؟ ماذا تقول أنت؟ هل جُننت؟ أنت للتو قمت بخطبة فتاة أخرى، وأمامها... أمام عينيها. من قال لك أن تغرق بها عشقها؟ من سمح لك بذلك؟ هي نفسها لم تسمح لك بفعل ذلك؟

من صرح لك بالنظر لها وتأملها عن قرب؟ المخطئ الوحيد هو أنت وقلبك الذي لم يتلذذ بتلك المشاعر الغريبة من قبل. وكأنك حفظت كل ذرة من مشاعرك حتى أتت تلك الفتاة وفي لحظة واحدة ملكتك. توقفت سيارته فجأة أمامها لتصرخ بفزع وهي تسقط أرضًا من شدة الرعب، حتى كادت السيارة أن تصدم بها. خرج حمزة من سيارته وهو يصفع الباب بقوة خلفه، وعيناه تشتعلان بضراوة. اقترب منها بينما نظرت نحوه بخوف وهي تحاول النهوض.

أمسكت معصمها بقوة ليرفع جسدها الصغير نحوه بقوة، لتقف فجأة أمامه مباشرتاً. شهقت شمس بارتباك وعدم فهم وهي تحاول الابتعاد. لكنها اندهشت حين وجدته يصرخ بها وهو يقترب منها، وهي تعود للخلف بخطوات مفزوعة حتى كادت أن تبكي من شدة الخوف. ليهمس بحدة وتملك: "بتعملي إيه هنا دلوقتي؟ انتي اتجننتي؟ عارفة الساعة كام؟ حاصرها بين سوداويات عينيه وخلفها السيارة. لم تدرك متى هبطت دموعها من شدة الخوف، وكأنها ترى شخصًا آخر لا تعرفه أبداً.

حاولت إبعاده قائلة بفزع ودموع: "أستاذ حمزة، سبني أمشي لو سمحت... صرخ بوجهها واحمرت عيناه قائلاً بحدة: "مين سمحلك تمشي؟ انطقي، مين سمحلك تمشي؟ أخدتي الإذن من مين؟ افرضي حد عملك حاجة دلوقتي وانتي لوحدك في وقت زي ده؟ صرخت شمس بغضب وذعر، حاولت إبعاده وهي تضع يدها على صدره تحاول دفعه بعيداً: "انت بتكلمني كده ليه؟ أنت مين عشان تكلمني كده؟ وبعدين احفظ حدودك وابعد عني." مسك يديها بقوة وهو يضغط عليه، وعيناه تلمعان بالدموع،

وكأنه يخشى البعد: "أوعي تفكري تمشي تاني من غير ما تقوليلي، انتي فاهمة؟ شمس بخوف ودموع: "إيدي بتوجعني، وبعدين أنت إزاي تكلمني كده؟ أنت مين عشان تكلمني كده؟ سبني أمشي لو سمحت؟ كفاية أوي اللي حصل لحد هنا، أنا مش عايزة اشتغل. وبالنسبة للعقد اللي بينا، أنا خلاص معادش عايزة اشتغل. سيبي إيدي."

بمنتهى الهدوء، ترك يدها وابتعد خطوة للخلف وهو يضع يده بجيب بنطاله، قائلاً ببرود وخوف عليها، وبداخله بركان من الغضب ينفجر بمنتهى الشراسة يجعله يفتك بكل ذرة بداخله: "أوكي يا شمس، العقد اللي بينا هيتقطع خالص وهسيبك تمشي. بس ممكن تقوليلي هتروحي فين دلوقتي يا آنسة يا كبيرة؟ ابتلعت ما بحلقها متمتمة بانزعاج وهي تمسح دموعها:

"ممكن حضرتك متدخلش. هروح مكان ما أروح، إن شاء الله أروح في داهية. مالكش دخل. روح لخطيبتك وجدتك، هي أكيد هتحتاج. بعد إذنك." كادت أن تغادر إلا أنه جذبها مرة أخرى لتصدم بصدره العريض. شهقت شمس بارتباك وهي ترفع عينيها تنظر لسوداويتاه وهو يصك على أسنانه قائلاً بعنف: "لما أكون بكلمك تقفي وتكلميني، متدينيش ضهرك، انتي فاهمة؟ اتفضلي اركبي." شمس بتحدي وهي تنظر لعيناه بحدة:

"مش عايزاه منك حاجة. وبعدين لو سمحت بطل كل شوية تعمل كده. وبعدين أنا وحضرتك مفيش بينا حاجة عشان تمسك إيدي كده. وبعد إذنك بقا سيب إيدي." زفر حمزة بضيق قائلاً بغضب: "ارركبي يا شمس أحسن لك، انتي فاهمة؟ بدل ما هتشوفي مني حاجة مش هتعجبك، وساعتها همشيها رسمي بموجب العقد اللي بينا." عضت على باطن شفتيها محاولة كظم غيظها منه، فابتعدت قليلاً متجهة للسيارة لتصعد بها.

زفر حمزة بحنق ممرراً يديه في خصلات شعره السوداء يشدها بغيظ. صعد للسيارة ليجلس بجوارها يقود السيارة قائلاً بحزم واهتمام: "اربطي حزام الأمان... شمس لنفسها: اللهم طولك يا روح. أنا عارفة طلعلي منين دا كمان؟ وبعدين هو مش كان خرج من خطيبته يكملوا سهرتهم برا؟ إيه؟ عارف إن أنا خرجت؟

بينما يجلس حمزة يقود سيارته وهو يحمد الله أن الحارس الشخصي قام بتبليغه عندما خرجت من المنزل. فخرج مسرعاً من ذلك المطعم الذي ذهب إليه برفقة هند، والتي شعرت بالغضب الشديد، فهي ظنت أنهما سيقضيان الأمسية وحدهما بالخارج طوال الليل. إلا أن الهاتف الذي جاءه من شخص ما جعله يتلهف للخروج على الفوراً دون حتى الاهتمام بأي شيء آخر، متحججاً بأن لديه عمل ضروري. حمزة: "عايزة تروحي فين؟ شمس: "معرفش. وبعدين أنت مصمم تيجي معايا ليه؟

هو أنت ماسك عليا ذلة ولا أنا ههرب منك؟ نزلني وأنا هتصرف." زم شفتيه بحنق قائلاً: "واضح إنك هتعرفي تتصرفي فعلاً.... بعد مرور وقت، أوقف سيارته أمام قصر دويدار مرة أخرى. زفر بحرارة شاعراً بالضعف أمامها. لما يشعر بكل تلك المشاعر الهوجاء؟ تمنى لو يصل لجواب واضح وصريح. لماذا يخاف وبشدة من فقدانها؟ لماذا يختنق عندما تبعد ويشعر بالراحة حين ينظر لبندقيتيها الحنونة؟ هل يقع بالعشق؟

دار ذلك السؤال بعقله ليتنفض فجأة وهو ينظر لها. لم يقع بالعشق، بل أنه غرق به وغرق بها. لابد أنه وصل لإحدى مراحل الجنون. ليترك الجواب للأيام، وللتفت الآن إلى تلك النائمة بجواره، تستند برأسها على زجاج السيارة وهي تنكمش على نفسها. ابتسم حمزة بتسلية وهو ينظر لها بقوة متأملاً هدوءها الحاني والملائكي. رفع يده واقترب منها وهو يشعر بالسعادة، قدر أكبر مما كان يعتقد. لم يأت بمخيلته يوماً أنه سيشعر بكل هذه السعادة بجوار أي فتاة.

وضع يده على وجنتها الناعمة يلمسها بحنو، إلا أنه سحب يده بسرعة وهو يعنف نفسه ويلومها على كل ما يشعر به. حمحم بصوته الأجش قائلاً بجدية: "شمس، شمس..... فتحت عينيها بكسل قائلة: "فيه إيه؟ أي دا؟ هو أنا إزاي نمت." رد بجدية قائلاً: "يلا وصلنا.... شمس بحذر: "مين قالك إني عايزة أرجع المكان ده؟ ابتسم بمراوغة ذكورية قائلاً: "اممم، يلا يا شمس بطلي عناد...... شمس بحنق: "ومين قالك إني هقبل أقعد في تاني و... قاطعها بنفاد صبر قائلاً

بنبرة آمرة: "بس بقا إيه مبتفصليش، اتفضلي ياله، وعلى فكرة ده مش طلب ده أمر، واتفضلي انزلي. عايزة تمشي أمشي الصبح، أنا مش هجبرك تقعدي، بس بلاش تهربي مني." أخذت نفس عميق مردفة: "ماشي، وأنا هفضل بس لحد الصبح، وبعد كده هرجع بيت الطالبات، وحضرتك مالكش دعوة بيا.... حمزة بحدة: "هنشوف الموضوع ده بعدين، ياله ادخلي."

زفر حمزة باختناق بعد أن تأكد من دخولها، ثم قاد سيارته إلى حيث لا يعرف، فقط ظل يقود سيارته لوقت طويل دون الاهتمام بأي شيء آخر. *** في صباح اليوم التالي، استيقظت شمس مبكراً وهي تشعر بيأس وحزن لأنها ما زالت في ذلك المكان، لكنها ستغادر بالتأكيد، ستفعل. اغتسلت ونزلت، لكن وجدت السيدة صفاء تجلس في الحديقة بجوار أشجار الياسمين، وبجانبها السيدة سلمي. أخذت نفس عميق وهي تخرج للجنينة. "صباح الخير يا هانم." صفاء بجدية:

"صباح النور." شمس بارتياب: "حضرتك كويسة؟ صفاء بحدة: "وهيفرق معاكي في حاجة؟ مش انتي خالص ناوية تمشي، لا وكنتي عايزة تمشي بدون ما تسلمي حتى علينا." شمس بلباقة حانية: "حضرتك أنا مينفعش أفضل هنا تاني، وخصوصًا بعد اللي حصل في الخطوبة امبارح. أنا آسفة." صفاء: "تقومي تمشي بدون حتى ما تسلمي عليا؟ للدرجة دي؟ جلست شمس بجانبها وهي تحتضن يديها بين كفوفها:

"أنا بس كنت متضايقة أوي، صدقيني. وكان ضروري أطلع الغضب اللي جوايا. صدقيني لو مكنتش عملت كده كنت هتعب." صفاء بحب: "شمس، متمشيش عشان خاطري. أنتي الوحيدة اللي برتاح لها، لأنك بتفكريني بمرام الله يرحمها. حتى لو مش شبه بعض، لكنك بالنسبة ليا مهمة أوي." شمس: "بس أنا كده كده همشي، وماما وأختي وحشوني أوي، لازم أرجع البحيرة." صفاء:

"خلاص استني الأسبوع ده. أنا الأسبوع الجاي هسافر أنا وحمزة نعمل شوية تحاليل ليا، وأنتي تقدري ترجعي البحيرة. عارفة إني يمكن أنانية، بس أنا زي جدتك، وحقيقي بحسك زي بنتي." ابتسمت شمس بتأثر وتعاطف وهي تقبل يدها برفق قائلة: "وأنا هفضل معاكي ومش همشي." صفاء بسعادة وطيبة: "يبقى خلينا نفطر سوا. أنتي عندك كلية النهاردة؟ شمس: "أيوه، بس مش هتأخر، لأنها محاضرة واحدة." صفاء: "ربنا ينجحك يارب، أنتي تستاهلي كل خير."

كان حمزة يستمع لحديثهم عن بعض، لكنه ابتسم بسعادة. لكن قاطع تفكيره رنين هاتفه، لتختفي ابتسامته تدريجياً وهو يرى اسم هند. *** بعد مرور يومان. كانت شمس، وكعادتها في الأيام السابقة، تستغل فرصة خروج حمزة وعودته متأخراً في استخدام غرفة مكتبه للقراءة. ولم تدرِ سبب شعورها بالراحة بداخلها، ولكنها كانت تفضل المكوث بها عن غرفتها. استأذنت من السيدة صفاء لدخول المكتبة الموجودة بمكتبه.

ربما لأنها تحب القراءة، والفضل يعود للسيدة صفاء ولحبها الشديد للقراءة. جلست فوق الأريكة الوثيرة الموضوعة بعناية في جانب الغرفة، وأشغلت ضوء المصباح الخافت، وسرحت داخل تفاصيل تلك القصة الخيالية التي تتحدث عن شاب يعاني ألم الفراق، وكيف يكون الإنسان بعدها في أشد لحظات احتياجه للشعور بالحب ليحتوي حزنه وضعفه الذي يغلفه الحزم من الخارج. لا تعلم متى غفت وهي تقرأ ذلك الكتاب.

عاد حمزة في وقت متأخر من الليل وتوجه مباشرة نحو غرفة مكتبه ليضع بخزنته بعض الأوراق الهامة. دلف إلى داخل الغرفة وتفاجأ بنور خفيض يأتي من أحد أركانها. رمش بعينيه عدة مرات بذهول قبل أن يستوعب وجود شمس تنام منكمشة داخل الأريكة وهي تحتضن كتاباً بين ذراعيها. وضع حافظة أوراقه فوق مكتبه بهدوء، ثم توجه نحوها وانحنى بجزعه فوقها ينظر لها عن قرب. كانت مستلقية هناك بهدوء تمثل كل ما لديه من أحلام. عدل من وضعه ثم جلس على ركبتيه حتى

يصبح في نفس مستواها. زفر مطولاً وهو يفكر كم يتمنى لو كان بديلاً لذلك الكتاب الذي يقبع هناك قريباً جداً من قلبها ويستمع إلى دقاته. فليس من العدل أن ينعم ذلك الكتاب بدفء جسدها بينما هو يظل وحيداً يعصف به الشوق والغيرة من مجرد جماد. تنهد بألم ثم مد كفه ببطء يتلمس برقة وجنتها، يتحسسها بشغف قبل أن يهتف باسمها هامساً بنبرة

حانية وهو يبتعد عنها: "شمس.." حركت جفونها ببطء تفتحها وهي تنظر إليه بعدم استيعاب، ثم انتفضت من مقعدها برعب وهي تحتضن جسدها بكلتا ذراعيها وتقف في مواجهته بملامح ناعسة. حاول حمزة طمأنتها فتحدث مسرعاً وهو يرفع كلتا يديه في وجهها باستسلام قائلاً بصوت أجش: "متخافيش.. أنا بس دخلت الأوضة لقيتك نايمة هنا قلت أصحيِك." توترت أكثر وهي تعدل من وضع حجابها وهي تبرر له الموقف بارتباك:

"أنا كنت قاعدة هنا بقرا كتاب وبعدين محستش بنفسي ومعرفش إزاي نمت.." ابتسم حمزة وهز رأسه لها عدة مرات وهو يحرك جسده بتوتر واضعاً يده داخل جيوب بنطاله. تحركت بجسدها بهدوء في اتجاه الباب وخرجت على الفور وهي تشعر بخفقات قوية. شمس بارتباك وهي تقف خلف الباب مباشرتاً: "إزاي تنامي في مكتبة، غبية....

صعدت الدرج سريعاً تحت مرأى إحدى الخادمات الجدد، والتي كانت تتنصت عليهما وتراقبهما منذ يوم الخطبة، وذلك بتعليمات من هند وصديقتها الخبيثة. لي لي صباح اليوم التالي في إحدى الأماكن العامة. كانت لي لي تجلس بجوار هند وهي تبتسم بخبث، بينما ترى هند تشتعل من الغيرة والغضب. هند بحدة: "أنا مش هفضل قاعدة كده حاطة إيدي على خدي لحد ما ألاقيه بيتجوزها. ده لا يمكن لي." لي لي ببراءة زائفة: "طب وناوية تعملي إيه بس يا هند؟

هو انتي تقدري تعملي إيه أصلاً." هند بغضب: "لازم أعمل أي حاجة، المهم أخلص منها. انتي فاهمة؟ لازم أخلص منها." لي لي: "طب اهدي بس وأنا عندي لك حاجة تخليكي تخلصي منها للأبد." هند بتسرع: "إيه؟ لي لي: "اممم، نبعدها عنه يعني مثلاً نخلص منها. شوفي اللي زي شمس دي عاملة زي العقربة، بتفضل تحوم حواليه لحد ما بتقدر تسيطر عليه. ولازم تسيب البيت، وده مش هيحصل إلا لما تتلدع وتقرب من الموت." هند: "موت؟! لي لي:

"بالظبط. بس مش هنوصل له، يعني احنا بس هنديها درس كده صغير عشان تحرم وتسيب القاهرة وتسافر فوراً لبلدها." هند بابتسامة خبيثة: "طب وده هنعمل إزاي؟ لي لي: "بصي........ ابتسمت هند بشر فمسكت يد لي لي قائلة بامتنان: "بجد مش عارفة أقولك إيه يا لي لي، بجد انتي أحسن صاحبة." لي لي بخبث: "وانتي أوي يا حبيبي، ومامي كمان بتحبك أوي." هند: "خالص، أنا هقوم دلوقتي عشان أنفذ اللي اتفقنا عليه." لي لي: "أوكيه."

بعد مرور عدة ساعات في قصر دويدار. كانت شمس تأخذ حماماً دافئاً بعدما اطمأنت على السيدة صفاء وأجرت اتصالاً بوالدتها لتطمئن عليها وتخبرها أنها ستعود للبحيرة بعد ثلاث أيام. خرجت من المرحاض وهي تجفف شعرها. ابتسمت بخفة وهي تجلس على الكرسي الناعم أمام المرآة. كانت ترتدي ثوباً طويلاً تجلس وتمشط شعرها بأريحية. لكن لفت انتباهها باقة من الزهور موضوعة على الفراش. عقدت شمس ما بين حاجبيها بارتياب وهي تنهض تتجه نحو الفراش.

مسكت تلك الباقة بابتسامة جميلة تستنشق منها بقوة، لكن شعرت بالنفور من الرائحة الغريبة. أخذت تبحث بداخلها عن أي شيء (كارت أو ما شابه) ، لكن شعرت بدوار وكأن قدامها لم تعد تسعفها للوقوف. تسارعت نبضات قلبها بقوة مخيفة وهي تضع يدها على رأسها من شدة الألم، لتسقط تلك الباقة من يديها، وشعور الاختناق يزداد بقوة. بكت من شدة الألم وكأن الثواني تمر عليها وكأنها دهر بأكمله. اتجهت نحو باب الغرفة، فتحته وخرجت.

كان حمزة ينزل الدرج، لكنه استمع لصوت شهقات قوية خلفه. استدار يرفع رأسه. لم يستوعب حمزة ما يحدث إلا وجسدها ينزلق من بين يديه. صرخ باسمها برعب، ثم حملها وقد لاحظ بعض الدماء تتساقط من أنفها. تفحص جسدها مسرعاً ليتأكد من عدم وجود أي إصابات خارجية، ثم ركض بها نحو الخارج. وخلفه ساكنو القصر الذين ذعروا من المشهد.

كان حمزة يصرخ بكل من يقابله وهو يحملها كالأموات بين يديه. صعد بها إلى السيارة وهو لا يزال يحتضنها ويتمتم برعب ويمسح على شعرها ووجهها بحنان وحماية وهو لا يستوعب ما يحدث: "شمس افتحي عينيك... لو سمحتي أرجوكي... شمس." حاولت التحدث من بين دموعها ووجهها الذي تلوث من دمائها، إلا أنها أغمضت عينيها بضعف وتعب.

كانت السيارة تسير بأقصى سرعة لها، مخالفاً سائقها كافة الإشارات المرورية للوصول بأسرع وقت ممكن وهو يرى تلك الفتاة مخدومة شبهه منتهية. ورغم ذلك لم يسلم من صرخات حمزة الذي كان يوجهها له بقوة، ولم تخلو نبرته من الرعب. بعد قليل، وفي وقت قياسي، توقفت السيارة أمام المشفى الخاص الذي كان حمزة ووالده من أكبر مساهميه.

كان كبير الأطباء يقف في انتظاره عند مدخل الطوارئ لاستقبال شمس بعدما هاتفه حمزة في الطريق ليخبره بما حدث. بمجرد رؤيتهم للسيارة، ركض كبير الأطباء ومعه المسعفين لأخذها منه، ثم ركضوا بها مباشرة نحو الداخل. ربت الطبيب فوق كتف حمزة، الذي كان وجهه يبدو كالأشباح من شدة الذعر، مطمئناً وهو يتمتم له قبل أن يركض هو الآخر مسرعاً نحو الداخل: "متخافش حضرتك، هعمل كل اللي نقدر عليه وأطمنك لما أخلص.."

ظل حمزة واقفاً مكانه كالجماد يحدق في أثرها وهم يركضون بها إلى الداخل، رافضاً عقله تصديق ما يحدث. ظل هكذا بدون حراك يقف مصدوماً لمدة لا يعلمها إلا الله، حتى خرج الطبيب من غرفة الاستقبال يركض في اتجاهه قائلاً: "حالة تسمم.. احنا عملنا اللازم بس حالتها مش مستقرة. هنطلعها على غرفة الأشعة نطمن إن مفيش نزيف داخلي." فاق حمزة من صدمته وسأله مستفسراً بجمود، وقد عاد عقله للعمل: "نزيف؟! أجابه بأسف قائلاً:

"حمزة بيه، للأسف من التشخيص المبدئي، حالة التسمم دي مقصودة. واضح إنها استنشقت مادة معينة.. هنأكد بالتحليل، بس دلوقتي لازم نطمن إنه ما عملش نزيف داخلي جوه، وخصوصاً بعد نزيف الأنف اللي حصلها. وعمتاً الحمد لله إن الأعراض بانت عليها. ناس بيحصلها نزيف داخلي بصمت من غير أي أعراض. بس من الكشف المبدئي الحمد لله اتلحقت بدري، وإن شاء الله مفيش حاجة خطيرة."

أنهى الطبيب جملته ثم استأذنه في الرجوع للداخل مرة أخرى. حينها رأى الحرس الخاص بالفيلا يأتون في اتجاهه، فركض نحوه بعض، لكن دون سابق إنذار سدد له عدة لكمات قوية. ثم أمسكه من تلابيد قميصه: "كنت فين!!! عايز أعرف إيه اللي حصل؟ اخفض الحارس رأسه للأسفل بخنوع، تاركاً لمديره فعل ما يشاء به. ابتعد عنه بعدما امتلأ وجه حارسه بالدماء، ثم قال له بنبرة مهددة وهو يشير إليه بأصبعه: "لو جرالها حاجة هخليك تحصلها، سامع!!!

أقسم بالله لخليكم كلكم تحصلوها." بعد قليل، خرج الطبيب وبرفقته شمس المستلقية فوق الناقلة الطبية (الترولي) وهي لازالت غائبة عن الوعي. ركض حمزة نحوها يمسك بيدها ويمسح على رأسها بحنان وهو يمنع جاهداً دموعه من التساقط. تحدث إليه الطبيب المساعد قائلاً باهتمام بعدما لاحظ حالة الألم والحزن الذي يمر بها: "لو حضرتك حابب تطلع معانا الأشعة عشان تكون مطمئن، مفيش مشكلة."

هز رأسه موافقاً دون النظر إليه، فهو لم تكن لديه أدنى نية في تركها بعد الآن. انتهت إجراءات الفحص وطمأنه كبير الأطباء باستقرار حالتها وعدم وجود أي مضاعفات أخرى أو نزيف داخلي، ثم قام بنقلها إلى غرفة خاصة.

دلف حمزة إلى الغرفة بخطوات بطيئة متثاقلة. وقف أمام الفراش بقلبه المنهك يتأمل شحوب وجهها وتلك الإبرة الطبية المنغرسة داخل كفها الرقيق لتتولى مهمة نقل المحلول إلى سائر جسدها. تحرك ببطء نحو مقدمة الفراش ثم انحنى بجزعه فوقها ليضع كفه بحذر فوق رأسها، ثم مسح على شعرها بنعومة وحنان قبل أن تتحرك شفتيه نحو جبهتها. أغمض عينيه بتخدر وهو يطبع قبلة طويلة على جبينها.

طبع قبلة مطولة فوقها صاحبتها دمعة واحدة سقطت عنوة من بين أهدابه، جعلتها تجفل أثناء نومها. شعور الألم الذي أحس به الآن كفيل ليجعله ينهار. أخذ نفساً عميقاً يهدئ به بركان المشاعر الذي يموج بداخله، ثم دفن رأسه يستنشق عبير شعرها ببطء وشغف. يعلم أنها ستشن عليه الحرب لو علمت أنه رآها بدون حجابها، وأيضاً سمح لنفسه بالتقرب منها.

اعتدل بعدها في جلسته وجر المقعد الموضوع في إحدى أركان الغرفة الأربعة إلى جانب الفراش ليجلس عليه، واتكأ بذراعيه على طرف الفراش، ثم مد يده يتحسس كفها الآخر بحنو قبل رفعه بحذر أمام وجهه. تأمله مطولاً، ثم أخذ يتحسس بإصبعه ذلك الشريان النابض عند مقدمة معصمها، كأنه يتأكد من قيامه بمهمته على أكمل وجه. طبع قبلة حانية فوقه، ثم قام بطبع عدة قبلات رقيقة متتالية داخل كف يدها وهو يتمتم بحزن: "شمس قومي....

أنا آسف على كل حاجة عملتها وضايقتك مني، بس أنا أول مرة أخاف أوي كده من يوم وفاة أمي. أنا آسف." أنهى جملته ثم عاد لتقبيل كفها وأصابع يدها كلاً على حدى، وهو يحتضن كفها داخل كفه العريض. بعد قليل، طرق كبير الأطباء على الباب ليسمح له بالدخول، لكن نهض حمزة سريعاً متجهاً نحو الخارج. لن يسمح لأي شخص غيره برؤيتها هكذا. خرج وأغلق الباب خلفه.

"حمزة بيه.. نتايج التحاليل طلعت وزي ما قلت لحضرتك قبل كده، شكنا طلع في محله. الآنسة استنشقت مادة سامة عن طريق الأنف، ودي مادة سريعة في المفعول. لكن الحمد لله النوع ده مش بيسيب أثر قوي على الرئة أو أي أعضاء حيوية." جحظت عينا حمزة للخارج وبدأ الاحتقان جلياً على وجهه وعضلات جسده المتصلبة، ولكن لم يعقب. تنحنح الطبيب مرة أخرى مستطرداً حديثه بتوجس: "احم.. حمزة بيه، الموضوع كده فيه شبهة جنائية وأنا لازم أبلغ.."

انتفض حمزة في وقفته واحتقن وجهه وهو يجيبه بنبرة جامدة، ضاغطاً على حروف كلماته بتحذير قوي: "وأنا مش عايز حد يعرف حاجة عن اللي حصل.. فاهم؟! ارتسمت ملامح الطبيب ثم بادر بحروف متعلثمة يبرر طلبه قائلاً: "بس أنا لازم أخلي مسئوليتي.. دي مشكلة لوحد... قاطعه نبرة حمزة الناهرة قائلاً بحدة: "ملكش دعوة، أنا هتصرف." استدار بجسده نحو الطبيب بغضب وشراسة قائلاً ببرود وهو يرفع إحدى حاجبيه في إشارة للتحدي: "في حاجة تانية يا دكتور؟

هز الطبيب رأسه نافياً بصمت، ثم تحرك بخطوات مسرعة نحو الباب. أوقفه صوت حمزة يسأله بجمود: "نقدر نطلع إمتى؟! أجابه الطبيب بمهنية شديدة وثبات مفتعل: "مفيش أي خطورة على حياتها تمنعها من الخروج.. بس يُفضل إنها تستنى معانا اليومين الجايين عشان تستعيد وعيها." رد حمزة بنفاد صبر قائلاً: "شوف هتكون محتاجة إيه وأنا هوفره في البيت، مش عايزها تفضل هنا." أومأ الطبيب برأسه موافقاً، فهو يعلم جيداً عدم جدوى النقاش معه، ثم أردف قائلاً

بخنوع: "مفيش مشكلة، هجهز لحضرتك واحدة من أفضل الممرضات عندي تتابع معاها أمور العلاج. وزي ما قلت لحضرتك الفترة الجاية مهمة. هتلاقي سخونية وهلاوس، كل ده طبيعي جداً، وواحدة واحدة هتستعيد وعيها وترجع أحسن من الأول إن شاء الله." أومأ له حمزة بجمود طالباً منه الانتهاء من إجراءات الخروج بأسرع وقت ممكن، فهو لا يستطيع تأمينها جيداً وسط هذا الكم الهائل من الأفراد حتى لو كان داخل مشفاه الخاص.

دلف للداخل مرة أخرى ثم جلس إلى جوارها وهو يفكر بحذر فيما يدور من حوله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...